تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

احتجاج علي وأهل بيته في الحكمين

فيه بيتان

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو الحسن قال: لما انقضى أمرُ الحَكمين واختلف أصحابُ عليّ قال بعض الناس: ما مَنع أميرَ المؤمنين أن يأمر بعضَ أهل بيته فيتكلّم فإنه لم يبق أحدٌ من رؤساء العرب إلا وقد تكلّم.

قال: فبينما علي يوماً على المِنبر إذ التفت إلى الحسن ابنه فقال: قُم يا حسن فقل في هذين الرجلين:

عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص.

فقام الحسن فقال: أيها الناس إنكم قد أكثرتم في هذين الرجلين وإنما بُعِثا ليحكما بالكتاب على الهوى فَحكما بالهَوى على الكتاب.

ومَن كان هكذا لم يُسَم حَكَماً ولكنه مَحكوم عليه.

وقد أخطأ عبدُ الله بن قيس إذ جعلها لعبدِ الله بن عُمر فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة أنه خالف أباه إذ لم يَرضه لها ولا جعله من أهل الشُورى وأخرى أنه لم يستأمره في نفسه وثالثة أنه لم يَجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الِإمارة ويحكمون بها على الناس.

وأما الحكومة فقد حَكم النبيّ عليه الصلاةُ والسلام سعدَ بن مُعاذ في بني قُريظة فحَكم بما يُرضي اللهّ به ولا شكّ ولو خالف لم يَرضه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس.

فقال لعبد اللهّ بن عبّاس: قُمِ.

فقال عبدُ اللهّ بن عبّاس بعد أن حَمِد اللهّ وأثنى عليه: أيها الناس إنّ للحق أهلا أصابوه بالتوفيق فالناسُ بين راض به وراغب عنه فإنه بَعث عبدَ اللهّ بن قَيس بًهدًى إلى ضلالة وبَعث عمرو بن العَاص بضَلالًة إلى هُدًى فلما التقيا رَجع عبدُ الله بن قَيس عن هُداه وثَبت عمرو على ضلاله.

وايم الله لئن كانا حَكما بما سارا به لقد سار عبدُ الله وعليّ إمامه وسار عمرو ومعاوية إمامه فما بعد هذا من عَيب يُنتظر فقال عليّ لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قُم.

فقام فَحمد اللهّ وأثنَى عليه وقال: أيها الناس إنّ هذا الأمر كان النظر فيه إلى عليّ والرّضا إلى غيره.

فَجئتم إلى عبد اللهّ بن قَيسِ مُبرنساً فقلتم: لا نَرضى إلا به.

وايم اللهّ ما استفدنا به عِلماً ولا انتظر نامنه غائباَ وما نَعرفه صاحباً.

وما أفسدا بما فعلا أهلَ العراق وما أصلحا أهل الشام ولا وَضعا حق عليّ ولا رفعا باطل معاوية ولا يُذهب الحق رُقية راق ولا نَفَحة شيطان ونحن اليوم على ما كُنّا عليه أمس.

احتجاج عليّ على أهل النهروان قالواٍ: إنّ عليَّا لما اختلف عليه أهلُ النهروان والقُرى وأصحابُ البَرانس ونَزلوا قريةً يقال لها حَرُ وراء وذلك بعدَ وَقعَة الجمل فرجع إليهم عليُّ بن أبي طالب فقال لهم: يا هؤلاء مَن زعيمُكم قالوا: ابن الكَوًاء.

قال: فَليَبرُز إليَّ.

فَخرج إليه ابنُ الكَوَاء فقال له عليّ: يا بن الكَوَّاء ما أخرجَكم علينا بعد رضاكم بالحَكمين ومُقامكم بالكوفة قال: قاتلت بنا عدواً لا نشك في جِهاده فزعمتَ أن قتلانا في الجنة وقَتلاهم في النار فبينما نحن كذلك إذ أرسلتَ منافقاً وحكّمت كافراً وكان مما شَكك في أمر الله أن قُلت للقوم حين دعوتَهم: كتابُ الله بيني وبينكم فإن قَضى فيَ بايعتُكم وإن قَضى عليكم بايعتُموني.

فلولا شكُك لم تَفعل هذا والحق في يدك.

فقال عليّ: يا بن الكوّاء إنما الجوابُ بعد الفراغ أفرَضتَ فأُجيبك قالت: نعم.

قال عليّ: أما قتالك معي عدوّاً لا نشكّ في جِهاده فصدقْتَ ولو شككتُ فيهم لم أُقاتلهم.

وأما قَتلانا وقَتلاهم فقد قال اللهّ في ذلك ما يُستغنى به عن قولي وأما إرسالي المُنافق وتَحْكيمي الكافر فأنت أرسلتَ أبا موسى مُبَرْنَساً ومعاوية حَكّم عَمْراً أتيت بأبي موسى مُبرنساً فقلت: لا نَرضى إلا أبا موسى فهلا قام إليِّ رجل منكم فقال: يا عليّ لا نُعطَى هذه الدنيّة فإنها ضلالة.

وأما قولي لمعاوية: إن تجَرَّني إليك كتابُ الله تَبعْتُك وإنْ جَرَّك إليً تبعتَنِي.

زعمتَ أني لم أعط ذلك إلّا من شكٍّ فقد علمتُ أنِّ أوثق ما في يدك هذا الأمر فحدَّثني ويحك عن اليهوديِّ والنِّصرانيِّ ومُشركي العرب أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشام قال: بل معاوية وأهل الشام أقرب قال عليّ: أفر سولُ الله صلى الله عليه وسلم كان أوثقَ بما في يديه من كتاب اللهّ أو أنا قال: بل رسولُ الله.

قال: فرأيتَ الله تبارك وتعالى حين يقول: «قُلْ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتَبعه إن كنتم صادقين» أمَا كان رسولُ الله يَعلم أنَهً لا يُؤتى بكتاب هو أهدى مما في يَديه قال: بلى.

قال: فلِمَ أعطى رسولُ الله القومَ ما أعطاهم قال: إنصافاً وحُجة قال: فإني أعطيت القومَ ما أعطاهم رسوِلُ الله.

قال ابنُ الكوَاء: فإني اخطأتُ هذه واحدة زدْني.

قال عليّ: فما أعظمُ ما نقمتم عَلَيَّ قال: تحْكيم الحَكَمين نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمَهما شكاًّ وتَبْذيراً.

قال عليّ: فمتى سُمِّي أبو موسى حَكَماً: حين أُرسل أو حين حَكَم قال: حين أُرسل.

قال: أليس قد سار وهو مُسلم وأنتَ ترجو أن يَحكم بما أنزل الله قال: نعم.

قال عليّ: فلا أرى الضلالَ في إرساله.

فقال ابنُ الكوَاء: سمَي حَكَماً حين حَكَمٍ.

قال: نعم إذاً فإرسالُه كان عَدْلاً.

أرأيتَ يا بن الكوَاء لو أنّ رسولَ الله بَعث مُؤمنا إلى قوم مُشركين يدعوهم إلى كتاب الله فارتدَ على عَقبه كافراً كان يَضرٌّ نبيَّ الله شيئاً قال.

لا.

قال عليّ: فما كان ذَنبي أن كان أبو موسى ضَلَّ هل رضيتُ حكومته حين حَكم أو قولَه إذ قال قال ابن الكوَاء: لا ولكنَك جعلتَ مُسلماً وكافراً يحَكمان في كتاب الله.

قال عي: ويلك يا بن الكوَاء! هل بَعث عَمْراً غيرُ معاوية وكيف أُحكَمُه وحُكْمه على ضرَب عُنقي إنما رَضي به صاحبهُ كما رضيتَ أنت بصاحبك وقد يَجتمع المؤمن والكافر يحكمان في أمر الله.

أرأيتَ لو أنّ رجلاً مؤمناً تزوَج يهوديًة أو نصرانية فَخافا شِقاقاً بينهما ففَزع الناسُ إلى كتاب الله وفي كتابِه «فابْعثُوا حَكَماً مِن أهلهِ وحَكَماً مِن أهلِها» فَجاء رجلٌ من اليَهود أو رجل من النَّصارى ورجل من المُسلمين الذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله فَحَكَما قال ابن الكَوَّاء: وهذه أيضاً أمهِلنا حتى ننظر.

فانصرفَ عنهم عليّ.

فقال له صَعصَعة بن صُوحان:

يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام القوة.

قال: نعم ما لم تَبْسط يداً.

قال: فنادى صَعصعةُ ابنَ الكَوَّاء فَخَرج إليه فقال: أنْشُدكم بالله يا معشرَ الخارجين ألّا تكونوا عاراً على مَن يَغزو لغيره وألاّ تَخْرجوا بأرض تُسمّوا بها بعد اليوم ولا تَستعجلوا ضلالَ العام خشيةَ ضلال عامٍ قابل.

فقال له ابنُ الكَوَّاء: إنَ صاحبك لقينا بأمرٍ قولُك فيه صغير فامسك.

قالوا: إنّ عليّاً خرج بعد ذلك إليهم فَخَرج إليه ابنُ الكوَّاء فقال له عليّ: يا بن الكوَاء إنه مَن أذنب في هذا الدِّين ذَنباً يكوِن في الإسلام حَدَثاً استتبناه من ذلك الذنب بعَينه وإن توَبتك أن تَعرف هُدى ما خرجتَ منه وضلالَ ما دخلتَ فيه.

قال ابن الكوَّاء: إننا لا ننكر أنا قد فًتِنّا.

فقال له عبدُ الله بن عمرو بن جُرموز: أدرَكْنا والله هذه الآية " ألم.

أحَسِبَ الناسُ أن يُتْرَكُوا أن يَقولوا آمَنَّا وهُم لا يُفتَنون "

وكان عبدُ الله من قُرّاء أهل حَرُوراء فرجعوا فصلّوا خلفَ عليّ الظهرِ وانصرفوا معه إلى الكوفة ثم اختلفوا بعد ذلك في رَجعتهمِ ولامَ بعضهم بعضاَ.

فقال زيدُ بن عبد الله الرَّاسبي شَكَكتم ومن أرسى ثبيراً مكانَه ولو لم تَشُكُّوا ما أنثنيتم عن الحَرْب وتَحْكيمكم عَمراً على غير تَوْبةٍ وكان لعبد الله خَطْباً من الخطْبَ فأنكَصَه للعَقْبِ لما خلا به فأصبح يَهوْى من ذُرى حالقٍ صَعْب وقال الرَياحي:

ألم تَر أنّ الله أنزل حُكمَه وعَمْرٌ و وعبدُ الله مُخْتلفانِ وقال مُسلم بن يزيد الثقفي وكان من عُبَّاد حَرُوراء:

إن كان ما عِبْناه عَيْباً فحسبُناخَطايا بأخْذ النّصح من غير ناصِح

َإن كان عَيْباً فاعظمنَّ بتَركنا عليّاً على أمرٍ من الحقِّ واضح نحنُ أُناسٌ بين بين وعَلَّنا سُررنا بأمرٍ غبه غيرُ صالح ثم خرجوا عَلَى علي فقتلهم بالنهروان.

خروج عبد الله بن عباس على عليّ قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان عبدُ الله بن عباس مِن أحبّ الناس إِلى عمر بن الخطاب وكان يُقدّمه على الأكابر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يَستعمله قط فقال له يوماً:

كِدت استعملك ولكن أخشى أن تستحل الفيء على التأويل.

فلما صار الأمرُ إلى عليّ استعمله على البصرة.

فاستحل الفيء على تأويل قول الله تعالى «واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى» واستحلّه من قَرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورَوى أبو مِخْنف عن سُليمان بن أبي راشد عن عبد الرحمن بن عُبيد قال: مَرَّ ابن عباس على أبي الأسود الدُؤلي فقال له: لو كنتَ من البهائم لكنتَ جَملاً ولو كنتَ راعياً ما بلغت المَرعى.

فكَتب أبو الأسود إلى علي: أما بعد.

فإِن الله جَعلك والياً مُؤتمناً وراعياً مسؤولاً وقد بَلوناك رحمك الله فوجدناك عظيمَ الأمانة ناصحاً للأمة تُوَفّر لهم فَيئَهم وتَكفّ نفسك عن دُنياهم فلا تأكلُ أموالهم ولا تَرتشي بشيء في أحكامهم.

وابنُ عمّك قد أكل ما تحت يديه من غير عِلْمك فلم يَسَعْني كتمانُك ذلك.

فانظر رحمك الله فيما هنالك وأكتب إليَّ برأيك فما أحببتَ أتبعه إن شاء الله.

والسلام.

فكتب إليه عليّ: أما بعد.

فمثلُك نَصح الإمام والأمة ووالَى على الحق وفارق الْجَوْر.

وقد كتبتُ لصاحبك بما كتبتَ إلي فيه ولم أُعلمْه بكتابك إلي.

فلا تدع إعلامي ما يكون بِحضرتك مما النظرُ فيه للأمة صلاح فإنّك بذلك جَدير وهو حق واجب لله عليك.

والسلام.

وكتب عليّ إلى ابن عبِّاس: أما بعد.

فإنه قد بلغني عنك أمرٌ إن كنتَ فعلتَه فقد أسخطتَ الله وأخرَبتَ أمانتك وعَصيتَ إمامك وخنتَ المسلمين.

بلغني أنك خَرّبت الأرض وأكلت ما تحت يدك.

فارفعْ إلي حسابك واعلم أنّ حسابَ الله أعظم من حساب الناس.

والسلام.

وكتب إليه ابنُ عباس: أما بعد.

فإنّ كلَّ الذي بلغك باطلٌ وأنا لِمَا تحت يدي ضابط وعليه حافظ فلا تُصَدَق عليً الظنين.

فكتب إليه عليّ: أما بعد.

فإنه لا يَسعني تَرْكُك حتى تُعلمني ما أخذتَ من الجزْية من أين أخذتَه وما وضَعتَ منها أين وضعته.

فاتَّقِ الله فيما ائتمنتُك عليه واسترعيتُك إياه ٍ فإن المَتاع بما أنت رازمُه قليل وتَبِعاتُه وبيلة لا تَبيد.

والسلام.

فلما رأى أن عليا غيرُ مُقلع عنه كتب إليه: أما بعد.

فإنه بَلغني تعظيمُك عليََّ مَرْزِئة مالٍ بلغك أني رزأتُه أهلَ هذه البلاد.

وايم الله لأنْ ألقى الله بما في بَطن هذه الأرض من عِقيانها ومخبئها وبما على ظهرها من طِلاعها ذَهباً أحب إليً من أن ألقي الله وقد سَفكتُ دماء هذه الأمة لأنالَ بذلك المُلك والإمرة.

ابعث إلى عملك مَن أحبيْتَ فإني ظاعنٌ.

والسلام.

فلما أراد عبدُ الله المسيرَ من البَصرة دعا أخوالَه بني هلال بن عامر بن صَعصعة ليمنعوه.

فَجاء الضحاك بنِ عبد الله الهِلاليُ فأجاره ومعه رجل منهم يقال له: عبدُ الله بن رَزين.

وكان شجاعاً بَئيساً فقالت بنو هلال: لا غنى بنا عن هَوازن.

فقالت هوازن: لا غنى بنا عن بني سُليم.

ثم أتتهم قَيس.

فلما رأى اجتماعَهم له حَمل ما كان في بيت مال البَصرة وكان فيما زعموا ستة آلاف ألف فَجعله في الغرائر.

قال: فحدثني الأزرق اليَشكريُ قال: سمعنا أشياخَنا من أهل البَصرة قالوا: لما وَضع المالَ في الغرائر ثم مَضى به تَبِعَتْه الأخْماس كلها بالطَّف على أربع فراسخِ من البَصرة فوافقوه.

فقالت لهِم قَيسِ: والله لا تصلوا إليه ومنا عين تطْرف.

فقال ضمْرة وكان رأسَ الأزد: والله إنَ قيساَ لإخوتُنا في الإسلام - وجيرانُنا في الدار وأعواننا على العدوّ.

إن الذي تَذهبون به المال لو رُدَ عليكم لكان نصيبُكم منه الأقلّ وهم خيرٌ لكم من المال.

قالوا: فما ترى قال: انصرفوا عنهم.

فقالت بكرُ بن وائل وعبدُ القَيس: نِعمَ الرَّأي رَأي ضَمْرة واعتزلوهم.

فقالت بنو تميم: واللهّ لا نُفارقهم حتى نقاتلَهم عليه.

فقال الأحْنَفُ بن قَيس: أنتم والله أحق ألاّ تقاتلوهم عليه وقد تَرك قتالَهم مَن هو أبعد منكم رَحِماً.

قالوا: والله لنُقاتلنّهم.

فقال: واللهّ لا نعاونكم على قتالهم وانصرف عنهم.

فقدم عليهم ابن المُجاعة فقاتَلهم.

فحمَل عليه الضحاكُ ابن عبد الله فَطعنه في كَتفه فصَرَعه فسقط إلى الأرض بغير قَتل.

وحَمَل سَلمة بن ذُؤيب السَّعدي على الضّحاك فصرعه أيضاً وكثرُت بينهم الجراح من غير قَتل.

فقال الأخْماسُ الذين - اعتزلوا: والله ما صنعتم شيْئاً.

اعتزلتم قتالهم وتركتموهم يَتشاجرون.

فجاءوا حتى صرَفوا وجوه بَعضهم عن بعض وقالوا لبني تميم: والله إن هذا اللُؤم قَبيح لنحن أسخى أنفساً منكم حين تركنا أموالَنا لبني عمكم وأنتم تقاتلونهم عليها خلوا عنهم وأرواحهم فإن القومَ فُدحوا.

فانصرفوا عنهم ومَضى معه ناسٌ من قَيس فيهم الضّحاك بن عبد الله وعبدُ الله بن رَزين حتى قدموا الحجازَ فنزل مكةَ فَجعل راجزٌ لعبد الله بن عبّاس يسوق له في الطريق ويقول:

صَبّحتُ من كاظمةَ القَصرَ الخَرِبْ مع ابن عبّاس بن عبد المُطّلبْ وجعل ابن عبّاس يرتجز ويقول:

آوِي إلى أهلِك يِا رَباب آوِيفقد حان لكِ الإيابُ

وجعلِ أيضاً يرتجز ويقول:

وهُنّ يمشين بناء.

هميساً إنْ يصْدُق الطَّيرُ نَنِك لَميسَا فقيل له: يا أبا العبّاس أمِثلك يَرْفث في هذا الموضع قال: إنما الرفث ما يقال عند النّساء.

قال أبو محمد: فلما نزل مكةَ اشترى من عطاء بن جُبير مولى بني كعب من جواريه ثلاثَ مولّدات حجازّيات يقال لهن: شاذن وحَوراء وفُتون.

بثلاثة آلاف دينار.

وقال سليمانُ بن أبي راشد عن عبد الله بن عبيد عن أبي الكَنُود قال: كنت من أعوان عبد الله بالبَصرة فلما كان من أمره ما كان أتيتُ عليًّا فأخبرتُه فقال: «واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتِنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين».

ثم كتب معه إليه: أما بعد فإني كنتُ أشْركتُك في أمانتي ولم يَكن من أهل بيتي رجل أوْثقَ عندي منك بمواساتي ومؤزرتي بأداء الأمانة فلما رأيتَ الزَّمان قد كَلب عَلَى ابن عمك والعدوّ قد حَرِدَ وأمانةَ الناس قد خَربت وهذه الُأمة قد فُتنت قلبتَ لابن عمك ظهر المجن ففارقتَه مِع القوم المفارقين وخَذلَته أسوأ خِذلان وخُنته مع مَن خان.

فلا ابنَ عمكِ آسيت ولا الأمانةَ إليه أدَيتَ كأنك لم تكني على بَينة من ربك وإنما كِدت أُمة محمد عن دُنياهم وغَدرتهم عن فَيئهم.

فلما أمكنتْك الفُرصة في خِيانةِ الأمة أسرعتَ الغَدرة وعالجتَ الوَثْبة فاخْتَطفْتَ ما قَدرت عليه من أموالهم وَانْقلبْتَ بها إلى الحجاز كأنك إنما حُزت عن أهلك ميراثَك من أبيك وأُمك.

سبحان الله! أما تُؤمن بالمَعاد أما تخاف الحِساب! أما تَعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً! وتَشتري الإماءَ وتنكحهم بأموال اليتامى والأرامل والمُجاهدين في سبيل الله التي أفاء الله عليهم! فاتَقِ الله وأد إلى القوم أموالَهم فإنك والله لئن لم تَفعل وأمكنني الله منك لُأعذرن إلى الله فيك.

فوالله لو أنَّ الحَسن والحسين فعلا مثلَ الذي فعلتَ ما كانت لهما عندي هَوادة ولما تركتُهما حتى أخذَ الحقَّ منهما.

والسلام.

فكتب إليه ابن عبَّاس: أما بعد.

فقد بَلغني كتابُك تُعظم عَلي أمانة المال الذي أصبتُ من بيت مال البَصْرة.

ولعمري إن حقّي في بيت مالك الله أكثر من الذي أخذتُ.

والسلام.

فكتب إليه عليّ: أما بعد فإن العَجب كل العجب منك إذ ترى لنفسك في بيت مال اللهّ أكثرَ مما لرجل من المسلمين قد أفلحتَ إن كان تمنيك الباطلَ وادعاءَك مالا يكون يُنجيك من الإثم ويُحل لك ما حَرم الله عليك.

عَمْرك الله! إنك لأنت البعيد قد بلغني أنك اتخذت مكة وَطناً وضربتَ بها عَطناً تشتري المولّدات من المدينة والطائف وتختارهن على عينك وتُعطيِ بهنّ مالَ غيرك.

وإني أقسم بالله ربه وربك ربِّ العزة ما أُحبّ أن ما أخذت من أموالهم لي حلالاً أدعه ميراثاً لعَقبي.

فما بال اغتباطِك به تأكلُه حراماً! ضحِّ رُوَيداً.

فكأنك قد بلغتَ المَدى وعُرضتْ عليك أعمالُك بالمَحل الذي يُنادَى فيه بالحَسرة ويَتمنّى المُضيع التَوبة والظالم الرًجعة.

فكتَب إليه ابنُ عبّاس: والله لئن لم تَدعني من أساطيرك لأحملنه إلى معاوية يُقاتلك به.

فكف عنه عليّ.

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»