تجاوز إلى المحتوى

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الباب الأول

في حفظ اللسان

باب المثل في حفظ اللسان.

قال أبو عبيد: ومنها قول شداد بن أوس الأنصاري: " ما تكلمت

بكلمةٍ منذ كذا وكذا حتى أخطمها وأمها ".

ع: الزمام: ما تزم به الناقة عند المشي؛ والخطام ما تخطم به عند الامساك، فالخطام غير الزمام: قال امرؤ القيس في الزمام:

فقلت لها سيري وأرخى زمامه ... ولا تعبدينا من جناك المعلل قال أبو عبيد: ومنها قول عمر بن عبد العزيز " التقي ملجم ".

ع: ضرب اللجام للتقي مثلاً، لأن التقي يمنعه من الكلام فيما لا يعنيه كما يمنع اللجام الدابة من الأخذ فيما لا يعني راكبها. قال الشاعر:

خل جنبيك لراموامض عنه بسلام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خل جنبيك لرام»
مت بداء الصمت خيرلك من داء الكلام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خل جنبيك لرام»
إنما السالم من أل؟جم فاه بلجام باب حفظ اللسان لما يخاف على أهله

قال أبو عبيد:؛من أمثالهم في هذا مقالة أكثم بن صيفي التميمي " مقتل الرجل بين فكيه " يعني لسانه، والفكان: اللحيان>. وقال بعض العرب لرجل وهو يعظه في حفظ لسانه " إياك أن يضرب لسانك عنقك "

رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثاً مغيرا> ع: هكذا أورد أبو عبيد هذا الكلام وإنما هو " إياك وأن يضرب.. " بالواو، كما ورد في الحديث: إذا بلغ الرجل السبعين فإياه وايا الشوارب، وانظر عبد الله المعتز هذا المثل فقال:

يا رب ألسنة كالسيوفتقطع أعناق أصحابها

وكم دهي المرء من نفسه ... فلا تؤكلن بأنيابها قال أبو عبيد: ومنه قول أكثم بن صيفي أيضاً " رب قولٍ أشد من صولٍ "

في الناس من يلتقطه فينميه ويشيعه حتى يورط فيه قائله، فاحذره. وقال الأصمعي واسمه عبد الملك بن قريب: من أمثالهم في التحفظ " ربما أعلم فأذر " يريد أني قد أدع ذكر الشيء وأنا به عالم لما أحاذر من فتنته>.

ع: أي رب كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من أن يصال به. وقد قال الشاعر:

وقد يرجى لجرح السيف برءوجرح الدهر ما جرح اللسان:
جراحات السنان لها التئامولا يلتام ما جرح اللسان> ويروى:
وجرح السيف تدمله فيبراوجرح الدهر ما جرح اللسان وقال الآخر:
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبروقالوا: اللسان أجرح جوارح الإنسان، وقال ابن عباد الصاحب:
حفظ اللسان راحة الإنسانفاحفظه حفظ الشكر للإحسان فآفة الإنسان في اللسان

وقال امرؤ القيس:

إذا المرء يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان يقال: صال الرجل على قرنه، يصول صولاً إذا قهره. وقال علي بن أبي طالب ﵁: كان النبي ﷺ إذا أراد سفراً قال: " اللهم بك أصول، وبك أحل، وبك أسير ".

قال أبو عبيد: ومن جناية اللسان على صاحبه قولهم: " محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا " وهو سالم بن دارة أحد بني عبد الله بن غطفان، وكان هجا بعض بني فزارة فاغتاله الغزاري حتى ضربه بالسيف.

ع: دارة لقب، واسمه مسافع، وكانت امرأة من العرب تعشقه، فقيل لها: من هذا الذي تصبين إليه؟ قالت: لا أعلم، إلا أن وجهه كدارة القمر، فلقب بدارة. والدارة أيضاً الداهية، وذلك من قولهم: " دار الدهر بدوائره ".

وقاتل ابن دارة زميل بن أبرد الفزاري وكان يعرف بأمه، أم دينار، وهو القائل لما قتله ووداه:

أنا زميل من بني فزارهأنا زميل قاتل ابن داره ثم جعلت عقله البكاره

ولما عذل في فتكه به قال:

فلا تكثروا فيه الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا قال الزبير: قال مسافع أبو سالم لزميل بعد أن أمن: ويحك يا زميل لم قتلت سالماً، قال أحرقتني بالهجاء، قال: أنت أشعر الناس حين تقول:

أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك رهناً للحوادث يغلق ع: في هذا معنى لا يفهمه كثير من الناس، وإنما أراد مسافع بقوله أنت أشعر الناس في الكلمة المذكورة أن من كان هذا مقداره من الشعر ومنزلته من الاقتدار عليه قارض على الهجاء بأشد منه وأبلغ وانتصف من هاجيه هجواً بهجو، ولم يتعد إلى القتل، وبيت زميل أول القصيدة، وبعده:

ومن لا يزل يوفي على الموت نفسهصباح مساء يا ابنة الخير يعلق
للشاعر عمارة بن صفوان الضبي، اقرأ القصيدة
ويفرق بين الناس بعد اجتماعهموكل جميعٍ صالحٍ لتفرق

فلا السالم الباقي على الدهر خالد ... ولا الدهر يستبقي حبيباً لمشفق يقول: الحوادث تفرق الناس بعد اجتماعهم. ويروى: ولا الدهر يستبقي جنيناً لمشفق. وقد روى هذا الشعر لطارق بن صفوان الضبي.

قال أبو عبيد:

" إذا وقي الرجل شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي " قال: فاللقلق: اللسان، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج>.

وفي بعض الأحاديث أن الإنسان إذا أصبح كفرت أعضاؤه اللسان، فتقول له: اتق الله فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا.

" من صدق الله ﷿ نجا " يكون في القول والعمل جميعاً.

ويروى عن يونس بن عبيد أنه قال: " ليس خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها فيه من حفظ اللسان " >.

ع: التكفير هاهنا: الخضوع، وأصله الانحناء الشديد، كما تكفر النصارى لكبارهم، روى ابن علية عن أيوب عن أبي معشر أنه كان يكره التكفير في الصلاة، وهو الانحناء الشديد في الركوع، وقد ورد في ذلك النهي عن النبي ﷺ قال: " لا تدبحوا كما يدبح الحمار "، وقال محمد بن عبد السلام الخشني: أشهد لقد رأيت أبا حاتم يكفر بين يدي الرياش ويجله ويعظمه وهو أسن منه ولكنه كان يرى فضلاً.

باب الاقتصاد في المنطق

قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة واسمه معمر بن المثنى: من أمثالهم في هذا " من أكثر أهجر "..

ع: الهجر: القبيح من الكلام، يقال [منه]: أهجر، إذا أفحش وقال ما يقبح، ويقال هجر في منامه إذا تكلم بما لا يعقل، ويقال هجر المريض وأهجر إذا هذى. وقال ابن عباس: اشتد برسول الله ﵊ وجعه فقال: ايتوني بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعدي فقالوا: ما شأنه أهجر. وقرئ ﴿سامراً تهجرون﴾ وتهجرون (المؤمنون:) فمن قرأ بفتح التاء احتمل معنيين: معنى الهذيان ومعنى تهجرون الحق.

وقال شبيب بن كريب:

صلاصل لو أدركتها لجزيتهابما جر مولاها عليها وأهجر وقال الشماخ بن ضرار:
كماجدة الأعراق قال ابن ضرةٍعليها كلاماً جار فيه وأهجرا

قال أبو عبيد: وقال أكثم بن صيفي " المكثار كحاطب الليل " قال: وإنما سبهه بحاطب الليل، لأنه ربما نهشته الحية أو لسعته العقرب في احتطابه ليلاً، قال: فكذلك هذا المهذار، ربما أصاب في إكثاره بعض ما يكره.

المحبة " وقال غيره من العلماء " الندم على السكوت خير من الندم على القول ". وقال الثاث " عي صامت خير من عي ناطق ". وقال بعض أشياخنا: كان ربيعة الرأي مكثاراً فسمعه أعرابي يوماً يتكلم، فلما كان عند انقضاء مجلسه، سأله رجل: ما تعدون العي بالبادية؟ فقال الأعرابي: ما هذا فيه منذ اليوم، يعني إكثاراً ربيعة>.

ع: كان حكم هذا المثل على تفسيره هذا أن يضعه في الباب الذي يقبل هذا وهو " باب حفظ اللسان لما يخاف على أهله من عقوبات الدنيا " لأن هذا المكثر يصيبه في إكثاره ما يكره، كما أن المحتطب ليلاً ربما أصابه من هذه الهوام حمامه أو ألم.

وقال الفرزدق فبين معناه:

وإن امرءاً يغتابني لم أطا لهحريماً ولا تنهاه عني أقاربه
كمحتطب ليلاً أساود هضبةأتاه بها في ظلمة الليل حاطبه

وإنما يصلح وضع هذا المثل في الباب الذي أدخله فيه على تفسير آخر لم يذكره أبو عبيد، وهو أن المحتطب ليلاً يجمع بين شخت الحطب وجزله ويابسه ورطبه لا يختار، لظلام الليل، وكذلك هذا المكثر يجمع بين غث الكلام وسمينه، وجيده ورديئه، فأما قولهم:

أيا موقداً ناراً لغيرك ضوءها ... ويا حاطباً في حبل غير تحطب فإن معناه أن حاطب الليل أيضاً يضع حبله ويحتطب ويأتي بما يجتمع له، ليضعه على الحبل، فربما وضعه على غير الحبل لظلام الليل، فإذا رأى أنه قد اكتفى، عمد إلى طرفي الحبل ليشده على الحطب فلم يجد فيه شيئاً أو وجد فيه بعض ما احتطب، فيأتي غيره نهاراً فيجد حطبه مجموعاً، فكأن احتطابه إنما كان في حبل ذلك الواجد لحطبه.

قال أبو عبيد: ويروى في الحديث عن لقمان أنه قال: " الصمت حكم وقليل فاعله ".

ع: روي أن داود ﵇ كان يسرد درعاً ولقمان عنده فقال: ما هذا يا نبي الله؟ فسكت عنه حتى إذا فرغ داود من سردها لبسها فعند ذلك قال لقمان " الصمت حكم وقليل فاعله "، والسرد: سمر حلق الدرع، قال الله تعالى ﴿وقدر في السرد﴾ (سبأ:) أي لا تجعل المسمار دقيقاً فيقلق، ولا غليظاً فيقصم الحلقة.

قال أبو عبيد: وقال علقمة بن علاثة الجعفري وكان من حكماء العرب:

أول العي الاختلاط وأسوأ القول الإفراط ".

ع: الاختلاط: التخليط في الكلام والإكثار من النطق، وكان أبو علي إسماعيل بن القاسم يقول: أول العي الحتلاط بالحاء مهملة، وهو الغضب يقول: إن العيي بالمنطق لعجزه عن الكلام والعبارة عما في نفسه يرجع إلى الغضب والضجر، برماً بخصمه، والاحتلاط أيضاً: الاجتهاد؛ احتلط الرجل وأحلط إذا اجتهد في الشيء وجد؛ قال عمرو بن أحمر:

فألقى التهامي منهما بلطاته ... وأحلط هذا لا أريم مكانيا أي جد واجتهد في يمينه ألا يريم مكانه،

وكنا وهم كابني سباتٍ تفرقا ... سوى ثم كانا منجداً وتهاميا> باب القصد في المدح وما يؤمر به من ذلك

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " من حفنا أو رفنا فليقتصد ".

ع: معنى الرفيف هنا النضارة، وهو معنى الإطراء في المديح، يقال: رف البيت يرف رفيفاً مثل ورف يرف وريفاً، ويقال: فلان يحف ويحف بفلان إذا

طاف به وألطفه وهو به حف وحفي، والحفان: الخدم، وقيل معنى من حفنا في هذا المثل أي سمع له حفيفاً بالثناء.

وقال الأصمعي: ومن أمثالهم " هو يحف له ويرف " أي يقوم له ويقعد، وينصح ويشفق، وأصل هذا المثل على ما ذكر ابن الأعرابي أن أعرابياً خرج فرأى نعامةً غصت بصعرور - وهي الصمغة الجليلة؟ فثبتت قائمةً، فعدا إلى الحيّ ليجيء بشيء يشده في عنقها وهو يقول: من حفنا أو رفنا فليترك، وأخذ خمار أمة وأتى النعامة وهي قد أساغت الصمغة، وذهبت. فمعنى رفنا على هذا أنالنا وأعطانا. يقال: رففت الرجل أرفه: إذا أسديت إليه يداً. وقال ابن الأعرابي عن العقيلي: حفه إذا أطعمه قثدر الشبع ليس فيه فضل وهو الحفف في الطعام. وأنشد عمرو عن أبيه:

أوفت له كيلاً سريع الإغدامفيه غنىً عن حففٍ وإعدام

في سنوات كن قبل الإسلام ... كانت ولا يبعد إلا الأصنام قال أبو عبيد: ومنه حديث مرفوع أن رجلاً جاء إلى النبي ﵊ فقال: أنت أفضل قريش قولاً وأعظمها طولاً، فقال النبي ﷺ: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان.

ع: معنى قوله ﵇ لا يستجرينكم: لا يتخذنكم إجرياً أي وكلاء

على النطق بما لا يحسن، يقال: جريت جرياً؟ غير مهموز؟ أي اتخذت وكيلاً. قال الشاعر:

ولما أتى شهر وعشر لعيرهاوقالوا تجيء الآن قد حان حينها
أمرت من الكتان خيطاً وأرسلتجرياً إلى أخرى سواها تعينها

فما زال يجري السلك في حر وجهها ... وجبهتها حتى نفته قرونها قال أبو عبيد: وروينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رجلاً أثنى عليه في وجهه فقال له علي: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.

ع: هذا الرجل هو الأشعث بن قيس بن معد يكرب.

قال أبو عبيد: وكان المرؤخ العجلي يقول: من أمثالهم في إفراط المادح أن يقولوا: " شاكه أبا فلان " قال: وأصل هذا أن رجلاً كان يعرض فرساً له، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال له رب الفرس: شاكه؟ أي قارب؟ في المدح، والمشاكه للشيء هو الذي يشبهه أو يدنو من شبهه.

ع: المؤرخ هذا شاعر، وكنيته أبو الفيد، والفيد شعر الزعفران، والفيد

أيضاً الشعر الذي على الجحفلة، والفيد أيضاً الهلاك مصدر فاد يفيد فيداً، والفيد أيضاً أن يتبخر في مشيه من الخيلاء. قال حزرة الوالبي:

يفيد في الجري إذا ما أعنقافيد رئالٍ تستثير الصيقا والصيق: جمع صيق وهو التراب

وأسقط أبو عبيد من تفسير المثل ما يتم به معناه، قال عمرو بن أبي عمرو عن أبيه: أقام أعرابي فرساً يبيعها، وقال لصاحبه: امده فرسي، فقال: إنها ليصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له صاحب الفرس: لا أبا لك، اكذب كذباً مؤاماً به الدهر، والمؤام: الموافق المقارب، أي موافقاً به الدهر وأحواله، وما عسى أن يجوز فيه من الأفعال والأحوال.

قال أبو جعفر في كتاب الاشتقاق: المؤام: المقارب، أخذ من الأمم وهو القرب، ومعنى شاكه: وافق، يقال: شاكهني الشيء شكاهاً ومشاكهة، أي وافقني، وتشاكه الشيئان أيضاً إذا تشابها. وقال أبو عبيد: المشاكه للشيء هو الذي يشبه أو يدنو من شبهه، والصحيح ما فسرته به.

قال أبو عبيد: والعامة تقول في مثل هذا المثل " دون هذا وينفق الحمار " وكلام العرب هو الأول.

ع: قال أبو بكر: أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه قال:

شهدت أبا محمد ابن بكار العامري الأعرابي في مجلس يزيد بن طلحة وكتاب الأمثال يقرأ عليه، فلما أتى هذا المثل قال ابن بكار: إنما كان بصدد فتى يكنى أبا يسار، فأدخل رجل السوق حماراً فجعل أبو يسار يقول: إن حافره جلمد وإن ظهره حديد، فقال له صاحب الحمار: " شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار ".

باب الرجل يعرف بالكذب حتى يرد صدقه لذلك

قال أبو عبيد: من هذا قولهم: " إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح " وفسر معناه،.

وأنشد في بعض الروايات شاهداً على ذلك لنهشل بن حري الدارمي:

وعهد الغانيات كعهد قينٍونت عنه الجعائل مستذاق فما يقبل منه.>

ع: وبعد البيت:

كجلب السوء يعجب من رآه ... ولا يسقي الحوائم من لماق الجعائل: جمع جعالة، وهو ما يجعل للعامل على العمل، والمستذاق: المتنقل الذي لا يقر بموضع، مستفعل من الذوق، يذاق حيثما حل. وقال الباهلي: مستذاق أي إذا أتى قوماً أصلح لهم عمله يذوقوه، ثم يفسده بعد ذلك. والجلب: السحاب الذي لا ماء فيه: قال الشاعر:

ولست بجلبٍ جلب ريحٍ وقرة ... ولا بصفا صلدٍ عن الخير معزل يقول: لا يسقي ولا يروى الحوائم وهي العطاش التي تحوم حول الماء. ويقال: ما ذقت لماقاً، أي ما ذقت شيئاً، فمعناه ولا يسقي الحوائم من شيء من الغلة.

باب الانتفاع بالصدق والمخافة من عاقبة الكذب

قال أبو عبيد: من امثالهم فيما يخاف من مغبة الكذب، قولهم " ليس لمكذوبٍ رأي " وكان المفضل فيما بلغني عنه، يحدث أن صاحب هذا المثل هو العنبر بن عمرو بن تميم بن مر قاله لابنته الهيجمانة. وذلك أن عبد شمس ابن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها، فنهاه قومها عن ذلك، فأبى حتى وقعت الحرب بين قومه وقومها، فأغار عليهم عبد شمس في جيشه، فعلمت به الهيجمانة، فأخبرت أباها، وقد كانوا يعرفون إعجاب الهيجمانة به كإعجابه بها. فلما قالت هذه المقالة لأبيها، قال مازن بن عبد الملك بن عمرو بن تميم " حنت فلا تهنت وأنى لك مقروع "؟ وهو عبد شمس بن سعد، كان يلقب به؟ فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنية اصدقيني، أكذلك هو؟ فإنه لا رأي لمكذوب، فقالت: ثكلتك إن لم أكن صدقتك فانج ولا إخالك ناجياً " فذهبت كلمته وكلمتها وكلمة مازن أمثالاً.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم فيما يخاف من غب الكذب قولهم: " لا يكذب الرائد أهله " وهو الذي يقدمونه ليرتاد لهم كلأ أو منزلاً أو موضع حرز يلجأون إليه من عدو يطلبهم، فإن كذبهم أو غرهم صار تدبيرهم على خلاف الصواب، فكانت فيه هلكتهم.

قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا قولهم " الكذب داء والصدق شفاء " وذلك أن المصدوق يعمل على تقدير يكون فيه مصيباً، وأن المكذوب على ضد ذلك>.

ع: هكذا روي الاسم عن أبي عبيد بلا اختلاف؟ عبد شمس بن سعد - وأهل العلم بالنسب يجمعون على أنه عب شمس مخفف من لفظين، اختلفوا فيهما. فأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة يقولان: هو عب شمس قالا: وعب شمس: ضوءها. وقال ابن الأعرابي: هو عبء شمس؟ أي عدلها ونظيرها، وعبء الشيء مثله ونظيره، قالوا: والعب أيضاً البرد - بتشديد الباء؟ قال الشاعر:

وكأن فاهاً عب قر بارد ... أو ريح روضٍ مسه تنضاح رك وقد رواه بعضهم: وكأن فاها حب قر، يعني البرد، كما يقال له حب المزن، والمبرد يقول العبقر: البرد، اسم واحد، هكذا ذكره في أبنية الأسماء. ورأيت بخط ابن قتيبة في كتاب جماهير العرب لأبي حاتم اسم هذا التميمي المختلف فيه عبشمس بن سعد؟ هكذا ضبطه بتشديد الباء على أصله غير مخفف، كما ذكر أبو عمرو وأبو عبيدة. وقال قطرب في عبد شمس من قريش: ويقال عب شمس بالتخفيف. قال: والعب مثل الدم: ضوء الشمس وحسنها، يقال: ما أحسن عبها أي ضوءها. قال: ومن ثقل الشين قال: هذه عبشمس ورأيت عبشمس ومررت بعبشمس، وإن شئت صرفت شمس لأنه يريد عبد شمس فأدغم. قال: ومن العرب من يقول: هذه عبشمس، فيفتح الباء والشين في كل موضع، ويخفف الشين، وهي شائعة في قريش غير مدغمة. قال: ومن العرب من يقول: هذه عبشمس ومررت بعبشمس ورأيت عبشمس، فيتبع كما قالوا: هذه بلحارث ومررت ببلحارث ورأيت بلحارث، قال الشاعر:

إذا ما رأت حرباً عبشمس شمرتإلى رملها، والجلهمي عميدها ويروى: والجرهمي عميدها

وسمي مقروعاً لأن القريع والمقروع: المختار، في كلام العرب. وأبوه سعد ابن زيد مناة بن تميم هو الذي يلقب بالفزر وهو من قولهم فزرت الشيء إذا صدعته، والقطعة منه فزرة، ورجل أفزر مطمئن الظهر، وهو الذي أتى بمعزاه سوق عكاظ لما أبى بنوه أن يرعوها فقال: ألا إن معزى الفزر نهب، جدع الله أنف رجل أخذ أكثر من شاة، فتفرقت في العرب، فصارت مثلاً لما لا يدرك. قال الشاعر:

ومرة ليسوا ناصريك ولا ترى ... لهم وافداً حتى ترى غنم الفزر وقيل إنما سمي الفزر لنهبه لمعزاه وتبديدها في العرب.

والهيجمانة: الدرة بالفارسية، وكانت الفارسية ودين الفرس فاشياً في بني تميم، ولذلك سمي لقيط أيضاً ابنته دختنوس.

وقول مازن: حنت ولا تهنت، أراد أن غرضها إنما كان ليجري اسمه على لسانها حنيناً إليه لا نصحاً لأبيها وتحذيراً، ولا تهنت على الدعاء أي لا هنأها الله ذلك، أراد لا تهنؤه فخفف الهمزة فالتقى ساكنان فحذف. ويحتمل أن يريد ولا هنا أي ليس أوان ذلك ولا حينه، كما قال الأعشى:

لات هنا ذكرى جبيرة أم من ... جاء منها بطائف الأهوال أي ليس حين ذكرها، يأساً منها. وكما قال الراعي:

أفي أثر الأظعان عينك تطمح ... نعم لات هنا إن قلبك متيح وكما قال حجل بن نضلة الباهلي في نوار بنت كلثوم، وأصابها يوم طلح،

فركب بها الفلاة خوفاً من أن يلحق:

حنت نوار ولات هنا حنتوبدا الذي كانت نوار أجنت
للشاعر شبيب بن جعل التغلبي، اقرأ القصيدة

لما رأت ماء السلى مشروباً ... والفرث بعصر في الإناء أرنت وألحقت التاء بهنا لتأنيث الكلمة كما يقال: رب وربت وثم وثمت. وقال أبو علي الفارسي: التاء تبدل منت الألف للسجع وعند الوقف وأنشد:

من بعد ما وبعد ما وبعد متصارت نفوس الناس عند الغلصمت باب تصديق الرجل صاحبه عند إخباره إياه

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا " صدقني سن بكره " وأصله أن رجلاً ساوم رجلاً ببكر أراد شراءه، فسأل البائع عن سنه فأخبره بالحق. فقال المشترى: صدقني سن بكره، فذهبت كلمته مثلاً.

وقد روي هذا المثل عن الأحنف بن قيس أيضاً أنه خرج من عند معاوية وهو يقول: صدقني سن بكره، وذلك لكلام كان معاوية كلمه به.>

ع: روى الخليل وابن الأعرابي وغيرهما أن رجلاً ساوم رجلاً ببكر على أن يشتريه مسناً فقال البائع: هذا جمل؟ لبكر له؟ وقال المشتري: هذا بكر، فقال البائع: بل هو مسن. فبينما هما يتنازعان إذ نفر البكر، فقال صاحبه يسكن نفاره: هَدع هدع. فقال المشتري: صدقني سن بكره، وهدع كلمة للعرب تسكن بها صغار الإبل عند نفارها، ولا يقال ذلك لجلتها ولا مسانها.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التصديق قولهم: " القول ما قالت حذام ". قال: وسمعت غير أبي عبيدة يقول وأحسبه ابن الكلبي إن هذا المثل للجيم ابن صعب والد حنيفة وعجل؟ ابني لجيم؟ وكانت حذام امرأته، وقال فيها زوجها لجيم:

إذا قالت حذام فصدقوهافإن القول ما قالت حذام فقد صدق " فسمى بذلك الصديق ".>

ع: حذام: أم عجل بن لجيم، وأن حنيفة البرشاء، سميت حذام لأن ضرتها البرشاء حذمت يديها بشفرة، وصبت حذام عليها جمراً فبرشت فسميت

البرشاء. ويقال: ما أدري من أي البرشاء هو. والبرشاء: اسم لجميع البشر لاختلاف ألوانهم.

قال ابن كرشم الكلبي: حذام هي بنت الريان بن جسر بن تميم بن يقدم بن عنزة وهي أم عجل بن لجيم، وكان عاطس بن جلاح الحميري قد سار إلى الريان في جموع من العرب: خثعم وجعفي وهمدان، فلقيهم الريان في عشرين حياً من أحياء ربيعة ومضر، فاقتتلوا وصبروا لا يولي أحد منهم دبره، ثم إن القيل الحميري رجع إلى معسكره، وهرب الريان تحت ليلته، فسار ليلته وفي الغد، ونزل الليلة الثانية، فلما أصبح عاطس الحميري ورأى خلاء معسكرهم أتبعهم جملةً من حماة رجاله وأهل الغناء منهم، فجدوا في اتباعهم، فانتبه القطا في اسرائهم من وقع دوابهم، فمرت على الريان وأصحابه عرفاً عرفاً، فخرجت حذام بنت الريان إلى قومها فقال:

ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروافلو ترك القطا ليلاً لناما فقال ديسم بن ظالم الأعصري:

إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا عنهم.

باب الرجل يعرف بالكذب تكون منه الصدقة الواحدة أحياناً

الهنة من الاحسان.>

قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: ومثله قولهم " مع الخواطي سهم صائب "

ع: الخواطئ جمع خاطئة من خطيء، والفصيح هنا أخطأ لأن قولنا خطيء إنما هو في الدين وما أشبهه. وقد قيل إنهما لغتان، وصاب وأصاب لغتان، قال جميل:

وما صائب من نابل قذفت بهيد وممر العقدتين وثيق باب الرجل يعرف بالاصابة والصدق

تكون منه الزلة والسقطة

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم " لا تعدم الحسناء ذاماً ".

ومثله قول أبي الدرداء الأنصاري " من لك يوماً بأخيك كله " وكذلك قولهم " أي الرجال المهذب "؟ ومنه قول النابغة الذبياني:

ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعثٍ، أي الرجال المهذب؟ قال أبو عبيد: معاني هذه الأمثال كلها أنه ليس أحد يخلو من عيب يكون فيه، فإذا كان الغالب على الرجل الإحسان اغتفرت سقطته، ومنه الحديث....>

ع: أول من نطق بهذا المثل حبي بنت مالك بن عمرو العدوانية، وكانت جميلة، خطبها بعض ملوك غسان إلى أبيها وحكمه في مهرها، فأنكحه إياها، فلما أراد حملها قالت أمها لنسوتها: إن لها عند الملامسة رشحة لها قنمة فإذا أردتن إدخالهات على زوجها فامسحن أعطافها بما في أصدافها، فلما أردن ذلك أعجلهن زوجها عن تطييبها، فافتضها فوجد لها رويحة. فلما أصبح قال له أصحابه: كيف وجدت طروقتك؟ فقال: لم أر كالليلة، لولا رويحة أنكرتها، فسمعت قوله من خلف الستر فقالت: " لن تعدم الحسناء ذاماً " فأرسلتها مثلاً. وقال الشاعر في معنى هذا المثل ولفظه:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالناس أعداء له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم قال الفراء: والذأم: الذم، يقال ذأمت الرجل أذأمه ذأماً، وذممته أذمه ذماً، وذمته أذيمه ذيماً فهو رجل مذؤوم ومذموم ومذيم بمعنى، قال الله تعالى: ﴿أخرج منها مذؤوماً مدحوراً﴾ (الأعراف:)، وقال حسان:

وأقاموا حتى أبيدوا بجمعٍفي مقامٍ وكلهم مذؤوم وأنشد أبو عبيدة:
تبعتك إذ عيني عليها غشاوةٌفلما انجلت قطعت نفسي أذيمها قال: وذأمت أشد مبالغة من ذممت

قال أبو عبيد: ومنه الحديث المرفوع: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم " وكذلك مقالة أبي عبيدة بن الجراح لعمر: ما سمعت منك فهةً في الإسلام قبلها، وكان عمر قال له: ابسط يدك أبايعك.

ع: يقال فه الرجل يفه فهماً وفهة وفهاهة فهو: فه وفهيه وهو العيي، وأفهمني فلان عن الأمر: نسانيه، قال أبو قيس بن الأسلت:

الحزم والقوة خير من ال؟إشفاق والفهة والهاع؟ - باب إصابة الرجل في منطقة مرة وإخطائه مرة

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا في الأرض. يضرب للرجل يخطئ مرة ويصيب. قال الأصمعي: ومثله قولهم> " هو يشوب ويروب ".

ع: إنما قال الأصمعي في الأمثال: هو يشوب ولا يروب. وهو صحيح، معناه يخلط ولا يخلص، لأن الشوب: الحلط ومزج اللبن بالماء، والروب مصدر راب اللبن يروب روباً إذا خثر، وإذا خلص خثر وإلا فلا. وما ذكره أبو عبيد صحيح على ما عقد عليه الباب، معناه يشوب ويمذق مرة، ويأتي بالصريح الخالص مرة. ويقال: شوب من الناس وأوشاب وأوباش: أخلاط بمعنى، وهم الأشابة أيضاً، قال الشاعر:

سجراء نفسي غير جمع أشابة ... حشداً ولا هلك المفارش عزل ويقال أيضاً بوش من الناس كما يقال شوب. وقال يونس: لا يقال شوب إلا أن يكونوا من قبائل شتى.

قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " يشج مرةً ويأسو أخرى " أي ييفسد أحياناً ويصلح أحياناً.

ع: قد نظمه الشاعر وهو صالح بن عبد القدوس:

قل للذي لست أدري من تلونهأناصح أم على غش يداجيني
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
إني لأكثر مما سمتني عجباًيد تشج وأخرى منك تأسوني
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
لو كنت أعلم منك الود هان لهعليّ بعض الذي أصبحت توليني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهموما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
أرضى عن المرء ما أصفى مودتهوليس شيء من البغضاء يرضيني
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

لا أبتغي ود من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني قال أبو عبيد: قال الأحمر: يقال في نحو هذا " اطرقي وميشي " وأصله خلط الشعر بالصوف. يقول: فكذلك هذا يخلط في كلامه بين صواب وخطأ. قال رؤبة العجاج:

عاذل قد أولعت بالترقيش ... إليّ سرا فاطرقي وميشي ع: الميش: الخلط، يقال: مشت الشيء أميشه ميشاً إذا خلطته مثل الوبر والصوف، والطرق: هو ضربه بالمطرقة، وهي العصا التي يطرق بها الصوف أي ينفض لينتفش ويتداخل.

وذكر الحربي أن رجلاً ذكر قوماً من أهل اللغة قال: أولئك طرقوا الكلام وماشوه، فأراد بهذه المقالة أنهم جمعوا مبدده، وخلطوا بين أنواعه ن نثر ونظم وجد وهزل.

وهذا الأحمر الذي ذكر أبو عبيد: هو عليّ بن المبارك وليس بأبي محرز خلف الأحمر.

باب سوء المسألة والإجابة في المنطق

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في المجيب على غير فهم: " أساء سمعاً فأساء جابة ".

قال أبو عبيد: هكذا تحكى هذه الكلمة؟ جابة؟ بغير ألف، وذلك لأنه اسم

موضوع، يقال: أجابني فلان جابة حسنة، فإذا أرادوا المصدر قالوا: أجاب إجابة بالألف.

: أين أمك؟ ؟ يريد أين تؤم؟ فظنه يقول: أين أمك، فقال: ذهبت لتشتري دقيقاً، فقال سهيل " أساء سمعاً فأساء جابة " فأرسلها مثلاً. فلما انصرف إلى زوجته أخبرها بما قال ابنها فقالت: أنت بتغضه، فقال: " أشبه امرؤ بعض بزه " فأرسلها مثلاً أيضاً.>

ع: قال أبو عمر المطرز: ناديت فلاناً فأجابني: إجابة وجواباً وجابة وجيبة وجيبي، فالجابة اسم للجواب كالطاعة والطاقة فإن أردت المصادر قلت: إجابة وإطاعة وأطاقة، قال الشاعر:

وما من تهتفين به للينصرٍبأسرع جابةً لك كن هديل وقال أبو العتاهية فنظم هذا المثل:
إذا ما لم يكن لك حسن فهمٍأسأت إجابةً وأسأت سمعا

ولست الدهر متسعاً لفضلٍ ... إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا وقد ذكر الزبير فيما ثبت عنه في الكتاب أن المثل لسهيل بن عمرو، وذكر خبره. قال ابن دستويه: أصل الجابة من قولهم جاب البلاد يجوب إذا قطعها طوافاً، لأن الجواب هو ما يرجع من المجيب إلى السائل ومنه جوائب الأخبار وقولهم: هل من جائبة خبر، وهي الواحدة من الجوائب التي تؤوب وترجع.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء المسألة إذا عجل بها قبل أوانها: " إليك يساق الحديث " وذكر الزبير حديثه.

ع: نظم بشار هذا المثل بمعناه واستوفى فحواه ونحواه فقال:

ومرت فقلت متى نلتقيفهش اشتياقاً إليها الخبيث

وكاد يمزق سرباله ... فقلت إليك يساق الحديث قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء السمع والإجابة: " حدث حدثين امرأةً فإن لم تفهم فأربعة:

ع: قد ذكر الزبير بن بكار خبره على ما ذكر عنه في الكتاب وفي آخره:

" حدث حديثين المرأة فإن أبت فعشرة "، إلا أن الذي روي فيه في غير هذا الكتاب " حدث حديثين المرة فإن أبت فعشرة ".

يقال امرأة ومرأة ومراة ومرة أربع لغات.

وذكر المفضل بن سلمة فيه رواية ثالثة قال: " حدث امرأة حديثين فإن أبت فاربع " وكذلك ذكره الخطابي. فاربع: أي قف وأمسك عن قولك. يقال: ربع الجرل يريع ربعاً إذا وقف. وربع بالمكان إذا أقام به وربع أيضاً إذا كف وأمسك، وهذه معان متقاربة، في قوله فاربع، يقول: إذا كررت الحديث فلم يفهم عنك فأسمك، ولا تتعب نفسك، فانه لا مطمع في إفهامها. وهذه رواية جلية المعنى، صحيحة الظاهر والمغزى. ورواية أبي عبيد تصح على حذف: يريد حدث حديثين المرأة فإن لم تفهم فأربعة لا تفهمها، وعلى الرواية الثانية: فعشرة لا تفهمها والأمثال مبنية على الإيجاز والاختصار، والحذف والاقتصار.

باب الرجل يطيل الصمت ثمن ينطق بالزلل

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " سكت ألفاً ونطق خلفاً "

ع: روى الأصمعي وغيره أن رجلاً من العرب جلس مع قوم فحبق فأشار بإبهامه إلى استه وقال: إنها خلف نطقت خلفا. فالخلف الرديء

من القول، والخلف: الرديء الساقط من الناس وغيرهم.

وأنشد أبو عبيد شاهداً على هذا المثل قول الهيثم بن الأسود النخعي:

وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم وذكر خبر عن الأحنف الذي كان يطيل الصمت

وهذا البيت للهيثم بن الأسود النخعي، وقيل للأعور الشني، وقبله:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وقالوا: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة. وقال الشاعر:

المرء يعجبني وما كلمتهويقال لي هذا اللبيب اللهذم
فإذا قدحت زناده وسبرتهفي الكف زاف كما يزيف الدرهم وقال آخر:
ترى الناس أشباهاً إذا جلسوا معاًوفي الناس زيف مثل زيف الدراهم وقال عدي بن الرقاع:
القوم أشباه وبين حلومهمبون كذاك تفاضل الأشياء

باب الرجل يعرف بالصدق ثم يحتاج إلى الكذب

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " عند النوى يكذبك الصادق " ثم ذكر عن المفضل حديث المثل بطوله. قال: لأحملنك على الأدهم. قال: مثل الأمير حمل على الأدهم والكميت والأشقر. قال: إنه حديد، قال: لأن يكون حديداً خير من أن يكون بليداً> وفيه: فسقاه لبناً حليباً كان في سقاء حازر.

ع: يقال حزر اللبن والنبيذ إذا اشتدت حمضته فهو حازر.

قالالراجز، وهو العجاج:

يا عمر بن معمرٍ لا منتظر ... بعد الذي عدا القروص فحزر فأخبرك انه تعدى القروصة إلى الحموضة. وفي الحديث: فسقوني لبناً لا محضاً ولا حقيناً، الحقين من اللبن: المحقون في الوطب. قال اللغويون: حقنت اللبان إذا صببت لبناً حليباً في سقاء وقد كان فيه رائب فأخذ بعض طعمه، ومن أمثالهم " أبى الحقين العذرة " يقول بطل العذر مع حضور اللبن. وكل شيء جمعته من لبن أو شراب ثم شددته فقد حقنته، وبه سمي حابس البول حاقناً، فأما حابس الغائط فهو حاقب بالباء.

قال الزبير: ومما يشبه هذا حديث أخبرني به محمد بن الضحاك عن أبيه قال: كان الحجاج قد حبس الغضبان بن القبعثري فدعا به يوماً وقال: زعموا أنه لم يكذب قط وليكذبن اليوم فقال له لما أتى به: سمنت يا غضبان، قال: القيد والرتعة والخفض والدعة وقلة التعتعة، ومن يك ضيف الأمير يسمن، قال: أتحبني يا غضبان قال: أو فرق خير من حبين ... إلى آخر الحديث.

ع: أول من قال: " القيد والرتعة "، عمرو بن الصعق بن خويلد بن نفيل ابن عمرو بن كلاب، وكانت شاكر؟ قبيلة من همدان؟ أسرته، فأحسنت إليه، ورفهت عنه، وكان يوم فارق أهله نحيفاً، فهرب من شاكر، وصاد في طريقه أرنباً فشواها، فبينما هو يأكل منها أقبل ذئب فأقعى غير بعيد منه، فنبذ إليه من شوائه فولى عنه، فقال عمرو:

لقد أوعدتني شاكر فخشيتهاومن شعب ذي همدان في الصدر هاجس
قبائل شتى ألف الله بينهالها حجف فوق المناكب يابس
ونارٍ بموماةٍ قليل أنيسهاأتاني عليها أطلس اللون يابس
نبذت إليه حزةً من شوائناحياءً وما فحشي على من أجالس
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «أمن آل أسماء الطلول الدوارس»

فولى بها جذلان ينفض رأسه ... كما آض بالنهب المغير المخالس فلما وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو، خرجت من عندنا نحيفاً وأنت اليوم بادن، قال: القيد والرتعة، فأرسلها مثلاً.

قال المفضل: الرتعة: الخصب، ومن ذلك قولهم هو يرتع في كذا، أي في شيء كثير لا يمنع منه ولا يثني عنه. وقال يحيى بن زياد: هو مثل تضربه العرب للخصب، تقول: فلان يرتع، أي أنه في خصب لا يعدم شيئاً. ورتعت الماشية في المرعى رتوعاً: إذا جاءت وذهبت كيف شاءت. وفي التنزيل: ﴿يرتع ويلعب﴾ (يوسف:) قال أبو عبيد: يرتع أي يلهو أو يلعب.

وأما قوله: أتحبني يا غضبان؟ فإنما أراد الحجاج أن يكذبه لو قال أحبك، أبو يعاقبه لو أنكر ذلك. فحاد عن الجوابين وقال: أو فرق خير من حبين، فإنما أراد أمري حب أو فرق خير من حبين، فأتى بحرف الشك الذي لا يخلص بين أحد المعنيين وهو " أو ". ومن قرأه أو فرق على أن الهمزة للاستفهام فقد أخل وأحال، وإنما أراد الغضبان أن هيبته له وفرقه منه أنبل وأرفع من محبته إياه مرات لا مرتين. ويروى أو فرقاً خيراً من حبين بالنصب لأنه لما استفهمه بالفعل اجابه به، وأضمره لما جرى من ذكره، وأقام المصدر مقامه، أراد أحبك أو أفرقك فرقاً خيراً من حبين، وقد ذكر ذلك سيبويه. وهذا في المعنى كما تقول العرب: خشية

خير من ملء واد حباً، وكما تقول: " رهبوتي خير من رحموتي " أي أن ترهب خير من أن تحب وترحم.

باب حفظ اللسان في كتمان السر وترك النطق به

قال أبو عبيد: ومنه قول أكثم بن صيفي: " لا تفش سرك إلى أمة ولا تبل على أكمة ":

وقد أجود وما مالي بذي فنع ... وأكتم السر فيه ضربة العنق > ع: وقد أحال أبو عبيد لفظ هذا المثل بعد هذا فقال في باب الدعابة والمزاح: " لا تفاكه أمة ولا تبل على أكمة " والنهي عن البول على الأكمة معناه لئلا يرجع بوله

عليه لانصبابها، فإن بال في أعلاها ردت الريح بوله عليه أو نضحته ببوله إن استدبرها، لاشتداد هبوبها في نشوز الأرض على أكثر المعهود، وأيضاً فإن البائل والمتغوط ينبغي ان يرتاد الوهاد وما ستر من غوامض الأرض، وهذا ضد الإشراف على الآكام.

ونقل أبو علي قال: كان رجل من بني أبي بكر بن كلاب يعلم بني أخيه العلم فيقول: افعلوا كذا وافعلوا كذا. فثقل عليهم، فقال بعضهم: قد علمتنا كل شيء، ما بقي علينا إلا الفعالة، لا يكني، فقال: والله يا بني ما تركت ذلك من هوان بكم علي، اعلوا الضراء وابتغوا الخلاء، واستدبروا الريح وخووا تخوية الظليم، وامشتوا بأشملكم.

قال ابن الأعرابي: الضراء: ما انخفض من الأرض، وقال غيره: هو ما واراك من الشجر خاصة. فتراه قد وصاهم أن يأتوا ما انخفض من الأرض وأن يبتغوا مع ذلك الخلاء، ويقال: خوى الظليم إذا جافى بين رجليه، وقوله امتشوا: يريد امتسحوا واستنجوا بأشمل أيديكم، ولذلك سمي المنديل المشوش، قال امرؤ القيس:

نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب قال أبو عبيد: وقال قيس بن الخطيم الأنصاري:

إذا جاوز الإثنين سر فإنهبنث وتكثير الحديث قمين
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

ع: يقال: قمين وقمن أي خليق بذلك وجدير، ويثنى قمين وقمن ويجمعان، ويقال: قمن بفتح الميم ولا يثنى ولا يجمع، وبعد هذا البيت:

وإن ضيع الإخوان سرا فإننيكتوم لأسرار العشير أمين،احسن ما ورد في كتمان السر قول مسكين الدارمي:
وفتيان صدق لست مطلع بعضهمعلى سر بعض كان عندي جماعها
يروحون مثنى في البلاد وسرهمإلى صخرة أعيى الرجال انصداعها وأمذل الناس بسر، القائل:
لا أكتم الأسرار لكن أنمهاولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن أضل الناس من بات ليلهتقلبه الأسرار جنباً إلى جنب وأحسن في الكتمان الآخر:
سأكتمه سري وأكتم سرهولا غرني أني عليه كريم

حليم فينسى أو جهول يشيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم ومن أمثالهم في هذا: " سرك أسيرك فإن نطقت به فأنت أسيره "

أسيرك سرك إن صنته ... وأنت أسير له إن ظهر> قال أبو عبيد: وقال رجل من سلف العلماء: كان يقال " أملك الناس لنفسه من كتم سره من صديقه وخليله ". قال أبو عبيد: أحسب ذلك للنظر في العاقبة لئلا يتغير الذي بينهما يوماً ما فيفشي سره.

أحذر عدوك مرةوأحذر صديقك ألف مره
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أخبر بالمضره قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " سرك من دمك " يقول: ربما أفشيته فيكون سبب حتفك.>

ع: هذا الذي هو عند أبي عبيد حسبان هو يقين، وهو الذي عنى هذا الرجل المذكور، وقد نظمه الشاعر وبينه فقال:

إحذر مودة ماذقشاب المرارة بالحوه
يحصي العيوب عليك أيأم الصداقة للعداوه وقال آخر:
إن الكريم الذي تبقى مودتهويحفظ السر إن صافى وإن صرما
للشاعر أبو بكر ابن عياش، اقرأ القصيدة

ليس الكريم الذي إن زل صاحبه ... بث الذي كان من أسراره علما ؟ باب إعلان السر وإبدائه [بعد كتمانه]

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " صرح الحق عن محضه " أي انكشف بعد ستره.

ع: جميع العلماء إنما أوردوا هذا المثل " صرح الحقين عن محضه "، وقد تقدم آنفاً ذكر احقين وتفسيره، ومحضه: خالصه.

قال أبو عبيد: ومثله قولهم " أبدى الصريح عن الرغوة "

ع: ظاهر هذا اللفظ في هذا المثل انه مقلوب، والرغوة تبدي عن الصريح

أي تتكشف عنه لأنها فوقه، ولا يجوز أن ينكشف الصريح عن الرغوة، والرغوة تعلوه. ومعنى المثل: أبدى الصريح خلوصه أو صفحته عن الرغوة، والمفعول محذوف لأن أبدى لا بد له من مفعول، وهو المحذوف الذي دلّ عليه ما بعده. وهو كما تقول: أبدت وجهها عن القناع، وقال سلمة على ما ثبت عنه في الكتاب: الرغوة والرغوة لغتان،

ع: في الرغوة لغات ضمّ الراء وكسرها كما قال، وفتح الراء، ذكره أبو عبيد في الغريب المصنف؛ يقال فيها أيضاً رغاوة ورغاوة ورغاوة.

قال أبو عبيد: فإذا ظهر الأمر كله حتى لا يستتر قيل " قد بين الصبح لذي عينين ".

ع: ذكروا أن بين هنا بمعنى بان وتبين، وإنما تأتي بمعنى واحد وقد أنشد بعض العلماء هذا المثل رجزاً ووصل به شطراً آخر وهو:

قد بين الصبح لذي عينين ... أن الطريق قبل النشزين فالصبح هو الذي بين موضع الطريق، فبين ليس بمعنى بان كما ذكروا.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " قد أفرخ القوم بيضتهم " وأصله خروج الفرخ من البيضة، يقول: قد أبدى هؤلاء القوم أمرهم كما تفرخ الحمامة بيضها، قاله الأصمعي وأبو زيد.

قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا " برح الخفاء ".

ع: المحفوظ عن الغويين: أفرخت الحمامة إذا كانت ذات فراخ وأفرخت

البيضة، وهي بيضة مفرخ، إذا كان فيها فرخ، ويقال على ما ذكره أبو عبيد: أفرخت البيضة إذا فقأتها عن فرخ، فمعناه أبدى القوم من شأنهم ما كان مستوراً مجهولاً. كما أن البيضة تجن الفرخ فلا يدري ما فيها حتى تفقأ عنه. فأما قولهم " أفرخ روعك " فقد قيل إنه من هذا، ومعناه انجلى وانكشف كما ينكشف ما في البيضة إذا تقوبت عن الفرخ. وقد قيل إن قولهم: أفرخ روعك ليس من لفظ فرخ الطائر ولا ما تصرف منه، ومعناه ذهب روعك، لأن الفراخ قد تسمى بها أشياء من غير الطير. الفراخ الأسنة العراض، والفراخ: صغار الشجر وغير ذلك.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.