تجاوز إلى المحتوى

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الباب الحادي عشر

الحوائج وما فيها من الأمثال

؟ باب المثل في الأعذار في طلب الحاجة

وما يحمد عليه أهله من ذلك

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " افعل كذا وكذا وخلاك ذم " يقول: إنما عليك أن تجتهد في الطلب وتعذر لكيلا تذم، وإن لم تنقض الحاجة.

ع: قال يعقوب: المعنى خلا منك الذم، أي لا تذم، فأسقط حرف الصفة وعدى الفعل، كما قال سبحانه ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلاً﴾ (الأعراف:) أي من قومه.

؟ با الجد في طلب الحاجة (وترك التفريط فيها)

قال أبو عبيد: من مثالهم إذا أمروا الرجل بالجد قولهم " جمع له جراميزك ". قال أبو زيد: ويقال في مثل هذا: " قرب ضرب عليه جروته " أي قد وطن عليه نفسه، قال الأصمعي وكذلك قولهم " شد له حزيمه " أي تشدد له واستعد، ومنه الحديث الذي يروى عن علي ﵁: " أشدد حيازمك للموت فإن الموت آتيك ". قال ومثله قولهم: " قرع له ساقه " يعني إذا قامت الحرب على ساقها.

ع: أما قولهم جمع جراميزك، فإن الجراميز: القوائم، اليدان والرجلان، ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ بيده اليمني أذنه اليسرى ثم يجمع جراميزه ويثب كأنما خلق على ظهر فرسه.

وأما قولهم: قد ضرب له جروته، فقال اللغويون: ألقى الرجل جروته إذا ربط جأشه وصبر على الأمر وجد فيه؛ وأما قولهم شد له حزيمه فإن الحزيم الصدر وهو الحيزوم أيضاً، تقول: شددت لهذا حزيمي وحيزومي ويحازيمي أي وطنت عليه نفسي. وأما ما ذكره عن علي ﵁ فإنه بيت موزون، روي عنه أنه قال:

حيازيمك للموتفإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموتإذا حل بواديكا
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أشدد حيازيمك للموت»

وقد روي أنه كان ينشده بزيادة جزء، وهو:

أشدد حيازيمك للموتفإن الموت لاقيكا [وهذا هو الخزم]

وأما قوله: قرع له ساقه، فإن المثل المحفوظ عن العلماء " قرع للأمر ظنبوبه " إذا جد فيه ولم يعثر، والظنبوب: مقدم عظم الساق؛ قال سلامة بن جندل:

كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب وقيل إن الظنبوب هنا مسمار الرمح، أي أصلحت الرماح وشدت أسنتها للإغاثة، وقيل إنه أراد بالظنابيب الإبل تقرع سوقها لتبرك وتشد عليها الأكوار فيركبونها ويجنبون الخيل، ويقوي هذا قوله بعد البيت:

وشد كورٍ على وجناء ناجيةٍ ... وشد سرجٍ على جرداء سرحوب وقيل: إن معنى قرع الظنابيب: الازدحام، فيقرع بعض أسؤقهم بعضاً من ازدحامهم وتتابعهم للإغاثة، كما قال أبو الطيب:

يدمي بعض أيدي الخيل بعضاًوما بعجايةٍ أثر ارتهاش يعني من ازدحامهم

قال أبو عبيد: ويقولون " اتخذ الليل جملاً " قالوا: ولهذا قالوا

" عند الصباح يحمد القوم السرى ".

ع: ذكر أبو عبيد أن هذا المثل للأغلب العجلي، وقال محمد بن حبيب وغيره من علماء البصريين: إن أول من قال ذلك خالد بن الوليد لما بعث إليه أبو بكر ﵀ وهو باليمامة أن صر إلى العراق فأراد سلوك المفازة، فقال له رافع بن عمير الطائي: قد سلكتها في الجاهلية، وهي خمس للإبل الواردة، وما أظنك تقدر عليها، إلا أن تحمل الماء، فتحمل الماء واشترى مائة شارف فعطشها ثم سقاها الماء حتى رويت ثم كعم أفواهها لئلا ترعى، ثم سلك المفازة، حتى إذا مضى يومان وخاف العطش على الناس والخيل نحرها وسقى الإبل والخيل فظوظها، فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع: انظروا هل ترون سدراً عظاماً، فإن رأيتموها وإلا فهو الهلاك، فنظر الناس فرأوا السدر، فكبر وكبر الناس معه، ثم تجمعوا على الماء، فقال خالد:

لله در رافع أنى اهتدىفوز من قراقر إلى سوى
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لله در رافع أنى اهتدى»
خمساً إذا صار بها الجيش بكىما سارها من قبله إنس يرى
" ند الصباح يحمد القوم السرىوتنجلي عنهم غيايات الكرى "

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " خذ كذا وكذا ولو بقرطي مارية " وهي أم ولد جفنة.

ع: [قال أبو عبيدة: هي مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة] وقال ابن الكلبي: هي مارية بنت ظالم وهي أم ملك غسان الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن عمرو بن عدي بن حجر، وهو الذي يقول فيه النابغة:

والحارث الأعرج خير الأناموإياها عنى حسان بقوله:

أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل ؟ باب التأني في طلب الحاجة (وترك الخرق فيها)

قال أبو عبيد: من أمثالهم في ذلك " رب عجلة تهب ريثاً " يضرب للرجل يشتد حرصه على حاجته ويخرق فيها حتى تذهب كلها.

ع: أول من نطق بها المثل مالك بن عوف بن أبي عمرو بن عوف بن محلم الشيباني، وكان سنان بن مالك بن أبي عمرو بن عوف بن محلم شام غيثاً، فأراد أن يرحل بامرأته خماعة بنت عوف بن أبي عمرو. وقال ابن السكيت في

الأمثال: إن ليث بن عمرو بن عوف بن محلم تزوج ابنة عمه خماعة بنت عوف، فأراد أن يرحل بها، فقال له مالك بن عوف بن محلم: أين تظعن بأختي؟ قال: أطلب موقع هذه السحابة، قال: لا تفعل فإنه ربما خليت ولم تمطر، وأنا أخف عليك بعض مقانب العرب، قال: لكني لست أخاف ذلك، فمضى وعرض له مروان القرظ بن زنباع بن جذيمة، فأخذ خماعة وانطلق بها وجعلها بين بناته وأخواته، ولم يكشف لها ستراً، فقال مالك بن عوف لليث: ما فعلت أختي؟ قال: نفتني عنه الرماح، قال مالك: " رب عجلة تهب ريثاً، ورب فروقة يدعى ليثاً، ورب غيث لم يكن غيثاً " فذهبت كلماته أمثالاً.

ثم إن مروان بعث بها إلى أبيها عوف بن محلم، وأتى على ذلك ما شاء أن يأتي، ثم إن مروان أغار على بكر بن وائل فأسره زهير بن أمية بن جشم من بني تيم الله بن ثعلبة، فلما أتى به أهله، قالت له امرأته: لكأنما جئت بمروان القرظ. فقال لها مروان: وما تريدين منه؟ قالت: أريد منه مائة من الإبل. قال: لك مائة من الإبل على أن تذهبي بي إلى خماعة بنت عوف، فقالت: ومن لي بالإبل؟ فأخذ عوداً فرهنه إياها على مائة من الإبل وأتت به خماعة فأرسلت إلى أبيها، فأعلمته بمكان مروان عندها، وضمته إلى صدرها، وكان المنذر يطلبه بذحل، فبلغه أن زهير بن أمية أسره، فأرسل إليه فيه، فلم يجده عنده، وأخبروه بمكانه فأرسل المنذر فيه إلى عوف فأبى عوف أن يدفعه إليه حتى أمنه المنذر، فجاء به عوف حتى وضع يده في يد المنذر، وبينهما يد عوف، فقال المنذر " لا حر بوادي عوف "، فأرسلها مثلاً.

وأخطأ أبو عبيد في سياقة خبر هذا المثل وهو قولهم " لا حر بوادي عوف " وقد تقدم ذكر ذلك.

قال أبو عبيد: وروي في الحديث " إذا أراد أحدكم أمراص فعليه بالتؤدة ".

ع: التؤدة: الرفق، واصله من وأدت الشيء إذا أثقلته، والتاء بدل من واو، مثل تكأة ونظائرها.

قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " ضح رويداً " أي لا تعجل في الأمر.

ع: يقال: ضحيت الإبل إذا أخذت في رعيها من أول النهار، ويقال للراعي ضحها: أي ارعها في الضحى، وهو أول النهار عند الشروق، فيراد بهذا المثل التمهل في الأمر والتؤدة، كما يؤمر الراعي أن يضحي إبله رويداً مترفقاً.

قال أبو عبيد: ومنه قول زيد الخيل:

فلو أن نصراً أصلحت ذات بينها ... لضحت رويداً عن مطالبها عمرو قال: وهما حيان من بني أسد: نصر وعمرو ابنا قعين.

ع: وبعد البيت:

ولكن نصراً أدهنت وتخاذلت ... وكانت قديماً من خلائفها الغفر أي النكس، هكذا أنشده ابن الأعرابي وفسره. وسبب الشعر أن مكنف بن

زيد الخيل كانت قد أسرته بنو أسد، فأجاره لزيدٍ أبو شريح بن أوفى بن الأغر النصري فاستبطأه زيد فقال الشعر، وهي أبيات.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التأني قولهم " الرشف أنقع " يعني أن الشراب الذي يرتشف رويداً أقطع للعطش وأجع وإن كان فيه بطء، قال: وقال الصمعي: قولهم أنقع يعني أروى، يقال: شرب حتى نقع، ونقعته أنا أيضاً أي أرويته، وأنشد للجعدي:

فقلت له انقع لي صداي بشربةٍ ... تدارك بها منا علي وأفضل ع: هكذا في النسخ، وهو خطأ والشعر قافيته ميم، وصواب إنشاده:

فقلت له انقع لي صداي بشربةٍتدارك بها منا علي وأنعم

فقال تجاوزت الأحص وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو مترسم قال أبو عبيد: ومنه قولهم " رويد الغزو يتمرق " وهو مثل امرأة كانت تغزو، فحبلت، فذكر لها الغزو فقالت هذه المقالة، أي انتظر الولادة.

ع: يقال: مرق السهم إذا خرج، ورده ابن السراج " يتمزق "؟ بالزاي؟ وبالراء أصح من قولهم مرق السهم إذا خرج.

وقال محمد بن حبيب: كانت امرأة من طيء يقال لها رقاش كاهنة تغزو ويتيمنون برأيها، فأغارت طيء على إياد بن نزار بن معد فظفرت بهم وغنمت وسبت، فكان فيمن أصيب من إياد فتى شاب جميل، فاتخذته رقاش خادماً، فأعجبها فدعته إلى نفسها، فوقع عليها فحملت، فأتيت في إبان الغزو لتغزو بهم، فقالت: " رويد الغزو يتمرق "؟ فذهبت مثلاً -. ثم جاءوا لعادتهم فوجدوها نفساء قد ولدت غلاماً، فقال بعض شعراء طيء:

نبئت أن رقاش بعد شماسهاحبلت وقد ولدت غلاماً أطحلا
فالله يحظيها ويرفع بضعهاوالله يلقحها كشافاص مقبلا

كانت رقاش تقود جيشاً جحفلا ... فصبت وحق لمن صبا أن يحبلا وقول أبي عبيد: رقاش الكنانية، وهم أو تصحيف، أراد الكاهنة وإنما هي طائية.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " إن الليل طويل وأنت مقمر " وذكر خبره عن المفضل، وأنه لسليك بن السلكة إلى قوله: الليل طويل.

ع: وحذف باقي الخبر: فأخرج السليك يده فضمه إليه ضمة أضرطته فقال " أضرطاً وأنت الأعلى "؟ فأرسلها مثلاً. ثم قال له السليك: من أنت؟

قال: رجل افتقرتن فخرجت أطلب الرزق. قال: انطلق معي، فلقيا ثالثاً في مثل حالهما. فاصطحبوا حتى أتوا جوف مراد، فرأوا نعماً ملء الأرض، فهابوا أن يغيروا فيلحقهم الطلب، فقال سليك: كونا قريباص حتى آتي الرعاء، فأعلم لكما علم الحي، وألحن لكما به، ثم أتى الرعاء فلم يزل يتسقطهم حتى أخبروه ببعد الحي عنهم، فقال لهم سليك: ألا أغنيكم؟ قالوا: بلى. فتغنى ورفع صوته:

يا صاحبي ألا لا حي بالواديإلا عبيد وآم بين أذواد
للشاعر السليك بن السلكة، من قصيدة «وأذعر كلاباً يقود كلابه»

أتنظران قليلاً ريث غفلتهم ... أم تغدوان فإن الربح للغادي فلما سمعا ذلك أتياه، فاطردوا الإبل، فذهبوا بها.

؟ باب مطلب الحاجة المتعذرة

قال أبو عبيد: من أمثالهم، إذا طلب الرجل من صاحبه حاجة عسيرة " تسألني برامتين سلجما " واصله أن امرأة تشهت هناك على زوجها السلجم وهي ببلاد السباسب المقفرة فعندها قال هذا.

ع: قال أبو حنيفة: هو الشلجم، بالشين معجمة، عرب فقيل: سلجم، قال الراجز:

تسألني برامتين سلجمايا مي لو سألت شيئاً أمما

جاء به الكري أو تجشما ... وقال الأصمعي: قيل لرجل من أهل رامة: إن أرضكم هذه لطيبة فلو زرعتموها، قال: قد زرعناها سلجماً، قال: فما حداكم على ذلك؟ قال: معاندة لقول القائل " تسألني برامتين سلجماً " والسلجم هو البوسار بالفراسية.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحوه " شر ما رام امرؤ ما لم ينل "

ع: هذا مقلوب من قول امرئ القيس:

وخير ما رمت ما ينالوقال عمر بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع وقال القطامي في نحوه:
وخير الأمر ما استقبلت منهوليس بأن تتبعه اتباعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

قال أبو عبيد: ومنه المثل السائر (في العامة): " من سأل صاحبه فوق طاقته فقد استوجب الحرمان "

ع: المثل المنظوم في هذا المعنى قول الشاعر:

أنك إن كلفتني ما لم أطقساءك ما سرك مني من خلق ؟ باب قناعة الرجل ببعض حاجته

قال أبو عبيد: قال أبو زيد: ومثله قولهم: " قد تبلغ القطوف الوساع " وكذلك قولهم: " قد يبلغ الخضم القضم ".

ع: القطوف: من الدواب المتقارب الخطو، والوساع: الواسع الخطو، ولذلك قالوا في المثل: " لألحقن قطوفها بالمعناق "؟ وقد تقدم ذكر ذلك.

وأما قولهم: قد يبلغ الخضم القضم، فإن الخضم: أكل الرطب، والقضم: أكل اليابس، خضمت الدابة الرطب تخضم، وقضمت الشعير تقضم، وقيل: القضم بمقدم الأسنان، والخضم بجميعها، ومن حديث أبي ذر ﵀: نرعى الخطائط، ونرد المطائط، ونأكل قضماً، وتأكلون خضماً، والموعد الله.

قال أبو عبيد: [من أمثالهم] " الثيب عجالة الراكب "

ع: هذا حديث عمر بن الخطاب ﵁: الثيب عجالة الراكب تمر أو سويق، والعجالة ما يتعجله الراكب مما لا يتعب آكله نحو التمر والسويق وشبههما.

قال أبو عبيد: وكان الكسائي يحكي عنهم " خذ ما طف لك واستطف لك " أي ارض بما أمكنك منه.

ع: ليس طف من أمكن، إنما معنى طف وأطف واستطف، دنا وقرب، يقال: ما يطف له شيء إلا أخذه، قال علقمة:

وما استطف من التنوم مخذوم ... ويقال: خذ ما طف لك واستطف أي ما دنا، ويقال: أخذت من متاعي ما خف وأطف، وكل شيء أدنيته من شيء فقد أطففته منه، قال عدي بن زيد:

أطف لأنفه الموسى قصير ... وكان بأنفه حجناً ضنينا قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " خذ من جذع ما أعطاك "

ع: قد أتى أبو عبيد بخبره كاملاً في باب الاغتنام لأخذ الشيء من البخيل وإن كان نزراً.

؟ باب النيقة في الحاجة واحتمال التعب فيها

قال أبو عبيد: قال الأصمعي في هذا " الحسن أحمر " إنما يعني أنه من أراد الحسن والجمال: صبر على أذاه (ومشقته) في الحمل على البدن والمال وذلك لقولهم: الموت أحمر. ومنه قول علي ﵁: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ فلم يكن أحد أقرب إلى العدو منه.

ع: ذهب أبو عبيد في تفسيره إلى الشدة وهو قول الأصمعي، وذهب غيره إلى أن الحسن في الحمرة من الألوان، وأنشد:

وإذا خرجت تقنعيبالحمر إن الحسن أحمر

وخذي ملابس زينةٍ ... ومصبغات فهي أشهر وهذا هو الذي اختاره أبو محمد ابن قتيبة، قال: وقال المفسرون في قوله سبحانه ﴿فخرج على قومه في زينته﴾ (القصص:) أي أنه خرج في ثياب حمر.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في شدة الحرص " جاء تضب لثته ولثاته على كذا وكذا "، ومنه قول بشر بن أبي خازم:

خيل تضب لثاتها للمغنم ...

ع: تضب لثته: أي يتحلب ريقها طمعاً، قال الشاعر:

أبينا أبينا أن تضب لثاتكمعلى خردٍ مثل الظباء وجامل وتمام بيت بشر:

وبني تميم قد لقينا منهم ... خيلاً تضب لثاتها للمغنم والضب والبض متقاربان، واحتاجت امرأة إلى اللبن وحيها خلوف وكانت نساء العرب تعاب بالحلب، فجعلت يد طفلها على الضرع، وحلبت فوق يده، وقالت: يحلب ابني وأضب على يده. قال الشاعر في هجو النساء بالحلب:

كم عمةٍ لك يا جرير وخالةٍ ... فدعاء قد حلبت علي عشاري ؟ باب إتمام قضاء الحاجة والحث على ذلك

قال أبو عبيد: إذا أرادوا إتمام قضاء الحاجة وقد قضيت إلا أقلها قالوا: " أتبع الفرس لجامها "؟ وذكر خبره -.

ع: العرب تقول في هذا " أتبع الفرس لجامها والناقة زمامها "

وقالوا في مثل ذلك: " أتبع الدلو رشاءها "، قال قيس بن الخطيم:

إذا ما شربت أربعاً حط مئزريوأتبعت دلوي في السماح رشاءها
متى يأت هذا الموت لا يلف حاجةًلنفسي إلا قد قضيت قضاءها ؟ باب تعجيل الحاجة وسرعة قضائها

قال أبو عبيد: من أمثالهم في ذلك قولهم " النفس مولعة بحب العاجل " وهذا المثل لجرير بن الخطفي في شعر له:

ع: هو قوله:

إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحب العاجل وكتب رجل إلى أبي عبد الله معاوية بن عبد الله وزير المهدي يستنجزه في وعد تقدم له، ونزع بهذا البيت، فوقع في كتابه: " لكن العقل موكل بحب الآجل، مستصغر لكل كبير زائل " وهذه بلاغة وإصابة، وكان أبو عبد الله من البلغاء، ومن حكمة كلامه قوله: العالم يمشي البراز آمناً، والجاهل يخبط الغيطان كامناً، وقوله: لا يكسد رأس صناعة إلا في أرذل زمان وأخس سلطان. وهو القائل: الصبر على حقوق الثروة، أشد من الصبر على ألم الحاجة.

باب إدراك الحاجة بلا تعب ولا مشقة

قال أبو عبيد: قال الأصمعي، من أمثالهم في هذا " أوردها سعد وسعد مشتمل ".

يعني أورد إبله شريعة الماء ولم يوردها على بئر يحتاج فيه إلى الاستقاء لها فيتعنى فيها، ولكنه اشتمل بكسائه ونام وإبله في الورد.

ع: ليس هذا معنى المثل وخبره، وما بعد الشطر الذي ساقه يدل على خلافه وأنه يضرب للمقصر.

قال غير واحد من الرواة: إن مالك بن زيد مناة بن ميم كان آبل أهل زمانه، ثم أنه تزوج ودخل بامرأته، فأورد الإبل أخوه سعد، ولم يحسن القيام عليها ولا الرفق بها، فقال مالك:

أوردها سعد وسعد مشتمل ... يا سعد ما تروى بهذاك الإبل ويروى: " ما هكذا تورد يا سعد الإبل "

فقال سعد مجيباً له:

تظل يوم وردها نزعفراوهي خناطيل تجوس الخضرا وأنشد أبو علي:

لو أن سعدا أورد الماء سدى ... بغير دلوٍ ورشاء لاستقى وقد أورده أبو عبيد على صحته في شرح حديث علي فقال: وأصله أن رجلاً أورد إبله ماء لا يصل إليه بالاستقاء، ثم اشتمل ونام وتركها لم يستق لها، فهذا

الفعل لا تروى به الإبل حتى يستقى لها، ضربه علي مثلاً لبعض قضايا شريح.

قال أبو عبيد: ومن تسهيل الحاجة قولهم " هذا على طرف الثمام " قال أبو عبيد: وذلك أن الثمام لا يطول فيشق على المتناول.

ع: قال أبو بكر: ويقال " ذلك على طرف الثمة "؟ بضم الثاء وتشديد اميم؟ يضرب مثلاً للنجاح، والثمة القبضة بالأصابع من الحشيش والثمام.

قال أبو عبيد: ومنه قولهم " كلا جانبي هرشى لهن طريق " يضرب إذا سهل الأمر من وجهين.

ع: قال الشاعر في [مثل] هذا المثل:

خذوا وجه هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق ؟ باب الحاجة يسألها الرجل فيمنعها فيسأل غيرها

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " إلا دهٍ، فلا ده "

ع: قد ذكر أبو عبيد ما قال فيه أبو عبيدة وابن الكلبي والأصمعي، وأن الأصمعي قال: لا أدري ما أصله.

وذكر أبو الحسن أنه دهى يدهى إذا غشي فهو ده مثل حذر، لأن أصل دهى دهي ففتحوا حرف الحلق. قال: فمعنى المثل إن لم يكن هذا الأمر غشي فلا يغشى. وهذا التفسير في معنى تفسير الأصمعي، لأن الأصمعي قال: معناه إن لم يكن هذا الأمر الآن فلا يكون بعد الآن، وأنشد أبو عبيد لرؤبة:

" وقول إلا ده فلا ده "وقبل هذا الشطر:

فاليوم قد نهنهني تنهنهي ... وأول حلم ليس بالمسفه وقول إلا ده فلا ده ... أول حلم: أي رجوع حلم، وقوله إلا ده فلا ده: أي يقلن إلا يفلح الآن فليس يفلح بعده.

وحكى الحربي عن عمرو عن أبيه في قولهم " إلا ده فلا ده " قال: معناه ألا تفعلوه الآن لا تفعلوه أبداً:

قال أبو عبيدة وقد أنشد شطر رؤبة: يقول إن لم تترك هذا اليوم فلا تتركه أبداً، وإن لم يكن ذاك الآن لم يكن أبداً.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم " لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا " أي أنه لا يدع حاجة إلا سأل أخرى، وأصل هذا في الحرباء يشتد عليه حمي الشمس فيلجأ إلى شجرة يستظل بساقها، فإذا زالت عنه تحول إلى أخرى.

ع: هذا المثل عجز بيت لكعب بن زهير، قال:

أنى أتيح له حرباء تنضبةٍ ... لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا والحرباء دويبة كالعظاءة، وهو ذكر أم حبين، في صدره استرخاء وقرب من الأرض. وإذا حميت الأرض بالشمس خاف على صدره أن تحرفه الأرض للزوقه بها، فصعد على عود شجرة، فالتزمها بيديه وجعلها بينه وبين الشمس، ودار كلما دارت الشمس، قال ذو الرمة:

يصلي بها الحرباء للشمس ماثلاًعلى الجذل إلا أنه لا يكبر

إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفاص وفي قرن الضحى ينتصر قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " اسق أخاك النمري " وهذا المثل لكعب ابن مامة، وذلك أنه سافر سفراً في حمازة القيظ فأعوزهم الماء إلا يسيراً يقتسمونه بالحصاة، وذكر الخبر إلى آخره.

ع: هذه الحصاة التي يقسم بها الماء تسمى " المقلة " وإن كانت من ذهب أو نحوه فهي " البلدة ". وقال الشاعر في شأن كعب:

ما كان من سوقةٍ أسقى على ظمأخمراً بماءٍ إذا ناجودها بردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
من ابن مامة كعب يوم عي بهزر المنية إلا حرةً وقدى
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنك وراد، فما وردا وقدى على زنة فعلى من التوقد، ويقال: فلان زر فلان إذا لزق به، والشعر لأبي دواد الإيادي.

؟ - باب الحاجة تطلب فيحول دونها حائل

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " سد ابن بيضٍ الطريق "، وذكر خبره.

ع: ذكر غير أبي عبيد أن ابن بيض لما حضرته الوفاة قال لابنه: لا تقارب لقمان في أرضه، فسر بأهلك ومالك حتى إذا كنت بثنية كذا فاقطعها بأهلك ومالك، وضع فيها للقمان حقه فإن له عندنا في كل عام حلة وجارية

وراحلة، فإن هو قبله فهو حقه، عرفناه له، فجارته وخفارته، وإن هو لم يقبله وبغى، أدركه الله تعالى بنقمته، ففعل الفتى ما أمره به أبوه، فأتى لقمان الثنية فأخذ حقه وانصرف وقال: " سد ابن بيض الطريق ".

وقال عمرو بن الأسود الطهوي في ذلك:

سددنا كما سد ابن بيض سبيلهافلم يجدو عند الثنية مطلعا وقال عوف بن الأحوص:
سددنا كما سد ابن بيضٍ فلم يكنسواها لذي أحلام ثقومي مذهب وقال المخبل السعدي:
لقد سد السبيل أبو حميدٍكما سد المخاطبة ابن بيض
فإن تمنع سهول الأرض منيفإني سالك سبل العروض وقاتل بشامة بن الغدير:
فإنكم وعطاء الرهانإذ جرت الحرب خطباً جليلاً

كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسد على السالكين السبيلا أراد أنه وضع الاتاوة التي كانت عليه في ثوب، ووضعه على طريق لقمان، فأخذه لقمان وانصرف.

قال أبو عبيد: من أمثالهم في الحاجة يعوق دونها عائق " أخلف رويعياً مظنه "

ع: المظن والمظنة: المعلم الذي كان يعلمه وهذا من الظن الذي هو اليقين لأن الظن من الأضداد، يكون الشك ويكون اليقين.

قال دريد بن الصمة:

فقلت لهم ظنوا بألفي مدججٍسراتهم في الفارسي المسرد أي أيقنوا

باب اليأس من الحاجة والرجوع عنها

قال أبو عبيد: من أمثالهم في ذلك: " أسائر اليوم وقد زال الظهر " يقول: أتطمع فيما بعد وقد بان لك اليأس.

ع: هكذا أورد أبو عبيد هذا المثل على أنه لفظ منثور وإنما أحفظه شطرين موزونين، قال:

أسائر اليوم وقد زال الظهر ... دونك فاربع إن ذا سير نكر والظهر: جمع ظهير، وهو ما قوي واشتد ظهره من الدواب.

قال أبو عبيد: ومن أمثال العوام في هذا " رجع فلان من حاجته بخفي حنين "؟ وذكر خبره عن بعض العلماء -.

ع: اختلف العلماء في هذا الخبر، فقال أبو اليقظان: كان حنين رجلاً قد ادعى في قريش وانتمى إلى أسد بن هاشم، فجاء إلى عبد المطلب وعليه خفان أحمران وقال: يا عم، أنا ابن أخيك أسد بن هاشم، فقال عبد المطلب: لا وثياب هاشم، ما أعرف فيك شمائل هاشم، فرجع عنه خائباً إلى قومه، فقالوا: رجع حنين بخفيه، أي رجع لم يقبل فيلبس خف أبيه.

وقال الشرقي بن قطامي أو غيره: هو حنين العبادي من أهل دومة الكوفة المغني المشهور وهو الذي يقول:

أنا حنين وداري النجف ... وما نديمي إلا الفتى القصف وكان من قصته أن دعاه قوم من أهل الكوفة إلى الصحراء ليغنيهم فمضى، فلما سكر سلبوه ثيابه وتركوه عرياناً في خفيه. فلما رجع إلى أهله وأبصروه بتلك الحال قالوا: جاء حنين بخفيه، ثم قالوا: " أخيب من حنين " فصار مثلاً لكل خائب. وقالوا أيضاً: " أخلف من خفي حنين "؛ وقال الشاعر:

؟؟؟؟؟ وما زلت أقطع عرض البلادمن المشرقين إلى المغربين
وأدرع الخوف تحت الرجاوأستصحب الجدي والفرقدين

وأطوي وأنشر ثوب الهموم ... إلى أن رجعت بخفي حنين وقال كراع في المنضد: ليس في الكلام صفة على مثال إفعال (بكسر الهزة) إلا رجل إسكاف وماء إسكاب وسمن إذواب؛ [يقال: إن حنيناً كان إسكافاً].

؟ باب طلب الحاجة من غير موضعها

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم " لم أجد لشفرة محزا " أي ليس لي متقدم في طلب الحاجة؛ قال أبو عبيدة: وفي مثل هذا " كدمت غير مكدم " ونحو هذا قولهم: " قد نفحت لو تنفح في فحم " وهذا المثل للأغلب في شعر له.

ع: قوله " لم أجد لشفرة محزأ " يعني موضع حز، أي يمضي فيه حزه بها هو القطع، من ذلك قولهم " فلان يقل الحز ويصيب المفصل "، وقال أبو الطيب في معنى هذا المثل فأجاد:

وقد يكهم السيف المسمى منيةوقد يرجع المرء المظفر خائبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأيامنا ما كنت إلا مواهبا»

فآقة ذا أن لا يصادف مضرباً ... وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا وأما قوله " كدمت غير مكدم " فإن الكدم العض بالفم كله، يقول: عضضت في غير موضع عض، وقد يكون العاض يؤلم نفسه بما عض عليه ولا يألم المعضوض كما قال الأعشى:

كناطح صخرة يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل ومن هذا قولهم " عهو يعض عليه الأرم " في تفسير من قال: الأرم الحصى. وقال الأعشى أيضاً في مثله:

فعص حديد الأرض إذ كنت ساخطاً ... بفيك وأحجار الكلاب الرواهصا وأما قوله " مفخت لو نفخ في فحم "، وهو في شعر الأغلب، فليس ما أورده شعراً ولا رجزاً، وهو شطر من رجز قاله الأغلب يوم الزويرين، وهو يوم كان لبكر على بني تميم، وأول الرجز:

جاؤوا بزوريهم وجئنا بالأصمشيخ قديم العهد من عهد ارم

يقول فيه:

نفختم لو تنفخون في فحم ... وكانت بنو تميم أتوا ببعيرين وعقلوهما، وقالوا: هذان زويرانا لا نفر حتى يفر هذان، فهزمتهم بنو بكر وأخذوا الزويرين. وكل شيء يعقل عند الحرب من ردجل أو دابة فيقال: لا نفر حتى يفر هذا، يقال له وزير. وفي اشتقاقه قولان: أحدهما أنه زار وأزار قومه الموت، والثاني أن اشتقاقه من اللزوم لموضعه، ولذلك سمي ملازم النساء ومحادثهن زيراً. وممن جعل نفسه زويراً من المشهورين: حرب بن أمية، يوم الفجار الأكبر، عقل نفسه ذلك اليوم فكان لقومه الظفر، وحضير الكاتب الأوسي، عقل نفسه وجعلها زويراص يوم بعاث، وجعل الناس جمل عائشة ﵂ يوم الجمل زويراً فأناخوه وهي عليه وقالوا: لا نفر حتى يفر هذا، فلم يصبر أحد في الحروب صبرهم، ورمي هودج عائشة ﵂ بالسهام حتى صار كالفرخ المقضب، وكان قد حصن عليها غاية التحصين.

؟ باب التفريط في الحاجة وهي ممكنة ثم تطلب بعد الفوت

قال أبو عبيد: من أمثالهم ف التفريط " الصيف ضيعت اللبن " قال:

وصاحبه عمرو بن عمرو بن عدس، - وذكر القصة إلى قوله " الصيف ضيعت اللبن ".

ع: وتمام الحديث على ما رواه ابن الأعرابي فبعث إليها بلقوحين وراوية من لبن، فأتاها الرسول وقال: إن أبا شريح بعث إليك بهذا، ويقول لك " الصيف ضيعت اللبن " فقالت وعندها عمير وحطأت بين كتفيه " هذا ومذقة خير "؟ فأرسلتها مثلاً؟ يضرب للشيء القليل المعجب الموافق للمحبة دون الكثير المبغض، هكذا أورد ابن الأعرابي تمام الخبر عن المفضل، الذي أورد أبو عبيد أوله عنه.

وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فذكر أن دختنوس بنت لقيط، كانت تحت عمرو بن عمرو بن عدس، وكان شيخاً أبرص، فوضع رأسه ذات يوم في حجرها فأغفى فسال لعابه فانتبه فألفى دخنتوس تأفف، أي تقول: أف أف، فقال: أيسرك أن أفارقك؟ قالت: نعم، فطلقها فنكحت فتى ذا جمال وشباب من بني زرارة، ثم إن بكر بن وائل أغارت على بني دارم فأخذوا دخنتوس سبية وقتلوا زوجها فأدركهم الحي، فقتل عمرو بن عمرو ثلاثة منهم وكان في السرعان وسل منهم دختنوس وجعلها أمامه وهو يقول:

أي خليليك رأيت خيرا ... أألعظيم فيشة وأيرا أم الذي يأتي العدو سيرا ... وردها إلى أهلها فتزوجت بشاب آخر منهم وهو عمير بن معبد بن زرارة، ثم إنهم أجدبوا فبعثت دختنوس إلى عمرو خادمها وقالت لها: قولي لأبي شريح يبعث إلينا حلوبة، فقال لها عمرو " الصيف ضيعت اللبن " فذهبت مثلاً،

فقالت حين سمعت ذلك وضربت بيدها على منكب زوجها " هذا ومذقة خير "؟ فذهبت مثلاً -.

وذكر أبو سليمان أن هذا المثل يروى " الصيف ضيحت اللبن "؟ بالحاء بدلاً من العين؟ من الضياح والضيج، وهو اللبن الممذوق الكثير الماء، يريد: الصيف أفسدت اللبن وحرمته نفسك. وقد ذكر أبو عبيد في الكتاب وجهين في تخصيص الصيف، وهما صحيحان.

وقالت دخنتوس ترثي عمير بن معبد بن زرارة ابن عمها الذي خلف عليها بعد عمرو بن عمرو بن عدس:

أعين ألا فابكي عمير بن معبدوكان ضروباً باليدين وباليد تعني بالسيف والقداح

؟ باب إبطاء الحاجة وتعذرها حتى يرضى صاحبها بالسلامة

قال أبو عبيد: من أمثالهم المشهور:

" ليت حظي من أبي كرب ... سد عني خيره خبله " قال: ويقال إنه لامرأة من الأوس، قالته في تبع أبي كرب حين قدم المدينة فأطمعت أن تنال من خيره فقالت هذه المقالة.

ع: ويروى أن يسد خيره خبله، وكان من خبر هذه المرأة أن الفطيون صاحب زهرة من ناحية المدينة كان قد ملك أهل يثرب حتى لا تدخل عروس على زوجها حتى يؤتى بها فيفتضها، فزوج مالك بن العجلان أختاً له فلما أقعدت في منصتها خرجت على نادي قومها كاشفة عن ساقيها، فقام إليها مالك أخوها فقال: ويحك، لقد فضحتني، فقالت: ما تريد أنت في أعظم من ذلك، يضهب بي إلى غير زوجي فيعتذرني فقال: صدقت وأبيكن لذلك أعظم من هذا، فلما أمسى توشح بسيفه ثم خرج مستخفياً مع النساء اللواتي يذهبن بها إلى الفطيون، حتى أدخلتها على الفطيون ثم خرجن عنها، وكمن مالك في ناحية من نواحي البيت، فلما أغلق عليهما، خرج مالك فضربه بالسيف حتى برد وقال:

إني امرؤ من بني سالموأنت امرؤ نجس من يهود

فلا تحسبن طلابي إليك ... كالخطب خطب اللئيم الزهيد ثم لحق باليمن فساق تبعاً أبا كرب إلى يثرب، فلما نزل تبع بقرب فنائه طرق مالك قومه، وقال: جئتكم بعز الدهر، بأبي كرب، فقالت عجوز من بني سالم:

ليت حظي من أبي كرب ... سد عني خيره خبله فأثخن تبع في يهود حتى ذلوا لأهل يثرب من الأوس والخزرج.

وقال ابن إسحاق: الفطيون هو من بني قريظة، والصحيح أنه عامر بن عامر ابن حارثة بن عمرو بن الحارث محرق بن عمرو مزيقيا، وعامر بن حارثة هو أخو الأوس والخزرج ابني حارثة، ولكن عامراً منهم تهود ورأس يهود.

؟ باب الحاجة تؤدي صاحبها إلى تلف النفس

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " كطالب القرن فجدعت أذنه " أي جاء يطلب زيادة فأتلف ما عنده.

ع: أكثر استعمال الجدع في الأنف وأما في الأذن فالصلم، وفي القرن العضب. وقد جاء الجدع في الأذن، وروي أن رسول الله ﷺ، خطب على ناقته الجدعاء، وهي المقطوعة الأذن، وهي العضباء والقصواء أيضاً، فكل ذلك قد ذكرت وهي كلها في الأذن إلا أن القصواء أقلها قطعاً، ثم الجدع، فإذا جاوز القطع الربع فهو لعضب. وهذا المثل إنما أصله للنعمان، يقال: كالنعامة ذهبت تطلب قرنين فرجعت مصلمة الأذنين؛ وقال أبو العيال:

أو كالنعامة إذ غدت من بيتهالتصاغ قرناها، بغير أذين
فاجتثت الآذان منها فانثنتصلماء ليست من ذوات قرون ولذلك تسميها العرب سكاء ومصلمة، قال زهير:
أسك مصلم الأذنين أجنىله بالسي تنوم وآء وقالت أخت عمرو بن معد يكرب:
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمفمشوا بآذان النعام المصلم وقال الشاعر في معنى هذا المثل:

طلبت بك التكثير فازددت قلةً ... وقد يخسر الإنسان في طلب الربح قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " كالباحث عن الشفرة " أي أنه يبحث ليطلب معاشاً فسقط على شفرة فعقرته أو قتلته.

ع: قال الفرزدق في هذا المثل:

وكان يجير الناس من سيف مالكفأصبح يبغي نفسه من يجيرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وكان يجير الناس من سيف مالك»

فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت الثرى تستثيرها قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " سقط العشاء به على سرحان " قال: وأصله أن رجلاً خرج يطلب العشاء فوقع على ذئب فأكله، وقال المفضل: دابة [خرجت] تطلب العشاء.

ع: وقال ابن السكيت: كان سرحان بن معتب بن الأجب بن الغوث بن

عتريف الغنوي قد حمى مكانه فمر رجل من بني أسد بذلك المكان، وهو مكلئ، فقال: أشهد أن لا يمنعني خوف سرحان من أن أعثى إبلي الليلة، فرعاها، فمر به سرحان فقتله فقال: هزلة بن معتب أخوه لامرأة الأسدي المقتول، وكان يقال لها نصيحة:

أبلغ نصيحة أن راعي إبلهاسقط العشاء به على سرحان
سقط العشاء به على متقمرلم يثنه خوف من الحدثان قوله: متقمر أي يرعى إبله في القمر

قال أبو عبيد: ومنه قولهم " كمبتغي الصيد في عريسة الأسد "

ع: البيت لابن الرقاع، وصدره:

إنك والشعر إذ تزجي قوافيهكمبتغي الصيد في عريسة الأسد ؟ باب الحاجة يقدر عليها صاحبها متمكنا

قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: من أمثالهم السائرة في هذا: " خلا لك الجو فبيضي واصفري " قال: وهذا المثل يروى عن ابن عباس أنه قاله لابن الزبير حين خرج الحسين بن علي إلى العراق فلقي ابن عباس ابن الزبير فقال:

" خلا لك الجو فبيضي واصفري، هذا حسين يخرج إلى العراق ويخلي لك الحجاز " ن قال أبو عبيد: وهذا مثل في شعر قديم.

ع: هذا المثل لكليب بن ربيعة وهو كليب وائل، كان له حمى لا يقرب، فباضت فيه قبرة فأجارها، وقال يخاطبها:

يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري ... وإنما يصفر الطائر ويتغنى في الخصب، فدخلت ناقة البسوس الحمى، فوطئت بيض الحمرة، فكسرتهان فرمى كليب ضرعها، فقتل كليب جساس وهاجت من أجلها حرب البسوس، فركدت بين ابني وائل أربعين عاماً.

وقال الشاعر:

كليب لعمري كان أكثر ناصراًوأيسر جرماً منك ضرج بالدم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

رمى ضرع ناب فاستحر بطعنةٍ ... كحاشية البرد اليماني المسهم ومن كتاب ابن كرشم: أن أول من قال " خلا لك الجو فبيضي واصفري " طرفة، وذلك أنه قال لأمه، وهو غلام: إني أريد صيد القنابر فابعثي أمتك

مع البهم، فقالت له أمه: يا بني، إن المضيع من وكل ماله وأضاع عياله، وإنها أرسلت أمتها مع البهم، وخرج طرفة وصاحب له معهما فخ حتى أتيا مكاناً كانا يعهدان به القنابر كثيرة، فنصبا الفخ، وتنحيا غير بعيد، فجعلت قبرة تحوم على الفخ فأخطأها، فأقبل طرفة نحو فخه وهو يقول:

قد يعثر الجوادوتمحل البلاد

وتنهب التلاد ... ويضعف الجلاد والفخ قد يعاد ... ثم نصب فخه، فوقعت القنابر حول فخه، وأقبلن يحدن عنه ويلقطن ما أصبن، فلما طال به ذلك ضجر وانتزع فخه وهو يقول:

قاتكلن الله من قنابرمهتديات بالفلا نوافر

ولا سقيتن معين الماطر ... ولا رعيتن جنوب الحاجر وانصرف هو وصاحبه راجعين، ونظر فإذا بالقنابر قد سقطن بالمكان الذي كان نصب فيه فخه ليلتقطن فقال:

يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري ... فلما أتى منزله ورأته أمه لم يصنع شيئاً قالت: لقد حدك حاد وصدك صاد، فقال لها طرفة:

ما كنت محدوداً إذا غدوتوما رأيت مثل ما لقيت
من طائر ظل بنا يحوتينصب في اللوح فما يفوت

فقالت له أمه: إني لأرجو أن تكون شاعراً وأن تشبه خالك.

يقال: حتا يحتو وحات يحوت: إذا أسرع.

؟ باب الحاجة يحملها الرجل صاحبه المستغني عن الوصية

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " الحريص يصيدك لا الجواد "

ع: قوله: يصيدك، يريد: يصيد لك، قال سليك بن السلكة:

ويحضر فوق نص الحضر نصاً ... يصيدك قافلاً والمخ رار وهي أبيات؛ وأنشد أبو عبيدة شاهداً على " كالوهم أو وزنوهم " أي كالوا لهم، قول خفاف بن ندبة:

إذا طابقن لا يبقين زخا ... يصيدك قافلاً والمخ رار يعني فرسه. يقول: يصيد لك ما شئت بعد الأين والإعياء وأنت قافل به من سفرك، أي صادر. ويقال: مخ رار ورير إذا كان رقيقاً، ومخ الهزيل يرق، فإذا خرج المخ بدقةٍ واحدة فهو " دالق " وإذا لم يخرج إلا بدقات فهو " قصيد " وإذا لم يخرج إلا بخلال فهو " مكاكة ".

؟ باب قضاء الحاجة قبل سؤالها

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " عينه فراره " يقول: منظره يغنيك عن مسألته، والفرار: اختبار الشيء ومعرفة حاله كما تفر الدابة.

ع: قال الباهلي: معناه لا تفره عن نسب أو خبر، فإنه إذا رئي دلت عليه رؤيته، وأعربت عن كرمه حضرته، ولم يحتج أن يفر عن شيء، وعينه: نفسه، كقولهم: لا أقبل إلا درهمي بعينه. وقولهم " لا أطلب أثراً بعد عين " أي لا أطلب أثر الشيء بعد الشيء نفسه.

قال أبو عبيد: وقال أبو الأسود الدؤلي يمدح المعطي قبل المسألة:

" وإن أحق الناس إن كنت مادحاً ... بمدحك من أعطاك والوجه وافر " هـ: دخل أبو الأسود الدؤلي على بعض إخوانه فرأى عليه ثوباً قد خلق، فقال له: يا أبا الأسود: أما آن لهذا الثوب أن يبدل؟ فقال: " رب مملول لا يستطاع فراقه " فبعث إليه صديقه ذلك بعد أثواب، فقال أبو الأسود يمدحه:

كساك ولم تستكه فشكرتهأخ لك يعطيك الجزيل وناصر

وإن أحق الناس، إن كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر قال أبو عبيد: وقال الآخر في المعطي قبل المسألة:

" أعطاك قبل سؤالهفكفاك مكروه السؤال " ع: قبل هذا البيت:
وفتى خلا من مالهومن المروءة غير حال
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «وفتى خلا من ماله»

أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال والشعر لصريع الغواني، يقوله في مدحبعض البرامكة، ولله أبو تمام في قوله:

وما أبالي القول أصدقهحقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي وقال الآخر:
أحسن المعروف ما لمتبتذل فيه الوجوه

؟ باب انصراف الرجل عن الحاجة

وهي مقضية أو غير مقضية

قال أبو عبيد: قال أبو زيد: يقال " جاء فلان من حاجته وقد لفظ لجامه " إذا انصرف عنها مجهوداً من الأعياء والعطش.

قال: ومثله " جاء وقد قرض رباطه ".

ع: المحفوظ عن أبي زيد " جاء فلان وقد دلق لجامه "، وأما قولهم " قد قرض رباطه " فإن أكثر ما يكنى به عن الرجل إذا مات، تقول العرب للرجل إذا مات: " ضحى ظله ولعق إصبعه " و " قرض رباطه " و " عطست به اللجم ".

قال أبو عبيد: قال الأحمر: فإن جاء ولم يقدر على شيء قيل " جاء على غبيراء الظهر ".

ع: قال أبو زيد " ترك فلان أباه على غبيراء الظهر " و " تركه باست الأرض " إذا تركه وليس له شيء. وقال غيره: تركه على غبيراء الظهر. ومعناه: أنه لما لم ينجح سعيه ولا ظفر بحاجته، كان كمن ارتاد مرعى، فصادف أرضاً غبراء الظهر قليلة الماء، وعلى هاهنا بمعنى عن، كما قال القحيف:

إذا رضيت علي بنو قشيرلعمر الله أعجبني رضاها والتصغير في المثل بمعنى التعظيم، كما قال الشاعر:

وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل قال أبو عبيد: فإن جاء بعد الشدة قيل " بعد اللتيا والتي " يريد الشدة العظيمة والصغيرة، ومنه قول الشاعر يذكر قبيلة:

وكفيت جانيها اللتيا والتي ... ع: تصغير التي: اللتيا واللتيا؟ بالفتح والضم؟ وكذلك تصغير الذي؟ اللذيا واللذيا، والشاعر الذي ذكره هو سلمي بن ربيعة الضبي، قال:

ولقد رأبت ثأى العشيرة بينهاوكفيت جانيها اللتيا والتي
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة
وصفحت عن ذي جهلها ومنحتهاحلمي ولم تصب العشيرة زلتي

قال الخليل: لفظ التصغير على أربعة أنحاء: تصغير وتعظيم وتقريب وتحنين، وأنشد سلمة عن الفراء للكميت:

فإن أدع اللواتي من أناسٍ ... أضاعوهن لا أدع الذينا فان " الذين " هنا لا صلة لها، يقول: إن أدع ذكر النساء لا أدع ذكر الرجال.

؟ باب اغتنام الفرصة عند إمكان الحاجة

قال أبو عبيدة: من أمثالهم في ذلك " من عال بعدها فلا اجتبر " وهذا المثل لعمرو بن كلثوم في شعر له.

ع: يقول عمرو بن كلثوم، وقد أراد الغارة على بني حنيفة ورأى كثرة نعمهم، فقال:

من عال مني بعدها فلا اجتبرولا سقى ولا رعى الشجر
بنو لجيم وجعاسيس مضربجانب الدو يدهدون العكر
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «من عال منا بعدها فلا اجتبر»

؟ باب تيسير الحاجة على قوم بضرر آخرين

قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا " نعم كلب في بؤس أهله " يريد أن الكلب ينعم لأن إبلهم تسقط وتتماوت.

ع: نقل أبو علي ذلك فقال: يقال في مثل: " نعيم كلب في بؤس أهله، وفي بئيس أهله "؟ لغتان؟ يضرب هذا للإنسان إذا سمن وأكل من مال غيره. وأصل هذا أن كلباً سمن من أكل جيف الأنعام، ونعم وأهله بائسون.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.