من «شرح القصائد العشر» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
معلقة لبيد بن ربيعة العامري
وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن معد بن عدنان، وكان يكنى أبا عقيل:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَابِمِنًى تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَمُهَا
الأول من الكامل، والقافية متدارك.
عفت: درست، وتأبد: توحَّش، أبدت الدار تأبد أبودا وتأبدت تأبدا إذا توحشت، والأوابد: الوحش، واحدها آبدة، ومنه أوابد الشعر المشار إليه بالجودة، والمحل: حيث يحل القوم من الدار، والمقام: حيث طال مكثهم فيه، وكذلك المصدر المقام من الإقامة، فإن كان من قام فالموضع والمصدر جميعا مقام بفتح الميم، ومحلُّها: بدل من الديار، ومنى: موضع قريب من طخفة بالحمى، والحمى حمى
ضرية، وقال: المراد منى مكة، وهي تؤنث وتذكر، فمن أنث لم يصرفها، ومن ذكر صرفها، وسميت منى لأن آدم لما انتهى إليها قيل له: تمن، قال: أتمنى الجنة، وقيل: سميت منى لما يُمنى فيها من الدم، وقيل: لما يُمنى فيها من ثواب الله، والغول والرجام: بنفس الحمى، وقال بعض الرواة: الغول والرجام جبلان، وقيل: الغول ماء معروف، والرجام: الهضاب واحدتها رجمة، والرجام في غير هذا: حجارة تجمع تجعل أنصابا ينسكون عندها ويطوفون بها، واحدتها أيضا رجمة.
فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّىَ رَسْمُهَاخَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلاَمُهَا
المدافع: مجاري الماء، وهو التلاع، والريان: واد بالحمى، ويروى (فصدائر الريان) وهو ما صدر من الوادي، وهو أعلاه (عُرى رسمها خلقا) أي ارتحل عنه فعُري بعد أن أخلق لسكونهم إياه (كما ضمن الوحي سلامها) الوحي: جمع وحي، وهو الكتاب، والمعنى: أن آثار هذه المنازل كأنها كتاب في حجارة؛ لأنه لا يتبين من بعيد، لأن نقشه ليس بشيء مخالف للونه، فإنما يتبين لمن يقرب
منه،
والسِّلام: الحجارة، الواحدة سلمة، و (خلقا) منصوب على الحال من الرسم، والكاف منصوبة بعُرى، وما: مصدرية، ويروى (كما ضمن الوَحي) بفتح الواو، وأصلاه الموْحُوُّ، فصرف عن مفعول إلى فعيل، كما قالوا مقدُور وقدير، ومقتُول وقتيل.
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَاحِجَجٌ خَلَوْنَ حَلاَلُهَا وَحَرَامُهَا
الدمن: جمع دمنة، وهي الآثار وما سودوا بالرماد وغير ذلك، وتجرَّم: تقطع، وقيل تكمل، وحول مجرم: مكمل، وقوله (بعد عهد أنيسها) أي بعد نزول الأنيس فيها، والحجج: السِّنُونَ، الواحدة حجة بكسر الحاء، ويقال (حَجَّ حِجَّة) بكسر الحاء، أي عمل عمل سنة، ولا يقال: حَجَّة بالفتح لانك لا تريد قصدة واحدة، فإن أردت المصدر قلت: حَجَجْتُ حَجَّا، و (حلالُها) يريد به الشهور الحلال، و (حرامها) يريد الشهور الحُرم، ورفع حلالها على إنه بدل من حِجَج، وحرامُها معطوف عليه، ويروى (دمنا تجرم) بالنصب على الحال من الديار والمنازل المذكورة، والحجج رفع بتجرَّم.
إن قيل: حجج يقع للقليل والكثير، ولا يدري حقيقة ما أراد من المدد، فما معنى تكمل سنين لا يعرف كم هي؟
فالجواب على ما حكاه ابن كيسان عن بندار أن من الناس من يتجنَّب دخول الديار في شهور الحل، وهي ثمانية، ويدخلها في الشهور الحرم، وهي أربعة: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأنه آمن، وهذا يصف أن هذه الديار لا يدخلها آمن ولا خائف لخرابها، فقد تكملت لها أحوال على هذا يؤكد بها محو آثارها.
رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ، وَصَابَهَاوَدْقُ الرَّوَاعِدِ جَوْدُهَا فَرِهَامُهَا
ورواه الأصمعي: (مرابيع السحاب) وواحد المرابيع مرباع، وهو المطر الذي يكون في أول الربيع، وأضاف المرابيع إلى النجوم لأنه يقال: مُطرنا بنوء كذا
وكذا، وأراد بمرابيع النجوم نجوم الوسمي وهذا تمثيل؛ لأن المرباع في الأصل هي التي نتجت في أول الربيع، وصابها وأصابها بمعنى واحد، والودق من المطر: الداني من الأرض، ويقال: ودَقَ يَدِقُ؛ إذا دنا، والرواعد: السحائب ذوات الرعد، واحدتها راعدة، والجود: المطر الشديد الكثير، والرهام: جمع رهمة، وهي المطرة اللينة، يصف الأمطار بأنها مالت على هذه الديار فعفت آثارها.
مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُدْجِنٍوَعَشِيَّةٍ مُتَجَاوِبٍ إِرْزَامُهَا
سارية: سحابة تجيء ليلا، وغاد: يجيء بالغداة، ومدجن: من الإدجان وهو إلباس الغيم السماء، وإرزامها: تصويتها بالرعد، وإرزام الناقة: حنينها على ولدها، ويقال: سحابة رزمة مصوتة بالرعد، ويوم مُدجن: مُتغيم من أوله
إلى آخره، وأنث السارية على معنى السحابة، وذكَّر (غاد) على معنى السحاب، ومن من صلة صابها، ويروى (أرزامها) بفتح الهمزة، أي لكل واحد منها رزمة، أي صوت شديد، وقال أهل اللغة: الهاء في قوله (أرزامها) تعود على العشية.
فإن قال قائل: فهل للعشية صوت؟
فالجواب على هذا أن التقدير: وسحاب عشية متجاوب إرزامها، ثم حذف.
فَعَلاَ فُرُوعَُ الأيْهُقَانِ، وَأَطْفَلَتْبِالجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا
ويروى (فَغَلا) بغين معجمة، أي ارتفع وزاد، من قولهم: قد غلا السعر؛ إذا ارتفع، وغلا الصبي يغلو؛ إذا شب، وفعل ذلك في غلوائه: أي في شبابه، ويروى (فاعتم نورُ الأيهقان) واعتم: ارتفع، ومن نصب (فروع الإيهقان) فمنعاه علا السيل فروع الإيهقان، والرفع أجود؛ لأن المعنى فعاشت الأرض وعاش ما فيها، ألا ترى أن بعده (وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها) وقوله (أطفلت) إنما يقال أفرخ النعام، وأرأل، وإنما قال هذا لأن الفرخ بمنزلة الطفل، فصار بمنزلة قول الشاعر:
يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَامُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحا
فحمله على المعنى؛ لأن السيف يُحمل، كأنه قال: ويحمل رمحا، والفروع: الأعالي، والأيهقان: جر جير البر، الواحد أيهقانة، والجلهتان: جانبا الوادي، وهما ما استقبلك منه، يصف أن هذه الديار خلت فقد كثر أولاد الوحش بها، لأمنها فيها.
وَالعِينُ سَاكِنَةٍ عَلَى أَطْلاَئِهَاعُوذاً تَأَجَّلُ بالْفَضاءٍ بِهَامُهَا
العين: البقر، واحدتها عيناء، والذكر أعين، وسميت عينا لضخم عيونها،
وساكنة: مطمئنة، وأطلاؤها: أولادها، الواحد طلا، والعوذ: الحديثات النتاج، وتأجل: تصير آجالا الواحد إجل، وهو القطيع من الظباء والبقر والشاء، وقال ابن الأنباري: الإجل القطيع من الظباء، وربما استعمل في البقر، والصُّوار: القطيع من البقر خاصة، والفضاء: المتسع من الأرض، والبهام: جمع بهمة، وهي من أولاد الضأن خاصة، ومجرى البقرة الوحشية مجرى الضائنة في كل شيء، ومحرى الأروبة مجرى الماعزة، وعوذا: منصوب على الحال، يصف أن هذه الديار صارت مألفا للوحش لخلائها، وقال أبو زيد: يقال لولد الغنم ساعة تضعه أمه من المعز والضأن جميعا ذكرا كان أم أنثى: سخلة، وجمعه سخال، ثم هي البهمة للذكر والأنثى، وجمعها بهم.
وَجَلاَ السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَازُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلاَمُهَا
أي جلت السيول التراب عن الطلول، أي كشفته، وكل جلاء كشف، ومنه جلاء العروس، ومنه الجلية الأمر الواضح، والطلول: ما شخص من آثار الدار، وزبر: جمع زبور، وهو الكتاب، فعول بمعنى مفعول، زبرت الكتاب: كتبته، وذبرته: قرأته وتجد: أي تجدد، أي يعاد عليها الكتاب بعد أن درست، ومتونها: ظهورها وأوساطها، وأرادها كلها، ولم يخص المتون، والهاء في (كأنها) تعود على الطلول، وفي (أقلامها) تعود على الزُبُّرُ، يصف
أن هذا السيل قد كشف عن
بياض وسواد، فشبهه بكتاب قد تطمس، فأعيد على بعضه وترك ما تبين منه؛ فكأنه مختلف، وكذلك آثار هذه الديار.
أو رَجْعُ وَاشِمَةٍ أُسِفَّ نَؤُورُهَاكِفَفاً تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَا
الرجع: تريدها الوشم، والواشمة: التي تشم يديها، تضربها بالإبرة ثم تحشوها النؤور، والنؤور: حصاة مثل الإثمد تدق فتسفه اللثة واليد فتسودهما، وأصل الإسفاف الإقماح. ومعنى (أسف) سُقى وذُر عليه النؤور، والكفف: الدارات من النقش، الواحدة كُفة، وهي كل دارة وحلقة، وأصله من الكف وهو المنع؛ ومنه سميت اليد كفا؛ لأن الإنسان يمتنع بها، وتعرَّض: أقبل وأدبر، ومنه يقال (تعرض فلان في الجبل) ومن روى تعرض بفتح الضاد جعله ماضيا، ومن روى تعرض بضم الضاد أراد تتعرض ثم حذف إحدى التاءين، ورفع لأنه يريد الفعل المستقبل، وكففا: منصوب على إنه خبر ما لم يسم فاعله يريد أن هذه الديار كهذا الكتاب أو كهذا الوشم الذي هذه صفته.
فَوَقَفْتُ أَسْأَلْهَا، وَكَيْفَ سُؤَالُنَاصُمًّا خَوَالِدَ مَا يَبِينُ كَلاَمُهَا؟
ويروى (سُفعا) وهي الأثافي، والسُفعة: سواد إلى الحمرة، والصم: الصخور، والخوالد: البواقي، وقوله: (كيف سؤالنا) تعجب، يقول: كيف تسأل ما لا يفهم،
وقوله (ما يبين كلامها) أي ليس لها كلام فيتبين وقيل: أن المعنى ليس بها من الأثر ما يقوم مقام الكلام فيبين لنا قُرب العهد أو بعده، ومعنى (خوالد) أي لم تذهب آثارها فيذهل عنها.
عَرِيَتْ وَكَانَ بِهَا الجَمِيعُ، فَأَبْكَرُوامِنْهَا، وَغُودِرَ نُؤْيُهَا وَثُمَامُهَا
عربت: أي خلت من أهلها، وهذا تمثيل، كأنه جعل سكانها بمنزلة اللباس لها لأنهم يغشونها بإبلهم ومواشيهم، وقوله (فأبكروا منها) فيه قولان: أحدهما أنهم ارتحلوا منها بكرة، يقال: بَكَر وأبْكَرَ وبَكَّرَ وابْتَكَر، والقول الآخر أن معناه ارتحلوا في
أول الزمان، ومنه الباكورة؛ وغودر: تُرك وخُلف، وسمي الغدير غديرا لأن السيل غادره، أو لأن المسافرين يمرون به وهو ملآن ثم يرجعون فلا يجدون فيه شيئا فكأنه غدر بهم، والنؤى: حاجز يجعل حول الخباء لئلا يصل السيل إليه، والثمام: نبت يجعل حول الخباء أيضا ليمنع السيل، ويقي الحر، ويلقونه على بيوتهم وعلى وطاب اللبن؛ لأنه أبرد ظلا.
شَاقَتْكَ ظُعْنُ الحَيِّ يَوْمَ تَحَمَّلُوافَتَكَنَّسُوا قُطْنُاً تَصِرُّ خِيَامُهَا
شاقتك: أي دعتك إلى الشوق اليها، والظعن: النساء اللواتي في الهوادج، وتحملوا: ارتحلوا بأحمالهم، وتكنسوا: دخلوا في الهوادج، شبهها بالكنس الواحد كِناس، وهو شيء يتخذه الظباء: تجذب أغصان الشجرة فتقع إلى الأرض؛ فيصير بينها وبين ساق الشجرة مدخل تستظل به، والقطن: جمع
قطين وهم الجماعة، والقطن أيضا: الحشم والضبنة والقطين: الجيران، والقطين أيضا: العبيد، ويكون قُطُنا على هذا ينصب على الحال، وقال أبو جعفر: معنى قوله (فتكنسوا قطنا) يريد ثياب قطن قال: وليس القطين هنا معنى، قال: والدليل على إنه عنى أغشية القطن قوله في البيت الذي بعده (من كل محفوف يظل عصيه زوج، البيت) وقوله (تصر خيامها) أي تعجل بهن إبلهن فتهز الخشب فتصر، وقيل: إنما تصر لأنها جدد، وقيل: تصر من ثقلها.
مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُزَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وَقِرَامَهَا
المحفوف: الهودج قد حُف بالثياب، أي جعلت على أحفته، وهي جوانبه، الواحد حفاف، وعصيه: خشبه، والزوج: النمط الواحد، والكلة: الستر الرقيق، والقرام: يجعل فوق الفراش تحت الرَّجُل والمرأة، والقِرَام والمقرم: ما يُغَطِّى به الشيء، يقال: قرمته أقرمه.
زُجَلاً كَأَنَّ نِعَاجَ تُوضِحَ فَوْقَهَاوَظِبَاَء وَجْرَةَ عُطّفاً أَرَْءامُهَا
زُجل: جماعات، الواحدة زُجلة، والنعاج: البقر الوحشية، ولا يقال إلا للإناث منهن، وتوضح ووجرة: موعان، وعطف: ملتفتات،
وقيل: متحننات على أولادهن، ومن روى زجلا فالواحد عنده زاجل، وهو الصيت، وزُحلا: منصوب على الحال من الضمير الذي في (تحملوا) وقوله: (فوقها) الهاء تعود على الهوادج، ويجوز أن تعود على الإبل، وعطفا: منصوب على الحال، ويجوز (عُطَّف أرآمها) على أن يكون المعنى أرآمها عطف.
حُفِزَتْ وَزَايَلَهَا السَّرَابُ، كَأَنَّهَاأَجْزَاعُ بِيشَةً أَثْلُهَا وَرِضَامُهَا
حُفزت: دفعت واستحثت في السير، وزايلها السراب: دفعها سراب إلى سراب، ورواها الأصمعي (حزئت وزايلها السراب) وحزئت يهمز ولا يهمز؛ يريد حزاها السراب، أي رفعها، وزايلها: حركها، من قولك: (أزلت فلانا عن مكانه) إذا أحرجته إلى الحركة منه، وقيل: زايلها فارقها، والسراب: لمعان الشمس في الفضاء، وبيشة: موضع، والأثل: شجر، والرضام: جبال صغار، والرضام: صخور عظام يجتمع بعضها إلى بعض، ورضم الحجارة رضما، إذا نضد بعضها على بعض، والواحدة من الرِّضام رَضْمَة ورَضَمَة، وفعال يكون جمعا لفَعْلَة وفَعَلَة جميعا فيقال: صَحْفَة وصِحَاف وثَمَرة وثِمَار.
ومعنى البيت أن هذه الأجمال لما زايلها السراب تبينت كأنها شجر قد ضربته الريح فهو يخفق، أو كأنها جبال صغار.
وأثلها: بدل من أجزاع، ورضامها: معطوف على أثلها.
بَلْ مَا تَذَكَّرُ مِنْ نَوَارَِ وَقَدْ نَأَتْوَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا
نَوار: اسم امرأة، والنَّوار: النفُور من الوحش، نأَت: بعدت، و (أسبابها) السبب: الحبل، وأراد حبال مودتها، ورمام: جمع رمة، وهي القطعة من الحبل المخلقة، والمعنى: ما تذكر من نوار وقد تقطَّع جديد وصلها وقديمه؟ و (بَلْ) هنا لخروج
من حديث إلى حديث، وما في قوله (بل ما تذكَّر) في موضع نصب، والمعنى أي شيء تذكَّر، والأصل تتذكر ثم حذف إحدى التاءين.
مُرِّيَّةٌ حَلَّتْ بِفَيْدَ، وَجَاوَرَتْأضهْلَ الحِجَازِ، فَأَيْنَ مِنْكَ مَرَامُهَا؟
ويروى (وجاورت أهل الجبال) وحلت: نزلت، ومُرية: منسوبة إلى مُرة بن عوف بن سعد بن ذُبيان بن بغيض، ومرامها: مطلبها، ويروى (مُرية) على البدل من نوار.
ومعنى البيت أنها مرية، وليست من أهلك، وقد حلت بفيد؛ فقد بعدت عنك - وفيد: موضع في طريق مكة - وهي مجاورة أهل الحجاز وهم أعداؤك فما طلبك لها؟
ثم وصف تنقلها من موضع إلى موضع فقال:
بِمَشَارِقِ الجَبَلَيْنِ أو بِمُحَجَّرٍفَتَضَمَّنَتْهَا فَرْدَةٌ فَرُخَامُهَا
أراد بالجبلين جبلي طيئ أجأ وسلمى، ومحجر - بكسر الجيم - اسم موضع، ويروى عن الأصمعي إنه كان يفتح الجيم، وقال أبو زياد: محجر جبل حوله رمل حُجِّر به، فعلى هذا الجيم مفتوحة، وفردة: أرض، ورخامها: جبل
قريب من فردة، وقال ابن السكيت: هو موضع غليظ كثير الشجر.
فَصُوَائِقٌ أن أَيْمَنَتْ فَمَظَّنِهمِنْهَا وِحَافُ القَهْرِ أو طِلْخَامُهَا
البغداديون يروون (أو طلخامها) بالخاء معجمة، وهو الصواب؛ لأن الخيل ذكر هذا الحرف في باب الخاء فقال: طلخام موضع، والطلخام: الأنثى من الفيلة، وصوائق: موضع، ويروى (فصعايد) وأيمنت: أخذت نحو اليمن، وقيل: أخذت ذات اليمين، وقوله: (فمنظنه منها وحاف القهر) أي موضعها الذي تُظن فيه وتُطلب وحاف القهر، والوحاف: إكام صغار إلى جانب القهر، والقهر: جبل، وواحد الوحاف وحفة ووحف، والمعنى خليق بها أن تكون في هذه المواضع.
فَقْطَعْ لُبَانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُوَلَخَيْرُ وَاصِلِ خُلّةٍ صَرَّامُهَا
ويروى (ولشر واصل خلة) والخُلة: الصداقة، واللبانة: الحاجة، وتعرض وصله: تغير وحال كأنه أخذ يمينا وشمالا، يقال: (تعرض فُلان في الجبل) إذا أخذ يمينا وشمالا، وقال أكثر أهل اللغة: معنى (ولخير واصل خلة صرامها) خير الواصلين من صرم من قطعه، أي كافأه على ما فعل، ومن
روى (ولشر واصل خلة) أي شر الناس من كان يتجنى ليقطع مودة صاحبه، قال أبو الحسن: قال بندار: معنى (ولخير واصل خُلة صرامها) خير الأصدقاء من إذا علم من صديقه أن حاجته تثقل عليه قطع حوائجه منه لئلا يفسد ما بينه، قال بندار: ومثل هذا قول بعضهم: إذا أردت أن تدوم لك مودة صديقك فاقطع حوائجك عنه إذا كنت تكره أن يردك، قال: ومعنى (ولشر واصل خلة صرامها) من صرمه لإنزال الحاجة به، والمعنى يرجع إلى ذلك، فإن كنت تحب مودته فلا تسأله حاجة إذا كان على هذا.
وَاحْبُ المُجَامِلَ بِالجَزِيلِ وَصَرْمُهُبَاقٍ إذا ضَلْعَتْ وَزَاغَ قِوَامُهَا
ويروى (المحامل) والمحامل: المكافئ الذي يحمل لك وتحمل له، والمجامل - بالجيم - الذي يجاملك بالمودة ظاهرا وسره على خلاف ذلك، واحب: من الحباء وهو العطية، وروى أبو الحسن (وزاغ قوامها) والمعنى زاغ استقامتها، ومن روى (قوامها) فمعناه عنده ما تقوم به، ومعنى (ضلعت) مالت وجارت، أي إذا مالت مودته، أضمر المودة ولم يجر لها ذكر؛ لأن المعنى مفهوم، ويقال (حبوته) إذا خصصته بالعطاء، يقول: أخصص من يُظهر لك جميلا بأكثر مما يظهره لك، وصرمه باق: أي ثابت، وقطيعته ثابتة عندك لا تظهرها فاستبقه ولا تعجل بالقطيعة، والواو في قوله (وصرمه باق) واو الحال، وزاغ: مال، والزيغ: الميل.
بِطَلِيحِ أَسْفَارٍ ترَكْنَ بَقِيَّةًمِنْهَا فَأَحْنَقَ صُلْبُهَا وَسَنَامُهَا
الطليح: المعيية، وقيل: المهزولة، أي تركت الأسفار منها بقية، أي بقيت ضامرا،
وقوله (فأحنق) أي ضمر، ولا يقال (أحنق السنام) إنما يقال (ذهب) إلا إنه حمله على المعنى؛ لعلم السامع بما يريد، كما يقال: أكلت خبزاً ولبناً، أي وشربت لبنا، وكقوله:
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداًحَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
والباء في قوله: (بطليح أسفار) متعلقة فاقطع لبانة، أي اقطع حاجتك وحاجة غيرك بهذه الناقة التي من صفتها كذا ليسليك ذهابك عنه.
فَإِذَا تَغَالَى لَحْمُهَا وَتَحَسَّرَتُوَتَقَطَّعَتْ بَعْدَ الكَلاَلِ خِدَامُهَا
تغالى: معناه ذهب وارتفع، قال الأصمعي: معناه ركب رؤوس العظام، وذهب ما سوى ذلك، وتحسرت: معناه تحسر عنها البدن، وقيل: معناه سقط وبرها، وقيل: صارت حسيرا أي معيية، وقيل: هي تفعلت من الحسرة، والخدام: سيور تشد على الأرساغ، الواحدة خدمة، ويقال للخلخال: خدمة، وهذه السيور في موضع الخلاخيل فسميت باسمها، يقول: إذا صارت هكذا فلها هباب.
فَلَهَا هِبَابٌ فيِ الزِّمَامِ كَأَنهَاصَهْبَاءُ رَاحَ مَعَ الجَنُوبِ جَهَامُهَا
هباب: هيج ونشاط، يقول: إذا صارت في هذه الحال لم يذهب نشاطها،
وقوله: (كأنها صهباء) أي سحابة صهباء، وإذا اصهابت وقل ماؤها خفت وسرع مرها، أي لهذه الناقة بعد ذهاب لحمها هباب في الزمام مثل هذا السحاب الذي قد هراق ماءه؛ فأدنى ريح تسوقه.
أو مُلْمِعٌ وَسَقَتْ لأحْقَبً لاَحَهُطَرَْدُ الفُحُولِ وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا
الملمع: التي قد استبان حملها، ويروى (طرد الفحالة ضربها وعذامها) ويروى (وزرُها وكِدامها) والعذم: العض، وكذلك الزَّرُّ والكدم، و (وسقت) قيل: معناه جمعت، قال الله ﷿: (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ) ومنه سمى الوسق، وقيل: معنى وسقت استجمعت، كأنه بمعنى استوسقت، وقال أكثر أهل اللغة: معنى وسقت
حملت، وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد؛ لأن من قال جمعت فمعناه عنده جمعت ماء الفحل فحملت، والأحقب: الذي في موضع الحقب منه بياض، ولاحه: غيره، والطَّرَدُ: اسم، والطَّرْد - بسكون الراء - مصدر، وقوله ضربها يعني ضربها بأرجلها، وكدامها: عضاضها، شبه ناقته بسحاب قد هراق ماءه فهو أسرع لمره، أو بأتان يتبعها حمار هذه صفته.
يَعْلُو بِهَا حَدَبَ الإكَامِ مُجَّجاًقَدْ رَابَهُ عِصْيَانُهَا وَوِحَامُهَا
الحدب: ما ارتفع من الأرض، والإكام: الجبال الصغار، الواحدة أكمة، والمسحج: المعضض قد عضضته الحمير، ويروى (مسحَّجٌ) بالرفع، ويروى (مسحجٍ) بالجر؛ فمن رفعه رفعه بفعله وهو يعلو، ومن رواه منصوبا أضمر في يعلو، وجعل مسحجا حالا من المضمر، ومن جره جعله نعتا لأحقب، وقوله (قد رابه) أي قد استبان الريب، وعصيانها: امتناعها عليه، وقوله: (وحامها) الوحم: الشهوة على الحمل، يقال: امرأة وحمى، ونساء وحام ووحامى، وقد وحمت توحم وحما، قال العجاج:
أَزْمَانَ لَيْلَى عَامَ لَيْلَى وَحَمِى
أي شهوتي وقوله (يعلو بها) أي يعسفها عسفا ليس يهتم إلا بطردها لا يبالي أين سلكت، وإنما يعلو بها خوف الرامي، وقال أبو الحسن: يقال: وحمت توحم، إذا اشتهت الفحل، والمعنى إنها وادق، وإذا تبعها الفحل منعته لأنها حامل فاستراب بها، وإذا امتنعت منه تبعها وكان أحرص عليها، فشبه ناقته بها في سرعتها.
بِأَحِزَّةِ الثَّلَبُوتِ يَرْبأُ فَوْقَهَاقَفْرَ المَرَاقِبِ خَوْفُهَا آرَامُهَا
الأحزة: جمع حزيز، وهو ما غلظ من الأرض، والجمع الكثير حُزَّان، وهو خارج عن القياس؛ لأن نظيره إنما نظيره إنما يجمع على فعلان نحو رغيف ورغفان إلا أن فعيلا وفُعالا يتضارعان، ألا ترى انك تقول طويل وطوال؛ فعلى هذا شبه
فعيل بفعال فقيل حزيز وحزان كما يقال: غلام وغلمان، والثلبوت: ماء لبني ذبيان ويربأ: يعلو ويشرف، وريئة القوم: طليعتهم، والمراقب: مواضع مشرفة ينظر منها من يمر بالطريق، والآرام: حجارة تجعل أعلاما ليعرف بها الطريق.
والمعنى: أن الحمار يخاف من هذه الحجارة إذا رآها؛ لأنه يتوهم إنها مما تخيفه.
حَتَّى إذا سَلَخَا جُمَادَى سِتَّةجَزَآ فَطَالَ صِيَامُهُ وَصِيَامُهَا
ويروى (حتى إذا سلخا جمادى كلها) يعني العير والأتان خرجا منها، وجمادى: شدة القر، وكذلك كان الشتاء في ذلك الزمان وفيها كان يكون أول المطر، فيقول: لما خرج عنهما كلب البرد وأنبتت الأرض استقبلا الجزء فصاما عن الماء، أي عن الانتجاع في طلب الماء؛ لأنهما قد اكتفيا بالرطب، ويقال: طال قيامهما يفكران أين يردان بعد فناء الرطب، والبيت الثاني يبين هذا المعنى، ومعنى قوله (جمادى ستة) - على ما ذكر الأصمعي - جعل الشتاء كله جمادى؛ لأن الماء يجمد فيه، وأنشد:
إذا جُمَادَى مَنَعَتْ قَطْرَهَازَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ
ويروى (جمادى ستة) و (جمادى حجة)، وقال أبو عبيدة: يعني جمادى بعينها؛ فالمعنى على هذا القول: جمادى تمام ستة، كما تقول: اليوم خمسة عشر يوما، أي تمام خمسة عشر يوما، والمعنى إنه قدَّر جمادى انقضاء الستة فلما انقضى الشتاء جزأ، أي اكتفيا بالرطب؛ لأنهما إذا أكلاه استغنيا عن الماء، ومن روى
جزءا جعل هذه الشهور جزءا، ونصب جزءا على البيان، والجزء: الوقت الذي يتجزأ فيه بالرطب عن الماء، وقال أبو الحسن: قال قوم هذا غلط؛ لأن الجزء إنما يكون شهرين، وقال أبو الحسن: قال بندار: أراد جمادى الآخرة، أي ستة أشهر من أول السنة، ونصب ستة على الحال، كأنه قال: تتمة ستة، فجعل جمادى وقتا لانقطاع الجزء، وعلى هذا يصح البيت.
رَجَعَا بِأَمْرِهِمَا إلى ذِي مِرَّةٍحَصِدٍ، ونُجْحُ صَرِيَمةٍ إِبْرَامُهَا
المرَّة: القوة أي رجعا بأمرهما إلى رأى قوي، أي عزما على ورود الماء بعد طول قيامهما، والحصد: المحكم، والصريمة: العزيمة، كأنه قطع الأمر، وأصل الصرم القطع وقوله: (ونُجْح صريمة إبرامها) أي نجاح الأمر في إبرامه، أي إحكامه.
وَرَمَى دَوَابِرَهَا السَّفَا، وتَهِيَّجَتْرِيحُ المَصَايِفِ سَوْمُهَا وَسَهَامُهَا
الدوابر: مآخير الحوافير، واحدتها دابرة، والسفا: سفا البهمى وهو كشوك السنبل، وهو يجف إذا جاء الصيف، واحدته سفاة، والمصايف: جمع مصيف، وسومها: بدل من الريح، وسهامها: معطوف عليه، وقيل: سومها حرُّها،
وقيل: مرُّها، وقيل: اختلاف هبوبها، وهذا أصح الأقوال لأن أبا زيد حكى إنه يقال: سوَّم الرجل يسوم؛ إذا قاتل القوم ففرقهم يمينا وشمالا، وقال أبو العباس: قال أهل النظر في قول الله ﷿: (والخيل المُسوَّمة) هي المهملة كأنها قد تُركت ترعى حيث شائت، ومنه: سامني فلان في البيع، إذا صرفك كذا مرة وكذا مرة، ومنه (أبي فلان أن يُسام خُطة ضيم) والسهام: الريح الحارة.
فَتَنَازَعَا سَبِطاً يَطِيرُ ظِلاَلُهُكَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَا
أي فتنازع العير والأتان سبطا، يعني غبارا ممتدا، ومشعلة: نار قد اشتعلت، يُشب: يوقد ويرفع، والضرام: ما دق من الحطب.
يصف سرعة ناقته حتى شبهها بهذا الحمار الذي يطلب الأتان وهي تهرب منه، وقد أثارا غبارا ممتدا يطير ظلاله، أي ما أظل منه وغطى الشمس.
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنَابتِ عَرْفَجٍكَدُخَانِ نَارٍ سَاطِعٍ إِسْنَامُهَا
مشمولة: من نعت مشعلة، أي نار قد أصابتها الشمال فهي تلتهب، وغلثت: أي
خلط ما أوقدت به بنابت عرفج، أي بغضه وطريه؛ فهو أكثر لدخانها، والنابت:
الحديث، وإسنامها: إشرافها، يقال: أسنمها يُسنمها، وأَسنامها - بفتح الهمزة - يعني جمع سَنِمٍ، ويقال (تَسَنَّم) إذا علا، ومنه السَّنَام، وقيل في قول الله ﷿ (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ): إنه أعلى شراب في الجنة، وقيل: أن شراب الجنة يُمزج لبعضهم من تسنيم وهو نهر عال، وإن بعضهم يشربه صرفا.
فَمَضَى وَقَدّمَهَا، وَكَانَتْ عَادَةًمِنْهُ - إذا هِيَ عَرَّدَتْ - إقْدَامُها
يقول: مضى الحمار وقدَّم الأتان لكي لا تعند عليه، وعرَّدت: تركت الطريق وعدلت عنه، وأصل التعريد الفرار، وقال (وكانت) فأَنث والإقدام مذكَّر؛ فزعم الكوفيون إنه لما أولى كان خبرها وفرق بينها وبين اسمها توهم التأنيث فأنث، وكان الكسائي يجيز (كانت عادة حسنة عطاء الله) و (كانت رحمة المطر البارحة) وكان يقول: إذا كان خبر كان مؤنثا واسمها مذكرا وأوليتها الخبر فمن العرب من يؤنث، كأنه يتوهم أن الاسم مؤنث إذا كان الخبر مؤنثا، وقال غير الكسائي: إنما بنى كلامه على (وكانت عادة تقدمتها) لأن التقدمة مصدر تقدمها، إلا إنه انتهى إلى القافية فلم يجد التقدمة تصلح لها فقال: إقدامها، واحتج بقول الشاعر:
أَزَيْدُ بْنَ مَصْبُوحٍ فَلَوْ غَيْرُكُمْ جَنَىغَفَرْنَا، وكَانَتَ مِنْ سَجِيَّتِنَا الغَفْرُ
زعم الكسائي إنه أنث (كانت) لأنه أراد كانت سجية من سجايانا الغفر، وقال الذي خالفه: بل بنى على المغفرة فانتهى إلى آخر البيت والمغفرة لا تصلح له فقال (الغفر) لأن الغفر والمغفرة مصدران، والأتن لا تتقدم حتى يتقدم
الفحل إلى الماء فيشرب وينظر هل يرى بالماء شيئا يريبه.
فَتَوَسَّطاً عُرْضَ السَّرِيِّ وَصدَّعَامَسْجُورَةً مُتَجَاوِراً قُلاَّمُهَا
العرض: الناحية، والسري: النهر وصدعا: شققا النبت الذي على الماء، ومسجورة: عين مملوة، والمتجاور: المتقارب، والقُلام: نبت، وقيل: هو القصب.
وَمُحَفّفاً وَسْطَ اليَرَاعِ يُظِلُّهُمِنْهَا مُصَرَّعُ غَابَةٍ وَقِيَامُهَا
ويروى (محفوفة) يعني العين، يعني أنها حُفت بالقصب نابتا فيها، وأصله إنه ينبت في أحفتها، أي جوانبها، وقال بعض أهل اللغة: الواو في قوله (وحففا) زائدة، يذهب إلى إنه منصوب على الحال، والمعنى على قوله (فتوسطا عرض السرى محففا) وهذا القول خطأ؛ لأنه لو كان هذا لجاز (جاء زيد ومسرعا) على أن يريد جاء زيد مسرعا، وهذا لا يجيزه أحد، والصحيح أن (محففا) معطوف على مسجورة، المعنى وصدعا عينا مسجورة ومحففا، ويكون تذكير محفف على أن تكون العين والسرى واحدا والرواية الجيدة (محفوفة) وهي رواية ابن كيسان، والمصرع: المائل، كأن الريح تصرعه أي تميله، والغابة: الأجمة،
وكل قصب مجتمع يقال له غابة، والشجر الملتف غابة، كأنه قيل له غابة لأن الشيء يتغيب فيه؛ وقيامها: يعني ما انتصب منها.
ومعنى البيت أن الحمار والأتان انتهيا من عدوهما إلى الموضع الذي فيه الماء.
ثم خرج إلى شيء آخر فقال:
أَفَتِلْكَ أمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌخَذَلَتْ وَهَادِيَةُ الصِّوَارِ قِوَامُهَا
يقول: أفتلك الأتان تشبه ناقتي أم بقرة وحشية مسبوعة أكل السبع ولدها فهي مذعورة، وخذلت: تأخرت عن القطيع وأقامت على ولدها، وهادية الصِّوار: متقدمته، وفي معناه قولان: أحدهما أن المعنى وهي هادية الصِّوار وهي قوامها وقد تخلَّفت، والقول الآخر أن هادية الصِّوار تقوم أمرها فقد تركتها وتخلفت في طلب ولدها، والصِّوار: القطيع من البقر، يقال: قد صار الشيء يصوره؛ إذا قطعه، وصاره يصوره ويصيره، إذا أماله وإذا جمعه
خَنْسَاءُ ضَيَّعَتِ الفَرِيرَ؛ فَلَمْ يَرِمْعُرْضَ الشَّقَائِقِ طَوْفُهَا وَبُغَامُهَا
خنساء: صفة البقرة الوحشية، والخنس: تأخر الأنف في الوجه وقصره، والفرير: ولد البقرة، وأصل الفرير الخروف، وهو من ولد الضأن، ولكن البقرة تجرى
مجرى الضائنة، والشقائق: جمع شقيقة، وهي أرض غليظة بين رملتين، وطوفها: ذهابها ومجيؤها، وبغامها: صوتها.
والمعنى أن هذه البقرة لا تبرح من هذه الرملة تطلب ولدها؛ لأن في هذه الرملة نباتا؛ فهي تصيح بولدها لئلا يكون النبات
قد غطاه، ولو كانت مصحرة لما ثبتت في موضع واحد.
لِمُعَفْرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شِلْوَهُغُبْسٌ كَوَاسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا
المعفر: الذي قد سحب في العفر وهو التراب، وقال أبو عبيد: التعفير أن تعفِّر ولدها، وذلك إذا أرادت فطامه منعته من اللبن، فإذا خافت عليه النقصان رجعت فأرضعته ثم قطعت عنه حتى يأنس بذلك، واللام في قوله (لمعفَّر) متعلقة بقوله فلم يرم، والمعنى: فلم يبرح طوفها وبُغامها من أجل معفر، وقيل: اللام متعلقة بقوله وبغامها، أي صوتها لمعفر، والقهد: الأبيض، وقيل: هو الأبيض الذي يخالط بياضه صفرة أو حمرة، وتنازع: تعاطى، قال الله ﷿ (يَتَنَازعُون فيها كأساً) أي يتعاطون، والشلو: بقية الجلد، والغيس: الذئاب، والغبسة: لون فيه شبيه بالغُبرة، وكواسب: تكسب الصيد، وقوله (ما يُمن طعامها) فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن المعنى إنه لا يُطعمها أحد فيمن عليها، إنما تصيد لنفسها، والقول الآخر أنها لا تمن بشيء مما تصيده، ويقال: أن الذئب إذا أصاب شيئا أكله مكانه، والثالث أن معنى قوله (ما يمن طعامها) ما ينقص، قال الله ﷿ (لهم أجر غيرُ ممنون).
صَادَفْنَ مِنْهَل غِرَّةً فَأَصَبْنَهَاأن المَنَايَا لاَ تَطِيشُ سِهَامُهَا
يقول: صادفن من البقرة غرة فأصبنها بولدها، ويروى (صادفن منه غرة فأصبنها) أي صادفن من الفرير غرة فأصبنها، أي فأصبن الغرة، ويروى (فأصبنه، أن المنايا لا تطيش سهامها) أي لا تخف ولا تُخطئ، بل تقصد، والمنية لا سهام لها، إنما هو مثل.
بَاتَتْ وَأَسْبَلَ وَاكِفٌ مِنْ دِيمةٍيُرْوِى الخَمَائِلَ دَائِماً تَسْجَامُهَا
أسبل: سال واسترخى، يقال: أسبل إزاره، ورفله، وجاء يجر سبلته؛ إذا جاء يجر إزاره، وقال أبو زيد: يقال (أسبلت السماء إسبالا) وهو المطر الذي بين السماء والأرض حين يخرج من السحاب ولم يصل إلى الأرض، والاسم السبل، ويقال: بات يفعل كذا، إذا فعله ليلا، وليس بات بمعنى نام، لأنك تقول: بات فلان يصلي؛ إذا لم يزل يصلي بالليل، والواكف: القطر، والديمة: المطر الدائم، والخمائل: جمع خميلة، وهي الرملة التي قد غطاها النبت كأنه أخملها، والتسجام: المطر الجود.
وفيه من النحو إنه لم يأت لباتت بخبر؛ فالمعنى باتت بهذه الحال، ثم حذف لعلم السامع، ويجوز أن يكون باتت بمعنى دخلت في المبيت فلا تحتاج إلى خبر، كما تقول (أصبح) إذا دخل في الإصباح، ونصب (دائما) على إنه حال من المضمر الذي في (يروى) ورفع تسجامها بدائم، ويجوز رفع دائم على إنه خبر الابتداء قُدِّم، ويكون المعنى تسجامها دائم، ويجوز أن تنصب دائما على الحال من وجه آخر، ويكون المعنى يروى تسجامها دائما.
يقول: باتت هذه البقرة بعد فقدها ولدها ممطورة تمطرها الديمة التي وصفها.
تَجْتَافُ أَصْلاً قَالِصاً مُتَنَبِّذَابِعُجُوبِ أنْقَاءٍ يَمِيلُ هَيَامُهَا
تجتاف: تدخل في جوفه، والقالص: المرتفع الفروع، وقيل: معنى قالص الفروع إنه ناحية، والمتنبذ: المتنحى، يقال: جلس فلان متنبذا عن الناس، وجلس نَبذة ونُبذة عنهم، أي متنحيا، وقيل: معنى قوله متنبذا متفرقا، والعجوب: جمع عجب وهو أصل الذنب، وإنما يريد هنا أطراف الرمال، والأنقاء: جمع نقا وهو الكثيب من الرمل الذي لم يخالطه غيره، ويقال في تثنيته: نقوان، وحكى الفراء نقيان، ولا يعرفه البصريون، والهيام. الرمل اللين، وقيل: هو
ما تناثر منه، يقال: انهام وانهار وانهال بمعنى واحد، وجمع هيام في القياس أهيمة، وقال بعضهم في قوله
(تجتاف أصلا): هو مثل قول ذي الرمة:
مَيْلاََء مِنْ مَعْدِنِ الصِّيرَانِ قَاصِيَةأَبْعَارُهُنَّ عَلَى أَهْدَافِهَا كُثُبُ
والمعنى أنها متنحية عن معظم الشجر متنحية عن الطريق لتأمن، و (تجتاف) موضعه نصب في التأويل على معنى باتت مجتافة أصلا.
يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِراًفِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غمَامُهَا
أي يعلو طريقة متن هذه البقرة مطر متتابع، هذا على من رواه (متواتر) بالرفع، ومن نصبه فعلى الحال، والمعنى يعلو الواكف متواترا، والطريقة: خُطة مخالفة للونها، ويقال لها: جُدَّة، والمتنان: مكتنفا الظهر، وكفر: غطى، يريد أنها ليلة مظلمة وقد غطى السحاب فيها النجوم، وقالوا: سُمى الكافر كافرا لأنه غطَّى ما ينبغي أن يُظهره من دين الله، وقيل: لأن الكُفر كفَر قلبه، أي غطاه.
وَتُضِيءُ فِي وَجْهِ الظَّلاَمِ مُنِيرَةًكَجُمَانَةِ البَحْرِيِّ سُلَّ نِظَامُهَا
يعني البقرة تضيء من شدة بياضها، ووجه الظلام: أوله، والجمانة: اللؤلؤة الصغيرة، والكبيرة الدرة، وأراد بالبحري الغواص، وقال أبو الحسن:
إنما خص جمانة الغواص لأنها قد تُعمل من فضة، وأراد أن الغواص أخرجها، وقوله (سل نظامها) أي خيطها، يريد أن اللؤلؤة إذا سُل خيطها سقطت وصارت بمنزلة القلق في تحركها؛ فيريد أن هذه البقرة قلقة، وقيل: إنما أراد شدة عدو البقرة، فشبهها باللؤلؤة إذا سُل خيطها فسقطت، ومنيرة: نصب على الحال، وقيل: معنى البيت أن هذه البقرة كلما تحركت في الليل أشرق لونها.
حَتَّى إذا انْحَسَرَ الظَّلاَمُ وَأَسْفَرَتْبَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثِّرَى أَزْلاَمُهَا
ويروى (حتى إذا حسر الظلام) أي ذهب، وأسفرت: دخلت في الإسفار، كما يقال (أظلم) إذا دخل في الظلام، ويقال: أسفر الصبح، وأسفر وجه المرأة؛ إذا أضاء، وسفرت المرأة: ألقت خمارها، وبكرت: غدت بكرة، والثرى: التراب الندى،
وأزلامها: قوائمها التي كأنها قداح وتزل: أي تزلق لا تثبت على الأرض من الطين، وواحد الأزلام زَلم وزُلَم، قال ابن الأنباري: الأزلام مرتفعة ببكرت، و (تزل) في موضع نصب على الحال، أي بكرت زالة عن الثرى.
عَلِهَتْ تَبَلّدُ فيِ نِهَاءِ صُعَائِدٍسَبْعاً تُؤَاماً كَامِلاً أَيَّامُهَا
العله: خفة من جزع، وتبلد: أصله تتبلد، أي تتحير تذهب وتجيء لا تدري أين تمر، وتبلد في موضع الحال، والنهاء: جمع نِهْى وهو الغدير ويقال: (نَهْى)، و (نِهْى) فمن قال نَهْى سماه بالمصدر، ومن قال نهى بالكسر أماله عن المصدر، كما يقال مَلْء وَمِلْء وَطَحْن وَطِحْن، وصُعائد: اسم موضع، ويروى (في نِهاء صُوائق) وهو اسم موضع ايضا، ويروى (في شقائق عالج) والشقائق: جمع شقيقة، وهي الرملة
يكون فيها النبت، وعالج: موضع يقال إنه كثير الرمل، وقوله (سبعا تؤاما) واحدها توأم، جعل كل ليلة مع يومها توأما، ثم جمع توأما على تُؤَام، كما يقال ظُؤَار في جمع ظَؤُور، وكأنه اسم الجمع، وقوله (كاملا أيامها) أي لا ينقص جزعها في هذه الأيام، ويروى (علهت تردد).
حَتَّى إذا يَئِسَتْ وَأَسْحَقَ حَالِقٌلَمْ يُبْلِهِ إِرْضَاعُهَا وَفِطَامُهَا
أي حتى إذا يئست من ولدها، وأسحق: ارتقع، وقيل: أخلق، وحالق: ضامر، وقيل: ممتلئ لبنا، وأصله من الارتفاع، وقوله (لم يبله إرضاعها وفطامها) أي لم يذهب به كثرة إرضاعها ولا فطامها إياه، ولكن ذهب به فقدها ولدها وتركها العلف، ورواه الأصمعي (حتى إذا ذهلت) أي سليت ونسيت، ويروى (لم يغنه إرضاعها وفطامها).
وَتَسَمَّعَتْ رِزَّ اْلأنِيسِ، فَرَاعَهَاعَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ وَالأنِيسُ سَقَامُهَا
ويروى (وتوجست ركز الأنيس) أي تسمعت البقرة صوت الناس فأفزعها، ولم تر الناس، والرِّزُّ والركزُ: الصوت الخفي، وقوله (عن ظهر غيب) معناه من وراء
حجاب، أي تسمع من حيث لا ترى، و (الأنيس سقامها) معناه والأنيس هلاكها، أي يصيدها، وراعها: أي أفزعها، وفاعل تسمعت ضمير البقرة، وفاعل راعها ضمير الرز.
فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ إنهمَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُهَا وَأَمَامُهَا
ويروى (فعدت) أخبر إنها خائفة من كلا جانبيها من خلفها وأمامها، والفرج: الواسع من الأرض، والفرج أيضا: الثغر، والثغر: موضع المخافة، ومولى المخافة معناه وليُّ المخافة، أي الموضع الذي فيه المخافة، قال النحاس: الأجود في (كلا) أن تكون في موضع نصب على إنها ظرف، والمعنى: فغدت في كلا الفرجين،
وإنما جاء بالألف في (كلا) وهو في موضع نصب ليفرق بين الألف إذا كان أصلها الواو والياء وبينها إذا لم يكن لها أصل، ولما لم يعلم أن الألف في (كلا) منقلبة من شيء تثبت للفرق في موضع الرفع والنصب والجر، و (خلفها) مرفوع على إنه بدل من مولى و (أمامها) معطوف عليه، ويجوز أن يكون مولى مرفوعا بالابتداء وخلفها خبره، والجملة خبر أنَّ، ويجوز أن يكون خلفها وأمامها مرفوعين على انهما خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: هما خلفها وأمامها، وقال ابن كيسان: يجوز أن يكون (كلا) في موضع رفع، كأنه قال: فغدت وكِلاَ الفرجين تحسب إنه مولى المخافة، وأما قوله: (أنه) ولم يقل انهما فهو محمول على معنى قولك كل واحد من الفرجين تحسب إنه مولى المخافة.
حَتَّى إذا يَئِسَ الرُّمَاةُ وَأَرْسَلُواغُضْفاً دَوَاجِنَ قَافِلاَ أَعْصَامُهَا
يعنى إذا يئس الرماة من البقرة أن ينالها نبلهم أرسلوا الكلاب الغضف، والبواو زائدة، واحتج صاحب هذا القول بقوله تعالى: (حَتَّى إذا
جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) والقول عند أهل النظر أن الواو لا يجوز أن تزاد، وإن المعنى حتى إذا يئس الرماة تركوا رميهم، ثم حذف هذا لعلم السامع، والواو عاطفة، والغُضف:
المسترخية الآذان، والدواجن: الضاريات المتعودات، وقيل: هي المقيمة مع أصحابها، والقافل: اليابس، وقيل في قول امرئ القيس:
نَظَرْتُ إليها والنُّجُومُ كَأَنَّهَامَصَابِيحُ رُهْبَانٍ تُشَبُّ لِقُفالِ
إن القفال هنا عُباد النصارى الذين يبسوا من العبادة والصوم، والأعصام: قلائد من أدم تجعل على أعناق الكلاب، الواحدة عصام، وهذا جمع على غير قياس عند أهل اللغة، فكأنه جمع الجمع، جمع عصاما على عصم، كما يقال حمار وحُمُر، ثم جمع عُصُما على أعصام كما يقال طنُب وأطناب، وقيل: أن واحد الأعصام عصمة، وهذا جمع على حذف الهاء، كأنه جمع عصما على أعصام فيكون مثل حمل وأحمال، وقيل: أن واحدها عصم، فهذا مثل جذع وأجذاع، وقيل في يئس: إنه بمعنى علم، أي حتى إذا علم الرماة أنهم لا ينالونها، قال الله تعالى: (أَفَلَمْ يَيْئَسِ الّذِينَ آمَنُوا أن لَوْ يَشَاءُ الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) معناه أفلم يعلم.
فَلَحِقْنَ وَاعْتَكَرَتْ لَهَا مَدَرِيَّةٌكَالسَّمْهَرِيَّةِ حَدُّهَا وَتَمَامُهَا
النص من طبعة إدارة الطباعة المنيرية بالقاهرة (١٣٥٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع