تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الصَّدقَات والبيعات

صدر عني فِي ذَلِك صدَاق مُنْعَقد على أُخْت السُّلْطَان أبي الْحجَّاج بن نصر للرئيس أبي الْحسن عَليّ بن نصر، مَا نَصه:

الْحَمد لله مانح أَسبَاب الهبات ومسديها، وفاتح أَبْوَاب الآمال الْبَعِيدَة المنال ومدنيها، وجاعل البركات الظَّاهِرَة، منوطة بِاتِّبَاع [أوَامِر] هَذِه الشَّرِيعَة الطاهرة، وَاجْتنَاب نواهيها. حمدا يصل المنن بالمنن، ويربط الْمَوَاهِب بالمواهب، الَّذِي أنشأ الْإِنْسَان، من نفس وَاحِدَة، وَجعل الْعَالم صِفَات حدوثها بعرمه شاهدة، وجاد على الخلايق من نعمه وعواطف رحماه، بِأَفْضَل صلات وَأكْرم عايدة، وأوردهم من موارد لطفه، كل عذب المشارب. هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة، ومنهى عباده، إِلَى مَا سبق فيهم. من سوابق الْإِرَادَة، وجاعلهم قسمَيْنِ، فمنية إِلَى الشَّقَاء ومنية إِلَى السَّعَادَة، لَا اعْتِرَاض على حكمه الْفَصْل، وَأمره الْغَالِب. تقدس عَن لواحق الْحَوَادِث والأغيار، وتعلى عَن هواجس الخواطر، وخطرات الأفكار، ووسع الأكوان، ظَاهرهَا وباطنها، باللطف الْخَفي، والجود المدرار، فشملت نعْمَته الهامية السَّحَاب. أوجر الْعَالم ليعبدوه، وألزمهم أَن ينزهوه ويمجدوه، وعرفهم وجوده الضَّرُورِيّ، ولولاه مَا عرفوه [وَلَا وجدوه]. وخلفهم فِي بطُون أمهاتهم، خلقا من بعد خلق، فِي ظلمَة الغياهب. شرع لنا الْإِسْلَام سَبِيلا وَاضحا، وأطلع [لنا من]] مراشده الباهرة

نورا لامحا، وَبعث إِلَيْنَا نبيه الْكَرِيم، رَسُولا أَمينا، وهاديا ناصحا، فَعرفنَا برسالته، المستحيل من الجايز، والمحظور من الْوَاجِب، وَالْحَمْد لله الَّذِي تنزه فِي عَظمته، وتوحد فِي كبريائه، وتعلى ملكه الْقَدِيم، وسلطانه الْكَرِيم، فِي أرضه وسمايه، وأحاط علما بِأَسْبَاب كل أَمر وأحواله، وانبعاثه ومآله، وابتدايه وانتهايه، وصور نوع الْإِنْسَان بِحِكْمَتِهِ من الطين اللازب. نحمده سُبْحَانَهُ على مَا أجزل من إحسانه، وخول من رفده، ونسبحه آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار، وَأَن من شَيْء، إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ، ونعترف بِأَن كل عارفة ونعمة واكفة، ومنة تالدة أَو طارفة، فَإِنَّمَا هِيَ من عِنْده. ونبرأ من المجادلة والمناصب، ونشكره، عز وَجهه، على مَا أَسْبغ من الإنعام، ونقر لَهُ بالوحدانية، المنزهة عَن الِانْتِهَاء والانصرام، ونستزيد من مواهبه الفياضة، وعوارفه الجسام، وآلايه المحسبة المآرب، ونسله أَن يمدنا بالتوفيق والعصمة، ويصل لنا أَسبَاب الْعِنَايَة وَالنعْمَة، وينور أبصارنا بِنور هداه، الَّذِي يشفي من العما، وَيذْهب بالظلمة، ويحملنا من رِضَاهُ على أوضح الْمذَاهب، ونشهد أَنه الله، الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، الْغَنِيّ عَن الأنداد، المبرأ عَن الِاتِّصَال والانفصال، والصاحبة وَالْأَوْلَاد، الْمُنْفَرد بِالْقَبْضِ والبسط، والإعدام والإيجاد، الْملك الَّذِي لَا تفيض خزاينه على كَثْرَة المسترفد والراغب. ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الطّيب العناصر، وَنبيه العميم المكارم، الْعَظِيم المفاخر، وأمينة المحرز فضل الأول وَالْآخر، وَصفيه الطَّاهِر الْمُنَاسب، الْكَرِيم الضرايب. تخيره من أشرف القبايل محتدا ومنتسبا،

وَأَتَاهُ من كل الفضايل سَببا، وَاخْتَارَ لَهُ الْبُطُون الطاهرة، والأصلاب الفاخرة، أما فَأَما، وَأَبا فأبا، واختصه من شرف الْأَخْلَاق، وكريم الْمُنَاسب، وَألبسهُ من المفاخر الرايقة الطرر، والمحامد المتألقة الْغرَر، أشرف اللبَاس، وَأَتَاهُ من كَمَال والخصايص، وخصايص الْكَمَال، كل مضطرد الْقيَاس، وَجعل أمته الَّتِي كرمها باتباعه، والاستضاء، بِنور شعاعه، خير أمة أخرجت للنَّاس، وملكها بعز دَعوته، مَا زوى لَهُ من الْمَشَارِق والمغارب، فشرع ﷺ، النِّكَاح ذَرِيعَة إِلَى النَّمَاء، وَحفظ الْأَنْسَاب، ومألفة لمفترقات الْأَهْوَاء، وصلَة لمتباعدات الْأَسْبَاب، ورفعها لما يهجس من الشَّك، ويختلج من الأرتياب، وصونا لبيوت الشّرف، عَن الأوشاب والشوايب. [وخطب ﵇، وخطب إِلَيْهِ، فِي الْأَحْيَاء، وَقبل الْخطْبَة للدُّعَاء، وجدع بالحلال أنف الْغيرَة والأباء]، وَأمر بالتحيز للنطف، والارتياد لعقايل الشّرف تكريما للمناسب، وتنزيها للمناصب، فسعد باتباعه كل سالك الطَّرِيقَة [وَأَوَى إِلَى جناب الله كل آو لحزبه المفلح وفريقه]، وَبَان المبتدع من المتبع، بتمييز الْحق وتعريفه [ليميز الله الْخَبيث من الطّيب]، وَمَا الأخابث كالأطايب، فصلوات الله وَسَلَامه، وتحيته وإكرامه تستلم شرِيف ترابه، وتزاحم الْوُفُود على بَابه، وتعرس ركايبها، بَين روضته الطاهرة ومحرابه، وتحدو جوانبها أَيدي الصِّبَا والجنايب، صَلَاة نجدها زلفى فِي الْمعَاد، وقربة إِلَى رب الْعباد، وذخرا يَوْم قيام الأشهاد، ووسيلة تنَال بهَا

من رِضَاهُ أَسْنَى الرغايب، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، نُجُوم الأقتدا والإتمام، وسيوف دين الْإِسْلَام، السَّادة البررة، القادة الْأَعْلَام، أحلاس الْخَيل، وَرُهْبَان اللَّيْل، وَأسد الكتايب، ونستوهب من الله للمقام الْعلي المولوى السلطاني الْكَرِيم، اليوسفي النصري، سَعْدا ضافية حلله، وَعزا يُضَاعف بِهِ الدّين الحنيف أمله، وتمهيدا يتوفر لجميل صنع الله فِيهِ جذله، وعناية آلهية، يدل حاضرها على الغايب، وَلَا زَالَ نظره الْجَمِيل يعم الْأَقَارِب والأباعد، وَعطفه وشفقته، يعذبان لِلْخلقِ الْمَوَارِد، [وخلاله الْكَرِيمَة تقيد الأمداح الشوارد]، وَلَا زَالَ الزَّمَان يتحلى من حلاه، ومآثر علاهُ، بأنفس من عُقُود الترايب.

أما بعد هَذِه الْمُقدمَة، الَّتِي كرمت اختتاما وافتتاحا، وَوجدت فِي ميدان الرِّضَا والسعد، وبلوغ الأمل، وإحراز الْقَصْد، مغدا ومراحا، وأوسعت الْعُيُون قُرَّة، والصدور إنشراحا، فَإِن [من] الْمَعْلُوم الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَالْمُسلم الَّذِي لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ بتعليل، وَلَا يخَاف على محكمه وَارِد مسخ وَلَا عَارض تَأْوِيل. فقد صَحَّ مِنْهُ كل سَبِيل، مَا خول الله هَذِه الدولة النصرية، كتب الله نصر كتابها، وَجعل مآثرها قلايد تجعلها الايام قلايد فَوق نحورها وترايبها، من الْكَمَال الَّذِي وَردت بِهِ، غير مدافعة حياطة، وَالْمجد اهذي تفيأت رياضه، وَالْعدْل الَّذِي رفعت فَوق الْعباد ظلاله، وَالْفضل الَّذِي استشعرت شيمته

وخلاله، وَالْجهَاد الَّذِي تلقت رايته بِالِاسْتِحْقَاقِ، [وَقَامَت بعرضه] كِفَايَة عَمَّن دونهَا من مُلُوك الْآفَاق، وَإِن الله سُبْحَانَهُ، نصر الدّين الحنيف، بسلفها فِي الْقَدِيم، ثمَّ تَدَارُكه بخلفها فِي هَذَا الأقليم، فضاء بنورهم صبح اللَّيْل البهيم، وأينع روض الْعِزّ فَلَيْسَ بالمصرح وَلَا بالمشيم، وتواترها صَدرا عَن صدر، وهلالا عَن بدر، وَولدا عَن أَب، وراثة حق وَنسب، من كل ملك صادح بِالْحَقِّ، مبرز فِي حلبة السَّبق، مراقب لله فِي الْخلق، وَهَمَّام يحِيل جِيَاد النَّصْر، ويطلع شمس السَّعَادَة فِي الْعَصْر. كلما أفل شهَاب ثاقب، طلع بَدْرًا فلاكه مفاخر ومناقب. صانوا حلل الْعليا عَن ابتذالها، وحفظوا على الْأَيَّام رونق جمَالهَا، وعالجوا الْملَّة الحنيفة من اعتلالها، وماذا عَسى أَن يبلغ القَوْل وَإِن اضطرد، أَو ينتهى الْمَدْح وَإِن شرد، فِي أنباء صحابة الرَّسُول وأنصاره، وسلالة سعد بن عبَادَة، وزيره الَّذِي لَا يضاهى فِي رفْعَة شَأْنه، وعلو مِقْدَاره، ووليه الَّذِي أعلن بإجلاله فِي قومه الْأَنْصَار وإكباره، وَقَالَ لَهُم لما أطل، قومُوا لسيدكم تسجيلا لعقد فخاره، إِلَى أَن ألبس الله طوق هَذِه الْخلَافَة النصرية، أشرفها فِي الْعَشِيرَة جيدا، وَأَكْرمهَا أَبَا وجدودا، وَجعل زمامها فِي أولى النَّاس بمقادتها، وأخصهم عِنْد إِحَالَة القداح بِسَهْم سعادتها، وأطولهم باعا فِي توفير الْخلال، الَّتِي يقتضيها، والمحامد الَّتِي يختارها ويرتضيها، مَوْلَانَا السُّلْطَان

الْكَبِير الشهير الخطير، الْعَادِل الْفَاضِل، الْمَاجِد الْكَامِل، الأروع الباسل، الْمُجَاهِد الحافل، الْمَاضِي الصفاح، فِي ذَات الله والذوابل، هضبة الثَّبَات، إِذا هفت من الروع الهضاب، وَسيف الله الْمَاضِي الشبا إِذا كهمت السيوف العضاب، الَّذِي اشْتَمَل بِالطَّهَارَةِ يافعا وكهلا، وَكَانَ مذ كَانَ لخلافة الْمُسلمين أَهلا، الْمُجَاهِد، الكذا، [السعيد الشَّهِيد] أَبُو الْوَلِيد ابْن مَوْلَانَا الْهمام الأخطر، الْعلم الْأَشْهر، عنصر الْمجد اللّبَاب، وبحر النوال الْفَيَّاض الْعباب، وطود الرياسة العالي الجناب، وصارف عنان الدولة إِلَى أبنايه، بالعزم [الْمَاضِي الشبا] الثاقب الشهَاب، والرأي المصمى بعزة الصَّوَاب، ومستحقها بالاكتساب والانتساب، ومخلدها مِنْهُم، فِي الأعقاب إِن شَاءَ الله، وأعقاب الأعقاب، أبي سعيد فرج بن إِسْمَاعِيل ابْن يُوسُف بن نصر، المضاهي من نضار الانتساب [الرفيع]، بِغَيْر الرايق وَلَا البهرج، الْمُنْتَهى فِي ذؤابة كرام الْخَزْرَج، جدد الله عَلَيْهِ ملابس الرَّحْمَة، وجزاه أفضل مَا جزا بِهِ الصَّالِحين، من مُلُوك هَذِه الْأمة، فَللَّه من سنة أَحْيَاهَا، وسيرة عدل أطلع محياها، وسبيل بر أوضحها، وَأَحَادِيث مجد عَن سلفة [من صحابة رَسُول الله] أثبتها وصححها، وصير الله ملكه إِلَى قرارة رِضَاهُ واختياره، وخلاصة حبه من بَين ساير بنيه وإيثاره، بدر أقماره، وندرة نضاره، وعنوان سعده، وبركة دَاره، الَّذِي أَعلَى عماد ملكه وَرَفعه، وَضم شَمل الْمُسلمين من بعده وَجمعه، وَبني على أساسه، وأثبج الْكَمَال من مُقَدمَات

قِيَاسه. مَوْلَانَا وعمدة ديننَا ودنيانا، الْوَاحِد المعدول بآلاف الْمُلُوك الصَّيْد، درة السلك، وَبَيت القصيد، الْجَامِع لما تفرق من محَاسِن الدَّهْر، كفو الْخلَافَة، المليء لَهَا بِالْمهْرِ، ذِي الْعَزْم الأمضى، وَالسَّعْي الأرضي، والسياسة الَّتِي أقرَّت الْعُيُون المرهى، والنفوس المرضى، الشهير الْحلم والأناة فِي [معمور الأَرْض شرقه وغربة] الميمون النقيبة، فِي سلمه وحربه، والمصنوع لَهُ فِي أعدايه، عناية من ربه، أَمِير الْمُسلمين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف، أبقاه الله، وأيامه عَن غرر السعد سافرة، وأقسامه من النَّصْر وَالْفضل وافرة، وكتايبه ظَاهِرَة ظافرة، والحوادث عَن مقَامه، شاردة نافرة. فَمن لَهُ مجد كمجد هَذِه الدولة، الَّتِي لَهَا الْفَخر الْحقيق، وَالنّسب الصَّرِيح العريق، وَالسَّبَب المتين الوثيق، واقتدى بِهَذِهِ الشَّجَرَة النصرية الشماء، الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء. فروعها من الْأَقَارِب والرؤساء، فَكَانُوا نجوما أمدتهم شمسها المنيرة، بالثناء والسناء، فَلم يألوا فِي الاهتداء بهم والاقتداء فضلا منشور اللِّوَاء، وعدلا مديد الأنباء، ومجدا كريم الْأَبْنَاء، وجهادا قامعا للأعداء [يقوم مِنْهُم الْأَبْنَاء فِي ذَلِك بِحُقُوق الْآبَاء]، ويتوارثون كَابِرًا عَن كَابر، مذخور ذَلِك الْعَلَاء، فَأَصْبحُوا صوارم جلادها، وولاة بلادها، وظهراء سلطانها، وزين أوطانها، حفظ الله عَلَيْهِم، من عز هَذِه الإيالة النصرية اليوسفية، مَادَّة سعدهم، وعنصر مجدهم، وَإِن من أفضل من أنجبته هَذِه الْبيُوت الرياسية، من أبنايها، الرييس الكذا الكذا [أبي فلَان]، وصل الله سعده، وحرس

مجده. فَإِنَّهُ نَشأ والعفاف يظله، وَالْمجد ينهله ويعله، وَالطَّهَارَة تضفي عَلَيْهِ، سوابغ أذيالها، والآصالة تورده عذب زلالها، [والسعادة] تَأْخُذ بضبعيه صعدا وتفسح لَهُ من بُلُوغ الآمال مدا، لم يعلق بأثواب شبيبته مَا يريبها ويشينها، وَلَا تلبس بِمَا يُنَافِيهِ فَضلهَا ودينها، وأسندت إِلَيْهِ الْولَايَة فسلك فِيهَا سيرة الْعدْل، وتحلى بحلى النزاهة وَالْفضل، وَإنَّهُ أعزه الله، ترقت إِلَى الْغَايَة القصوى آماله، وَانْفَسَحَ لَهُ فِي التمَاس الْعِزّ الأقعس مجاله [من الشّرف الْعد]، وتشوفت نَفسه إِلَى إِحْرَاز الْوَسِيلَة، الَّتِي لَو طمعت فِيهَا الْكَوَاكِب الزهر، لتزحزت عَن مراكزها استلطافا، وهشت من آفاقها، استنزالا واستعطافا. وَسَأَلَ الله أَن يكيف لَهُ من الْمقَام اليوسفي، مصاهرة [يزِيد بهَا فخره] العالي أضعافا. فَوَافَقت دَعوته من الله إِجَابَة، ووافقت رغبته من خَلِيفَته [اسعافا] وأجابه، وَمَا برح يستخير الله [سُبْحَانَهُ] وَنعم المستخار، ويمد يَد الضراعة إِلَيْهِ، وَالله يقْضِي مَا يَشَاء ويختار. وَعرض على [الْمقَام] المقتدى بالرسول الَّذِي خطب إِلَيْهِ، صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه عَلَيْهِ، مَا تَوَجَّهت إِلَيْهِ آماله، وتوسل بالقربى، الَّذِي يتوسل بهَا أَمْثَاله. فَلَمَّا اتَّصَلت رغبته، وانثالت وتمادت وتوالت، وورى بالسعادة زنده، وخفق بالظفر بنده، وَرَأى مَوْلَانَا [أيده الله وأعز نَصره وَأَعلاهُ] أَن وصل سَببه، وزكى حَسبه، وأوضح فِي الإنعام عَلَيْهِ مذْهبه، وَأوجب لَهُ الْعَهْد

السّني، والإملاك السّني فِي أُخْته، الْحرَّة الجليلة الطاهرة [المعظمة السعيدة] إبنة وَالِده، مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد، وصل الله [لَهما عوايد] الْيمن والسعد، وَعرفهَا فِي انتقالها أَضْعَاف مَا عَرفته، من منشإ الْمجد، إِيجَابا حالفته السُّعُود، وأنجزت لَهُ الآمال الوعود، وَأسسَ بُنْيَانه، على تقوى من الله ورضوانه، الَّذِي تؤسس عَلَيْهِ الْعُقُود الدِّينِيَّة والعهود، فَعرف الرييس الْأَجَل، أعزه الله، قدر هَذِه النِّعْمَة، الَّتِي لَا تقاس بهَا النعم، إِلَّا وترفعت عَن أجناسها، وَخرجت عَن حكم قياسها، وتلقاها بِمَا يجب من الشُّكْر الَّذِي يُقَابل جلايل النعم، وتستزاد بِهِ عوارف الْكَرم، وانعقد بَينهمَا الإملاك السعيد، فِي الْحرَّة [الجليلة] المخطوبة [الْمُسَمَّاة] على صدَاق أوجبت السّنة، تعْيين مقدمه وتاليه، وتبيين نَقده وكاليه، وأجرى قبُوله الْمقَام الْكَرِيم اليوسفى، حرس الله لَهُ أَسبَاب معاليه، [فَجرى رفده الذى يصله، وإحسانه الذى يواليه]، مبلغه مَا بَين نقد حَاضر، وكالي مستأخر ألفا دنير، إثنان من دَنَانِير الذَّهَب الْعين، وَكَذَا وَكَذَا. على هَذَا انْعَقَد النِّكَاح، وَتمّ بِسَبَبِهِ وكمل. وَلَو كَانَ [هَذَا الْقدر يكافي]، مِقْدَارًا، أَو يوازي منصبا ملوكيا ونجارا، لم يكن لهَذَا المنصب فِي عرُوض الدُّنْيَا ونقودها، على اخْتِلَاف أقطارها، وتباين حُدُودهَا، مَا يكافي قدرا، ويوفي مهْرا. لَا كنها سنة الْإِسْلَام، واقتفاء مَذَاهِب الشَّرْع الْوَاضِحَة الْإِعْلَام، وسبيل الْعُقُود الشَّرْعِيَّة، فِيمَا يَخُصهَا من الْأَحْكَام. وَتَزَوجهَا بِكَلِمَة الله الَّتِي علت على جَمِيع

الْكَلم، وعَلى سنة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله المبتعث إِلَى الْعَرَب والعجم، الماحي بِنور هداه، أسداف الظُّلم، وَبِمَا أَخذه الله ﷿، لِلزَّوْجَاتِ على أَزوَاجهنَّ فِي كِتَابه الْعَزِيز، الَّذِي أوضح لأولى الْأَلْبَاب قَصده، من الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا بعده. فليعاملها بِمَا يجب لمنصبها الْكَبِير، ومجدها الشهير، من المكارمة المتكفلة باستخلاص الضَّمِير، وَهِي وصل الله لَهَا أَسبَاب السَّعَادَة، تعامله بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالهَا، وتعرف لَهُ الدرجَة، الني لَا ينكرها أَمْثَالهَا. عقد عَلَيْهَا الْأَمْلَاك [هَذَا]، السعيد، وَكيل الْمولى أَخِيهَا، وَهُوَ فلَان، بِمَا بِيَدِهِ، من قبل مقَامه، من التَّفْوِيض الْعَام، الَّذِي من فُصُول النِّكَاح، من يرجع إِلَى نظره، أيده الله بِسَبَب أَو ملك أَو وَلَاء [حَسْبَمَا]. يعرفهُ شُهُوده، وَهِي بكر فِي حجر الْمقَام المولوي،، ونحت ولَايَة نظره العلى، وَبعد تَقْدِيم الاستمار، واقتضاء الْإِذْن من مقَامهَا الرفيع الْمِقْدَار، وَتَحْصِيل مَا يجب فِي [هَذَا الْبَاب]، شرعا، على حسب الِاخْتِيَار. وَالله تَعَالَى يَجْعَل هَذَا العقد مُبَارَكًا، قد جَادَتْ البركات الهامية أرجاه، وأجابت السَّعَادَة نداه، ويبقي عَلَيْهِمَا من [عناية]، هَذَا الْمقَام الْكَرِيم المولوي، مَا يحمدان إِعَادَته وأبداه، بِفضل الله. شهد على الرييس الكذا وَالْوَكِيل، بِمَا فِيهِ عَنْهُمَا من أشهداه بِهِ، وهما بِحَال كَمَال الْإِشْهَاد. فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين لصفر عَام اثْنَيْنِ وَخمسين وسبعماية.

وَمِمَّا صدر عني فِي ذَلِك صدَاق انْعَقَد للأمير الْأَجَل أبي عَليّ مَنْصُور، ابْن السُّلْطَان أبي سعيد ابْن السُّلْطَان أبي يُوسُف بن عبد الْحق، مَعَ بنت الشَّيْخ الْجَلِيل الْمُجَاهِد أبي سرحان مَسْعُود بن الشَّيْخ أبي عُثْمَان بن أبي الْعلي رحمهمَا الله تَعَالَى.

الْحَمد لله الَّذِي ارتضى الْإِسْلَام دينا قويما، وَشرح لنا مِنْهُ منهاجا وَاضحا، وسبيلا مُسْتَقِيمًا، وأسبغ علينا بسابغه، كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس، فضلا عميما، عجزت الْعُقُول عَن كنه ذَاته، فضلت فِي بيدائه الأوهام، وحارت الأفكار، فِي تعدد صِفَاته، فَأَصْبَحت طائشة السِّهَام، وسددت الأفهام الثاقبة والأذهان المراقبة، إِلَى هدف، الأحاطة بِعِلْمِهِ، فَكَانَ الْقُصُور قصارى تِلْكَ الأفهام، فوقفت مَوَاقِف الِانْقِطَاع، عَن بُلُوغ ذَلِك المرام، لَا تَسْتَطِيع تَأْخِيرا وَلَا تَقْدِيمًا. تقدس فِي ربوبيته الْوَاجِبَة عَن النظراء والأنداد، وتنزه بوحدانيته عَن الصاحبة وَالْأَوْلَاد، وتعلى فِي كبريائه عَن لواحق الْكَوْن وَالْفساد، وأحاط علمه بالكاينات، على تبَاين الْأَنْوَاع، وتنافر الأضداد لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة، فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض، إِنَّه كَانَ عليما حكيما. وتبارك الَّذِي أنشأ الْإِنْسَان، وسواه بِيَدِهِ, وَنفخ روح الْحَيَاة فِي جسده، ورسم قبُول النهى وَالْأَمر فِي خلده، وَحفظ نَوعه بعقبه وَولده، وَأحسن خلقه فِي ظلمَة الْأَرْحَام تقويما، ثمَّ لما أوجده، بعد أَن لم يكن شَيْئا مَذْكُورا، وشق سَمعه وبصره، فَكَانَ سميعا بَصيرًا، وأودع قلبه من هِدَايَة الْحق نورا، وألهمه طَرِيق النّظر وَالِاسْتِدْلَال

فَعلم ببديهة عقله، أَن لَهُ صانعا قَدِيما قَدِيرًا، يسر لَهُ المآرب تيسيرا، وتمم لَهُ الْمصَالح تتميما، ثمَّ أطاف بِهِ من الشَّرِيعَة حمى حصينا، وبوأه بِهِ من عصمَة النَّفس وَالْمَال، حرما أَمينا [وأسلكه من رفقه ولطفه، سَبِيلا مُبينًا]، وَأوردهُ من هدايته وإرشاده، مشرعا معينا، وألزمه من وظايف التَّكْلِيف، مَفْرُوضًا ومسنونا، ومحظورا ومحتوما. وَالْحَمْد لله الَّذِي لَا تحصى ضروب نعمه المترادفة، وَلَا تنفد خزاين رَحمته، مَعَ اتِّصَال سحايبها الواكفة، وَلَا يتجهم وُجُوه وجوده على [كَثْرَة الأكف المستمدة من فيض بحورها] الغارقة، وَلَا يعْدم من لَجأ إِلَيْهِ وتوكل عَلَيْهِ فضلا جسيما. فَبِأَي مواهبه العميمه، يغرى لِسَان التَّحْمِيد، وَفِي أَي بَاب من أَبْوَاب آلايه [الْكَرِيمَة] يحط ركاب التمجيد، أبنعمة الْخلق أم بِنِعْمَة الرزق، أم بِنِعْمَة التَّوْحِيد. لقد بهرت آلَاء ذِي الْعَرْش الْمجِيد، خُصُوصا وعموما، وَمن عنايته ﷻ، بِهَذَا النَّوْع الَّذِي فَضله بِالْعقلِ على كثير من خلقه، وشرفه لما عرفه طَرِيق الْقيام بِحقِّهِ، أَن جعل الآخر مِنْهُ كَالْأولِ، فِي سلوك سَبِيل الْخَيْر، وَاتِّبَاع طرقه، وَجعل لَهُ بِمُقْتَضى لطفه ورفقه، حدودا يقتفي آثارها ورسوما. فسكن بِمَا شرع لَهُ من الْإِحْصَان، بعضه إِلَى بعض، وهيأ لَهُ بالتناسل بَقَاء النَّوْع وَعمْرَان الأَرْض، وَجعل لَهُ التعاون على وظايف الدُّنْيَا، والإعداد إِلَى يَوْم الْعرض، فَحفِظت رسوم الْمصَالح الدِّينِيَّة والدنيوية، بالمثابرة عَلَيْهَا والحض، وأينعت أدواح الرشد، بعد أَن كَانَت هشيما. نحمده سُبْحَانَهُ، حمد معترف بتقصيره، عَاجز من حَقه الْوَاجِب على أَدَاء كبيره، ملق زِمَام التَّفْوِيض، إِلَى لطيف تَدْبيره، مستزيد من مواهب هدايته وتبصيره،

مستسق من ألطاف لطفه الْخَفي، وفضله الحفي نسيما، ونشكره أَن ألهمنا شكره، الَّذِي يَسْتَدْعِي الْمَزِيد من النعم، وَيضمن من الآلاء، أوفى الحظوظ، وأوفر الْقيم، وعَلى أَن سددنا إِلَيْهِ، وصرفنا فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ، شبا اللِّسَان والقلم، شكرا يكون بتضاعف هبات الْجُود وَالْكَرم زعيما. ونشهد أَلا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة يذهب نورها بِالشَّكِّ والالتباس، ويتأرج مِنْهَا رياض الصدْق عاطر الأنفاس، وتثنى نفحات الْبسط من مهبات الإيناس، وتطلع وَجه التَّحْقِيق لأبصار بصاير النَّاس، وضاحا وسيما. ونشهد أَن سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، النَّبِي الْعَرَبِيّ، الْقرشِي الْهَاشِمِي، عَبده وَرَسُوله، الَّذِي اخْتَارَهُ واصطفاه، ووفاه [من مَخْصُوص اعتنايه]، وَمَا وفاه، وَأَبْرَأ بِهِ الْوُجُود من علته المعضلة وشفاه، وَأثْنى عَلَيْهِ فِي مُحكم كِتَابه الْحَكِيم وَكَفاهُ، فخرا عَظِيما، انتخبه من سلالة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، وَأنزل بِشَارَة ببعثه فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَأثبت بهدايته الْحق، ومحا برسالته الأضاليل، وكرم بولادته الذَّبِيح والخليل، وَجعله أزكى الخلايق عنصرا وأطهرهم خيما. النُّور الَّذِي تضاءلت الْأَنْوَار لطلوعه، وَنَفث روح الْقُدس فِي روعه، وتفجرت يناييع الْخيرَات والبركات من ينبوعه، واحتفل الشّرف الْعد بَين أُصُوله الطاهرة وفروعه، حَدِيثا وقديما. ابتعثه والشرك قد أظلت آفاقه، والعدوان قد قَامَت أسواقه، وَالْبَغي قد أتلعت أعناقه،

وَحقّ الله قد نكث عَهده وميثاقه، والعقايد زايفة عَن الْحق تثليثا وتجسيما، فَدَعَا الْخلق على بَصِيرَة مِمَّن خصّه بِخَتْم الرسَالَة، ومحا بِنور الْحق [ظلمَة الْجَهَالَة] وَشَمل الْخلق بالبركات الهامية المنثالة، وَبَين المآخذ والمتارك تبيينا أنقذ من العماية والجهالة، وأوضح الْمذَاهب عَن الله تحليلا وتحريما، فَكَانَ مِمَّا ندب إِلَيْهِ النِّكَاح، الَّذِي أَخذ بحكمتى الطَّبْع وَالشَّرْع, وَجمع بَينهمَا [أحسن] الْجمع, وَأمره بِالِاخْتِيَارِ للنسل وَالزَّرْع, فتطابقت دلالتا الْعقل والسمع، منطوقا ومفهوما. ونصلى عَلَيْهِ عدد الْحَصاد وَالتُّرَاب ونهدي من كريم التَّحِيَّة، مَا يغْرس بَين تِلْكَ الرَّوْضَة الطاهرة والمحراب، ونعفر الخدود فِي مواطنه الْكَرِيمَة، بالوهم قبل الْقدوم على لحده الرفيع الجناب، ونهدي إِلَيْهِ بالنفوس الَّتِي أنقذها هَدْيه، وخلصها سَعْيه على حَال الاغتراب، ونسلم تَسْلِيمًا وَنرْضى عَن آله وقرابته، وأوليائه وعصابته، وأنصاره الْكِرَام وصحابته، المستوجبين من الله ﷿، بنصره وإجابته، مزية قَوْله، ويدخلهم مدخلًا كَرِيمًا، مَا ركضت جِيَاد الألسن، فِي ميادين ثنايهم، ولجأت الآمال الضاحية إِلَى ظلالهم وأفيائهم، واهتدت السراة بأنوار سمايهم، واقتدت الْأمة فِي آدَاب الدّين وَالدُّنْيَا بمآثر عليائهم، انتفاعا بهَا وتعليما، ونستوهب من الله سُبْحَانَهُ [لهَذَا الْمقَام الْعلي]، السعيد السلطاني اليوسفي] سَعْدا تبهر الْعُقُول عجايبه، وَعزا لَا يراع حماه، وَلَا يذعر

جَانِبه، وصنعا إلهيا لَا تَلْتَبِس مذاهبه، ونصرا تجوس خلال الديار كتبه أَو كتايبه، وفخرا يَنْتَظِم مِنْهُ لبات الزَّمَان وترايبه، درا نظيما، وَلَا زَالَ ملكه مثوى العفاة ومحط الآمال، ومقامه السعيد، فذلكة حِسَاب الْكَمَال، وبابه الْعلي، كعبة الْجلَال، فَكلما رام أمرا بعيد المنال، كَانَ لَهُ السعد خدينا، والدهر خديما.

أما بعد هَذَا الْفَاتِحَة، الَّتِي فتحت من النجح كل بَاب، ومتت إِلَى التَّوْفِيق بوسائل وَأَسْبَاب، فقد علم من مَذَاهِب [أهل] السّنة، وتقرر، وَتردد، وتكرر، وتخلص بالبراهين الأشعرية وتحرر، أَن التحسين والتقبيح، لَا يُحِبَّانِ بِالْعقلِ وَلَا بالطبع، وَإِنَّمَا الْمرجع فيهمَا إِلَى حكم الشَّرْع، وَإِن الْعقل إِذا شدّ لحكم من الْأَحْكَام عقدا، وتناوله قبولا أَو ردا [فحقه أَن] يعرض على سُلْطَان الشَّرْع توقيعه، ويلقى فِي يَد ذَلِك المسيطر النَّاقِد جَمِيعه. فَمَا كتب بامضائه، أنفذ وأعمل، وَمَا لم يجزه، طرح وأهمل. وَلَا خَفَاء أَن النِّكَاح، مِمَّا اقْتَضَاهُ الشَّرْع وَالْعقل، وتعاضد فِيهِ السّمع وَالنَّقْل، وَأَن الرَّسُول الَّذِي أعْطى كل شَيْء حَقه، وأوضح من الْهدى طرقه، ندب إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل وَبَين حكم مستطيع الطول [وَغير مستطيع الطول] حَتَّى كَاد نَدبه إِلَيْهِ أَن يكون وجوبا، وَإِلَى تِلْكَ الصِّيَغ مَنْسُوبا، [فَمن أُوتِيَ رشدا، وسلك من الِاتِّبَاع قصدا اقْتدى بِمَا شَرعه ﷺ، وَبَينه، وَفتح مَا فَتحه، وَحسن مَا حسنه، واستمع

القَوْل فَاتبع أحْسنه] وَلَا أبهى من حلل الْمجد، إِذا كَانَت عَلَيْهَا من التَّقْوَى طرر مذْهبه، وقلايد من طَاعَة الله وَرَسُوله منتخبة، فَإِن تقوى أولى الرياسة وَالْمجد عز الدّين، وَظُهُور السّنة فِي هَذِه الميادين، وَهَذَا الْقرب من الْمَعْمُور، وَإِن نأي حسا لَا معنى، عَن مطالع ذَلِك النُّور، مستمسك بِحَبل السّنة وَالْجَمَاعَة [لَا يزَال أَهله على الْحق كَمَا قَالَ ﵇، إِلَى قيام السَّاعَة. [وَلما جعل الله] بعدوتيه، الدولتين الساهرتين النصرية والمرينية، على هدى، ومنح الْخلق مِنْهُمَا نَاس وندا، فاستولتا من الْكَمَال على مدا، وجعلتا التعاون فِي سَبِيل الله دينا وسبيلا مُبينًا، بِأَن أتحف الدولة المرينية بالإمداد والإنجاد، وأتحفتها الدولة النصرية بِأَجْر الْجِهَاد، ومرضاة رب الْعباد، فضفى السّتْر [وَالْحَمْد لله]، على الْبِلَاد، واتصلت الْأَيْدِي على الدفاع وَالْجهَاد. وَلما كَانَت أَحْوَال هَاتين الإيالتين، لم تزل على مر الْأَيَّام، وكبارهما، كَأَنَّهُمَا حَال وَاحِدَة، وضمايرهما على الصِّفَات متعاقدة، تنْتَقل بَينهمَا من ظلّ إِلَى ظلّ، وتجنح بِحَسب الدَّوَاعِي من مَحل كريم إِلَى مَحل، كَأَنَّمَا ينتقلون من يَد إِلَى يَد، ويترددون بَين قلب وكبد. فورد على هَذِه الْأَبْوَاب الجهادية، مِنْهُم صُدُور ميادين، وأعلام فضل وَدين، وآساد عرين، وأهلة من مطالع سَمَاء بني مرين، تلقاهم الرتب بانشراح صدورها، وتحلهم الْأَمْلَاك بَين شموسها وبدورها، وتستظهر مِنْهُم على أعدايها بكريم أودايها، فربعها بهم عَامر وآهل، وَبُيُوتهمْ فِيهَا يدل عَلَيْهِ سِنَان حايل، وجواد

كَاهِل. إِن تحركت المراكب، كَانُوا آساد سُرُوجهَا، وَأَن نصبت الْمَرَاتِب، كَانُوا نُجُوم بروجها، وَإِن أحضرت بساتين الكتايب، كَانَت عمايمهم الْبيض أزهار مروجها، يلقون عَصا التسيار بِهَذَا الوطن اعتباطا، ويوسعون الْعدَد استكثارا وَالْجهَاد ارتباطا، ويطيرون إِلَى الْجِهَاد بأجنحة السمر الْحداد ارتياحا ونشاطا، من كل همام غذاه الْملك بدره، وبوأه الْملك فِي مستقره. وَإِن من أرفع من ورد على هَذِه الإيالة النصرية قدرا، وَاسْتحق من موكب جيادها قلبا، وَمن مجْلِس أمجادها صَدرا، من استولى من الشّرف الْعد على أتمه، وتوسل إِلَى الْملك المريني بِأَبِيهِ وجده وَعَمه [وَابْن عَمه]، ذَلِك الشَّيْخ الْأَجَل [الْأَعَز الأرفع الأمجد، الأحفل الأسعد الأوحد، الأطهر الْأَصِيل الْمُعظم]، أَبُو عَليّ مَنْصُور ابْن السُّلْطَان [الْأَجَل الْأَعَز الأطول الْأَفْضَل الأحفل الأسعد الأطهر الأمجد، الباسل الْفَاضِل الْكَامِل، الْمُعظم المبرور الْمُقَدّس]، أبي عَليّ عمر ابْن السُّلْطَان الْجَلِيل، الْأَعْلَى الأمجد الأحفل، الأسعد الأوحد، الأرضي، الْمُجَاهِد، الأسمى، الحافل الْكَامِل، الْجواد الْبَاذِل، علم الْأَعْلَام، نَاصِر دين الْإِسْلَام، الْعَادِل الْفَاضِل الْمُؤَيد المعان، الْمُعظم الْمُقَدّس، أَمِير الْمُسلمين [أبي سعيد]، ابْن السُّلْطَان الْجَلِيل الْمُعظم الْمُقَدّس، أَمِير الْمُسلمين، وناصر الدّين، الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين، أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق، من مُلُوك الْمغرب الْأَقْصَى، وَأولى المآثر الَّتِي لَا تحصى. مجَالِسهمْ بالعلماء معمورة، ومكارمهم فِي الْآفَاق مَشْهُورَة، ووقايعهم بالْكفْر مَذْكُورَة، وموالاتهم، لأملاك [الْجِهَاد]، بِهَذِهِ الْبِلَاد، فِي صحف

الْبر مسطورة، وأبوابهم بالوسايل مَقْصُودَة، وألويتهم فِي نصر الدّين معقودة، تغمد الله من سلف من مُلُوك هَاتين الدولتين بِرِضَاهُ وَرَحمته، وَشَمل من ولى وَخلف بمزيد فَضله وَنعمته. وَأَنه لما قدم على هَذِه الْبِلَاد النصرية الْآن، وَقد ازدهت بالإيالة اليوسفية أقطارها، وأضاءت بِنور الْعدْل ديارها، وَصفا بهَا مورد الْيمن وضفى ستر الأوان، وأشرقت الأَرْض بِنور الرَّحْمَن، واعتدل بِعدْل سلالة الْأَنْصَار، وَأَبْنَاء صحابة النَّبِي الْمُخْتَار فِيهَا وزن الرِّهَان، تَلقاهُ روح حَيَاتهَا وَبدر إمامها، وَمعنى مَعَانِيهَا، وَولى الْمُسلمين فِيهَا، مَوْلَانَا وعصمة ديننَا ودنيانا، السُّلْطَان الْجَلِيل، الظَّاهِر الطَّاهِر، الْعَادِل الْمُجَاهِد [الْفَاضِل]، ثمال الْأمة، [وسلالة كرام الأيمة]، الدَّاعِي للوسايل والأذمة، أَمِير الْمُسلمين أَبُو الْحجَّاج، أيده الله، تَلقاهُ بالرحب والسهل، وخلطه بالعشير والأهل، فمهد لَهُ الْكَرَامَة قبل الوساد، وتكلفت لَهُ الْغَايَة، بتقليل النظراء وتكثير الحساد، وَخبر عَنهُ [بِحَضْرَتِهِ]، أفضل مَا خبر من منتقل من مشابه من الْعقل وَالدّين وَالْعَمَل، على شاكلة أَبنَاء السلاطين، وَأَنه ذهب إِلَى تحصين دينه بالإحصان، وَجمع شَمله بكفو من أَهله، فِي هَذِه الأوطان، وَاخْتَارَ فِي بيُوت الْمجد بَيْتا يُوَافق أصالته الراسخة الْبُنيان، فأداه اخْتِيَاره الَّذِي شهد توقله بالسداد والرجحان، إِلَى الْبَيْت الرفيع، المستولى فِي ميدان جلالة الشَّأْن على الأمد، مقاسمه فِي بحبوحة الْحسب، وملاقيه فِي ذرْوَة النّسَب، حَيْثُ الْعِزّ مَرْفُوعَة قباقبه، وَالْفَخْر مَوْصُولَة أَسبَابه، وَالْجهَاد دامية عضابه، جليس الضراغم الضارية، وميدان الْجِيَاد المتسابقة إِلَى الْفضل المتبارية. ذَلِك بَيت الشَّيْخ [الْأَجَل الْأَعَز الأرفع الْأَسْنَى] الكذا، أبي سرحان مَسْعُود ابْن الشَّيْخ الْجَلِيل الْأَغَر الأرفع الْمُعظم الْأَسْنَى،

ظهير الدولة الإسماعيلية، ذِي السَّابِقَة لدعوتها والأولية، والاختصاص بتشييد أَرْكَانهَا والمزية، أَسد الحروب، إِذا اضطرمت نارها وفار تيارها، وَبدر دجاها إِذا احْتَجَبت بالنقع أقمارها، الْكَرِيم المآثر فِي الدفاع عَن الدّين، حسام كَبِير السلاطين، أَسد العرين، شيخ الْمُجَاهدين، من مَشَايِخ بني مرين، [الْمُقَدّس، الأرضي، الْمُعظم]، أبي سعيد عُثْمَان ابْن الشَّيْخ [الْجَلِيل الْكَبِير، الشهير الخطير، الْمُعظم الأوحد، الْأَظْهر الأطهر، الأمجد، الْمُعظم الْمُقَدّس الأرضي]، أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن عبد الْحق، النّسَب الْمَعْرُوف، والمعدن الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ هَذِه السيوف، والعنصر الَّذِي تشمخ بِهِ هَذِه المعاطير الأنفة والأنوف. فحين ظهر بِهَذَا الْبَيْت، الَّذِي هيأ لَهُ التَّوْفِيق اتفاقه، وَمد عَلَيْهِ السعد رواقه، شَدِيد الظنين على ذخره، وثابر مِنْهُ على مُرَجّح فخره، وَعرض غَرَضه على الْمقَام الْكَرِيم اليوسفي، الَّذِي أَوَى إِلَى إيالته، واستظل بِظِل جلالته، ملتمسا بركَة إِشَارَته، وراجيا أثر استخارته، فَاسْتَرْجع، أيد الله نظره، وَاسْتحْسن مأخذه فِي ذَلِك وشكره، وَرَأى أَنَّهَا وشايج على مُظَاهرَة مقَامه تلتحم، وعقود مجد فِي لبة دولته الرفيعة، تنتظم، وَقُلُوب على محبته تأتلف، وألسن بِحقِّهِ الْوَاجِب تعترف، وشآجيب مجد بِبَابِهِ إِن شَاءَ الله تقف، كافأ الله مقَامه ببلوغ الأمل، وإنجاح الْعَمَل، حَتَّى يودي حَقه من صنايعه، هَؤُلَاءِ الحفدة والبنون، وتجنى من غرس الْخَيْر [فِي أَهله، وَوَضعه فِي مَحَله] مَا تقر الْعُيُون.

فَخَطب للشَّيْخ [الْأَجَل الْأَغَر الأرفع، الْمَاجِد الْمُعظم]، أبي الْحسن عَليّ ابْن الشَّيْخ الكذا ابي سرحان مَسْعُود ابْن أبي سعيد الْمَذْكُور قبل، أُخْته الْحرَّة الماجدة الفاضلة، مسعودة، وصل الله سعدها، وحرس مجدها، خطْبَة قابلها

السعيد بِوَجْهِهِ الْمشرق الأسرة [وضاحكة الْيمن] بالثغور المفترة، وانعقد بَينهمَا فِي الخطوبة الْمُسَمَّاة الْأَمْلَاك السعيد [الَّذِي يسير بِهِ الأمل الْبعيد]، على صدَاق، أوجبت السّنة تعْيين حَده، وتبيين كاليه ونقده، مبلغه بَين نقد عجلته يَد الْإِحْضَار، وكالي أجلته مَكَارِم الاختبار، مُشْتَمل على خدم وعروض من الأثواب الرفيعة، وحلى النضار، بِحَسب حسبها الرفيع الْمِقْدَار، وَذَلِكَ أَرْبَعَة من خلاخل الذَّهَب قيمتهَا أربعماية دنير من الذَّهَب الْعين، وتاج من الذَّهَب قِيمَته كَذَا إِلَى كَذَا، تزَوجهَا بِكَلِمَة الله الَّتِي علت الْكَلِمَات الْعليا، وعَلى سنة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُول الله، الَّذِي علم آدَاب الدّين وَالدُّنْيَا، وَبِمَا أَخذه الله لِلزَّوْجَاتِ على أَزوَاجهنَّ من الدرجَة الرفيعة المقررة بِلِسَان الشَّرِيعَة، حَسْبَمَا بَينه الله سُبْحَانَهُ وَحده، من الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا بعده. فليتجاريا فِي ميدان المكارمة تجاري [الْجِيَاد]، الْعتاق، ويعملا على شاكلة مَا لَهما من طَهَارَة الأحساب، وكرم الأعراق. عقد عَلَيْهَا هَذَا الْأَمْلَاك السعيد، فلَان، وَهِي بكر عذراء، صَحِيحَة الْجِسْم وَالْعقل، مَحْمُولَة من الْحِلْية على أوضح السَّبِيل، وَبعد تقدم الاستيمار، وَتَحْصِيل مَا يجب فِي هَذِه الْحَال شرعا، على الأختيار، شهد عَلَيْهِمَا بِمَا فِيهِ عَنْهُمَا من أشهداه، وهما بِحَال كَمَال الْإِشْهَاد. وَالله ﷿، يَجْعَل هَذَا العقد أَيمن عقد، يسر السعد أَسبَابه، وَفتح الْيمن أبوابه، وسحب التَّوْفِيق أثوابه، ورسم النجح كِتَابه. وَيبقى هَذَا الْمقَام اليوسفي ظلا لمن قصد جنابه [وثمالا لمن أمل ثَوَابه]، وَلَا أعدمه مَوَدَّة صَادِقَة، ومدحة رائقة، ودعوة مجابة بمنه. وَكتب فِي كَذَا

وَمِمَّا صدر عني أَيْضا صدَاق مُنْعَقد على بنت سيد الشرفاء، الجلة وَعلم أَعْلَام هَذِه أَعْلَام هَذِه الْملَّة، أبي عبد الله بن عمرَان، لولد الشَّيْخ الْفَقِيه الْخَطِيب الْكَبِير الشهير، أبي عبد الله مُحَمَّد بن مَرْزُوق، أعزهما الله بعد أَن صدر الْأَمر من سُلْطَان الْمغرب، أَمِير الْمُسلمين أبي سَالم، أَن يكون الصَدَاق الْمَذْكُور من إملائي على كتاب بَابه، فأمليت فِي الْيَوْم الَّذِي صدر لي الْأَمر الْعلي بذلك، مَا نَصه بعد سطر الِافْتِتَاح:

الْحَمد لله الَّذِي لَهُ الْحِكْمَة الْبَالِغَة، وَالنعْمَة السابغة، وَالْملك الْكَبِير، وَبِيَدِهِ الْخلق وَالْأَمر [والإنشاء]، وَالْفضل، يؤتيه من يَشَاء. وَهُوَ الْحَيّ الْحَلِيم المريد الْقَدِير، الْوَاحِد الْأَحَد، الَّذِي لَا يحول بَقَاؤُهُ، وَإِن حَال الزَّمَان، وَطَالَ الأمد الْفَرد، الَّذِي اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْعدَد، والصاحبة وَالْولد، فَلَا يُدْرِكهُ فِي ذَاته، بِتَعَدُّد صِفَاته، التكثير، الْملك الْحق الَّذِي غنى بعز جبروته، فِي عَظِيم ملكوته، عَن الأعوان والظهراء، والصاحبة والوزراء، والأمثال والنظراء، فَلَا ينجده الْمعِين، وَلَا يرشده النصيح، وَلَا يُشَارِكهُ الْوَزير الْحَكِيم، الَّذِي فتق رتق الأكوان، على اخْتِلَاف الصُّور والألوان، وَقد تعاقب الملوان، وَأعْطى كل شَيْء خلقه، من الجماد والنبات وَالْحَيَوَان. فأذعن لَهُ الإبداع، وانقاد لَهُ الاختراع، وأطاعه التَّصْوِير. أضلّ وَهدى، وَتفرد بالوحدانية، فَلم يتَّخذ

صَاحِبَة وَلَا ولدا، وأحصى مدارج الحركات، ومدارك اللحظات، فيعينه مَا [يظنّ وَظهر] وَرَاح وَغدا، وَحصر شوارد الأنفاس، وأشخاص الْأَجْنَاس، فأحاط بِكُل شَيْء علما، وأحصى كل شَيْء عددا. أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير. تجلى الْأَبْصَار البصاير نور جَلَاله، فاض على السَّمَوَات وَالْأَرْض، عميم جوده، وكريم نواله، وامتن على الْوُجُود بمنحه قبل استمناحه وسؤاله، فَهُوَ الْغَنِيّ الْمَحْض، وَمن سواهُ فَهُوَ، الْفَقِير. وَالْحَمْد لله الَّذِي فضل نوع الْإِنْسَان، وَخَصه بمزيد الإنعام وَالْإِحْسَان، وحباه بِفضل الْعقل، وَفضل اللِّسَان، فأمكنه الإفصاح عَن مقاصده الحسان وَالتَّعْبِير، وابتداه بجزيل نعماية، وَاعْتَمدهُ بعميم آلايه، وصوره من الطين اللازب بيد إنشايه، وَنفخ فِيهِ من روحه، وأسجد لَهُ الملايكة سمايه، وَاخْتَارَ مِنْهُ صفرَة أوليايه، ونخبة أنبيايه، وَجعله محلا لقبوله، وَأهلا لاصطفايه،، وَأعد لأَجله دَاري جزايه. وحسبك فخارا يُشِير إِلَيْهِ المشير. وَالْحَمْد لله الَّذِي رفع بنية السَّمَاء والقبة الشماء، مَا اتخذ لَهَا عمادا، وَجعل الأَرْض فراشا لَهَا ومهادا، وَالْجِبَال الراسية أوتادا، وَأَنْشَأَ الْبشر، لما دَرأ وَنشر، من نفس وَاحِدَة، بَث مِنْهَا أعدادا، وَضرب لَهُم من بعد الْحَيَاة ميعادا، فَمِنْهُ النشأة، وَإِلَيْهِ الْمصير. وتبارك الله رب الْعَالمين، الَّذِي نطق الْحَيّ والجماد من تَعْظِيمه بِلِسَان، واعترف الْخلق أَنه الْحق، وكل من عَلَيْهَا فان. وَثَبت ببديهة الْحق وجوده، من غير اعْتِبَار مَكَان، وَلَا بسبوق زمَان، وَأَلْقَتْ الموجودات إِلَى حكم قدرته يَد الإذعان، فَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ، مَا بَين سر وإعلان. ونعوذ بِاللَّه، من سخطه ونستجير، وَسُبْحَان من

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.