من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الصَّدقَات والبيعات (٢)
أنشأ النُّفُوس البشرية وسواها، وأدار على من اصْطفى مِنْهَا، وَاخْتَارَ كؤوس مَعْرفَته حَتَّى رَوَاهَا، وأرشدها بِنور الإلهام فِي ظلمات الْأَرْحَام، إِلَى الْوُقُوف بربوع توحيده والإلمام، وَقد مَال بهَا عَن الجادة هَواهَا، وَعظم الْأَرْحَام إِلَى جعل تقواه مقترنة بتقواها، فوضح حَقّهَا الأكيد، وَظهر قدرهَا الْكَبِير.
ونحمده، وَله الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة، ونثني عَلَيْهِ بِمَا على نَفسه، اثنى من صِفَاته الْعلي، وأسمايه الْحسنى [ونشكره على] ونعمه الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة، ونعترف لملكه الْحق، بعجز الْعُقُول الذاهلة، والنفوس الْقَاهِرَة، فَكلما بهرت الْأَلْبَاب منته الوافرة، وآلاؤه المتوافرة، فشأننا الْعَجز، وصفتنا التَّقْصِير. ونشهد أَنه الله الَّذِي لَا آله إِلَّا هُوَ، ثَبت فِي بالبديهة وجوده فَلَا يسع جَهله، لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله، بِيَدِهِ الْخلق، وَالْأَمر، وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله، عين المقاسم والمواهب جوده وفضله، وأجرى الأقدار على حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ وَاخْتَارَهُ حكمه وعدله. يحط وَيرْفَع، وَيُعْطِي وَيمْنَع، لَا يسل عَمَّا يفعل، وَلَا يعْتَرض، فِيمَا يصنع، بِمَا اقتضته الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالتَّدْبِير، شَهَادَة تتأرج نفحات الْإِخْلَاص من أزهارها، وتتخلق [أكوان الأردان]، من شذا معطارها، وتسفر غرر التَّوْحِيد من مطالع أسرارها، وتضيء أرجاء الْوُجُود أشعة نجومها وأقمارها، وتستفاد كنوز الْيَقِين من مكامن أسرارها، ونجدها عتادا إِذا زخرفت الْجنان وسعرت السعير. ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده الَّذِي شرح صَدره، وَرفع ذكره، وَرَسُوله الَّذِي
بلغ نَهْيه وَأمره، ونجيه الَّذِي أدنى مَحَله، وأسنى قدره، ونوره الَّذِي أَمن من المحاق بدره، ومختاره الْأمين، المكين، البشير النذير، أكْرم ولد آدم عَلَيْهِ، وأرفعهم منزلَة لَدَيْهِ، ومصطفاه الَّذِي جعل الْفضل طوع يَدَيْهِ، ومجتباه الَّذِي مدحه فِي الْقُرْآن الْحَكِيم، بالخلق الْعَظِيم، وَأثْنى عَلَيْهِ، وَنبيه الَّذِي لَهُ شرف الْأَقْصَى، وَالْفضل الشهير، نُكْتَة الْعَالم، وفايدة الأكوان، والمتقدم بِفضل [السَّابِقَة] وَإِن تَأَخّر بِالزَّمَانِ، وَحجَّة الله المؤيدة بالبرهان، وَخَاتم النبين وناسخ الْأَدْيَان، المحرز من شَأْن الْكَمَال وَكَمَال الشَّأْن، مَالا يحصره الْعد، وَلَا يَأْخُذهُ التَّقْدِير. أرْسلهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَقِّ لجَمِيع الْخلق، بشيرا بِلِسَان الصدْق، بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ لإنس الْكَوْن وجنه، وسراجا منيرا، وَنَصره بِالْحَرْبِ، والمجال الصعب، بجيوش الرعب، يسير بَين يَدَيْهِ شهورا، وأذهب عَن أهل بَيته الرجس وطهرهم تَطْهِيرا، وَاخْتَارَ لَهُ من دوحة الْفَخر قبيلا، وَمن عنصر الْمجد عشيرا، فَنعم الْقَبِيل، وَنعم العشير، وأضفى عَلَيْهِ ملابس التكريم، وَوَصفه بالرؤف الرَّحِيم. وافترض على الْمُؤمنِينَ فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم، وَجعله فذلكة الْحساب، وَبَيت القصيد ويتيمة العقد النظيم، دَرَجَة ييس مِنْهَا المثيل، وَعجز عَنْهَا النظير، وأفرده بالفخر الأجلى، وَالْقدر الْأَعْلَى، والكمال الْأَقْصَى، [وَنَصّ عَلَيْهِ] فِي صحف أنبيائه نصا، وأولاه من مواهب عنايته، ولطايف ولَايَته، مَالا يعد وَلَا يُحْصى، وَأسرى بِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى، [ووثر لَهُ]، ظهر الْبراق، لاختراق السَّبع
الطباق، فَمَا استصعب وَلَا استعصا، فَعرف فَضله الْمَلأ الْأَعْلَى، والفلك الْأَثِير، ابتعثه الله، والجاهلية الجهلا تصول، والعدوان تشام مِنْهُ النصول، وحرمات الله، تجتث مِنْهَا الْفُرُوع وَالْأُصُول، وَالْمَعْرُوف يقطع بِسَبَبِهِ الْمَوْصُول، والسعادة لَا يَتَأَتَّى عَلَيْهَا الْحُصُول، وَدِمَاء الضُّعَفَاء تطل، وأيدي الأقويا تطول، فقر الرجفان، وارتفع الْعدوان، وَسَهل العسير، وانتصف الْغَرِيم، ووضح النهج الْكَرِيم، وَثَبت التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم، وطلع الصُّبْح وانصرم الصريم، وَاسْتقر الْحق فَلَا يبرح وَلَا يريم، وَأخذ الْأَحْكَام عَن الله، التَّمْهِيد والتقرير. فَكَانَ مِمَّا سنه صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، النِّكَاح، الَّذِي ندب إِلَيْهِ ندبا كَاد يلْحق بِالْإِيجَابِ، وخطب إِلَيْهِ تهمما بِهَذَا الْبَاب، فَكَانَت سنة وَافَقت هواً، وقصداً جمع بَين الضرورية البشرية، وَالثَّوَاب وذريعة إِلَى صون الْأَنْسَاب وَحفظ الأحساب، وننزيها للدّين من شوايب الإرتياب، وغرضا كَرِيمًا يكل فِي ميدانه وتعظيم شَأْنه، الْبَيَان وَالتَّعْبِير، وَلم يزل صلوَات الله عَلَيْهِ، يحض عَلَيْهِ بإفصاحه وتبيينه، وَقَوله من تزوج فقد كمل نصف دينه، ويجلي وَجه النصح يروق نور جَبينه، ويحض ذَات الدّين والشرف بتعيينه، ليرجح الْأُمَم فِي الْمعَاد، وَيقوم قيام الْإِشْهَاد الْعدَد الْكثير، ﷺ، وَشرف وكرم وَقدس وَعظم، وَبَارك ورحم، مَا أظلم اللَّيْل البهيم، وأشرق الصُّبْح الْمُنِير، ورضى عَن آله وصحابته وعترته وقرابته، نُجُوم الْهدى المشرقة، وبحور الندى المغرقة، والعصابة المومنة بِالْغَيْبِ المصدقة، والأسرة الملتفة فِي الرعب المحدقة، الَّتِي كَانَت تهدي بهديه،
فِيمَا يُشِير، وتسري بأنوار مراشده وتسير، ونستوهب من الله لهَذَا الْمقَام الْعلي المولوي [الإمامي السعيد السّني]، الإبراهيمي المستعينى، سَعْدا يتكفل بعز السُّلْطَان، وتمهيد الأوطان، ونصرا يعلي أَعْلَام الْإِيمَان، وَيرْفَع رواق الْيمن وَالْإِيمَان [وصنعا يخلد آيَات الْفَخر فِي صفحات الْأَزْمَان]، وعدلا يكف أكف الْبَغي والعدوان، وتوفيقا يَقُود إِلَى الْقبُول من الله والرضوان، ويمنا تلوذ بِهِ الآمال، فيحالفها البشير. فَهُوَ الَّذِي جدد الرَّسْم بعد مَا درس، وحاط الْأمة بِسيف الله وحرس، وجنى من ثَمَرَات الْملك الْأَصِيل، مَا ازدرع سلفه الأرضي بالعزم الأمضى واغترس، فغفر الله لَيْث الْبَغي لما افترس، واستخلص أَمر الله من يَد غاضبه فَهُوَ الأحق بِهِ والجدير. فأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا، وأفاقت النُّفُوس من كربها، ودارت أفلاك الْأَمر الْعَزِيز على قطبها، وَأَلْقَتْ الْفِتْنَة أوزار حربها، وابتهج الْمِنْبَر والسرير، وَلَا زَالَ جَامع شَمل الدّين بعد شتاته، وواصل سَبَب الْحق بعد انبتاته، وحافظ كلمة الله، وَالله لَا مبدل لكلماته. ومخيف الزَّمَان العادي بعزماته وطارد شدايده وأزماته، يطلع بَدْرًا فِي ظلماته، ويسطع فجرا فِي مدلهماته، حَتَّى يَأْمَن بِهِ الخايف، وَيجْبر الكسير، ودام مستعينا بِاللَّه فِي جَمِيع أَحْوَاله، مستزيدا بِذكرِهِ من نواله، متوكلا عَلَيْهِ فِي حركاته وسكنانه، وأقواله وأعماله، فَالله نعم الْمولى وَنعم النصير.
أما بعد هَذِه الْفَاتِحَة الَّتِي تجلت وُجُوه المسرات المستمرات، خلال اختتامها وافتتاحها، وتأرجت أزهار تحميد الله وتمجيده، من بَين أدواحها، ووضحت فِي ليل الحبر تباشير صباحها، والمقدمة الَّتِي تكفلت للأعمال بنجح
آمالها، وللآمال بفوز قداحها، فَإِن السَّعَادَة فِي الأقتداء بسنن خَاتم الْأَنْبِيَاء حَاصِلَة، وآيات الْكتاب الْعَزِيز، بَين الْحق وَالْبَاطِل فاصلة، وصنعة الله وَإِن أَبَت المناصل غير ناصلة، فَمن وفْق للسعادة الْمُعَادَة، اقْتدى وَاتبع، وثوى بِربع الْهدى وَربع. وَالشَّرْع قد قرر الْآدَاب ورتبها، ورفض الْفَوَاحِش واجتنبها، وانتقى المراشد وانتخبها، وَله الحكم على الْعقل، بسيوف النَّقْل، الرايقة الصقل مهما حسن أَو قبح، وَإِن وازن الْعقل وَرجح، ونأى بصنعة الْقيَاس وتبحح. وَالنِّكَاح من الْأَغْرَاض الَّتِي حسنها الشَّرْع وزينها، وأوضح تضافر الْمصَالح الشَّرْعِيَّة والطبيعية فِيهِ وَبَينهَا [ونفق الْفضل وَحرم العضل] وأرشد من الْحيرَة، وأرغم بالحلال أنف الْغيرَة، فتعاضدت الْأَنْسَاب والأصهار، وَأمكن بالتآلف والاستظهار، وَبَان الْحق ووضح النَّهَار، سنة الله الَّتِي قر بهَا الْقَرار، وعمرت الْمنَازل والديار، وتنافس فِيهَا الأخيار، وامتدت إِلَيْهَا الْأَيْدِي والأبصار، وحكمته الَّتِي لطفت مِنْهَا الْأَسْرَار، وَوَجَب فِيهَا الِاعْتِبَار. وَكَانَ أولى بالمثابرة على هَذِه المراشد، وتتميم مَا قرر من الْأَغْرَاض الشَّرْعِيَّة والمقاصد، والمسارعة إِلَى هَذِه المشارع الروية والموارد، والمبادرة إِلَى اقتناء هَذِه المحامد، أولو الْعلم الَّذين يَتَّقُونَ الله حق تُقَاته، ويحرصون على التمَاس مرضاته، فهم أقطاب سنته ومفترضاته، وورثة أنبيائه ودعاته، وأشرف الْملَّة الَّذين يُحَافِظُونَ على الْمُنَاسب الرفيعة، وياخذون وَيدعونَ بقسطاس الشَّرِيعَة. فهنالك تزدان حلل الْعلم والشرف بحلى الْعَمَل، وتطلع شمس الْآدَاب الدِّينِيَّة، أبهى من الشَّمْس فِي الْحمل، وتستبشر النُّفُوس النفيسة، من إِحْرَاز مزايا الدّين وَالدُّنْيَا ببلوغ الأمل. وَإِن هَذَا
الْمغرب الْأَقْصَى الَّذِي عدمت فِيهِ، وَالْحَمْد لله، الْفرق والأهواء، وسطعت من [فضايل أَهله] الأضواء، ولاح من حسن اقتدايهم بِإِمَام دَار الْهِجْرَة، رضى الله عَنهُ، السَّبِيل السوَاء، تشرف قَدِيما، ببضعة من رَسُول الله ﷺ، وَجعلهَا بَين سحره ونحره، وتبعة من إِحْدَى ريحانتي الْجنَّة، اتخذها إكليلا لمفرق فخره، فَاسْتَوَى على الأمد القصي، وَأصْبح كرسيا لأهل الْوَصِيّ، وَاسِعًا آل عَبَّاس بدايل، ذِي بَأْس ونايل، لَوْلَا أَنه اغتبط لتوقد ذرْوَة الشوق وفرعها، وَعجل الكرة وأبدعها، واستخلص الْجنَّة الَّتِي بذرها جده وزرعها، فصرف لفاس، عمرها الله بِالْإِسْلَامِ حلته، وأورث مِنْهَا بالبقعة الزكية سراته وجلته، فتبوؤا مِنْهَا بالدور ... المعشب الرَّوْض، الأرج النُّور [قرارة السعد] ومثوى عشير سبط وبأس جعد، ودست وَعِيد ووعد، وفْق برق ورعد، يتناقلون رتب الشّرف الصَّرِيح، كَابِرًا عَن كَابر، ويروي مسلسل بَيتهمْ الرفيع الْعمد، كل حَرِيص على عوالي الْمَعَالِي مثابر. فالكف عَن صلَة، وَالْأُذن عَن حسن، وَالْعين عَن قُرَّة، وَالْقلب عَن جَابر، حَيْثُ الأنوف الشم، وَالْوُجُوه الغر، والعزة القعساء وَالنّسب الْحر، والفواطم فِي صدف الصون من لدن الْكَوْن، كأنهن الدّرّ. قَالَ رَسُول الله [ﷺ]، وَنعم الْآل، والموارد الصادقة إِذا كذب الْآل، وَمن إِذا لم يصل عَلَيْهِم فِي الصَّلَاة، حبطت مِنْهَا الْأَعْمَال، طيبَة الركب، ونشيدة الطَّالِب، وسراة لؤَي بن غَالب، وملتقى نور الله، مَا بَين فَاطِمَة الزهراء وَعلي بن أبي طَالب، والأدارسة الَّذين سيف جدهم بالمأذنة الْعُظْمَى، والمرقب
الأسمى، منتضى مَشْهُور، قد سالمته أفلاك ودهور، وتجافت عَنهُ أَعْوَام وشهور. فَلهُ إِذا حذفت المعالم، وطمست للفخر المواسم، ظُهُور. وَلم تزل الْمُلُوك الْكِرَام تستدعيهم إِلَى صُدُور الْمجَالِس، وتزين عُقُود المحافل بدررهم النفايس، وتشركهم فِي المآكل والمشارب والملابس، وَتجْعَل توفيرهم إِلَى استخلاص ضماير الْمُسلمين ذَرِيعَة، وتقديمهم دينا، وتجلتهم شَرِيعَة، وتبرزهم فِي المحول، إِذا شكا النَّاس نازلهم وَجَهْدهمْ، وتستسقي بهم غيث السما، كَمَا استسقى عمر ﵁ بجهدهم، إِلَى أَن تَلا الدَّهْر سُورَة آل عمرَان، فياشد مَا أعجز، ووعد أَن يحيي بآيتها الْبَيِّنَة الشّرف، وآثار من [مضى من]، وَالسَّلَف، فوفى وأنجز، فتوفرت رغبات الْأَعْلَام على التَّعَلُّق بعروتهم الوثقى، وسمت مِنْهُم الهمم إِلَى الْمحل، الأرقى، وتبادر الْفُضَلَاء والأعوان، ركضا، إِلَى المنافسة فِي قربهم وسبقا، ابْتِغَاء لما عِنْد الله، فَمَا عِنْد الله خير وَأبقى، واغتباطا بذرية رَسُوله، الَّذِي من ظفر بقربها أحرز الْفَخر حَقًا. أبقى الله أعلامهم سامية، وبركاتهم هامية، وآمال الْعلمَاء، وَرَثَة جدهم، إِلَى غَايَة مجدهم مترامية. وَإِن السَّيِّد الْفَقِيه الْجَلِيل، الْكَبِير الشهير الخطير، رييس الفئة العلمية العديدة الوافرة، وَصدر كتبتها الغانمة الظافرة، وجواد هَذِه الحلبة الْكَرِيمَة، وَفَارق هَذِه الديمة، تَاج المفرق، وفخر الْمغرب على الْمشرق، على الْحلَّة السيرا، وبركة الدولة الغرا، ممهد الأقاليم برماح الأقلام، وآسى الكلوم الرعيبة برقى الْكَلَام، وَعلم الْأَعْلَام، والمؤتمن على أسرار مُلُوك الْإِسْلَام، الَّذِي أَصبَحت مَدِينَة الْملك بيمن نقيبته، وَفضل
ضريبته، مَدِينَة السَّلَام، وانجلت بِنور تَدْبيره غياهب الظلام، وهيأته لسعادة الْخلق، وإبانة طرق الْحق، عناية الْملك العلام الْعَالم الْعلَا، الأوحد، الطَّاهِر الظَّاهِر، الأسعد، الإِمَام اذي يقدمهُ الْمُلُوك والأمراء، ونسيج وَحده، الَّذِي عدمت لَهُ النظراء [وتقاصرت عَن مدى شاوه النظراء] مُسْند حَدِيث رَسُول الله ﷺ، غضا أعمل فِيهِ ركضا، وَقطع جوا فجوا، وأرضا فأرضا، يرى نَقله من معدنه فرضا، حَتَّى لفظ من أدواح الْمشَاهد النَّبَوِيَّة أزهاره، وأنفد ليله فِي اقتناء الفضايل والجلائل ونهاره، وأسمع بِلَفْظِهِ من فَوق المراقي السامية، مشايخه وكباره، وقفل عَن حج بَيت الله وزيارة الرَّسُول، الَّذِي اخْتَارَهُ، قفول النسيم عَن الرَّوْض بعد مَا زَارَهُ وأودعه أسراره، توجب مُلُوك الْإِسْلَام إيثاره، وتجلو عَن منصات منابرها أفكاره. صدر الصُّدُور، وَبدر البدور، وَعلم المرقب الْمَشْهُور، ومؤمل الْخَاصَّة وَالْجُمْهُور، الْفَاضِل الْكَامِل، والحافظ المحافظ، الْعَالم الْعلم، المتقن المُصَنّف، أَبَا عبد الله مُحَمَّدًا ولي الله، الَّذِي ظَهرت بركاته وتقيدت بِالْكتاب وَالسّنة [سكناته وحركاته]، الْمَعْمُور الزَّمن بالأحباب والإنابة، الْمَخْصُوص الدعْوَة بالإجابة، الَّذِي وَاصل فِي مجاورة حرم الله شتاء وصيفا، وأخذته بِهِ أكف الاختبار، فَلم يَك عِنْد الِاعْتِبَار زيفا، حَتَّى أم بِالْمَسْجِدِ الْكَرِيم، وَإِن كَانَ ضيفا، وَتقدم مُصَلَّاهُ اختبارا لم يجر حيفا. وحسبك بهَا فَضِيلَة سلت عَلَيْهَا عناية الله سَيْفا، وَاخْتَارَ بذلك البقيع الْكَرِيم لحده، مُنْقَطِعًا إِلَى الله وَحده، فَأَصْبَحت تربته مزورة مَقْصُودَة، وكرامته مَشْهُورَة مَشْهُودَة، وفضايله لَيست خافية وَلَا محجوبة، الشَّيْخ الْفَقِيه الْجَلِيل الطَّاهِر
الظَّاهِر، القانت العابد، الزَّاهِد المتصوف، الصَّالح الْمُعظم، الْمُقَدّس، المرحوم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن ولي الله، الرفيع الدرجَة لَدَيْهِ والرتبة، الْكَرِيم اللَّحْد، الزكي التربة. الَّذِي تذممت بجاه جواره مُلُوك وَطنه، واستنارت بملحده بَين أحداثها ومدفنه، ابْتِغَاء الْوَسِيلَة إِلَيْهِ، والقربة الشَّيْخ الكذا، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَرْزُوق، سلالة أَوْلِيَاء الله، الَّذين شهرت أَحْوَالهم، وَقصرت على مواهب السَّعَادَة آمالهم، وأشرقت بإدامة ذكر الله خلالهم، جيران تَاج العارفين، ومشايخ القايمين بمقام تربته والعاكفين، وعماد الْعباد المتسمين بِولَايَة الله المتصفين، أبقاه الله للْعلم وَالْعَمَل، وبلوغ الأمل، وتدبير الدولة الَّتِي لَهَا الْفَخر على الدول، وَحجَّة فضل العصور الْمُتَأَخِّرَة عَن العصور الأول، لما كَانَ لَهُ فِي مضمار الْفضل [الْمشرق الْأَنْوَار]، بالتقديم والتبريز والكمال الَّذِي خلص مِنْهُ الإبريز، وَنَشَأ فِي حجره، فرع مجده، ونير سعده سلالة الْكَرَامَة وَالْولَايَة، والمؤمل لوراثة فَضله وَعلمه، بعد بُلُوغ عمر النِّهَايَة، وهلال سمايه الَّذِي حكمت لَهُ بالإبدار، والعصمة من السرَار، مخايل الْبِدَايَة، وتوهم إمتطاؤه كتد الْمِنْبَر، وَهُوَ فِي كتد الر اية،، الْفَقِيه الكذا، أَبُو الْقَاسِم، بلغه الله فِيهِ [غَايَة الآمال] وَحفظ عين، كَمَاله من عين الْكَمَال، فَهُوَ عين الْكَمَال، نظر لَهُ النّظر الَّذِي يتكفل بِحسن العواقب، وَيجمع شتات المناقب، ورشحه إِلَى أَعلَى المراقى والمراقب، وَولي فِيهِ وَجه
اجْتِهَاد الملاحظ المراقب، شطر النَّجْم، المصاقب للنجم المثاقب، [وأمد لَهُ] الْوَسِيلَة إِلَى الحاشر العاقب، وَذهب إِلَى أَن يصون شبابه بإحصانه فِي ريعانه، ويلبسه ثوب العفاف، يسحب فِي ميدانه ذيل أردانه، فجالت مِنْهُ فِي هَذَا الْغَرَض الَّذِي يسمح فِي اقتناء جوهره بِالْعرضِ، الخواطر المقدسة والأفكار، وقرع باستخارته بَاب من يخلق مَا يَشَاء ويختار، حَسْبَمَا كَانَ يَفْعَله فِي أُمُوره المهمة، النَّبِي الْمُخْتَار، فانبعث لخطاب، واعتبرت الْأَعْيَان فِي الْمَدِينَة الَّتِي عظم مِنْهَا الشان، وأقرت بفضلها الْبلدَانِ، واستحضرت الأقطاب، وتنخل الطاب، فَوقف أمله على هَذَا الْبَيْت، الَّذِي عقد عَلَيْهِ الْخِنْصر، وَالْفَخْر، الَّذِي سَمعه السَّامع، وأبصره المبصر، وَاخْتَارَ وَهُوَ السديدة أفكاره، وعنوان عقل الْفَتى اخْتِيَاره، الْبَيْت الَّذِي لَا يعدل الأختيار عَن جنابه [شرفا وتجلة]، وإعظاما أَصبَحت رسومه مُسْتَقلَّة، خير بَيت طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس، وتفرعت من قَوَاعِده الْقَوَاعِد الْخمس، وَشهد بفخره الْيَوْم والأمس، وصمتت لهيبته الشفاه، فشأنها الْإِشَارَة والهمس. بَيت الشّرف الَّذِي تعرفه الْخيام وَالْحلَل، [لَا بل النجد]، والملل، ومعدن الْفَخر الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل، وَيعْمل فِي تعزيزه وتوقيره أَمر الله الممتثل. وَرمى إِلَى ذَلِك الْجَبَل المنيف بهمته، وأغرا أمله باختطاطه بِنَاء هَذَا الْبناء السعيد فِي ذروته وقمته، ومت إِلَيْهِ بوسايله الَّتِي لَا ترد وأذمته، فَخَطب مِنْهُم السَّيِّد الشريف [الطَّاهِر الظَّاهِر الأسعد الأصعد الأوحد الأمجد
الأعدل الْأَفْضَل الْأَكْمَل]، الْمُعظم، لباب لبابهم، وعنوان كِتَابهمْ، وواصل أسبابهم، وبركة شيبهم وشبابهم، ذِي الْقدر المنيف، والحسب الْغَنِيّ عَن التَّعْرِيف، الَّذِي تذكر بالغرر الفاطمية عزته، وَيدل على نفاسة ذَلِك العقد الثمين درته، جليس الْخلَافَة وأثيرها، وعميد الْعِصَابَة العلوية وكبيرها، أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن علم الْأَعْلَام، وكبير الشرفاء الْكِرَام، وَالْمُعْتَمد بالإجلال والإعظام، المتميز بقدم الرسوخ، ورسوخ الْأَقْدَام، والمتمسك من مثوى جده، بمحط الرحل وَمحل الالمام، الْمَخْصُوص بميزات الْمُلُوك الْعِظَام، الْمُعْتَمد مِنْهُم بالإحظاء وَالْإِكْرَام، المتبرك بِهِ وبولده، من أهل بَلَده عِنْد اللِّقَاء وَالسَّلَام [الشريف الْكَبِير الْجَلِيل التقي الأواب الأسعد الأرضي الْمُقَدّس المرحوم]، أبي عبد الله مُحَمَّد بن عمرَان ابْن عبد الْوَاحِد بن أَحْمد بن عَليّ بن يحيى بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حمود بن يحيى بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى الحوطي، الَّذِي جبر الْبَيْت، وَأَحْيَا الْحَيّ. وَخلف الْمَيِّت ابْن الْقَاسِم بن إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، أبقاه الله علم أَعْلَام، وركن استلام، وشهاب هدى يجلو كل الإظلام ووسيلة إِلَى الله فِي كشف ضرّ أَو استنزال غمام، على وَلَده الأسعد أبي الْقَاسِم، بنت أَخِيه السَّيِّد الشريف، [الْأَجَل الظَّاهِر الْأَسْنَى الأعدل الأزكى] قسيمه فِي نسبه، وَمَا تقرر من حميد مذْهبه، فرع الشَّجَرَة الشماء [والسرحة الهاشمية] الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء، الَّذِي توشح بِالطَّهَارَةِ والعفاف يافعا ووليدا، واحرز الْفَخر طريفا وتليدا [الصَّالح الْفَاضِل التقي الخاشع المتبرك بِهِ الْمُقَدّس المرحوم] أبي فلَان قدس الله تربته، وَرفع فِي الملاء الْأَعْلَى، مَعَ سلطة أولى الْفضل الَّذِي تتلى رتبته. وَهِي الشَّرِيفَة
السعيدة، الفاضلة الطاهرة، كَرِيمَة شرفه، وَبكر حجابه، ودرة صدفه، فَاطِمَة، جعلهَا الله خير خلف، من أمهاتها اللأى طَال مَا اهْتَدَى بِهن الرِّجَال، وَإِن كن نسا، وَنقل عَنْهُن إِلَى أبنايهن، وهم الْمُؤْمِنُونَ، حكم الله صباحا ومسا، خطْبَة كَانَ السعد قايد زمامها، واليمن مُقَرر أَحْكَامهَا، والرضى وَالْقَبُول ضامني تَمامهَا. فَتلقى الشريف الطَّاهِر، أَبُو عبد الله عَنْهَا بِالْقبُولِ وَالرِّضَا خطبَته، وأسعف رغبته، وَرَأى أَنه كَمَا قيل فِي أَوَّلهمْ، فَحل لَا يقْدَح أَنفه، وكفؤ يَقْتَضِي الْعدْل والعلمية أَن يمْنَع صرفه، وَعلم لَا يجهل اسْمه وَلَا يُنكر فعله، وَلَا يحذف حرفه. فَكَانَ الارتياح والنشاط، وَالرِّضَا والاغتباط، ثمَّ الِالْتِزَام والارتباط، وانعقد بَينهمَا [النِّكَاح فِي الخطوبة، الْمُسَمَّاة على بركَة الله الباهرة الْآيَات، وعَلى صدَاق مبلغه مَا بَين نقد معجل وكالي مُؤَجل كَذَا وَكَذَا، النَّقْد من ذَاك كَذَا وَكَذَا والكالى وَقدره كَذَا وَكَذَا، وسعت المكارمة أنظاره إِلَى كَذَا وَكَذَا من الْآن]، تحمل وَالِد الزَّوْج، حرس الله أَسبَاب معاليه، وبلغه من سَعَادَة الزَّوْجَيْنِ مَا يرتضيه، جَمِيع مَا ذكر، من نقد الصَدَاق وكاليه، [تحمل حمل لَا مدْخل للحمالة كَحكم فِيهِ] وعَلى ذَلِك انْعَقَد النِّكَاح، وتمت مَعَانِيه، وبسببه اسْتَقَلت مبانيه، وَهِي متصفة بالأوصاف الَّتِي تبيح كَمَال الْإِشْهَاد وتسنيه. تزَوجهَا بِكَلِمَة الله، الَّتِي علت الْكَلِمَات وفاقتها، وبهرت الْأَبْصَار وراقتها، وَتَقَدَّمت الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَمَا حدتها الْمَوَانِع وَلَا عاقتها، وعَلى سنة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله، الَّتِي انتخبتها المراشد وانتقتها [ونظمت الميامن ونسقتها]، وعَلى مَا أَخذه الله سُبْحَانَهُ، لِلزَّوْجَاتِ على أَزوَاجهنَّ، وللأزواج على الزَّوْجَات، من حسن الْعشْرَة،
وَإِيجَاب الدَّرَجَات وَكِلَاهُمَا غَنِي عَن الوصاة بالآداب الْكَرِيمَة والخلال المرتضاة، حَتَّى تتكفل المكارمة بقرة الْعُيُون، وانشراح الصُّدُور، وتسعد الشموس بالبدور، وتزين نُجُوم سلالة رَسُول الله ﷺ، آفَاق الْمنَازل الْمُبَارَكَة والدور، وتنتظم فِي لبة الْمجد انتظام الشذور. شهد [على السَّيِّد الْفَقِيه الْخَطِيب وَالِد الزَّوْج، وَولده السَّيِّد الشريف الْمُعظم أبي عبد الله بن عمرَان بِمَا ذكر عَنْهُم فِي هَذَا الْكتاب، وَحضر إِشْهَاد الزَّوْج من أشهدوه بِهِ على أنفسهم وهم بِحَال صِحَة كَمَال الْإِشْهَاد وعَلى أتم الْأَحْوَال المسوغة لهَذَا المُرَاد كَذَا]، وَالله ﷿ يَجْعَل هَذَا العقد، أسعد عقد، حضرت لمرعاه الجلة، وسرت بتأتي مثله الْملَّة، وأنارت [بسعادته] البدور والأهلة، وَثبتت من سنيه وأمانيه [وَكَونه مؤسسا على تقوى الله ورضوانه]، الْعُقُود المستقلة، ويبقيهما فِي العيشة الرغد، واتصال السعد، وَتَحْت بركَة من لَهما، من الْأَب الصَّالح وَالْجد، ويضفى عَلَيْهِمَا من الْعِصْمَة، درعا حصينا، ويجعلهما من أهل السَّعَادَة، دنيا ودينا، ويسلك بهما من التَّوْفِيق، سَبِيلا مُبينًا. وَصَلَاة الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، [الَّذِي بوأنا من السَّعَادَة] مَكَانا مكينا، وأجلانا، وَجه الْفَوْز، يروق جبينا، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا.
وَلما توفّي السُّلْطَان أَبُو الْحجَّاج ﵀، وَولي وَلَده رضى الله عَنهُ، الْأَمر من بعده، كَانَ مماصدر عني الْبيعَة المنعقدة عَلَيْهِ من أهل الحضرة الْعلية والإيالة الْكَرِيمَة النصرية نصا بعد الْفَاتِحَة.
الْحَمد لله الَّذِي جلّ شانا، وَعز سُلْطَانا، وَأقَام على ربوبيته الْوَاجِبَة فِي كل كل شَيْء خلقه برهانا، الْوَاجِب الْوُجُود ضَرُورَة، إِذْ كَانَ وجود مَا سواهُ إمكانا، الْحَيّ القيوم حَيَاة أبدية، منزهة عَن الِابْتِدَاء والانتهاء، فَلَا تعرف وقتا، وَلَا تستدعي زَمَانا، الْعَلِيم الَّذِي يعلم السِّرّ وأخفى، فَلَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء، إِلَّا أحَاط بهَا علما، وأدركها عيَانًا، الْقَدِير الَّذِي أَلْقَت الموجودات كلهَا إِلَى عَظمته، يَد الخضوع إسلاما لَهُ وإذعانا، المريد الَّذِي بِيَدِهِ تصريف الأقدار، وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار، فَإِن منع، منع عدلا، وَإِن منح، منح إحسانا، شهد [تدول الْملك]، بزمام ملكه، وَدلّ حُدُوث مَا سواهُ على قدمه، وأثنت أَلْسِنَة الْحَيّ والجماد على مواهبه وقسمه، وفاض على عوالم السما وَالْأَرْض، بَحر جوده العميم النوال، من قبل سُؤَاله، وَكَرمه، فمامن شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ، ويثني على نعمه سرا وإعلاما، فَهُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله، أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر، وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله، وسع الأكوان على تباينها فَضله، وَقدر الْمَوَاهِب والمقاسم عدله، منعا ومنحا،
وَزِيَادَة ونقصانا، وَالْحَمْد لله الَّذِي بِيَدِهِ الاختراع والإنشاء، [ملك الْمُلُوك]، يُؤْتِي الْملك من يشا، [ويعز من يشا ويذل من يشا]، سبق فِي فِي مَكْنُون غيبه القضا [وخفيت عَن خلقه الْأَسْبَاب، وعميت عَلَيْهِم الأنباء] وعجزت عُقُولهمْ عَن أَن تستكشف مِنْهَا كنها، أَو تدْرك مِنْهَا بَيَانا. وَالْحَمْد لله الَّذِي رفع قبَّة السَّمَاء مَا اتخذ لَهَا عمادا، وَجعل الأَرْض فراشا ومهادا، وَخلق الْجبَال الراسية أوتادا، ورتب أوضاعها أجناسا متفاضلة، وأنواعا متباينة متقابلة. فحيوانا ونباتا وجمادا، وَأقَام فِيهَا، على ربوبيته حِكْمَة الأبداع والْآثَار، باهرة الشعاع وإشهارا، وَجعل اللَّيْل وَالنَّهَار، وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا، وَقدر لسياسة سياجا لعالم الْإِنْسَان، يضم مِنْهُ مَا انتثر، ويطوي من تعديه مَا نشر، تحمله على الْآدَاب الَّتِي ترشده إِذا ضل، وتقيمه إِذا عثر، وتجبره على أَن لتزم السّنَن، وَيتبع الْأَثر، لطفا مِنْهُ شَمل الْبشر وَحَنَانًا. وَلما عمر الأَرْض بِهَذَا الْجِنْس الَّذِي فَضله وشرفه، ووهب لَهُ الْعقل الَّذِي يفكر بِهِ فِي حكمته حَتَّى عرفه، وَبِمَا يجب لربوبيته الْوَاجِبَة وَصفه، جعلهم دَرَجَات، بَعْضهَا فَوق بعض، فقرا وغنا، وَطَاعَة وعصيانا، وَاخْتَارَ مِنْهُم سفرة الْوَحْي، وَحَملَة الْآيَات، وَأرْسل لَهُم الرُّسُل بالدلايل والمعجزات، وعرفهم بِمَا كلفهم من الْأَعْمَال المفترضات، ليجزي الَّذين أساءوا بِمَا عمِلُوا، وليجزي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى، [يَوْم اختبار
الْأَعْمَال، وَاعْتِبَار الْحَسَنَات]، وَنصب الْعدْل والمجازات، فِي يَوْم الْعرض عَلَيْهِ قسطاسا وميزانا.
نحمده، وَله الْحَمد فِي االأولى وَالْآخِرَة، ونثني على مواهبه الجمة، وآلايه الوافرة، ونمد يَد الضراعة، فِي موقف الرجا وَالطَّاعَة، إِلَى الْمَزِيد من مننه الهامية الهامرة، ونسله دوَام ألطافه الخافية، وعصمته الظَّاهِرَة، واتصال نعمه، الَّتِي لَا تزَال نتعرفها، مثنى ووحدانا، ونشهد أَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة نجدها فِي الْمعَاد عده وافية، ووسيلة بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة إِلَيْهِ راقية، وذخيرة بَاقِيَة، ونورا يسْعَى بَين أَيْدِينَا، وَيكون على الرِّضَا وَالْقَبُول فِينَا عنوانا. ونشهد أَن سيدنَا ومولانا مُحَمَّد النَّبِي الْعَرَبِيّ الْقرشِي الْهَاشِمِي، عَبده وَرَسُوله الَّذِي اصطفاه وَاخْتَارَهُ، وَرفع بَين النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ مِقْدَاره، وطهر قلبه، وَقدس أسراره، وبلغه من رِضَاهُ اخْتِيَاره، وَأَعْطَاهُ لِوَاء الشَّفَاعَة، يقفو آدم وَمن بعده من الْأَنْبِيَاء الْكِرَام آثاره، وَجعله أقرب الرُّسُل مكانة، وأرفعهم مَكَانا. رَسُول الرَّحْمَة، وَنور الظلمَة، وَإِمَام الرُّسُل الإيمة، الَّذِي جمع لَهُ بَين مزية السَّبق، ومزية التَّتِمَّة، وَجعل طَاعَته، من الْعَذَاب الْمُقِيم أَمَانًا، صَاحب الشَّفَاعَة الَّتِي تؤمل، والوسيلة الَّتِي بهَا إِلَى الله يتوسل، والدرجة الَّتِي لم يؤتها ملك المقرب، وَلَا النَّبِي الْمُرْسل، والرتبة الَّتِي لم يُعْطهَا الله سواهُ. إنْسَانا انتخبه من أشرف الْعَرَب أما وَأَبا، وأزكى الْبَريَّة طِينَة، وأرفعها نسبا، وابتعثه إِلَى كَافَّة الْخلق، عجما وعربا، وملأ بِنور دَعوته البسيطة جنوبا وَشمَالًا، ومشرقا ومغربا، وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه الَّذِي آمَنت بِهِ الْجِنّ لما سمعته، وَقَالُوا، إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا
عجبا، تَمامًا على الَّذِي أحسن، وتفصيلا لكل شئ وتبيانا، فصدع ﷺ بِأَمْر من اخْتَار ذَاته الطاهرة، واصطفاها، وَأدّى أَمَانَة الله ووفاها، وَرَأى الخلايق على شفا المتالف فتلافاها، وتتبع أدواء الضلال فشفاها، ومحا معالم الْجَهْل وعفاها، وشاد الْحق لِلْخلقِ بنيانا، مؤيدا بالمعجزات، الَّتِي حججها تقبل وتسلم، فَمن جذع لفراقه يتألم، وجماد بِتَصْدِيق نبوته يتَكَلَّم، وجيش شكا لَهُ الظمأ، ففجر لريه الْمعِين مِنْهُ بنانا. وَأي معْجزَة ككتاب الله، الَّذِي لَا تَنْقَضِي عجايبه، فَهُوَ اليم، والعلوم النافعة كلهَا مذانبة، وأفق الْحق الَّذِي تهدي فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر كواكبه، وَالْحجّة الْبَالِغَة الَّتِي أَصبَحت بَين الْحق وَالْبَاطِل فرقانا، فأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا وآياته، وتمت كلمة الله صدقا وعدلا، لَا مبدل لكلماته، وَبلغ ملك أمته، مَا زوى لَهُ من أقطار الْمَعْمُور وجهاته، حَتَّى عمر من أكناف البسيطة، وأرياف الْبحار المحيطة وهادا وكثبانا، ونقلت كنوز كسْرَى بعز دَعوته الْغَالِبَة [وظفرت بفلح الحسام عزايمها الْمُطَالبَة]، وَأصْبح إيوَان فَارس، مجر رماح الْعَرَب الْعَارِية، وقذفت جنود قَيْصر من دواليها بِالشُّهُبِ الثاقبة، حَتَّى فر عَن مدرته الطّيبَة آيبا بالصفقة الخايبة، وخلصت إِلَى فسطاط مصر بكتايبها المتعاقبة، فَلَا تسمع الآذان فِي مقاماتهم إِلَّا إِقَامَة وأذانا، وَلَا دَلِيل أظهر من هَذَا الْقطر الأندلسي الْغَرِيب، الَّذِي خاضت إِلَيْهِ بسيوفها أثباج الْبحار على بعد المراحل، ونزوح الديار، وتكاثف العمالات، وَاخْتِلَاف الْأَمْصَار، ومنقطع الْعِمَارَة بأقصى الشمَال ومحط السفار، طلعت عَلَيْهِ كلمة الله طُلُوع النَّهَار، واستوطنته قبايل الْعَرَب الْأَحْرَار، وأرغمت بِهِ أنوف الْكفَّار، ضرابا سَبِيل الله وطعانا. وَلما استقام الدّين، وتمم معالم الْإِيمَان الرَّسُول الْأمين، وَظهر الْحق الْمُبين، وراق من وَجه الْملَّة الحنيفية السمحة الجبين، وَأخذ المسالك والمآخذ والإفصاح
والتبيين وتقررت المستندات المعتمدات سنة، وقرأنا أسرة الْوَحْي بالرحلة عَن هَذِه الدَّار، والانتقال إِلَى مَحل الْكَرَامَة، وَدَار الْقَرار، وَخير الْملك، فَاخْتَارَ الرفيق الْأَعْلَى، موفقا إِلَى أكْرم الِاخْتِيَار، وجد صَحبه ﵃، فِي الِاسْتِخْلَاف بعده والإيثار، حجَجًا مشرقة الْأَنْوَار، أطلقت بِالْحَقِّ يدا وأنطقت بِالصّدقِ لِسَانا، صلى الله عَلَيْهِ، وعَلى آله وصحابته وأسرته الطاهرة، وعصابته وأصهاره، وقرابته، الَّذِي كَانُوا فِي معاضدته إخْوَانًا، وعَلى إعلاء أمره الْحق أعوانا، نُجُوم الْملَّة وأقمارها، وغيوثها الهامية وبحورها، وسيوف الله الَّتِي لَا تنبو شفارها، وأعلام الْهدى الَّتِي لَا تبلى آثارها، ودعايم الدّين الَّتِي وقفت على الْبر وَالتَّقوى أركانا، وَحيا الله وُجُوه حى الْأَنْصَار، بِالنعَم والنضرة، أولي الْبَأْس عِنْد الحفيظة، وَالْعَفو عِنْد الْمقدرَة، الرضْوَان أَن يذهب النَّاس بِالشَّاة وَالْبَعِير، ويذهبون برَسُول الله، فنعمت المنقبة والأثرة، الحائزون ببيعة الرضْوَان، فضلا من الله ورضوانا، ووزراؤه وظهراؤه فِي كل أَمر، وخالصة يَوْم أحد وَبدر، لم يزَالُوا صَدرا فِي كل قلب، وَقَلْبًا فِي كل صدر، [يعدونه كل حمد، وَيصلونَ بنفوسهم فِي كل سر وجهر] ويعملون فِي إعلاء دينه. بيضًا عضابا، وسمرا لدانا، صَلَاة لَا تزَال سحايبها ثرة، وتحية دائمة مستمرة، مَا لهجت الألسن بثنايهم، ووقفت المفاخر على عليائهم، وتعلمت الْمَوَاهِب على آلايهم، وَقصرت المحامد على مسمياتهم وأسمايهم، وَكَانَ حثهم على الْفَوْز بِالْجنَّةِ ضمانا. ونسلك اللَّهُمَّ لهَذَا الْأَمر النَّصْر الَّذِي سَببه بسببهم مَوْصُول، وهم لفروعه السامية أصُول، فيا لَهَا من نصول خلفتها نصول أنجزت وعد النَّصْر، وَهُوَ ممطول، وأحيت
ربوع الْإِيمَان وَهِي طلول، نصرا عَزِيزًا، وفتحا مُبينًا، وتأييدا على أعدائك وتمكينا، وملكا يبْقى فِي الأعقاب وأعقاب الأعقاب وسلطانا. وأعنا اللَّهُمَّ على مَا أوجبت [من حسن الطَّاعَة] وتأدية الْحق بِجهْد الِاسْتِطَاعَة، وأعصمنا بإيالته العادلة من الإضاعة، واحملنا من مرضاته على سنَن السّنة وَالْجَمَاعَة، وَاجْعَلْهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه إِلَى قيام السَّاعَة، واعف عَنَّا واغفر لنا وارحمنا. أَنْت مَوْلَانَا.
أما بعد مَا افْتتح بِهِ من تحميد الله وتمجيده، وَالثنَاء الَّذِي تتعطر الأندية بترديده، فَإِن من الْمَشْهُور الَّذِي يعضده الْوُجُود وَيُؤَيِّدهُ، والمعلوم الَّذِي هُوَ كَالشَّمْسِ ضل من يُنكره أَو يجحده، والذائع بِكُل قطر ترويه رُوَاة الأنباء وتسنده، مَا عَلَيْهِ هَذَا الْملك النصري الْحمى الْأنْصَارِيّ المنتمي، الَّذِي يُصِيب شاكلة الْحق إِذا رمي، ويعم الْعباد والبلاد غيثه مهمي همي، من أَصَالَة الأعراق، وكرم الْأَخْلَاق، وَالْفضل الباهر الْإِشْرَاق، وَالْجهَاد الَّذِي هُوَ سمر الْكَوَاكِب، وَحَدِيث الرفاق، وَإِن قومه الْمُلُوك الْكِرَام، إِن فوخروا بِنسَب، ذكرُوا سعد بن عبَادَة ومجده، أَو كَثُرُوا بِعَدَد، غلبوا بِاللَّه وَحده، أَو استنصروا فَرجوا كل شدَّة، واستظهروا من عزهم الْمَوْهُوب، وصبرهم على الخطوب، بِكُل عدد وعدة. دَارهم الثغر الْأَقْصَى ونعمت الدَّار، وشعارهم لَا غَالب إِلَّا الله وَنعم الشعار، زهاد إِذا ذكر الدّين، أسود إِذا حميت الميادين، جبال إِذا زحفت الصُّفُوف، بدور إِذا أظلمت الزحوف، غيوث إِذا منع الْمَعْرُوف، أَفْرَاد إِذا ذكر الألوف، إِن بويعوا فالملايكة وُفُود، وَحَملَة الْعلم وَحَملَة السِّلَاح شُهُود، وَإِن ولدُوا، فالسيوف تمايم، والسروج مهود، وَإِن أصحروا لِلْعَدو فالظلال بنود، وجنود السَّبع السما جُلُود. وَإِن أظلم اللَّيْل أسهروا جفونهم فِي حياطة الْمُسلمين والجفون رقود. وَإِن هَذَا
الْقطر الَّذِي انْتهى سَبِيل الْفَتْح الأول إِلَى قاصيته، وأجيلت قداح الْفَوْز بالدعوة الحنيفية على الْإِسْلَام فَأخذ الأسلام بناصيته، كَانَ من فَتحه الأول مَا قد علم حَسْبَمَا سطر ورسم، وَأَن مُوسَى بن نصير وفتاه، حل من فرضة مجازه مَا حل مُوسَى وفتاه، وَحل الْإِسْلَام مِنْهُ دَار قَرَار، وخطة حَقِيقَة بارتياد وَاخْتِيَار، وبلد لَا يُحْصى خَيره، وَلَا يفضله بِشَيْء من المزية مَا عدى الْحَرَمَيْنِ، غَيره، وامتدته الْأَيَّام حَتَّى تأنس الْعَدو لروعته، وخف عَلَيْهِ مَا كَانَ من صرعته، وقدح فأورى، وأعضل داؤه فاستشرى، وَصَارَت الصُّغْرَى، الَّتِي كَانَت الْكُبْرَى. فلولا أَن الله دعم الدّين مِنْهُم بالعمد الْوَثِيقَة حماة الْحَقِيقَة، وأيمة الخليقة، وسلالة مفتتحي الْيَمَامَة، ومقتحمي الحديقة، لأجهز النصل، وأجتث من الدّين الأَصْل. لَا كنهم انتدبوا إِلَى إمْسَاك الدّين بهَا انتدابا، ووصلوا بِالْإِسْلَامِ أسبابا، وتناولها مِنْهُم صقر قبيل الْخَزْرَج، ذُو الحسام المضرج، وَالثنَاء المؤرج، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر، أَمِير الْمُسلمين المنتدب لإِقَامَة سنة سيد الْمُرْسلين، قدوة الْمُلُوك الْمُجَاهدين، نضر الله وَجهه، وَتقبل جهاده، وشكر دفاعه، عَن حوزة الْإِسْلَام وبلاده. فأقشعت الظلمَة، وتماسكت الْأمة، وكف الْعَدو وأقصر، وَرَأى الْإِسْلَام بِمن استنصر، واستبصر فِي الطَّاعَة من استبصر، وهبت [بِطَاعَتِهِ لله] العزايم، وكرت على الْعَدو الهزايم، وتوارثوا ملكهَا ولدا عَن أَب، مستندين إِلَى عدل وبذل وبسالة وجلالة وَحسب، تتضح فِي أفق الْجلَال نُجُوم سيرهم هادية للسايرين، وتفرق من سطوتهم فِي الله أَسد
العرين، إِلَى أَن قَامَ بِالْأَمر وسطى سلكهم، وبركة ملكهم، الْخَلِيفَة [الْوَاجِبَة طَاعَته على الْخلق]، [الشهير الْجَلالَة والبسالة] فِي الغرب والشرق، أَمِير الْمُسلمين بِوَاجِب الْحق، صَاحب أذيال العفاف وَالطَّهَارَة، السعيد الإيالة والإمارة، الْبعيد الْغَارة، من ذعر الْعَدو لبارق حسامه، وَذخر الْفَتْح السّني، لأيامه، صدر الْمُلُوك الْمُجَاهدين، وكبير الْخُلَفَاء العادلين، الْبعيد المدا فِي حماية الدّين، السعيد، الشَّهِيد أَبُو الْوَلِيد، ابْن الْمولى الْهمام، الأوحد الرفيع الممجد، الطَّاهِر الظَّاهِر الْأَعْلَى الرييس الْكَبِير الْجَلِيل، الْمُقَدّس الأرضي، أبي سعيد بن نصر، فأحيا ﵀، معالم الْكتاب وَالسّنة، وجلى بنوره غياهب الدجنة، وأعز الْإِسْلَام وحماه، وَرمى ثغر الْكفْر فأصماه، قدس الله روحه الطّيب وَسَقَى لحده من الرَّحْمَة والغمام الصيب، وأورث الْملك الجهادي من وَلَده خير ملك قبلت مِنْهُ كف، واستدار بِهِ موكب للْجِهَاد ملتف، وشمخ بخدمته أنف، وسما إِلَى مشاهدته طرف، وتأرج من ذكره عرف، وحدي إِلَى بَابه حرف، مَوْلَانَا الْخَلِيفَة الإِمَام، الْملك الْهمام، من أشرق بِنور إيالته الْإِسْلَام، وتشرفت بِوُجُودِهِ اللَّيَالِي والايام، بدر الْملك، وشمسه وسر الزَّمَان الَّذِي قصر عَن يَوْمه أمسه، الَّذِي شهر عدله، وبهر فَضله، وَظَهَرت عَلَيْهِ عناية ربه، وَكَانَ الْمَصْنُوع لَهُ فِي سلمه وحربه، مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين، وقدوة الْمُلُوك الْمُجَاهدين، وَالْأَيمَة العادلين، السعيد الشَّهِيد [الطَّاهِر الظَّاهِر الأوحد الْهمام الْخَلِيفَة الإِمَام]، أَبُو الْحجَّاج رفع الله درجتة فِي أوليائه، وحشره مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من أنبيائه وشهدائه
فوضحت المسالك وَبَانَتْ، وأشرقت الْمعَاهد وازدانت، وَشَمل الصنع الإلهي، واللطف الْخَفي، أقطار هَذِه الْأمة حَيْثُ كَانَت. وَلما اخْتَار الله لَهُ مَا عِنْده، وَبلغ الْأَجَل الَّذِي قدره سُبْحَانَهُ لِحَيَاتِهِ وَحده، وَقَبضه إِلَيْهِ مطمئنا، مُسْتَغْفِرًا من ذَنبه، فِي الْحَالة الَّتِي أقرب مَا يكون العَبْد فِيهَا من ربه، كَأَنَّمَا تأهب للشَّهَادَة، فَاخْتَارَ زمانها ومكانها، وطهر بِالصَّوْمِ، نَفسه، الَّتِي كرم الله شَأْنهَا، وَطيب رِيحهَا وريحانها، فوقفت إزاء أَرْبَاب الشورى الَّتِي تصح الْإِمَامَة باتفاقها، وتنعقد بِعقد ميثاقها، من أَعْلَام الْعلم، بقاعدة ملكه غرناطة، حرسها الله الَّتِي غَيرهَا لَهَا تبع، وحماة الْإِسْلَام الَّذين فِي آرائهم للدّين وَالدُّنْيَا منتفع، وخلص الثِّقَات، ووجوه الطَّبَقَات على مبايعة وَارِث ملكه، بِحقِّهِ الحايز فِي ميدان الْكَمَال، وإحراز مَا للْإِمَامَة من الشُّرُوط والخلال، خصل سبقه، كَبِير وَلَده، وسابق أمده، ووارث ملكه، ووسطى سلكه، وعماد فسطاطه، [وَبدر الهالة من بساطه] مَوْلَانَا، قمر الْعليا، ودرة الخلفا، وَفرع الشَّجَرَة الشما، الَّتِي أَصْلهَا ثَابت، وفرعها فِي السَّمَاء، الَّذِي ظَهرت عَلَيْهِ مخايل الْملك، ناشيا ووليدا، واستشعرت الأقطار بِهِ، وَهُوَ فِي المهد أَمَانًا وتمهيدا، واستبشر الدّين الحنيف، فأتلع جيدا، واستأنف شبَابًا جَدِيدا، نَاصِر الْحق، وغياث الْخلق، الَّذِي تميز بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار، وَالْحيَاء المنسدل الأستار، والبسالة المرهبة الشفار، والجود المنسكب الامطار، وَالْعدْل الْمشرق الْأَنْوَار، وَجمع الله فِيهِ شُرُوط الْملك على الِاخْتِيَار، مَوْلَانَا، وعمدة ديننَا ودنيانا، السُّلْطَان الْفَاضِل، وَالْإِمَام الْعَادِل، والهمام الباسل،
الْكَرِيم الشمايل، شمس الْملك وبدره، وَعين الزَّمَان وصدره، [أَمِير الْمُسلمين، وقرة عين الْمُؤمنِينَ، أَبُو عبد الله]، وصل الله أَسبَاب سعده، كَمَا حلى أجياد المنابر بالدعا لمجده، وَجعل جنود السَّمَاء من جنده، وَنَصره بالنصر الْعَزِيز، فَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده. وَرَأَوا أَن قد ظَفرت [بِعُرْوَة الْحق] أَيْديهم، وَأمن فِي ظلّ الله رايحهم وغاديهم، ودلت على حسن الْخَوَاتِم مباديهم، فبادروا وانثالوا، وتبختروا فِي ملابس الْأَمْن واختالوا، وهبوا إِلَى بيعَته، تطيرهم أَجْنِحَة السرُور، ويعلن أنطلاق وُجُوههم بانشراح الصُّدُور. وَاجْتمعَ مِنْهُم طوايف الْخَاصَّة وَالْجُمْهُور، مَا بَين الشريف والمشروف، والروسا أولى المنصب الْمَعْرُوف، وَحَملَة الْعلم وَحَملَة السيوف، والأمنا وَمن لديهم من الألوف، وساير الكافة، أولى البدار لمثلهَا والخفوف، فعقدوا لَهُ الْبيعَة الْوَثِيقَة الأساس، السعيدة بِفضل الله، على النَّاس، البرى عقدهَا من الأرتياب والألتباس، الحايزة شُرُوط الْكَمَال، الماحية بِنور الْبَيَان ظلم الْإِشْكَال، الضمينة حسن العقبي ونجح الْمَآل، على مَا بُويِعَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ، وَمن لَهُ من الصَّحَابَة والآل، وعَلى السّمع وَالطَّاعَة وملازمة السّنة وَالْجَمَاعَة، فأيديهم بالسلم وَالْحَرب رد ليده، وطاعتهم إِلَيْهِ خَالِصَة فِي يَوْمه وغده، وأهواؤهم متفقة حَالي الشدَّة والرخاء، وعهودهم مَحْفُوظَة على تداول السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. أشهدوا عَلَيْهَا الله، وَكفى بِهِ شَهِيدا، وأعطوا صفقات إِيمَانهم تثبيتا للوفاء بهَا وتأكيدا، وَجعلُوا مِنْهَا فِي أَعْنَاقهم ميثاقا وثيقا وعهدا شَدِيدا. وَالله ﷿ يَقُول، فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه، وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسنوتيه أجرا عَظِيما. وَمن أصدق من الله وَعدا أَو وعيدا. وهم قد بسطوا أَيْديهم يستنزلون رَحْمَة الله بالإخلاص والإنابة، وصرفوا وُجُوههم إِلَى من أَمرهم بِالدُّعَاءِ وَوَعدهمْ بالإجابة. يسْأَلُون لَهُ خير مَا يَقْضِيه، وَالسير على
مَا يرضيه، اللَّهُمَّ بابك عِنْد تقلب الْأَحْوَال عرفنَا، وَمن بَحر نعمك الْكَرِيمَة اغترفنا، وعفوك ستر عيوننا كلما اجترحنا السَّيِّئَات واقترفنا. من فضلك أغنيتنا، وبعينك الَّتِي لَا تنام حرستنا وحميتنا، فانصر حينا، وَارْحَمْ ميتنا وأوزعنا شكر مَا أوليتنا، وَاجعَل لنا الْخَيْر والخيرة فِيمَا إِلَيْهِ هديتنا. اللَّهُمَّ إِن قطرنا من مَادَّة الْإِسْلَام بعيد، وَقد أحدق بِنَا بَحر زاخر، وعدو شَدِيد. وَفينَا أيم وَضَعِيف، وهرم ووليد، وَأَنت مَوْلَانَا وَنحن عبيد، اللَّهُمَّ من بَايَعْنَاهُ فِي هَذَا العقد، فأسعدنا بمبايعته وطاعته، وَكن لَهُ حَيْثُ لَا يكون لنَفسِهِ، بعد استنفاد جهده فِي التحفظ واستطاعته، وكف عَنَّا كف عَدوك وعدوه، كلما هبت بِهِ ريَاح طماعته، يَا من يفرده العَبْد بضراعته، ونعوذ بحفظه من إضاعته، اللَّهُمَّ أد عَنَّا حَقه. فَإنَّا لَا نقوى على أدايه، وتول عَنَّا شكر سيرته وَمَا حمدنا من سير آبايه، واحمله من توفيقك على سوايه، اللَّهُمَّ إِنَّا إِلَيْهِ ناظرون، وَعَن أمره صادرون، ولإنجاز وعده فِي نصر من ينصرك منتظرون، فأعنه على مَا قلدته، وأنجز لديننا على يَدَيْهِ، بِمَا وعدته. فَمَا فقد شَيْئا من وَجدك، وَلَا خَابَ من قصدك، وَلَا ضل من اعتمدك، آمين آمين، يَا رب الْعَالمين. وَكتب الْمَلأ المذكورن أَسْمَاءَهُم بخطوط أَيْديهم فِي هَذَا الْكتاب، شاهدة عَلَيْهِم بِمَا التزموه دينا وَدُنْيا، وسلكوا مِنْهُ سَبِيلا مُبينًا. فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين لشوال من عَام خَمْسَة وَخمسين وسبعماية.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع