تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الفتوحات الْوَاقِعَة والمراجعات التابعة

[صدر عني كتاب عَن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد ابْن نصر، إِلَى ملك الْمغرب السُّلْطَان أبي عنان ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن] نَصه بعد الْفَاتِحَة.

الْمقَام الَّذِي مآثره الْعلية، لَا تحصى، ومكارمه [السّنيَّة عَمت]، الْأَدْنَى والأقصى، وَأَحْكَام مجده ثبتَتْ فِي كتاب الْفَخر نصا، وبدور سعده، لَا تخَاف بِفضل الله نقصا، وعزايمه فِي نصر دين الْإِسْلَام، تروض من صرف الْأَيَّام مَا استعصا، وتقضي للدّين دينه الممطول مستقصا، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي نجحت آمال الْإِسْلَام فِي الِاسْتِعَانَة بجلاله، وصدقته، مخيلته فِي فِي كرم خلاله، وخلصت فِي سَبِيل الله زاكيات أَعماله، وابتدر إِلَى الإصراخ والإنجاد وَالْجهَاد فِيهِ حق جهاده، بمواعيده الصادقة وعزايمه المتلاحقة وأمواله. [السُّلْطَان الكذا]، أبقاه الله يجلو بِنور سعده كل خطب، ويحيي بوعده ميت الرجا فِي كل قلب، ويروض بيمن نقيبته كل صَعب، وينسى بمكارمه ذكر حَاتِم وَكَعب، ويسحب أذيال عزه فِي كل سلم وَحرب، وَيضْرب قداح النَّصْر فِي مأزق كل طعن وَضرب، موفى مَا يجب لمقامه من الْبر الْمَفْرُوض المحتوم، وإمحاض الود الَّذِي لَا يعى الظَّاهِر مِنْهُ بالمضمر، وَلَا الْمكنون مِنْهُ بالمكتوم،

الْمثنى على فَضله الْمَشْهُور، ومجده الْمَعْلُوم، فلَان، سَلام كريم طيب عميم، كَمَا طلع وَجه الصَّباح الْمشرق، وقرع أَشهب الْفجْر ثنية الْمشرق، وهب نسيم الصَّباح، مشقق الجيب، مخلق المفرق، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله، ولي المحامد على اخْتِلَاف الْأَنْوَاع مِنْهَا والأجناس، ومسنى الصنايع الكافية والألطاف الخافية، تجل مسالكها عَن الْقيَاس، ومطلع بوارق الرجا على هَذِه الأرجاء عِنْد اعتكار ظلام الياس، ومنجد كلمة التَّوْحِيد فِي هَذَا الْقطر الْغَرِيب الوحيد، بِكُل موازر من أوليائه ومواس، فمواهب عنايته سُبْحَانَهُ لأهل هَذِه الْأَمْصَار، على مر الْأَعْصَار ضافية اللبَاس، وَرَحمته لمن بهَا من الْمُسلمين كفيلة بانسكاب النعمى وَذَهَاب الباس. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله، أكْرم الرُّسُل من شيت إِلَى إلْيَاس، المبتعث من، خير أمة أخرجت للنَّاس، هادي الْخلق إِلَى سَبِيل الْحق فِي ليل الشَّك والالتباس، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، وأسرته وأحزابه، غيوث الندى وليوث لِبَاس، الَّذين رفعوا معالم سنته من بعده على أوثق أساس، وخلفوه فِي أمته بالنصر الْمَاضِي الصوارم، والجود الهامي الغمايم، وَالْعدْل القايم القسطاس، وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بعز يذل مصاعب الْأَمَانِي من بعده مصاعب الشماس، وَنصر تهب بِهِ ريح الصِّبَا بَين، سحايب القتام، وبوارق الظبا متأرجة الأنفاس، وتتبارى فِي ترديد وَصفه وتجويد رصفه، جِيَاد اليراع فِي ميدان القرطاس. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لسلطانكم الْعلي سَعْدا وثيق المباني، ونصرا كريم الْأَلْفَاظ والمعاني، وصنعا كَفِيلا لِلْإِسْلَامِ وَأَهله، بنيل الأوطار وبلوغ الْأَمَانِي، وَعزا تخفق ظلاله على الأقاصي والأداني. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، ومسرة اتِّصَال الْيَد بسلطانكم الأسعد، للصدور

شارحة، [وَفِي عوالم الْأَرْوَاح سَارِيَة بارحة]، ولآيات السَّعَادَة والصنايع الْمُعَادَة، قارحة فِي الْقُلُوب إِلَى ظلالها الوارفة جانحة، والعيون لأنوارها الْبَادِيَة لامحة، والألسن بشكرها مادحة، والنفوس فِي انتشاق رياها، [ومعاطاة محياها] تصل الْيَوْم الغادي بالليلة البارحة. وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، وَعِنْدنَا لمقامكم الْعلي، ود صفت موارده العذبة ومشارعه، وإخلاص كَأَنَّهُ الصُّبْح أشرقت مطالعه، وثناء تأرج فِي الأرجاء ذايعة. فَنحْن نعتد بذلك الْملك، الْكَرِيمَة فِي الدّين صنايعه، وتؤمل أصراخه إِذا رَاع الْإِسْلَام رايعه، ونلتمس مِنْهُ علاج هَذَا الْقطر إِذا اضْطَرَبَتْ طبايعه. وَإِلَى هَذَا وصل الله لكم عوايد النَّصْر على أعدايه، وَجعل عزمكم كَفِيلا للدّين ببرء دايه وَإجَابَة ندايه. فإننا ورد علينا كتابكُمْ الَّذِي موقعه عِنْد الْعَدو موقع الكتايب، وخطابكم الْمُشْتَمل على المواعد الصادقة، والعزايم المتلاحقة، والمكارم الغرايب فاجتلينا مِنْهُ سَحَابَة جود صابت على الأرجاء، وتألقت من خلالها بروق الرَّجَاء، وردنا مِنْهُ رَوْضَة تعاهدتها الغمايم. وتفتحت عَن أزهارها الصَّفْرَاء والبيضاء مِنْهَا [الكمايم، فأهلا بِهِ من خطاب، تباري فِي ميدان الْكَمَال قَوْله وَفعله، واشتمل بحلة الْفضل الَّذِي أَنْتُم أَهله، وَشهِدت أغراضه بِمَا لكم من الْملك الرفيع مَحَله، والعز المديد ظله، ونطق بإجابة دَاعِي الله وَرَسُوله مضمنه كُله، أعَاد فِي شرح مكارمكم الحافلة، وَأبْدى وأسدى من كرم الْخلَّة مَا أسدى، وَأهْدى من نفايس الْمُوَالَاة وَالْأَمْوَال، وَصدق الْأَفْعَال، والأقوال، مَا أهْدى. فَكلما تدبرنا فصوله

وتأملنا مَعَانِيه الَّتِي [شرح الْفَخر بهَا] محصوله، واجتلينا مِنْهُ مَعَاني، أَضَاء سَواد الحبر نورها، وحروفا تحمل المداد ظُهُورهَا، أنفسح لنا فِي إنجاز تِلْكَ المواعد ميدان الأمل، وراقنا تظافر النِّيَّة، فِي تِلْكَ المخاطبة السّنيَّة وَالْعَمَل، وَللَّه مَا تحليتم بِهِ من كرم الذَّات، وَكَمَال الصِّفَات، وسعادة السمات، ومضاء العزمات، وَمَا هيأ الله لكم من الْقبُول فِي الْقُلُوب، والمحبة هِيَ عنوان الْعِنَايَة من علام الغيوب وَمَا أنطق بِهِ الْأَلْسِنَة من الثَّنَاء على رفدكم الْمَوْهُوب، وفضلكم الَّذِي اعْترف الْمَوْجُود بِهِ وَالْوُجُوب، ومجدكم الَّذِي تعاضد مِنْهُ الْمَوْرُوث بالمكسوب، زادكم الله من فَضله المرغوب، وسنى لكم من نصر دينه أقْصَى الْمَطْلُوب. فصدعنا بذلك الْكتاب فِي الحفل الْمَجْمُوع، وأشدنا بفضله المرءى والمسموع، وبثثنا أنس حَدِيثه بَين هَذِه الأقطار والربوع، ليثوب الْوَلِيّ مِنْهُ بِالْخَيرِ الْمَشْفُوع، واليسر الْمعِين الينبوع، وينقلب الْعَدو بالروع المروع، وبحكم مسموعة بتنِكير المعارف، وتكسير الجموع، إِن شَاءَ الله. وَألقى إِلَيْنَا رَسُولكُم الشَّيْخ [القايد أَبُو مهْدي ابْن الزرقا] وصل الله سعادته، وحرس مجادته، مَا قصرتموه على المشافهة، من ألطاف الْبر، ومكنون الود الْكَرِيم السِّرّ، فأبلغ فِي أَحْكَام نَقله، بِمُقْتَضى دينه وعقله، واستوعب مَا تحمله عَنْكُم، بِمَا يَلِيق بِمثلِهِ، وَخرج عَن مضمن تِلْكَ الرسَالَة الْكَرِيمَة كُله، وَبسط لنا القَوْل إرسالنا الآيبون [صحبته من بَابَكُمْ الْكَرِيم أعزهم الله] فِيمَا وردوا عَلَيْهِ، من السهل والرحب، والمكارم الهامية السحب، وَمَا تلقوهُ من

عزايمكم الَّتِي تقذف الْعَدو بِالرُّعْبِ. فتقرر لدينا امتعاض مقامكم الْكَبِير الْجَلالَة، الشهير البسالة، واستنبطنا أَحْكَام النَّصْر من ذَلِك التَّلْقِين الْمُبين وَتلك الرسَالَة. وَهَذِه الْبِلَاد أيدكم الله، إِنَّمَا استمسكت [بِأَسْبَاب تِلْكَ] الإبالة، واستركبت بَرَكَات مكارمها المنثالة، فأكف سكانها على اخْتِلَاف أزمانها إِلَى تِلْكَ العزايم الْمَاضِيَة تُشِير، وبتلك الهمم الْعَالِيَة، مهمي طرقها الْهم تستجير، وَقُلُوب الْمُسلمين فِيهَا إِلَى عوايد سلفكم الْأَرْضين تجنح، ونفوسهم لَا تزَال تلوذ مِنْهُم بِمن يمْنَع ويمنح، فَإِذا كَيفَ الله لَهَا مثلكُمْ من لباب ذَلِك العنصر الطَّاهِر، وخلاصة الْملك العالي الظَّاهِر، [فقد جبر الْقُلُوب، وَبلغ الْمَطْلُوب]. أمتعنا الله بعصمة مجدكم وَعرف الْإِسْلَام بركَة سعدكم، وإنجاز وَعدكُم. وَمن الِاتِّفَاق الَّذِي عددناه من سَعَادَة هديتكم، وحسبناه من آثَار نيتكم، مَا كَانَ من مُشَاهدَة رَسُولكُم، أعزه الله، قفول الْجَيْش بحضرتنا من غَزْوَة أغزيناه إِيَّاهَا إِلَى جِهَات عَدو الشرق، أبعد فِيهَا المغار، وسام من بهَا من الرّوم الصغار، وَأطلق فِي أوطانها السَّيْف وَالنَّار، واستباح جملَة من الْقرى بأحواز مَدِينَة الكرس، ركبت إِلَيْهَا سراياه ظهر اللَّيْل، وأطلعت بمطالع فجرها قبل غرَّة الصَّباح غور الْجَبَل. وباكرت أبكارها وعونها بِالْوَيْلِ، ونالت من حماتها أعظم النّيل، وأدارت على متدبريها أكواس المنايا، واستاقت النِّسَاء والحريم سَبَايَا، ودوخت أَرضًا، خطب الْقدوم عَلَيْهَا شَدِيد، وعهدها بسيوف الْمُسلمين بعيد، كل ذَلِك بِقُوَّة الله سُبْحَانَهُ وَحَوله، وفضله السابغ وَطوله، وبركة الِاعْتِدَاد بمقامكم الأسمى، شكر الله مَكَارِم قَوْله

وَفعله، فَإِن الْعَدو أهلكه الله، يرهب صولة سلطانكم الْعَزِيز الْأَنْصَار. وَيفرق من عزايمكم الْمَاضِيَة الشبا والشفار، وَيعلم أَن اتِّصَال الْيَد بِالْيَدِ سَبَب الدمار لَهُ والثبار، على بعد الدَّار، ونزوح الأقطار. فبمقامكم نتوعده إِذا تعدى، نصد عزمه إِذا تصدى، على مر الْأَعْصَار. حفظ الله علينا إِعَانَة مللكم الأسمى، وأجرى لِلْإِسْلَامِ عوايد دولتكم الْعُظْمَى. وَمن لدنا أوفدنا على بَابَكُمْ الْعلي إرسالنا، وأعلقنا بمقامكم المرضى آمالنا؛ أغزينا الْجَيْش غزوات عظمت فِي الْعَدو بهَا النكاية، وصحبت الْمُسلمين من الله الْوِقَايَة، إِحْدَاهَا وقف الْجَيْش فِيهَا بَيَاض يَوْمه على بَاب مَدِينَة إستجة، إِحْدَى المدن الخطيرة، وَالْقَوَاعِد الشهيرة، وَدَار الحامية، ومثوى شَوْكَة الطاغية، وضيق عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ، وأذاقها أَلِيم النكال. وبآخره لاكت النَّار زروعها، وسكنت حلَّة الْبَوَار ربوعها، وَانْصَرف عَنْهَا الْمُسلمُونَ، وَقد تخلف من بهَا فِي عداد الْأَمْوَات، لما سامهم من إهلاك الغلات، وانتساف الأقوات. وَأُخْرَى قصد بهَا مَدِينَة قيجاطة، وَهِي أَيْضا من قَوَاعِد الثغر وأماته، ومقر شرار رماته وركاب حماته، فَرمى غرضها، واستباح ربضها، ودوخت سراياه، مَا وَرَاءَهَا من الْحُصُون العلايم والقلاع، والأقطار الزارعة الأصقاع، وسلطت النَّار على مَا دنا ونآ من تِلْكَ الْبِقَاع، والعدو دمره الله شَدِيد التحذير لأرضه مِمَّا يَلِي هَذِه الْبِلَاد، وفرسانه الْمعدة لحماية ثغوره

كَثِيرَة كثيفة الْأَعْدَاد، فَمَا يُفَارق الحضرة، إِلَّا على توقع مضرتها، واستدفاع مَحْذُور غرتها. هَذَا مَا عندنَا شرحناه إِلَيْكُم، وألقيناه عَلَيْكُم، [وإعانتكم الَّتِي لسبيل الله عينتموها، وَاقعَة من الله سُبْحَانَهُ بمكانه وَمَكَان رِجَاله مِنْهُ مَحل رضوَان] شكرنا لمقاصدكم الْكَرِيمَة، وفواضلكم العميمة، لَو استظهرنا عَلَيْهِ بِلِسَان سحبان، لما جلى عَن غرضنا وَلَا أبان، وَإِلَى الله نكل جزاءكم، ونسله أَن يصل اعتناءكم، ويحرس سناءكم، ويذيع فِي الْخَافِقين ثناءكم، ورسولكم القايد [الْأَجَل الريس أَبُو مهْدي] أعزه الله، يُقرر لديكم مَا حملناه، ويعرض بَين يديكم مَا من الله أملناه، وفضلكم بالإصغاء إِلَيْهِ كَفِيل، ونظركم جميل، وَالسَّلَام.

وَصدر عني أَيْضا فِي مُخَاطبَة السُّلْطَان بالمغرب أَمِير الْمُسلمين أبي عنان الْمُتَقَدّم ذكره، مُعَرفا عَن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج بن نصر بِفَتْح حصن قنيط

الْمقَام الَّذِي لأنباء النَّصْر اهتزازه وارتياحه، وَفِي سَبِيل الله عزمه وبأسه وسماحه، ولجهاد أعدائه تحن جياده وتميل رماحه، وَمن أفقه الْأَعْلَى تنشأ سَحَابَة وتهب رياحه. مقَام مَحل أخينا، الَّذِي نعظمه ونجله، ونثني عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله، السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله، ومقدمات رفده صَادِقَة الإنتاج، وَدَلِيل سعده غير معَارض فِي منَاط الِاحْتِجَاج، وَحرم عزه مَمْنُوع الْحمى، مَرْفُوع السياج، وعقبان راياته تظلل من حماته أسود الْهياج. مُعظم مجده المعتد بوده، الدَّاعِي إِلَى الله فِي اتِّصَال سعده، الْأَمِير عبد الله يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن [إِسْمَاعِيل بن فرج] بن نصر، سَلام [كريم] عَلَيْكُم سَلاما يوده الْبَدْر وشما فِي غرته، ويكتبه الصَّباح الطلق [معودة] فِي طرته. يخص مقامكم الأسمى وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد لله الَّذِي يسر لنا من لطفه الْخَفي سَبِيلا وَاضحا ومنهاجا، وجدد علينا ملابس الإقبال بسعادة ملككم السَّامِي الْجلَال، وَقد كَادَت ترق انهاجا، فاتح أَبْوَاب الأمل، إِذا سامتها الشدايد أرتاجا، ومسخر ضروب الْأَيَّام، وَقد

أعيت جماحا ولجاجا. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا رَسُوله، الَّذِي أطلع مِنْهُ فِي أفق المهدى، سِرَاجًا وهاجا، وَأقَام بِهِ عماد الْحق لَا يعرف اعوجاجا، وَعقد عَلَيْهِ من جاه الشَّفَاعَة الْعَامَّة تاجا، وأيده بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وأمده فِي الأَرْض بملايكته المسومين أَفْوَاجًا. وَالرِّضَا عَمَّن شملته [حُرْمَة جواره، ووسعته رَحْمَة قربه وحبه وإيثاره] صحابة وقرابة وأزواجا، الَّذين لم يألوا فِي شدّ أزره، وإعلا أمره التحاما وامتزاجا، وإلجاما فِي مجاهدة عداهُ وإسراجا، فَكَانُوا غيوثا كلما باشروا احتياجا، وليوثا كلما حَضَرُوا هياجا، فانبلج بهم صباح الْحق انبلاجا، وَلم يدع هديهم فِي النُّفُوس ريبا، وَلَا فِي الصُّدُور اختلاجا. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى أبقاه الله بحرا بأمواج الكتايب الناصرة عجاجا، وغماما لغيوث الْمَوَاهِب الهامرة ثجاجا، واطلع عَلَيْهِ من أنباء الصنع الْجَمِيل على يَدَيْهِ، مَا يهز عطفه الْكَرِيم ارتياحا وابتهاجا، وَلَا زَالَت كواكب يمنه أسعد أبراجا، وأدلة سعده، أوفى حظوظا فِي حُدُودهَا وأوفر أدراجا، وَجعل عزمه الأمضى، وسعيه الأرضي، لعلل الدّين وَالدُّنْيَا علاجا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم صنعا، يسحب من أذيال المسرات المستمرات عصبا وديباجا، وَعزا يطوف بمقامه وُفُود البشاير حجاجا. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَعِنْدنَا من الثِّقَة بِاللَّه عُقُود لَا يتَطَرَّق إِلَيْهَا انفصام، وَمن التَّوَكُّل عَلَيْهِ حصن حُصَيْن إِلَيْهِ فِي الشدايد والاعتصام. وجنابكم بعد الله، هُوَ الملجأ الأحمى وَالْمقَام، ولمدونة كتايبه القَوْل، إِذا اشْتَدَّ الْعَدو وَالْخِصَام، فَلَا نزال بيمن الِاعْتِدَاد لمقامكم الْأَعْلَى نجتلي وُجُوه السَّعَادَة عيَانًا، ونعرف ضروب الْإِعَانَة والتيسير، حَالي الْمقَام والمسير مثنى ووحدانا، ونجد فِيهَا مَدْلُول قَوْله سُبْحَانَهُ، " سنشد عضدك بأخيك ونجعل لَكمَا سُلْطَانا ". وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وسنى فِي أعدايه قصدكم. وَإنَّهُ تقدّمت

مطالعة مقامكم بِمَا سناه الله لجيش الْمُسلمين فِي الْغَزَوَات المنصوصة عَلَيْكُم من الصنع الْكَرِيم، وَأَنَّهُمْ تَعَاهَدُوا مَا بَينهم من ديار الْكفَّار معاهدة الْغَرِيم، وأذاقوا من حلوا بِسَاحَتِهِمْ من أحزاب الظلال طعم الوبال، بَين إحراق الغلات، وَسبي الْحَرِيم، كل ذَلِك من غير قُوَّة وَلَا حول، وَلَا بِفعل منا وَلَا قَول، بل بِقُوَّة الله الَّتِي لَا تضير مَعهَا قلَّة عدد، وإعانته الَّتِي هِيَ خير مدد، وبركة نيتكم الَّتِي هِيَ بعد الله أَسْنَى مُعْتَمد. ورأينا الْآن أَن نصل فيهم النكاية الْمَاضِيَة بالآتية، ونقرن الْغُزَاة الصايفة بالشاتية، وَلَا نقصر الْعَزْم على الْفُصُول المواتية. فأغزينا بالجيش خاصتنا، الحظي لدينا، القايد أَبَا النَّعيم رضوانا أعزه الله وأسعده، ووفقه وأرشده. فنهد لقصده، ونهض بِمَا نعلمهُ من جده، وَتَبعهُ الْجَيْش يكافحه جَيش المزن، وَقد فرق قباله، وطور بأعلام البروج جباله، وصمم لوجهه أَنَفَة من حل الْعَزْم الْمَعْقُود، وثقة باشتمال الْمَكْرُوه على المودود. وَقع التفاوض فِي الْوَجْه الْمَقْصُود، والتماس الْأَثر الْمَحْمُود، وروعيت فِي طَرِيق التَّرْجِيح ضمايم الْوُجُود. فتخلص الْعَزْم على قصد الحفرة الغربية لتَكون المرفقة أسوغ ونكاية الْعَدو فِيمَا يرَاهُ مستخلص قهره أبلغ، وَلِأَن الْجِهَة الَّتِي لإيالتكم هِيَ علينا أهم، والفايدة فِيمَا يخْتَص بهم أَعم. فنازل بعد أَن تلاحقت الجيوش الغربية، حصن قنيط، وَهُوَ من أشهر تِلْكَ الْحُصُون الأطيبية ذكرا، وَأَعْظَمهَا نكرا، وأشدها امتناعا، وأمدها فِي نكاية الْمُسلمين باعا. وَوَافَقَ قَصده وُرُود الْميرَة على سكانه، فانحصر فِيهِ من أوصلها من رجال الْعَدو وفرسانه، وحماة

طغيانه. فشرعت العزايم الْمسلمَة فِي قِتَاله، وسالت جداول السيوف إِلَى إطفاء نَار ضلاله، وفوقت السِّهَام إِلَى برج سوره وجلاله، وَأخذ [أَمر الله من] عَن يَمِينه وشماله، والجو مَعَ هَذِه الْحَال مرعد مبرق، وَالنَّهَار قد تجهم وَجهه الْمشرق، وعارض الوبل قد خالط عَارض النبل، وَالْحِيلَة فِي افتتاحه لَا تهدي لسلوك مَا تعرفه من السبل. ثمَّ أذن الله فِي كف أكف الْمَطَر، لتيسير الأمل، وإحراز الوطر، فسفرت الشَّمْس من نقابها، وبرزت مخدرتها من حجاب سحابها، كَأَنَّمَا أعانت على تَكْمِيل المُرَاد، لما تطلعت لمشاهدة الطراد [فرشفت البلل]، [ونقعت الغلل، وأزاحت الكسل، واستانفت الفعلة الْعَمَل، وعاودت الْمُقَاتلَة الأمل، وحكمت آلَات النقب فِي شارة سوره، فَقَعَدت وخرم أساسها، فاتكأت على دعايم الْخشب واعتمدت. ثمَّ تليت عَلَيْهَا آيَة النَّهَار فخشعت، ثمَّ سجدت، وَدخل الْمُسلمُونَ جفْنه عنْوَة بعد حَرْب أداروا كاسها، وموافقة رَاض النَّصْر سماتها، واعتصم حماته بقصبته، وَقد أحيط بهم إحاطة القلادة بالجيد، وراع تثليثهم تجاوب كلمة التَّوْحِيد، وكاتبتهم صروف المنايا بمرنات الجنايا على المرمى الْبعيد. فأذعن عميدهم عِنْد ذَلِك إذعان العميد، ولجوا فِي طلب الْأمان إِلَى الرُّكْن الشَّديد. فَظهر أَن إِجَابَة سُؤَالهمْ تسهيل على أمثالهم وَمن يجاورهم من أشكالهم، من الْعَمَل الأكيد، والرأي السديد. فتسلم الْمُسلمُونَ الْيَوْم الثَّانِي قصبته، وأورث الله دينه الَّذِي حجب عصبته، وتسنمت رايات النَّصْر هضبته، وحلت كلمة الْإِسْلَام من بعد العطل لبته. وَهَذَا المعقل أيدكم الله، إِلَيْهِ تنْسب الحفرة

القنيطية، وَفِي ساحته لمرتاد الخصب مُنْتَهى الطية [ومناخ الطية] وَمَا يجاوره من الْحُصُون بِسَبَبِهِ، إِن شَاءَ الله ينتثر سلكها، ويتيسر ملكهَا، فَإِنَّمَا هُوَ دين، اقتضيت مِنْهُ دفْعَة، وَحقّ مُشْتَرك، استخلصت بعضه شُفْعَة، وَبَاب تفتحت مِنْهُ فُرْجَة، وخصام وضحت مِنْهُ حجَّة، وَعَما قريب إِن شَاءَ الله [بمعاهدتكم الْكَرِيمَة]، نستوفي من الْعَدو الدُّيُون، وتقر باستخلاص ذَلِك الْحق الْعُيُون، وَيفتح الْبَاب، وتتقطع بالخصم الألد الْأَسْبَاب. وموقع هَذَا الْحصن من طاغية الْعَدو، قصمه الله، الْموقع الَّذِي ينغص أنسه، ويوحش نَفسه، وَقد رتب فِيهِ الحماة، واختير لَهُ الرِّجَال وَالرُّمَاة، بخلال مَا يَقع نظركم فِي إِضَافَته إِلَى مَا يرجع لرندة حرسها الله، من الثغور، وتعرف نكرته بِالْإِضَافَة إِلَى علمكُم الْمَنْصُور، فَهُوَ طَلِيعَة الْفتُوح الَّتِي فِي إيالتكم الْعَالِيَة ترتسم، ومبدأ الْحُصُون الَّتِي فِي سلككم الرفيع بحول الله تنتظم. وَانْصَرف الْجَيْش الْمُبَارك عَنهُ، حميد السَّعْي، سديد الرَّمْي، واستنزل مِنْهُ من الْأَعْدَاء، أولى الْقُوَّة والبأس، والنفوس الحمية الأنفاس، جملَة تناهز الماية. لَو لم يكن فِي هَذَا الْفَتْح إِلَّا أَن الْعَدو تكل، دفاعهم عَن حوزته، وَكفى الله الْإِسْلَام شرهم بعزته، وتخلص من كَانَ بِهِ من أسرى الْمُسلمين، وَلَحِقُوا بأهليهم سَالِمين. وَلما كَيفَ الله هَذَا الصنع، قابله مُعظم مقامكم بالشكر الَّذِي يَسْتَدْعِي الْمَزِيد، وَيقرب الأمل الْبعيد، وَعرف بِهِ مقامكم الأسمى، ليَأْخُذ من ذَلِك بالحظ الأوفى، وَالشُّكْر الَّذِي يقرب إِلَى الله زلفى،

فَإِن نسب هَذَا الْفَتْح إِلَى عَمُود ملككم نسب صَحِيح، وَشَاهده فِي الانتماء إِلَى معاليكم عَرَبِيّ فصيح، فَإِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة إمدادكم، عرض على مقامكم [الأسمى ليَأْخُذ من ذَلِك بالحظ الأوفى]. وَلَا خَفَاء بِمَا هُوَ عَلَيْهِ الْإِسْلَام فِي هَذِه الأقطار الغريبة من انْقِطَاع المدد، وَتعذر الْعدَد، والقلة الَّتِي لَيْسَ بَينهَا وَبَين عدوها نِسْبَة من نسب الْعدَد، فَجَمِيع مَا يسنى الله لَهُ من الظُّهُور، فَإِنَّمَا هُوَ بركَة سلطانكم الأسعد، وَمَا تحققته أمة الْكفْر من اتِّصَال الْيَد بملككم. وَأَنْتُم عدَّة الْإِسْلَام وذخره، وكنزه الَّذِي بِهِ فخره، أبقاكم الله تخلدون الْآثَار الْكَرِيمَة فِي نَصره، وتعاملون الله على إِظْهَار دينه وإعلاء أمره. هَذَا مَا تزيد عندنَا، أردنَا بِهِ إعلامكم وخاطبنا بمضمنة مقامكم. وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.

وَصدر عني أَيْضا فِي مُخَاطبَة الْمَذْكُور عِنْد إقلاع ملك قشتالة عَن جبل الْفَتْح مَا نَصه:

الْمقَام الَّذِي أنارت آيَات سعده فِي مسطور الْوُجُود، وتبارت جِيَاد مجده فِي ميدان الْبَأْس والجود، وضمنت إيالته لمن بِهَذِهِ الأقطار الغريبة تَجْدِيد السُّعُود [وإعادة العهود]، وَاخْتلفت كتايب تأييده لوقته الْمَشْهُور فِينَا ويومه الْمَوْعُود، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي نعظمه ونجله، ونوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، السُّلْطَان أبي عنان ابْن السُّلْطَان [أبي الْحسن أبي سعيد أبن السُّلْطَان أبي يُوسُف بن عبد الْحق]، أبقاه الله يَتَهَلَّل للبشرى جنابه، وَيفتح لوارد الْفَتْح الالآهي بَابه، وتعمل فِي سَبِيل الله مكارمه وعزايمه وركابه، ويتوفر بِالْجِهَادِ فِيهِ مجده وسعده، وفخره وثوابه، [مُعظم مقَامه]، الْأَمِير عبد الله يُوسُف

ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَعِيل بن فرج بن نصر، أيده الله وَنَصره وسني لَهُ الْفَتْح الْمُبين ويسره. وَسَلام كريم، مشفوع بالبشاير والتهاني، محفوف الركايب ببلوغ الْأَمَانِي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله مطلع أنوار الصَّباح العجيبة متألقة الْغرَر، ومنشى سحايب الألطاف الْكَرِيمَة الْأَوْصَاف هامية الدُّرَر، الْكَرِيم الَّذِي يُجيب دَعْوَة الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ، ويكشف السوء وَمَا أمره، إِلَّا وَاحِدَة كلمح الْبَصَر، حجب مكامن العافين فَوق الفطن ومدارك الْفطر، فَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ، وَمَا هِيَ إِلَّا ذكرى للبشر، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، ذِي المعجزات [الباهرة، والآيات] الْكبر، الَّذِي بجاهه الْحصين نمتنع عِنْد استشعار الحذر، وبنور هداه نستضي عِنْد البتاس الْورْد والصدر، فنحصل على الْخَيْر العاجل والمنتظر. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الْكِرَام الْأَثر، الَّذين جنوا من أفنان الصَّبْر فِي الله ثمار الظفر، وفازوا من إنجاز الْوَعْد بأقصى الوطر، وانتظموا فِي سلك الْملَّة الرفيعة انتظام الدُّرَر، وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى باتصال المسرات وتوالي الْبشر، والسعد الَّذِي تجْرِي بأحكامه النافذة تصاريف الْقدر، والصنع الَّذِي تجلى عجائبه فِي أجمل الصُّور. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم من حظوة فَضله وإحسانه أجزل الْأَقْسَام، وعرفكم عوارف نعْمَة الثرة وآلايه الجسام. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، واليسر بِفضل الله، طارد الأزمات بعد مَا قعدت، وَكَاشف الشدايد. بعد مَا أرعدت وأبرقت، ثمَّ بِمَا عندنَا من الِاعْتِدَاد بإيالتكم الَّتِي أنجزت لنا فِي الله مَا وعدت، وَمَدَدْنَا إِلَيْهَا يَد الِانْتِصَار على إعدايه فأسعدت، آلَاء الصنع

العجيب، واليسر الَّذِي أتاح ألطافه السَّمِيع الْمُجيب، واليمن الَّذِي رفع عماده التَّيْسِير الْغَرِيب، وَضرب رواقه الْفرج الْقَرِيب. وَإِلَى هَذَا أيدكم الله على أعدايه، وأجزل لديكم مواهب آلايه، وَحكم لِلْإِسْلَامِ على يديكم بظهوره واعتلايه، وعرفكم من أَخْبَار الْفَتْح الْمُبين [الْموقع]، وأنبايه، كل شَاهد برحمته واعتنايه. فإننا كتبناه إِلَيْكُم، فحقق لديكم الْبُشْرَى الَّتِي بِمِثْلِهَا تمْضِي الركايب. ويخاض الْعباب، ونعرض عَلَيْكُم ثَمَرَة سعدكم الْجَدِيد الأثواب، [المفتح الْأَبْوَاب] علما بِمَا عنْدكُمْ من فضل الأعراق، وكرم الْأَخْلَاق، وأصالة الأحساب، والمعرفة بمواقع نعم الله الَّتِي لَا تجْرِي لخلقه على حِسَاب، والعناية بِأُمُور هَذَا الْقطر، الَّذِي يتَعَلَّق بأذيال ملككم السَّامِي الجناب، وَقد تقرر لَدَى مقامكم الأسمى مَا كَانَت الْحَال آلت إِلَيْهِ بِهَذَا الطاغية الَّذِي غره الْإِمْهَال والإملاء، وأقدمه على الْإِسْلَام التمحيص الْمَكْتُوب والابتلاء، فتملأ تيها وعجبا، وارتكب من قهر هَذِه الْأمة [الْمسلمَة] مركبا صعبا، وسام كلمة الْإِسْلَام بَأْسا وحربا، بكتايب بره توسع الأرجاء [طَعنا وَضَربا]، وكتايب بحره تَأْخُذ كل سفينة غصبا، والمخاوف قد تجاوبت شرقا وغربا، والقلوب، قد بلغت الْحَنَاجِر غما وكربا، وجبل الْفَتْح، الَّذِي هُوَ بَاب هَذِه الدَّار وَسبب الاستعدا على الأعدا والانتصار، ومسالك الدّين الحنيفي إِلَى هَذِه الأقطار، قد رَمَاه [ببوايقه] وصير ساحته مجر عواليه، ومجرى سوابقه، واتخذه دَار مقَامه، وَجعله شغل يقظته، وحلم مَنَامه، وَيسر الله لَهُ مَا يجاوره من المعاقل، إملاء من الله لأيامه،

فاستقر بِهِ الْقَرار واطمأنت الدَّار، وَطَالَ الْحصار، وعجزت عَن نصر الْجَبَل الْأَنْصَار، ووجمت الظنون وَسَاءَتْ الأفكار [وَشَجر] نظار الْقُلُوب الِاضْطِرَار إِلَى رَحْمَة الله والافتقار، فجبر الله الخواطر لما عظم بهَا الانطسار، وَدَار بإدالة الْإِسْلَام الْفلك الدوار، وتمخض عَن عجايب صنع الله اللَّيْل وَالنَّهَار، وهبت نواسم الْفرج عاطرة الأرج عَمَّن يخلق مَا يَشَاء ويختار، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْوَاحِد القهار. وبينما نَحن نَخُوض من الشَّفَقَة عى ذَلِك المعقل، الْعَزِيز على الْإِسْلَام لجة مترامية الغارب، ونقتعد مِنْهُ صعبا لَا يلين لراكب. وَلَوْلَا التَّعَلُّق بأسبابكم فِي ارتداد تِلْكَ الغياهب، وَمَا خلص إِلَى هَذِه الْبِلَاد من مواهبكم الهامية الْمَوَاهِب، ومواعيدكم الصادقة، ومكارمكم الغرايب، وكتبكم الَّتِي تقوم عِنْد الْعَدو مقَام الكتايب، وإمدادكم المتلاحق تلاحق الصِّبَا والجنايب، لما نآ الْكفْر بصفقة الخايب، إِذا تجلى النُّور من خلال تِلْكَ الظلمَة، وهبت سحايب الرَّحْمَة وَالنعْمَة على هَذِه الْأمة، وَرمى الله الْعَدو بِجَيْش من جيوش قدرته، أغْنى من العديد وَالْعدة، وأرانا رأى العيان لطايف الْفرج بعد الشدَّة، وَأهْلك الطاغية حتف أَنفه، وَقطع بِهِ عَن أمله قَاطع حتفه، وغالته أَيدي الْمنون فِي غيله، وانْتهى إِلَى حُدُود القواطع القوية، والأشعة المريخية تصير دَلِيله. فشفى الله مِنْهُ دَاء، وَأَخذه أَشد مَا كَانَ [اعتدادا]، واعتداء، وَحمى الجزيرة الغريبة، وَقد صَارَت نهبة لحماته، وأشرقه بريقه، وَهِي مُضْغَة فِي لهواته، سُبْحَانَهُ لَا مبدل لكلماته. فانتثر سلكه الَّذِي نظمه، واختل تَدْبيره الَّذِي أحكمه، ونطقت بتبار محلته أَلْسِنَة النَّار، وعاجلت انتظامها أَيدي الانتثار، وركدت رِيحه

الزعزع من بعد الإعصار، وَأصْبح من استظهر بِهِ من الأشياع وَالْأَنْصَار، يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم، وأيدي الْمُؤمنِينَ، فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار، وولوا بِهِ يحثون التُّرَاب من فَوق المفارق والترايب [ويخلطون تبر السيال الصعب بذوب الذوايب]، قد لبسوا المسوح حزنا، وَأَرْسلُوا الدُّمُوع مزنا، وشقوا جيوبهم أسفا، وأضرموا [قُلُوبهم] تلهفا، وَرَأَوا أَن حصن إستبونه لَا يَتَأَتَّى لَهُم بِهِ امْتنَاع، وَلَا يُمكنهُم لمن يرومه من الْمُسلمين دفاع، فَأَخَذُوهُ من سكانه، وَعَاد فِيهِ الْإِسْلَام إِلَى مَكَانَهُ، وَهُوَ مَا هُوَ من طيب الْبقْعَة، وانفساح الرقعة، وَلَو تمسك بِهِ الْعَدو، لَكَانَ ذَلِك الوطن بِسوء جواره مكدودا، والمسلك إِلَى الْجَبَل، عصمَة الله، مسدودا، فَكَانَ الصنع بِهِ طرازا [على عاتق] تِلْكَ الْحلَّة الضافية، ومزيدا لحسنى عارفة الله الوارفة، فَلَمَّا استجلينا غرَّة هَذَا الْفَتْح الهني، والمنح السّني، قابلناه بشكر الله تَعَالَى وحمده، وضرعنا إِلَيْهِ فِي صلَة نعمه، فَلَا نعْمَة إِلَّا من عِنْده، وَعلمنَا أَنه عنوان على يمن ملككم الْأَعْلَى، وعلامة على سعده، وَأثر نِيَّته لِلْإِسْلَامِ وَحسن قَصده، وفخر ذخره الله لأيامكم لَا نِهَايَة لحده، فَإِنَّكُم صرفتم وَجه عنايتكم إِلَى هَذَا الْقطر، على نأى الْمحل وَبعده، وَلم تشغلكم الشواغل عَن] إصْلَاح شانه] وأجزل رفده. وَأما الْبَلَد المحصور، فَظهر فِيهِ من عزمكم الأمضى، مَا صدق الآمال والظنون، وَشرح الصُّدُور وَأقر الْعُيُون، من حلَّة الْإِمْدَاد على الْخطر، وتعدد السابلة البحرية على هَذَا الوطن، وَتعذر الوطر، وَاخْتِلَاف الشواني الَّتِي تسري إِلَيْهِ سري الطيف، وتخلص سهامها إِلَى غَرَضه، بعد أَتَى وَكَيف،

حَتَّى لم تعدم فِيهِ مرفقة يسوء فقدانها، وَلَا عدَّة يهم شَأْنهَا. فجزاؤكم عِنْد الله موفور الْقسم، وسعيكم لَدَيْهِ مشكور الذمم، كافأ الله أَعمالكُم الْعَالِيَة الهمم، وخلالكم الزاكية الشيم، فقد سعد الْإِسْلَام، وَالْحَمْد لله بملككم الميمون الطَّائِر، وسرت أنباء عنايتكم بِهَذِهِ الْبِلَاد كالمثل الساير، وَمَا هُوَ إِلَّا أَن يستتب اضْطِرَاب الْكفَّار وَاخْتِلَافهمْ، وتنازع الْأَمر [بَين] أصنافهم، فنغتنم إِن شَاءَ الله فيهم الْغرَّة، الَّتِي ترتقبها العزايم الشَّرِيفَة، والهمم المنيفة، وَتجمع شيمكم الْعليا، بَين فَخر الْآخِرَة وَالدُّنْيَا، وَتحصل على الْكَمَال الَّذِي لَا شَرط فِيهِ وَلَا ثنيا. فاهنئوا بِهَذِهِ النِّعْمَة الَّتِي حباها الله إِلَيْكُم، والتحفة الَّتِي بعثها السعد إِلَيْكُم، وَإِنَّمَا هِيَ بِتَوْفِيق الله ثَمَرَة إمدادكم، وعقبا جهادكم، أوزعنا الله وَإِيَّاكُم شكرها، وألهمنا ذكرهَا، عرفناكم بِمَا ورد من البشاير علينا، عملا بِمَا يجب لمقامكم من الْإِعْلَام بالمتزيدات، وَالْأَحْوَال الواردات، ووجهنا إِلَيْكُم بكتابنا هَذَا من يَنُوب عَنَّا فِي هَذَا الهنا، ويقرر مَا عندنَا من الْوَلَاء، وَمَا يزِيد لدينا من الأنباء، خَالِصَة أنعاما، المتميز بالوسيلة المرعية إِلَى مقامنا [الحظي لدينا المقرب إِلَيْنَا] القايد أَبَا الْحسن عبادا، وصل الله عزته ويمن وجهته. ومجدكم ينعم بالإصغاء إِلَيْهِ، فِيمَا أحلنا فِيهِ من ذَلِك عَلَيْهِ. وَالله يصل سعدكم ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. [وَكتب فِي الْيَوْم الثَّالِث من شهر الله الْمحرم عَام أحد وَخمسين وَسَبْعمائة].

وَصدر عني فِي أول الْحَرَكَة الجهادية لهَذَا الْعَهْد وَقد تحرّك السُّلْطَان أعزه الله إِلَى حصن أشر الْقَرِيب الْجوَار لأرض النَّصَارَى، بِأَهْل حَضرته وَمَا يجاورها من الْأَمَاكِن الغربية، وَكَانَ إملاء هَذَا الْكتاب قبل أَعمال الْحَرَكَة بِيَوْم فَلم تبدل مِنْهُ لَفْظَة وَاحِدَة، إلهام من الله ﷿ وَافق مَا وَقع فِي ذَلِك الْفَتْح الْقَرِيب، وَقَعَدت نايبا عَن السُّلْطَان بدار ملكه على عادتي فَكَتبهُ عَنهُ كَاتب إنشايه، مُعَرفا بذلك صَاحب الْمغرب

الْمقَام الَّذِي يحيى بعز الدّين الحنيف وَجهه، ويطرب بِخَبَر الْفَتْح على [أهل] لَا إِلَه إِلَّا الله سَمعه، ويشرح بنصر الفئة القليلة على الفئة الْكَثِيرَة صَدره، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي ينجدنا بِفضل الله وعزمه، ويمدنا سعده، ويؤخرنا وعده، وَيحسن بإعانتنا بالْقَوْل وَالْعَمَل قَصده، السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله عميما فَضله، رفيعا مجده، ماضيه عزمه. [من مُعظم قدره وملتزم بره] المطنب فِي حَمده وشكره، [الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر]. سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

ٍ أما بعد حمد الله الْقوي الْعَزِيز، المبدي المعيد، الْوَلِيّ النصير، كَافِي المتوكلين، وَولي الْمُؤمنِينَ، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، قدوة الْمُجَاهدين، وَإِمَام الصابرين. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، المهتدين بهديه، السالكين فِي جِهَاد عَدو الله على نهجه، حَتَّى استقام عَمُود الْمُسلمين من بعده، وَبلغ التخوم القاصية نور دَعوته، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم أجر من ساهم وأعان، وأنجد وقوى، وشمر فِي جِهَاد الْكَافرين عَن الساعد الْأَقْوَى، وعامل من إِلَيْهِ الرجعى، وَأخذ بالحظ الرغيب من السرُور، بِمَا يسر الله وسنى. من منزلنا السعيد على الْمُسلمين، بِظَاهِر حصن أشر، حماه الله، وَلَا زايد إِلَّا الْفَتْح والمنح، والظهور الَّذِي احتفل بِهِ الصقع، وجم اللطف. وَالْحَمْد لله الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر، مجزل المنن، ومخول الآلاء وَالنعَم، الملهم الْمُنعم الْوَلِيّ النصير، سُبْحَانَهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. وقدكنا عرفناكم مَا أنعم الله بِهِ على الْمُسلمين ببركتكم من فتح برغة، واتصال سببهم من إخْوَانهمْ، من بعد الانبتات والانقطاع وتبر جرثومة الْإِسْلَام من تِلْكَ الأحواز الْمسلمَة والأصقاع، فَأصْبح الشمل جَمِيعًا، والمنثور منظوما، والسبيل قصدا، والفرقة جمعا. وَمَا استضيف إِلَى ذَلِك من فتح، كمل النِّعْمَة، وتمم العارفة. ثمَّ أننا رَأينَا أَن الْإِسْلَام لَا يقر بِهِ قَرَار، مَعَ كَون حصن أشر ركابا لعَدوه، وسلما لكيده، ودربا إِلَى غارات الْكَافرين، وفرضة إِلَى مسارب أَعدَاء الدّين، إِذْ لَا تضبط مَا بَينه وَبَين الْحُدُود الإسلامية الرتب، وَلَا تغني المسلحة، وَلَا يجدي الحذر، فَإِنَّهُ الْجَارِح المحلق، والبازي المطل، وَالْيَد المحكمة، والداء الدفين، مقض الْمضَاجِع، وفالي مكامن المسارح، ومصمى أهداف السواحل. فأهمنا وشأنه، وحمانا الرقاد بثه، ونغص علينا الْعَيْش شبحه.

واستخرنا الله فِي قَصده، وسألناه الْإِعَانَة على فَتحه، وتيسير صعبه، فخلق الله سُبْحَانَهُ عندنَا النهود إِلَيْهِ ضَرْبَة لازب، من غير أَن نريح الْجَيْش، وَلَا نعيد الرَّأْي وأشعنا للحين نفير الْجِهَاد، وَلم نستدع لمأدبة هَذَا الْفَتْح إِلَّا الْأَوْلِيَاء من أهل وَادي آش وسندها، وأقليم الحضرة وَمَا اتَّصل بحوزها، وخيمنا من الْغَد بظاهرها، فِي عَفْو من الإحتشاد، ونقاوة من الرجل، وخف إِلَّا من آلَات الْحَرْب، حرصا على كتمان الْقَصْد، واستصحبنا أعجالا تحمل جوالقات السِّهَام وآلات الْهدم، وماعون النقب من الدبابات والستاير الخشبية، والنفوط والترسة والدرق، إِلَى الحصاصيد والسلالم، وَأَلْقَتْ الحضرة بأفلاذها. فَلم يتَخَلَّف عَنْهَا محتلم فَمن فَوْقه. وبرزوا فِي رَحل الرِّبَا، زادهم الله نَمَاء وَكَثْرَة. وصبحنا ليَوْم الثُّلَاثَاء فجر أولى مظنات لَيْلَة الْقدر من هَذَا الشَّهْر الْمُبَارك، فصكت أسماع من بِهِ طبول الْجِهَاد الَّتِي قدم بهَا الْعَهْد، وانتثرت حواليه رايات الصَّبْر، الَّتِي راق مِنْهَا الْجَيْش، ورف عَلَيْهَا الغر، ودارت بهَا الْمُقَاتلَة الْمسلمَة، الَّتِي لَا يخامرها الرعب، وَلَا يداخلها الذعر، وَهُوَ مصام منيع، وَمَعْقِل شهير وَبلا مُبين. قد صرف إِلَيْهِ الْكفْر لما ملكه عزمه، وأغرى بِهِ همه، فسد ثلمه وَأصْلح خلله وَنظر إِلَى عوراته فأوسعها تحصينا، حَتَّى قطع الأطماع، وتبر الآمال. وَكَانَ بِهِ عدد جم من رُمَاة الشعرا، ومساعير الْحَرْب، وَأولى الشُّهْرَة من السِّلَاح وَالْعدة، كل محسب فِي الْحَاجة، ومغن فِي الشدَّة، إِلَّا أَن الله لَا تغالب قدرته، [وَلَا تطاول

عزته]، وَلَا يرد عَن الْقَوْم الْكَافرين بأسه، فَتعلق بِهِ الْمُسلمُونَ يَخُوضُونَ غمار الشَّهَادَة، ويتزاحمون على مَرَاتِب الْمنية، ويسمحون فِي مبايعة الله بالنفوس الزكية. فَاقْتَحَمت المايدة الْمُتَّصِلَة بِهِ، ولجأ إِلَى الْحصن من كَانَ بِهِ من الحامية، فخلفهم الْمُسلمُونَ وَهِي أولى عَلَامَات الظُّهُور، ومبدأ الْفَتْح المسطور، وقاتلوا ذَلِك الْعقَاب المروم من جهاته، وأوسعوا أسواره المنيعة نقبا، وحفايره العميقة ردما، وصبروا صَبر الأبلج فكرا، وَلَا يُعْطي مقادة التَّصَوُّر وهما، كَأَنَّمَا هُوَ آثَار من آثَار عناية الله، قدم بهَا للدّين عهدا، وَأحمد الله بهَا لِلْإِسْلَامِ صنعا، وَرَأى الْأَعْدَاء من قدرَة الله، مَا رَاع أفئدتهم، وأذهل عُقُولهمْ، وفشت فيهم الْجراح، وعجزت مِنْهُم الْحِيَل، فأشاروا إِلَى طلب الْأمان، بعد أَن [بالغوا فِي الْأَعْذَار]، وبلغوا أبعد مبالغ الصَّبْر، فقوبلوا بانبعاث الْقَصْد، وتتميم الرَّغْبَة، وأنزلوا عَن الأبلق الْفَرد، لَا بل عَن مَرْكَز النَّجْم، وعلت فَوق أبراجه رايات الْإِسْلَام، وَارْتَفَعت بِكَلِمَة التَّوْحِيد. وَأخذ بيُوت عباد الله التَّطْهِير وَتَنَاول بمثاله التثمير، وَأنزل ناقوسه إِنْزَال التهوين، وحلت بِهِ على الْمُسلمين عوارف الْفَتْح. وللحين شرعنا فِي سد مَا ثلم من أسواره، وهتم من شرفاته، وبقر من بطُون مسافاته، فعملنا بيدنا، [فِي سَبِيل الله]، اقْتِدَاء بنبينا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، نقلا للآلة، وَعَملا بالمواعين. نَسْله جلّ وَعلا، أَن يَجْعَل ذَلِك خَالِصا لوجهه، وذريعة إِلَى قربه، وَأَن يَجْعَل غباره لنا أَمَانًا من

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.