تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الفتوحات الْوَاقِعَة والمراجعات التابعة (٣)

تأبى أَن يقطع مِنْهُ الإغفال جنابا، أَو تفقد مِنْهُ منابا، أَو [تسد الشامتة] مِنْهُ بَابا، أَو يكدر صفوا، أَو يشرب لبابا. وبحسب ذَلِك يُنْهِي إِلَيْكُم كل رَاجِعَة تتبعها رادفة، وسالفة تعقبها خالفة، إِشَاعَة لمنن الله بَين عباده، وإشادة فِي الْجِهَاد بثمر جهاده، وعلما بمواقع ذَلِك من مقامكم الَّذِي يعلم صدق وداده، وَجَمِيل اعْتِقَاده، وسيره فِي الْمَقَاصِد الْبرة، على سنَن الْكِرَام أجداده.

وَقد كُنَّا عرفناكم فِي هَذَا الْكتاب قبل هَذَا، أننا على ركاب جِهَاد، واستيناف احتشاد، إِلَى مَدِينَة أبدة، لنهيض مِنْهَا ثَانِي جنحي الْكفْر، ونؤمن الْجِهَات الشرقية بِفضل الله عَادِية الضّر، ونفجع الشّرك بحبيبته، ونصيبه من بعد يسراه بِيَمِينِهِ، فاستعنا بِاللَّه الْقوي الْمعِين، واستنجدناه على فتح معقلها، وَهُوَ خير الفاتحين، واستدعينا كَافَّة أهل الْإِسْلَام، لمأدبة الْجِهَاد الْوَاضِح الْإِشْهَاد، فَهموا طايعين، وَفِي فوز أَيْديهم بِإِحْدَى الحسنيين طامعين، واستكثرنا من الْآلَات والأسباب واستبحرنا من معارج التسورات، وخزاين النشاب، وَلم نَدع حِيلَة تبقر سورا، وَلَا تهويلا يذعر محصورا، وَلَا آلَة تحط وقاية مَنْصُوبَة، وَلَا نكاية تكظم بَلْدَة مخروبة، إِلَّا استزدنا من أَنْوَاعهَا وأجناسها، وتممنا مَا نقص من قياسها، بعد أَن اعتقدنا أَن لَا غَالب إِلَّا الله وَحده، وَأَنه الَّذِي يظْهر دينه وينجز وعده. وَإِلَّا فَمَا يُغني الْعدَد، إِذا لم يكن مِنْهُ الْإِعَانَة والمدد، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خَالق الْخلق وَمَا يعْملُونَ، ومتمم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ.

وأفضنا الْعَطاء فِي المرتزقة، وفتحنا الدَّوَاوِين الملتحفة، وحملنا من نفق فِي سَبِيل الله جَوَاده، وأعنا من قصر عَن مُؤْنَته زَاده. وَخَرجْنَا والتوكل على الدَّلِيل، والمواكب الظَّن الْجَمِيل، ومتعود الصنع للظل الظليل، وَكلمَة الله الْعليا الْعلم الَّذِي لَا يمِيل، فخيمنا على أَمْيَال من الحضرة، مخيما بَادِي الوفور، محفوفا بالعز الْمَشْهُور، والنصر الرايق الشُّعُور. ثمَّ دَخَلنَا بعد مراحل ضفة الْوَادي الْكَبِير من أحوازها المستباحة، وعمالتها المخروبة الساحة، والعدو بعرصة جسر عَال، مثل فَوْقه حصن حُصَيْن يمْنَع العابر، ويصد الْوَارِد والصادر، فألفيناه وَقد قد ضَابِط دربه، وقيوم سلمه وحربه، فأغنانا الله [عَن فض] غلقه واقتحمناه تجْرِي فَوْقه سيول الحشود، وَنشر النَّمْل غير المحصور وَلَا الْمَمْدُود، لَا بل قطايع الليوث الغلب وَالْأسود. وَلما صبحنا ساحتها وأزمعنا بعزة الله استباحتها، نَظرنَا إِلَى مَدِينَة هايلة، عمارتها فِي الأَرْض الفضاجايلة، وأدواحها الأشبة مايلة، ومحاسنها متبرجة متخايلة، ومنعتها دون من اعْتصمَ بهَا إِلَّا من الله حايلة، بنت جبان فِي ملأتها سَعَة جناب، وتبحر فلح وأعناب، بلد التِّجَارَة الَّتِي يعْمل إِلَيْهَا سير الرفاق، من نازح الْآفَاق، والمآرب الآمنة مساعيها من الإخفاق، والمصر الشهير الْعِمَارَة، الفسيح الإثارة، فَإِذا ذكرت الأمات فإليها يشار، وَإِذا تشوقت المعاطن. فلهَا تحن العشار. فَقُلْنَا اللَّهُمَّ سهل صعبها، وأسفل كعبها، وَاجْعَلْهَا لِعِبَادِك أنفالا، واترك معالمها إغفالا لرمي النَّصْر ثقالا، واقطع عمالتها ليدي الخراب، واصرع آناف مبانيها السامية فِي التُّرَاب، وصيرها عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب. ثمَّ نهدنا فأدرنا الجموع بالأسوار دور السوار، بعد أَن عممنا بكتايب الدَّار ظُهُور النجادة، وبطون الأغوار، وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا طيور المنيات من أوكار الْحَيَّات، ورجعنا بذوات الأدراج إِلَى الأبراج، وعاطينا حَربًا تبرجت لأبطالها

الْحور، وتحلت بشذور, النجيع مِنْهَا النحور, وعلت بِالشَّهَادَةِ الْأَصْوَات, وحامت عَن موارد الكماة, وبيعت من الله النُّفُوس, ودارت للآجال الكؤوس, حَتَّى أثمر النَّصْر ثمراته الْمَعْهُودَة, فافترعت الشرفات المفترشات, وأصبحت المسافات تطأها الْآفَات, وَدخلت الْمَدِينَة, وَالْقُدْرَة لله غلابا, وتقسمتها أَيدي الْإِسْلَام، قتلا واستلابا، فَأخذت جذل الرماح على كفارها بِوَجْه الْأَزِقَّة، واقتطعوا بَين عياث الْأَيْدِي المستهلكة والمسترقة فاستبيحت المقاصير والقصور، واقتحمت الديرة والدور، وخسفت فِي مطالع بروجها الْكَافِرَة البدور، وانتسفت الأقوات، وأوقع بالْكفْر الْفَوات، وأخليت من سروج فرسانهم الصهوات، وأيمت من آبايها الإخوان وَالْأَخَوَات، وَكَانَ مسورها الَّذِي تعاصي عَن الذرع والمساحة فوره، وتعدى حُدُود الْمَدِينَة الرحيبة طوره، قد اسْتوْدعت أقصيته، تعم مسارحها الَّتِي أخافها الْخلاف، وأمم فحوصها الفيح الَّتِي يخْشَى عَلَيْهَا الْإِتْلَاف، فألفاها الْمُسلمُونَ ألوفا لَا تحصى، وحملا عسر إبرازه على الْجَبَل واستعصى، فَتَنَاولهَا الانتهاب والاقتسام، وأمهلت هضابها الجسام، وأقيمت لَهَا فِي هَذَا الميلاد الْكَرِيم المواسم الوسام. وَأما الْأَمْوَال الموصلة، والخزاين المجملة المفصلة، فأعيا نقلهَا الظُّهُور، واستغرق الْأَيَّام بل الشُّهُور. ولجأ الفل من أَهلهَا إِلَى القصبة الَّتِي تسع الْجُمْلَة، وتوهم المعتصم بهَا الْعَطف والمهلة، واستماتوا من وَرَاء سورها العَاصِي الْبناء، وأبلوا من دون الْحَرِيم وَالْأَبْنَاء. وزحف إِلَيْهِم الرِّجَال، حَتَّى ضَاقَ بهم المجال، ورشقتهم السِّهَام بمالا تتصوره الأوهام، وأمطرت عَلَيْهِم السَّمَاء حِجَارَة الْقَذْف، وشرعت إِلَى أسمائهم عوامل الْحَذف، وأسفوا على المتالف، وَرَأَوا فِي أنفسهم،

مواقع الرماح من النحور، وَالسُّيُوف من السوالف، إِلَّا أننا رَأينَا أَنَّهَا قَصَبَة مستعدة، قد تحصل بهَا من الناشبة والرامحة عدَّة، فَلَا يتَوَصَّل إِلَى افتتاحها إِلَّا بمهج ونفوس من الْمُسلمين عَلَيْهَا تسيل، وحماة لَهَا فِي الْإِسْلَام الْغناء الْجَمِيل، وَفِي سلامتها التأميل، وَأَن الْبَلَد قد استوصل معموره، وألصقت بالرغام دوره، وسد دكه، ودك سوره، وتعدد قتيله ومأسوره، بِحَيْثُ لَا يفِيق أبدا من بواره، وَلَا يجْبر كَسره إِلَّا بعد انْقِضَاء أدوار، وَأَن القصبة لَا تبدي فِي اعتماره وَلَا تعيد، وَأَيْنَ يَقع ساكنها مِمَّا تُرِيدُ. وشرعنا فِي الإياب والسكك بالأوقار قد ضَاقَتْ، وَالْأَيْدِي قد حملت فَوق مَا أطاقت [والمناصل قد أنهرت وأراقت، ونقمة الله بعدوه قد حاقت، ونعمه قد بهرت لدينا وراقت]. وتخلفنا قُصُورهَا السامية قيعانا، وكنايسها الحافلة أثرالاعيانا، وَقد أَخذ الله صلبانها، واستعجل النيرَان رهبانها، وأتى الله بيوتها من الْقَوَاعِد فخرت، وزلزل مصانعها الْعَالِيَة، فاستوت على وَجه الصَّعِيد واستقرت. فَمَا أَظن أَن مَدِينَة بلغ من معمورها، واستأصل العفا من حجرات دورها، مَا بلغ فِي هَذِه البايسة البائدة، والغوية المكايدة، غير الله محاسنها [وشرد قاطنها]. وَلما فرغت الْأَيْدِي المجاهدة من داخلها الهايل تدميرا وتخريبا، وتهيأت هَنَات الله ﷻ نصرا عَزِيزًا، وفتحا قَرِيبا، انْطَلَقت على مَا بخارجها عقرا للأشجار، وتعفية للآثار، وتغويرا للأنهار، وتسليط أَلْسِنَة النَّار، وأغرينا بِهَذَا العياث أَيَّامًا سَبْعَة، تسبي النعم، وتبث فِي جهاتها النقم، فتركنا مرابع الْبَيْت الأوانس أوحش من الرمس، ومغاني الغانيات كَأَن لم تغن بالْأَمْس، قد أذلّ الله بعز الْإِسْلَام طغيانها، وكف بكف الْقُدْرَة عدوانها، وشان بالدمار شَأْنهَا. فكم أجلبت على ثغور الْإِسْلَام بخيلها ورجلها وَكم عظم الْفَرح فِي

الدّين لأَجلهَا، ووفاه الله وَله الْحَمد، بمحلها. وقفلنا والأولوية بالنصر خافقة، وأسواق الظُّهُور نافقة، وألسنة الْحَمد وَالشُّكْر ناطقة، والظنون فِي فضل الصَّادِق صادقه، وَالْكفْر قد ذل واستكان، وَدخل ثغره فِي خبر كَانَ، وَعز الْإِسْلَام قد ظهر واستبان، ورسى كَمَا رسى رضوى وَأَبَان، وَالْخَيْل تلاعب الطلال مرحا ونشاطا، وَالْوُجُوه تتلألأ اغتباطا، والجياد الجرد تتدافع وتمطر، والأسال السمر تتهاود وتتأطر، والجهات بشذا الْفَتْح تتعطر، وَقد أقفر هَذَا الصقع الْعَظِيم من عمرانه، وأطاع الاشتمال بالمنحسة حكم قرانه، وأناخ عَلَيْهِ العفا بجرانه. وَمن الله نسل أَن يصل الْإِسْلَام عوايد النعم الجسام، ويلهمنا الشُّكْر المستدعي للمزيد من هَذِه الْأَقْسَام، وَإِن كَانَ هَذَا الموطن الَّذِي يغبط من الْكفَّار، يَدْفَعهُ الله ويكتبه، ويعلق الثَّوَاب الجزيل ويرقبه، فَكيف لَا نحمد الله على تخريب هَذَا الْمصر الشهير، والقطر الخصيب الخطير، بِحَيْثُ تمْضِي الأحقاب، وَهُوَ عِبْرَة للمعتبرين، وواعظ للمبصرين، وَحَدِيثه لِسَان صدق فِي الآخرين. ومقامكم وجهة الْمُبَشِّرَات مهما يسرها الله وكيفها، والصنايع إِذا أولاها ﷻ وَعرفهَا، عَلَيْكُم نجلو صورها، ولديكم نتلو سورها، علما من دينكُمْ الَّذِي علمت مساهمته ونصحه، وأشرق فِي أفق الْفضل صبحه، وَلما لسلفكم من أثر بِهَذِهِ الْبِلَاد لَا يخفي، وإعانة حُقُوقهَا المرعبة لَا تخفي، وأجورها عِنْد الله توفّي. وَأَنْتُم وَارِث [خلدا بِهَذِهِ الْبِلَاد] إِلَّا عَن كَلَالَة، وَولى مَا تخلفه من مجد وجلالة. وَإِنَّا لنَرْجُو أَن يكون لكم فِي الْجِهَاد بِهَذِهِ الْبِلَاد الْقدح المعلي، والأثر الَّذِي يتلي، فِيمَن نقيبتكم قد أشرف وتجلى، وعَلى ميادين الظُّهُور قد استولى. وَالله يُحَقّق الآمال، وينجح الْأَعْمَال. وَأوجب تَعْجِيل التَّعْرِيف بِهِ،

ود فِي سَبِيل الله أطيب من العذب الزلَال، وخلوص يتضاعف على مر الْأَيَّام والليال. وَنحن نشرع فِي إِعْمَال الْحَرَكَة إِلَى قرطبة، دمرها الله، واثقين بِذِي الْعِزَّة والجلال، مستظهرين بنيتكم الْكَرِيمَة، الكفيلة بسعادة المنال، وَدُعَاء من لديكم من الْمُسلمين، بِمَا يقْضِي ببلوغ وَإجَابَة السُّؤَال. وَالله يصل لكم سَعْدا مديد الظلال، بامتداد الْبكر وَالْآصَال. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وكتبت لصَاحب تونس بِمَجْمُوع هَذِه الْفتُوح عَن السُّلْطَان ﵁، وَقد أهدي خيلا وعتاقا وأصنافا من الرَّقِيق والفتيان وَغير ذَلِك صُحْبَة الرَّسُول الْفَقِيه أبي الْحسن الْبَنَّا وبتاريخ الْيَوْم الثَّالِث من شهر ربيع الآخر من عَام سبعين وَسَبْعمائة

الْخلَافَة الَّتِي ارْتَفع فِي عقائد فَضلهَا الْأَصِيل الْقَوَاعِد الْخلاف، واستقلت مباني فخرها الشَّائِع وعزها الذائع، على مَا أسسه الأسلاف، وَوَجَب لحقها الْجَازِم وفرضها اللَّازِم الِاعْتِرَاف، ووسعت الآملين لَهَا الجوانب الرحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها المنيف، وولائها الشريف، كَمَا امتزج المَاء والسلاف، وثناؤنا على مجدها الْكَرِيم، وفضلها العميم، كَمَا تأرجت الرياض الأفواف، لما زارها الْغَمَام الوكاف، ودعاؤنا بطول بَقَائِهَا واتصال علائها، يسمو بِهِ إِلَى قرع أَبْوَاب السَّمَوَات [الْعلَا] الاستشراف، وحرصنا على تَوْفِيَة حُقُوقهَا الْعَظِيمَة، وفواضلها العميمة، لَا تحصره الْحُدُود، وَلَا تُدْرِكهُ الْأَوْصَاف. وَإِن عذر فِي. التَّقْصِير عَن نيل ذَاك المرام الْكَبِير، الْحق والإنصاف، خلَافَة وجهة تعظيمنا إِذا تَوَجَّهت الْوُجُوه، وَمن نوثره إِذا أهمنا مَا نرجوه، ونفديه ونبيديه إِذا استمنح المحبوب، واسترفع الْمَكْرُوه. الْخَلِيفَة [الكذا أَبُو إِسْحَق ابْن الْخَلِيفَة الكذا أبي يحيى أبي بكر ابْن السُّلْطَان أبي زَكَرِيَّا ابْن السُّلْطَان الكذا أبي إِسْحَاق ابْن

الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي عبد الله بن أبي زَكَرِيَّا بن عبد الْوَاحِد ابْن أبي حَفْص] أبقاه الله. ومقامه مقَام إِبْرَاهِيم رزقا وأمانا، لَا يخص جلب الثمرات إِلَيْهِ وقتا وَلَا يعين زَمَانا. وَكَانَ على من يتخطف النَّاس من حوله مؤيدا بِاللَّه معانا، مُعظم قدره العالي على الأقدار، وَمُقَابل دَاعِي حَقه بالابتدار، الْمثنى على معاليه المخلدة الْآثَار، فِي أصونة النظام والنثار، ثَنَاء الرَّوْضَة المعطار، على الأمطار، الدَّاعِي إِلَى الله بِبَقَائِهِ فِي عزة منسدلة الأستار، وعصمة ثَابِتَة المركز مُسْتَقِيمَة الْمدَار، وَأَن يخْتم لَهُ بعد بُلُوغ غايات الْآجَال، ونهايات الْأَعْمَار، بالزلفى وعقبى الدَّار. سَلام كريم كَمَا حملت نسمات الأسحار، أَحَادِيث الأزهار، وروت ثغور الأقاحي والبهار، عَن مسلسلات الْأَنْهَار [وتجلي على منصة الاشتهار، وَجه عروس النَّهَار] يخص خلافتكم الْكَرِيمَة النجار، العزيزة الْجَار، وَرَحْمَة الله الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الَّذِي أخْفى حكمته الْبَالِغَة عَن أذهان الْبشر، فعجزت عَن قياسها، وَجعل الْأَرْوَاح، كَمَا ورد فِي الْخَبَر تحن إِلَى أجناسها، منجد هَذِه الْملَّة، من أوليائه الجلة، بِمن يروض الآمال بعد شماسها، وييسر الْأَغْرَاض قبل التماسها، وَيَعْنِي بتجديد المودات فِي ذَاته وابتغاء مرضاته، على حِين إخلاق

لباسها، الْملك الْحق، وَاصل الْأَسْبَاب بحوله، بعد انتكاب أمراسها، وَمُغْنِي النُّفُوس بِطُولِهِ بعد إفلاسها، حمدا يدر أخلاف النعم، بعد إبساسها، وينثر رمم الآمال من أرماسها، ويقدس النُّفُوس بِصِفَات مَلَائِكَة السَّمَوَات بعد إيلاسها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، سراج الْهِدَايَة ونبراسها، عِنْد اقتناء الْأَنْوَار واقتباسها، مطهر الأَرْض من أوضارها وأدناسها، ومصطفى الله من بَين ناسها، وَسيد الرُّسُل الْكِرَام مَا بَين شيثها وإلياسها، والآتي مهيمنا على آثارها فِي حِين فترتها، وَمن بعد [استياسها]، مرغم الضراغم فِي أخياسها بعد افترارها وافتراسها، ومعفر أجرام الْأَصْنَام، ومصمت أجراسها. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وعترته وأحزابه، حماة شرعته الْبَيْضَاء وحراسها، وملقحى غراسها، لُيُوث الوغى عِنْد احتدام مراسها، وَرُهْبَان الدجا، تتكفل مُنَاجَاة السَّمِيع الْعَلِيم، فِي وَحْشَة اللَّيْل البهيم بإيناسها، وتفاوح نواسم الأسحار عِنْد الاسْتِغْفَار بِطيب أنفاسها. وَالدُّعَاء لخلافتكم الْعلية المستنصرية، بالصنايع الَّتِي تشعشع الْعِزَّة القعساء من أكواسها، وَلَا زَالَت الْعِزَّة الإلهية كفيلة [باحتراسها وامتراسها] وأنباء الْفتُوح المؤيدة بِالْمَلَائِكَةِ وَالروح، ريحَان جلاسها، وآيات المفاخر الَّتِي ترك الأول للْآخر، مكتتبة على الأسطار بأطراسها. وميادين الْوُجُود مجالا لجياد جودها وبأسها. والعز وَالْعدْل منسوبين [لفسطاطها وقسطاسها]. وصحيفة النَّصْر الْعَزِيز تفيض كفها المؤيدة بِاللَّه، على رياسها عِنْد اهتياج أضدادها وسرة انتكاسها، لانتهاب الْبِلَاد وانتهابها، وهبوب ريَاح رياحها، وتمرد مرداسها. [فَإنَّا كتبناه

إِلَيْكُم، كتب الله لكم من كتايب نَصره أمدادا، تذعن أَعْنَاق الْأَيَّام لطاعة ملككم الْمَنْصُور الْأَعْلَام عِنْد إحساسها، وأتاكم من آيَات العنايات آيَة تضرب الصَّخْرَة الصماء مِمَّن عصاها بعصاها، فتبادر بانبحاسها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَأَيَّام الْإِسْلَام، بعناية الْملك العلام، تحتفل وُفُود الْمَلَائِكَة الْكِرَام لولايمها وأعراسها، وطواعن الطعان [فِي عَدو الدّين المعان] تجدّد عريدها بعام عمواسها. وَالْحَمْد لله حمدا معادا، يُقيد شوارد النعم، ويستدر مواهب الْجُود وَالْكَرم، ويؤمن من انتكاب الجدود وانتكاسها، ولي الآمال ومكاسها. وخلافتكم هِيَ [المثابة] الَّتِي تزهي الْوُجُود بمحاسن مجدها، زهو الرياض بوردها وآسها، ونستمد أضواء الْفَضَائِل من مقياسها، وتروي رُوَاة الإفادة والإبادة عَن ضحاكها وعباسها. وَإِلَى هَذَا أَعلَى الله معارج قدركم، وَقد فعل، وأنطق بحجج مجدكم، من احتفى وأنتعل، فَإِنَّهُ وصلنا كتابكُمْ الَّذِي حسبناه على صنائع الله تَمِيمَة لَا تلتمع بعْدهَا عين، وجعلناه على حلل مواهبه، قلادة لَا يحْتَاج مَعهَا زين، ودعوناه من [جيب الكنانة] آيَة بَيْضَاء للكتابة، لم يبْق مَعهَا شكّ وَلَا مين، وقرأنا مِنْهُ وَثِيقَة ود، هضم فِيهَا عَن غَرِيم الزَّمَان دين، ورأينا مِنْهُ إنْشَاء، خدم اليراع بَين يَدَيْهِ مشاء، وسيل عَن مَعَانِيه الاختراع، فَقَالَ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء فأهلا بِهِ من عَرَبِيّ أبي يصف السانح والبانة، وَيبين فَيحسن الْإِبَانَة، أدّى الْأَمَانَة. وسيل عَن حيه فَانْتهى إِلَى كنَانَة، وأفصح وَهُوَ لَا ينبس، وتهللت قسماته، وليل حبره يعبس، وَكَأن خَاتمه المقفل على صوانه، المتحف بباكر الْورْد فِي غير أَوَانه، رعف من مسك عنوانه، وَللَّه من قلم دبج تِلْكَ الْحلَل ونقع بمجاج الدواة

المستمدة من عين الْحَيَاة الغلل, فَلَقَد تخارق فِي الْجُود, مقتديا بالخلافة, الَّتِي خلد فخرها فِي الْوُجُود, فجاد بسر الْبَيَان ولبابه, وسمح فِي سَبِيل الْكَرم [حَتَّى بِمَاء شبابه] وجمح لفرط بشاشته وفهامته, بعد شَهَادَة السَّيْف بشهامته، فَمشى من الترحيب فِي الطرس الرحيب، على أم هامته، وَأكْرم بِهِ من حَكِيم أفْصح بملغوز الإكسير، فِي اللَّفْظ الْيَسِير، وَشرح بِلِسَان الْخَبِير، سر صناعَة التَّدْبِير، كَأَنَّمَا خدم الملكة الساحرة بِتِلْكَ الْبِلَاد، قبل استنجاز الجلاد، فآثرته بالطارف من سجرها والتلاد، أَو غير بالمعلقة، وَتلك الْقَدِيمَة الْمُطلقَة، [من قنية] دَار، أَو كنز تَحت جِدَار، أَو ظفر لمباني الحنايا، قبل أَن تَنْقَطِع بِهِ عَن أمانيه المنايا، ببديعه، أَو خلف جرجير الرّوم، قبل منازلة القروم على وديعه، أَو أسهمه ابْن " أبي سرح فِي نشب لِلْفَتْحِ وسرح، أَو ختم لَهُ روح بن حَاتِم ببلوغ الْمطلب، أَو غلب الحظوظ بِخِدْمَة آل الْأَغْلَب، أَو خصّه زِيَادَة الله بمزيد، أَو شَارك الشِّيعَة فِي أَمر أبي يزِيد، أَو سَار على منهاج فِي مناصحة بني صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم كل هاج، وأعجب لَهُ، وَقد عزز مِنْهُ مثنى الْبَيَان بثالث، فجلب سحر الأسماع، واسترقاق الطباع، بَين مثاني الإبداع، ومثالث كَيفَ اقتدر [على هَذَا المحيد] وناصح مَعَ التَّثْلِيث مقَام التَّوْحِيد، نَسْتَغْفِر الله، ولي العون على الصمَّة والصون، فالقلم هُوَ الموحد قبل الْكَوْن، والمتصف من صِفَات السَّادة أولى الْعِبَادَة، بضمور الْجِسْم، وصفرة اللَّوْن، إِنَّمَا هِيَ كَرَامَة فاروقية، وَإِشَارَة من حَدِيث سَارِيَة، وَبَقِيَّة سفر وَجههَا فِي الأعقاب،

بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب عَن كريم جناب، وإصابة السهْم لسواه محسوبة، وَإِلَى الرَّامِي الَّذِي سدده منسوبة، وَلَا تنكر على الْغَمَام بارقة، وَلَا على الْمُحَقِّقين بمقام التَّوْحِيد كَرَامَة خارقة، فَمن شَاءَ الْفضل من غرايب بر وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشُّكْر فِيهَا وَسجد. حديقة بَيَان استثارت نواسم الْإِيدَاع من مهبها، واستنارت غمايم الطباع من مصبها، فَأَتَت أكلهَا مرَّتَيْنِ بِإِذن رَبهَا، لَا بل كَتِيبَة عز طاعنت بقنا الألفات سطورها، فَلَا يرومها النَّقْد وَلَا يطورها، ونزعت عَن قسي النونات خطوطها، واصطفت من بَيَاض الطرس، وَسَوَاد النَّفس. فلق تحوطها، فَمَا كاس المدير على الغدير، بَين الخورنق والسدير، تغامر بِبرد الْحباب، عقول أولي الْأَلْبَاب، وتغرق كسْرَى فِي القباب، وتهدي وَهِي الشمطا نشاط الشَّبَاب، وَقد أَسْرج ابْن سريح وألجم، وأفصح للقريض بعد مَا جمجم، وأعرب الناي الْأَعْجَم، وَوَقع معبدًا بالقضيب، وشرعت فِي حِسَاب العقد بنان الْكَفّ الخضيب، وَكَأن الأنامل فَوق مثالث الْعود ومثانيه، وَعند إغراء الثقيل بثانيه، وَإجَابَة صدا الْغناء بَين مغانيه. المراود تشرع فِي الوشي، أَو العناكب تسرع فِي الْمَشْي، وَمَا الْمخبر بنيل الرغايب، أَو قدوم الحبيب الغايب، لَا بل إِشَارَة البشير [بكم المشير] على العشير، بأجلب للسرور من زايرة الْمُلْتَقى بالبرور، وأدعى للحبور من سفيره الْمُبْهِج للسفور، فَلم ير مثله من كَتِيبَة كتاب تجنب الجرد [تمرح] فِي الأرسان. وتتشوف مجالي ظُهُورهَا إِلَى عرايس الفرسان، وتهز معاطف الأرتياح من صهيلها الصراح بالنغمات الحسان إِذا أوجست. الصَّرِيخ بارحت إثناء الأعنة، وكاثرت بأسنة آذانها

مشرعة الأسنة، فَإِن ادّعى الظليم إثكالها، فَهُوَ ظَالِم، أَو نَازع الظبي هواديها وأكفالها فَهُوَ هاد أَو حالم. وَإِن سُئِلَ الْأَصْمَعِي عَن عُيُوب الْغرَر والأوضاح، قَالَ مُشِيرا إِلَى وجوهها الصَّباح، " جلدَة بَين الْأنف وَالْعين سَالم "، من كل عبل الشوى، مسابق النَّجْم إِذا هوى، سامي التليل، عريض مَا تَحت الشليل، ممشوقة أعطافه بمنديل النسيم البليل، من أَحْمَر كالمدام، تجلي على الندام عقب الْفِدَام أتحف لَونه بالورد، فِي زمن الْبرد، وَحيا أفق محياه بكوكب السعد، وتشوف الواصفون إِلَى عد محاسنه، فأعيت عَن الْعد، بَحر يساجل الْبَحْر عِنْد الْمَدّ، وريح تباري الرّيح عِنْد الشد بالذراع الأشد، حكم لَهُ مُدبر الْفلك باعتدال فصل الْقد، وميزه قدره الْمُمَيز يَوْم الاستباق بقصب السباق، عِنْد اعْتِبَار الْجد. وَولد مختط غرته أشكال الْجمال على الْكَمَال، بَين الْبيَاض والحمرة، ونقا الخد، وَحفظ رِوَايَة الْخلق الْوَجِيه عَن جده الْوَجِيه. وَلَا تنكر الرِّوَايَة عَن الْحَافِظ بن الْجد. وأشقر ذهبي الْخلق وَالْوَجْه الطلق، أَن يحقر كَأَنَّمَا صِيغ عَن العسجد، وطرف بالدر، وأنعل بالزبرجد، ووسم فِي الحَدِيث بسمة [الْيمن و] الْبركَة، واختص بفلج الْخِصَام عِنْد استنجاز المعركة وَانْفَرَدَ بمضاعف السِّهَام المنكسرة، على الْهَام فِي الْفَرَائِض الْمُشْتَركَة. واتصل فلك كفله، بحركتي الإدارة، والطبع من أَصْنَاف الْحَرَكَة. أصغي إِلَى السما بِإِذن الملهم، وأغرى لِسَان الصميل. عِنْد التباس مَعَاني المهمز، والتسهيل بِبَيَان الْمُبْهم. وفتنت الْعُيُون من ذهب جِسْمه، ولجين نجمه، بحب الدنير وَالدِّرْهَم، فَإِن انقض فرجم، أَو ريح لما هجم، اعْترض فشفق لَاحَ بِهِ للنجم نجم، واصفر

قيد الأوابد الْحرَّة، وَأمْسك المحاسن، وَأطلق الْغرَّة، وسيل من أَنْت فِي قواد الكتايب وَأولى الْأَخْبَار العجايب، فَقَالَ أَنا الْمُهلب بن أبي صفرَة، نرجس هَذِه الألوان فِي رياض الأكوان، تحيا بِهِ محيا الْحَرْب الْعوَان، أغار بنخوة الصايل، على معصفرات الأصايل، فارتداها، وَعمد إِلَى خيوط [شُعَاع] الشَّمْس، عِنْد جانحة الأمس، فألجم مِنْهَا حلته وأسداها، واستعدت عَلَيْهِ تِلْكَ المحاسن فَمَا أعداها، فَهُوَ أصيل تمسك بذيل اللَّيْل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من القتام ليله، فيحسده فرقد الْأُفق وسهيله. وَأَشْهَب سني من لَونه مفاضة، [وتسربل مِنْهُ] لَامة فضفاضة، قد احتفل زينه لما رقم بالنبال لجيه، فَهُوَ الأشمط الَّذِي حَقه لَا يغمط، والدارع المسارع، والأعزل الذارع، وراقي الهضاب الفارع. ومكتوب الكتيبة البارع. وَأكْرم بِهِ من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السَّابِقين متهالك، وَأَشْهَب يروي من الْخَلِيفَة ذِي الشيم المنيفة عَن مَالك. وحباري كلما سَابق وبارى، اسْتعَار جنَاح الخبارى، فَإِذا أعملت الْحِسْبَة، قيل من هَذَا جَاءَت النِّسْبَة، طرد [النمر لما عظم] أمره وَأمره، فنسخ وجوده بِعَدَمِهِ، [وابتزه الفروة] ملطخة بدمه. وَكَأن مضاعف الْورْد نثر عَلَيْهِ من طبقه، أَو الْفلك لما ذهب الحلك، مزج بَيَاض صبحه بحمرة شفقه، وقرطاسى حَقه لَا يجهل، مَتى مَا ترقى الْعين فِيهِ تسهل، إِن نزع عَنهُ جله، فَهُوَ نجم كُله، انْفَرد بمادة الألوان، قبل أَن [تثريها] الأكوان، وتمزقها أَقْلَام الملوان. تتقدم مِنْهُ الكتيبة المقفلة لِوَاء ناصع، أَو أَبيض مماصع،

لبس وقار الشيب فِي ريعان الْعُمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لما ارتدى بالبياض إِلَى نَغمَة الْخَطِيب. وَإِن تعتب مِنْهُ التَّأْخِير المقتب، قُلْنَا الْوَاو لَا ترَتّب، مَا بَين فَحل وحرة، وبهرمانة ودرة، ويالله من ابتسام غرَّة، ووضوح يمن فِي طرة، وبهجة للعين وقرة. وَإِن ولع النَّاس بامتداح الْقَدِيم، وطمح إِلَى رُتْبَة المخدوم طرف الخديم، وقورن المثرى بالعديم، وبخس فِي سوق الكسد الْكَيْل، ودجا اللَّيْل، وَظهر فِي فلك الْإِنْصَاف الْميل، لما تذوكرت الْخَيل، فجيء بالوجيه والخطار، والزايد وَذي الْحمار، وداحس والسكب، والأبحر وَزَاد الركب، والجموح واليحموم، والكميت ومكتوم، والأعوج والحلوان، ولاحق والغضبان، وعفروز والزعفران، والمحبر واللعاب، والأغر والغراب، وشقلة وَالْعِقَاب، والفياض واليعبوب، وَالْمذهب واليعسوب، والصحون والقطيب، وهيدب والصبيب، وأهلوب وهداج، والحرون والحراج، وعلوي والجناح، والأحوى ومحاح، والعصا والنعامة، والمبلقا والحمامة، وسكاب والجرادة، وخبوصا والعرادة. وَكم بَين الشَّاهِد والغايب، والفروض والرغايب، وَفرق مَا بَين الْأَثر والعيان، غَنِي عَن الْبَيَان، وشتان مَا بَين الصَّرِيح والمشتبه، وَللَّه در القايل " خُذ مَا ترَاهُ، ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ "، والناسخ يخْتَلف بِهِ الحكم، وَشر الدَّوَابّ عِنْد التَّفْضِيل الصم والبكم، إِلَّا مَا رَكبه نَبِي، أَو كَانَ لَهُ يَوْم الافتخار برهَان مرعى، ومفضل مَا سمع على مَا رأى غبي. فَلَو أنصفت محاسنها الَّتِي وصفت، لأقضمت حب الْقُلُوب علفا، وأوردت مَاء الشبيبة نطفا، وتخذت لَهَا من عذر الخدود الملاح عذر موشية، وعللت بصفير ألحان القيان كل عَشِيَّة، وأهلت بِالْأَهِلَّةِ، وغطيت بالرياض بدل الأجلة إِلَى

الرَّقِيق، الخليق بالْحسنِ الْحقيق، تسوقه إِلَى مثوى الرِّعَايَة روقة الفتيان رعاته، وتهدي عقيقها من سبحه أشكالا، تشهد للمخترع سُبْحَانَهُ، بإحكام مخترعاته، وقفت نَاظر الِاسْتِحْسَان لَا يريم لما بهرها منظره الْكَرِيم، وتحامل الظليم، وتضاءول الريم. وأخرص مفوه اللِّسَان [بملكة التِّبْيَان] الحفيظ الْعَلِيم. وناب لِسَان الْحَال عَن لِسَان الْمقَال عِنْد الاعتقال. فَقَالَ يُخَاطب الْمقَام، الَّذِي أطلعن أزهارها غمايم جوده، واقتضت اخْتِيَارهَا بركَة وجوده. لَو علمنَا أَيهَا الْملك الْأَصِيل، الَّذِي كرم مِنْهُ الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل، أَن الثَّنَاء يوازيها، لكلنا لَك بكيلك. أَو الشُّكْر يعادلها أَو يجازيها، لتعرضنا بالوشل إِلَى نيل نبلك، أَو قُلْنَا هِيَ الَّتِي أَشَارَ أَشَارَ إِلَيْهَا مستصرخ سلفك الْمُسْتَنْصر بقوله: " أدْرك بخيلك "، حِين شَرق بدمعه الشرق، وَانْهَزَمَ الْجمع، وَاسْتولى الْفرق، واتسع فِيهِ، وَالْحكم لله، الْخرق، وَرَأى أَن مقَام التَّوْحِيد بالمظاهرة على التليث, وَحزبه الْخَبيث, هُوَ الأولى والأحق. والان قد أغْنى الله بِتِلْكَ النِّيَّة, عَن الأمداد اتِّخَاذ الطوَال الردينية, وبالدعاء من تِلْكَ المثابة الدِّينِيَّة, إِلَى رب البنية عَن الأمداد السّنيَّة, والأجواد تخوض بَحر المَاء " لى بَحر الْمنية, وَعَن الجرد الْعَرَبيَّة فِي مقاود الليوث الأبية, فجدد برسم هَذِه الْهَدِيَّة, مراسم العهود الودية, والذمم الموحدية, لتَكون عَلامَة على الأَصْل, ومكذبة لدعوى الْوَقْف والفصل, وإشعارا بالألفة الَّتِي لاتزال ألفها بحول الله, ألف الْوَصْل, لامها حَرَامًا على النصل.

وَحضر بَين يدينا رَسُولكُم فلَان, فقرر من فَضلكُمْ, مَا لَا يُنكره من عرف علو مقداركم, وأصالة داركم, وفلك أبداركم, وقطب مداركم, واجبنا عَنهُ بِجهْد مَا كُنَّا لنقنع من جناه المهتصر, بالمقتضب الْمُخْتَصر, وَلَا لنقابل طول طوله بِالْقصرِ, لَوْلَا طروء الْحصْر. وَقد كَانَ بَين الأسلاف, رضوَان الله عَلَيْهِم ود أبرمت من أجل الله

معاهدة ووثرت للخلوص الجلى الْمَنْصُوص, مضاجعه القارة ومراقده [وتعاهد بالجميل] توجع لفقده فِيمَا سلف فاقده, أَبى الله إِلَّا أَن يكون لكم الْفضل فِي تجديده, والعطف بتوكيده. فَنحْن الْآن لَا نَدْرِي أَي مكارمكم تذكر, أَو أَي فواضلكم تشرح أَو تشكر. أمفاتحتكم الَّتِي هِيَ عندنَا فِي الْحَقِيقَة فتح, أم هديتكم, وَفِي وصفهَا للأقلام سبح, ولعدو الْإِسْلَام بحكمة حكمتها كبح. إِنَّمَا نكل الشُّكْر لمن يُوفي جَزَاء الْأَعْمَال الْبرة, وَلَا يبخس مِثْقَال ذرة, وَلَا أدنى من مِثْقَال الذّرة, ذى الرَّحْمَة الثرة, والألطاف المستمرة, لَا إِلَه إِلَّا هُوَ.

وَإِن تشوفتم إِلَى الْأَحْوَال الراهنة, وَأَسْبَاب الْكفْر الواهنة, فَنحْن نطرفكم بطرفها, وَهُوَ أننا كَمَا أعادنا الله من التمحيص, إِلَى مثابة التَّخْصِيص, من بعد المرام العويص, كحلنا بِتَوْفِيق الله بصر البصيرة, ووقفنا على سَبيله مساعي الْحَيَاة القصيرة, ورأينا كَمَا نقل إِلَيْنَا, وَكرر من قبلنَا وعلينا, أَن الدُّنْيَا وَإِن غر الْغرُور, وَأقَام على سرر الْغَفْلَة السرُور, فَلم ينفع الخطور على أجداث الزَّمَان. والمرور جسر يعبر ومتاع لَا يغبط, من حبى بِهِ وَلَا يجْبر, إِنَّمَا هُوَ خبر فِيهِ يخبر, وَأَن الْأَعْمَار أَحْلَام, وَأَن النَّاس نيام ووربما رَحل الراحل عَن الخان قد جلله بالأذى وبالدخان, أَو ترك بعده طيبا وثنا يقوم بعده للآتي خَطِيبًا. فَجعلنَا الْعدْل فِي الْأُمُور ملاكا, والتفقد للثغور مسواكا, وضجيع المهاد, حَدِيث الْجِهَاد, وَأَحْكَامه منَاط الِاجْتِهَاد, وَقَوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم﴾ دَلِيل الْإِشْهَاد. وبادرنا رَمق الْحُصُون المضاعة, وجنح

التقية دامس، وعوراته لَا ترد يَد لامس، وساكنها بايس، والأعصم فِي شعباتها من الْعِصْمَة آيس. فرتبنا ببيض الشرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الْفُرَات ركاياها، وغشينا بالصفيح المضاعف أَبْوَابهَا، واحتسبنا عِنْد موفي الأجور ثَوَابهَا، وبيضنا بناصع الكلس أثوابها. فَهِيَ الْيَوْم توهم حسن العيان أَنَّهَا قطع من بيض الْعَنَان، تكَاد تنَاول قرص الْبَدْر بالبنان، متكفلة لِلْمُؤمنِ من قرع الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدونة الْجَيْش عرضا، وفرضنا أنصافه مَعَ الْأَهِلّة فرضا، واستندنا من التَّوَكُّل على الله الْغَنِيّ الحميد إِلَى ظلّ لِوَاء، ونبذنا إِلَى الطاغية عَهده على سَوَاء، وَقُلْنَا رَبنَا أَنْت الْعَزِيز، وكل جَبَّار لعزك ذليل، وحزبك هُوَ الْكثير، وَمَا سواهُ فقليل، أَنْت الْكَافِي، وَوَعدك الْوَعْد الوافي، فأفض علينا مدارع الصابرين، واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظافرين. [وَثَبت اقدامنا، وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين].

فتحركنا أولى الحركات، وفاتحة مصحف البركات، فِي خف من الحشود، واقتصار على من بحضرتنا من العساكر المظفرة والجنود، إِلَى حصن أشر السَّامِي المطل، وركاب الْعَدو الضال المضل، ومهدي نفثات الصل، على لمتناعه وارتفاعه، وَسمر يفاعه، وَمَا بذل الْعَدو فِيهِ من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده، فصلينا عَلَيْهِ بنفسنا ناره، وزاحمنا عَلَيْهِ الشُّهَدَاء نصابر أواره، ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه [المسمومة وجلاسده] الملومة وأحجاره، حَتَّى فرعنا بحول الله،

من لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ، أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عَن الْعباد والبلاد أضراره، بعد أَن أضفنا إِلَيْهِ حصن السهلة جَاره، ورحلنا عَنهُ بعد أَن شحناه رابطة وحامية، [وأوسعناه] أزوادا نامية، وعملنا بيدنا فِي رم مَا ثلم الْقِتَال، وبقر من بطُون مسابقه الرِّجَال، واقتدينا بنبينا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، فِي الخَنْدَق، لما حمى ذَلِك المجال، وَوَقع الارتجاز الْمَنْقُول خَبره والارتحال، وَمَا كَانَ لِيُقِر الْإِسْلَام مَعَ تَركه الْقَرار، وَقد كتب الْجوَار، وتداعي الدعْوَة وتعاون الشرار.

وَقد كُنَّا أغزينا الْجِهَة الغربية من الْمُسلمين، مَدِينَة برغة، الَّتِي سدت بَين القاعدتين رندة ومالقة الطَّرِيق، وألبست ذل الْفِرَاق، ذَلِك الْفَرِيق، ومنعتهما أَن يسيغا الرِّيق، فَلَا سَبِيل إِلَى الْإِلْمَام لطيف الْمَنَام إِلَّا فِي الأحلام، وَلَا رِسَالَة إِلَّا فِي أَجْنِحَة هدى الْحمام، فيسر الله فتحهَا، وَعجل منحها، بعد حَرْب انبتت فِيهَا النحور، وتزينت الْحور. وَتبع هَذِه الْأُم بَنَات شهيرة، وبقع للزَّرْع والضرع خيرة، فشفى الثغر من بوسه، وتهلل وَجه الْإِسْلَام بِتِلْكَ النَّاحِيَة بعد عبوسه. ثمَّ أعملنا الْحَرَكَة إِلَى مَدِينَة أطريرة على بعد المدا، وتغلغلها فِي بِلَاد العدا، واقتحام هول البلا وغول الردى، مَدِينَة تبنتها حمص فَأَوْسَعْت الدَّار، وأغلت الشوار، وراعت الاستكثار، وَبسطت الاعتمار. رجح إِلَيْنَا قَصدهَا على الْبعد، وَالطَّرِيق الْجَعْد، مَا أسفت بِهِ الْمُسلمين، من استيصال طايفة من أَسْرَاهُم، مروا بهَا آمِنين، وبظاهرها المشئوم متيمنين، قد أنهكهم الاعتقال والقيود الثقال، وأضرعهم الأسار، وجللهم الانكسار، فجدلوهم فِي

مصرع وَاحِد، وتركوهم عِبْرَة للرائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إِلَى الْإِسْلَام ثكل الْوَاجِد، وثرة الْمَاجِد. فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لَا يضل وَلَا ينسى. فصبحتها الْخَيل، ثمَّ تلاحق الرجل، كَمَا جن السَّيْل، وحاق بهَا الويل، فأبيح مِنْهَا الذمار، وَأَخذهَا الدمار، ومحقت من مصانعها الْبيض الآهلة، وخسفت الأقمار، وشفيت من دَمًا أَهلهَا الضلوع الجرار، وسلطت على هياكلها النَّار، وَاسْتولى على الْآلَات العديدة من سبيهَا الأسار، وانْتهى إِلَى إشبيلية الثكلى المغار، فجلل وُجُوه من بهَا من وُجُوه كبار النَّصْرَانِيَّة الصغار، واستولت الْأَيْدِي على مَا لَا يَسعهُ الْوَصْف، وَلَا تقله الأوقار. وعدنا وَالْأَرْض تموج سبيا، لم تتْرك بعفرين شبلا، وَلَا بوجرة ظَبْيًا، والعقايل حسرى، والعيون يبهرها الصنع الأسرى [وصبح السرى قد حمد من بعد بعد المسرى، فسبحان الَّذِي أسرى، ولسان الحمية يُنَادي فِي تِلْكَ الْكَنَائِس المخربة والنوادي، بالثارات الأسرى].

وَلم يكن إِلَّا أَن نقلت الْأَنْفَال، ووسمت، ورسمت بالإيضاح الأغفال، وتميزت الهوادي والأكفال. وَكَانَ إِلَى غَزْو مَدِينَة جيان الاحتفال، قدنا إِلَيْهَا الجرد تلاعب الظلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رَضِي بِمَا عندالله واغتباطا، والمهندة الدلق تسبق إِلَى الرّقاب استلالا واختراطا، والردينية السمر تسترط حَيَاتهَا النُّفُوس استراطا. واستكثرنا من عدد الْقِتَال احْتِيَاطًا، وَأَرِحْنَا الْعِلَل عَمَّن أَرَادَ جهادا، منجيا غباره من نَار جَهَنَّم ورباطا، ونادينا الْجِهَاد الْجِهَاد يَا أمة النَّبِي الْهَاد، الْجنَّة الْجنَّة تَحت ظلال السيوف الْحداد، فهز [النداء] إِلَى الله

كل عَامر وغامر، وائتمر الجم من دَعْوَة الْحق إِلَى أَمر آمُر. وَآتى النَّاس من الفجوج العميقة رجَالًا، وعَلى كل ضامر، وكاثرت الرياض أزهار البطاح لونا وَعدا، وسدت الحشود مسالك الطّرق العريضة سدا وَمد بحرها الزاخر مدا، فَلَا يجد لَهَا النَّاظر وَلَا المناظر حدا. وَهَذِه الْمَدِينَة هِيَ الْأُم الْوَلُود، وَالْجنَّة الَّتِي فِي النَّار لسكانها الخلود، وكرسي الْملك، ومجنبته الْوُسْطَى من ذَلِك السلك، باءت باالمزايا العديدة ونجحت، وَعند الْوزان بغَيْرهَا من أمات الْبِلَاد رجحت، غَابَ الْأسود وجحر الْحَيَّات السود، ومنصب التماثيل الهائلة، ومعلق النواقيس الصايلة. وأدنينا إِلَيْهَا المراحل، وعينا ببحار المحلات المستقلات مِنْهَا على السَّاحِل. وَلما اكتسبنا جوارها، وكدنا نلتمح نارها، تحركنا، ووشاح الْأُفق المرقوم بزهر النُّجُوم، قد دَار دايره، وَاللَّيْل من خوف الصَّباح [على سرحه المستباح] قد شابت غدايره، والنسر يرفرف بِالْيمن طايره، والسماك والرماح يثأر بعز الْإِسْلَام ثائره، والنعايم راعدة [فرائص] الْجَسَد من خوف الْأسد، والقوس يُرْسل سهم السَّعَادَة، بِوتْر الْعَادة، إِلَى أهداب النعم الْمُعَادَة، والجوزاء عابرة نهر المجرة، والزهرة تغار من الشعرى، العبور بالضرة، وَعُطَارِد يسدي فِي حَبل الحروب على الْبَلَد المحروب ويلحم، ويناظر أشكالها الهندمية فيفحم، والأحمر يبهر، وَالْعلم [الْأَبْيَض يفري وينهر] وَالْمُشْتَرِي يُبْدِي فِي فضل الْجِهَاد وَيُعِيد، ويزاحم فِي الحلقات على مَا للسعادة من الصِّفَات وَيزِيد، وزحل عَن الطالع منزحل، وَفِي زلق السُّقُوط وَحل، والبدر يطارح حجر المنجنيق كَيفَ يهوى إِلَى النيق، ومطلع الشَّمْس يرقب، وجدار الْأُفق يكَاد بالعيون عَنْهَا يرقب

وَلما فَشَا سر الصَّباح، واهتزت أعطاف الرَّايَات لتحيات مُبَشِّرَات الرياحٍ، أطلنا عَلَيْهَا إطلال الْأسود على الفرايس، والفحول على العرايس، فَنَظَرْنَا منْظرًا يروع بَأْسا ومنعة، ويروق وضعا وصنعة، تلفعت معاقله الشم للسحاب ببرود، ووردت من عذر المزن فِي برود, وأسرعت لاقتطاف أزهار النُّجُوم [والذراع بَين النطاق] معاصم رَود, وبلد يعي الماسح والدراع, وينتظم المجاني والأجارح. فَقُلْنَا اللَّهُمَّ نفله أَيدي عِبَادك وبلادك, وأرنا فِيهِ آيَة من آيَات جهادك. فنزلنا بساحتها العريضة الْمُتُون, نزُول الْغَيْث الهتون, وتيمنا من فحصها الأفيح, بِسُورَة التِّين وَالزَّيْتُون, متبرية من أَمَان الرَّحْمَن للبلد الْمفْتُون, وأعجلنا النَّاس بحمية نُفُوسهم النفيسة, وسجية شجاعتهم البييسة، عَن أَن نبوي لِلْقِتَالِ المقاعد، وندني بأسماع شهير النفير مِنْهُم الأباعد. وَقبل أَن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق رَكْعَتي الْقدوم، فدافعوا من أصحر إِلَيْهِم من الفرسان، وَسبق الى حومة الميدان، حَتَّى أحجروهم فِي الْبَلَد، وسلبوهم لِبَاس الْجلد، فِي موقف يذهل الْوَالِد عَن الْوَلَد، صابت السِّهَام فِيهِ غماما، وطارت كأسراب الْحمام تهدي حَماما، وأضحت القنا قصدا بعد أَن كَانَت شهابا رصدا، وماج بَحر القتام بأمواج النصول، وَأخذ الأَرْض الرجفان لزلزال الصَّباح الْمَوْصُول، فَلَا ترى إِلَّا شَهِيدا تظلل مصرعه الْحور، وصريعا تقذف بِهِ الى السَّاحِل تِلْكَ البحور [ونواشب تبأى] بهَا الْوُجُوه الوجيهة عِنْد الله والنحور. فالمقضب فوده يخصب، والأسمر غصنه يستثمر، والمغفر حماه يخفر، وَظُهُور القسى تفصم، وعصم الْجند الكوافر تفصم، ودرق اليلب فِي المنقلب يسْقط،

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.