من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ابْن عبد الْحق مَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي أَخْبَار سعده توسع الصُّدُور انشراحا، وتطلع فِي ليل الشدائد صباحا، وتورد ظمأ الأمل من موارد السرُور والجذل عذبا قراحا. مقَام مَحل والدنا الَّذِي مناهل ودنا فِيهِ على كدر الزَّمَان صَافِيَة، [وحلل تشيعنا لمقامه الأسمى أذيالها ضافية]، وحظوظ بره الدُّنْيَا نامية وافية، وابتهالنا إِلَى الله فِي اتِّصَال سعده وتيسير قَصده كَافِيَة. السُّلْطَان الكذا، [ابْن السُّلْطَان الكذا، ابْن السُّلْطَان الكذا]، أبقاه الله يَصْحَبهُ من عنايته، سُبْحَانَهُ، ألطاف خافية، وصنايع يكنفها يسر وعافية، حَتَّى تداوى علل الْأَيَّام مِنْهُ سياسة شافية، مُعظم مِقْدَاره الَّذِي يحِق لَهُ التَّعْظِيم، الْمُعْتَرف بفضله العميم، المحافظ على وده الْأَصِيل وَعَهده الْكَرِيم، مُحَافظَة [الْوَلَد الرضي] والصفى المخلص وَالْوَلِيّ الْحَمِيم. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد [إِسْمَاعِيل بن فَرح] بن نصر. سَلام كريم [طيب برعميم يخص مقامكم الأسمى وأبوتكم الفضلى] عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.
أما بعد حمد الله الَّذِي هن توكل عَلَيْهِ، فقد استمسك بالعروة الوثقى، وَمن اعْتمد عَلَيْهِ، فقد ظفر بِمَا هُوَ خير وَأبقى. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد
رَسُوله، منقذ النَّاس، وهم فِي لجة الْجَهْل غرقى، الَّذِي لم ترعه الشدائد، وَقد تبارت كتايبها سبقا، حَتَّى مَلَأت [جهتى] الْمَعْمُور غربا وشرقا. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه الَّذين وفوا بعهده، وسلكوا من اتِّبَاعه من بعده مَذَاهِب وَاضِحَة وطرقا، حَتَّى وجدوا مَا وعد رَبهم حَقًا. والدعا لملككم الْأَعْلَى ومقامكم الأرقى، بالصنع الَّذِي ينْطق أَلْسِنَة الأقلام من بعد الجماح نطقا، ويوسع صدر الْإِسْلَام التئاما ورتقا، ويتكفل لِلْإِسْلَامِ بالعاقبة الْحسنى، الَّذِي لَا يضل بعْدهَا وَلَا يشقى. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عناية مِنْهُ وَاضِحَة الْغرَر، وسعادة يساعدها تصريف الْقدر. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وأبوتكم مُعْتَمدَة بِالْبرِّ الْكَرِيم الْأَثر، والخلوص المنزه على الكدر [وَعِنْدنَا من التَّشَيُّع لمقامكم مَالا تحمله الْأَيَّام إِذا حَالَتْ، وَلَا تميل دعائمه كلما مادت أَو مَالَتْ]، رعيا لفضائلكم الَّتِي سبقت وتوالت، وقياما بِحَق أبوتكم الَّتِي صابت بركتها وانثالت. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا ورد علينا كتابكُمْ المبرور، وخطابكم الْمَأْثُور، يطلع بارجائنا من صنع الله لكم أنوار الْبشر، وينشى سحايب الآلاء هامية الدُّرَر، عرفتمونا فِيهِ بِمَا خول الله سلطانكم من إعزاز الْجَانِب، وإعذاب المشارب، وانجلاء الغياهب، والتئام الجيوش واجتماع الْكَتَائِب، وَأَن الدَّهْر وقف بَين يَدي مقامكم موقف التائب، والسعد قد أبدى لكم وُجُوه الْعَجَائِب، وَأَن قبائل تِلْكَ الْبِلَاد دخلت فِي دين الله بِاتِّبَاع دعوتكم المرضية أَفْوَاجًا، وسلكت من التَّقْوَى وَالْبر منهاجا. وراجعت البصائر الصادقة، وآثرت النعم الْبَالِغَة السَّابِقَة، وشمرت أشياخها إِلَى المناصحة تشمير الْأَحْرَار، وتبادروا إِلَى المدافعة
عَن حمى سلطانكم أكْرم الابتدار، وبذلوا العزائم الَّتِي حكمت لكم بالإعلاء والإظهار، والعز الَّذِي جنوا أفنانه من أَغْصَان الذوابل وأوراق الشفار. وَأَن مقامكم لمن يلْحق بركابه العلى من وُفُود الْعَرَب على قدم الِانْتِظَار. وَقد كُنَّا تعرفنا من كتابكُمْ الْوَارِد قبله بِمَا سناه الله لمقامكم الْعلي من اتساق سعده وانتظامه، واستئناف عزه وإبلال أَيَّامه، واشتمال شَمله على الأميرين الْمُكرمين [الأسعدين الأمجدين الأظهرين] أخوينا أسعدهما الله. ثمَّ عظم الابتهاج بمضمن كتابكُمْ هَذَا الَّذِي قاد إِلَيْنَا السرُور بزمامه. وَاعْلَمُوا أَن مقامكم الأسمى طوق الْبِلَاد وَأَهْلهَا فواضل لَا تفارق أجيادها، وأوسعها أيادي ملكت قيادها، وأوجبت برهَا وشكرها وانقيادها. فَمن وفى بِبَعْضِهَا، وَأقَام بأَدَاء فَرضهَا، فَإِنَّمَا سلك سوا المحجة، وَسلم لصدق الْحجَّة، وَأَوَى من الْبر إِلَى بر يَقِيه غائلة اللجة. وَنحن نقرر لديكم مَا لدينا من المسرة، بعصمة مقامكم الرفيع، ونشكر الله على مَا أسداه لكم من حسن الصَّنِيع، ونهنئكم بتيسير الْعِزّ المنيع، والشمل الْجَمِيع، ونرتقب لِلْإِسْلَامِ ببركة نيتكم الصَّالِحَة، إطلال النَّصْر السَّرِيع، وتمهيد الجناب المريع. وَقد أعلمنَا مقامكم بِمَا كَانَ من أثر نيتكم الصَّالِحَة لِلْإِسْلَامِ، وخواطركم الصافية السِّهَام فِي أَخذ الله تَعَالَى طاغية قشتالة أَشد مَا كَانَ طغيانا، وَأَنه سُبْحَانَهُ أرانا فِيهِ عجائب قدرته عيَانًا، لَهُ الْحَمد على نعمه الَّتِي لَا نطيق لَهَا حسبانا، وَالْآيَة المتواترة مثنى ووحدانا، وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْكَفِيل بِأَن يصل للْجَمِيع عوارف فَضله، ويسلك بِنَا من إعانته وإسعاده أوضح سبله. ووقفنا على مَا أشرتم إِلَيْهِ فِي الأجفان الغزوية الثَّلَاثَة، وَمَا تعرفتم عَن خَبَرهَا، وخاطبكم بِهِ خدامكم [أعزهم الله فِي شان] سفرها. وَالَّذِي عندنَا فِي ذَلِك هُوَ أَن الخواطر مَا بَرحت بِمَا يرضى مقامكم الْكَرِيم معمورة،
والآمال فِي ميدان بركم ممدودة، وَعَلِيهِ مَقْصُورَة، إِلَّا أَن الْعَوَائِق عديدة، وَالْأَحْوَال أزماتها شَدِيدَة، وَالْأَيَّام فِي لبها بالأماني مبدية معيدة، وَفِيمَا سلف كَانَت [الأساطيل المدمرة] تسد المسالك، وتقطع مَا يُرَاد من ذَلِك، وَلما كفى الله تَعَالَى شَره، ودافع ضره، تعرفنا الْآن أَن أجفان سبتة عمر مِنْهَا إِلَى مرسى الجزائر سبع قطعات مَا بَين صَغِير وكبير تحققنا خبر انصرافها إِلَى جهاتكم عصمها الله من خَبِير. وَهَذِه أيدكم الله مَوَانِع لَا تخفى أعذارها، وَلَا يجهل مقدارها، والقلوب بعد لما تَقْتَضِيه الْمَوَدَّة الْكَرِيمَة جانحة، والآمال فِي ميدان ذَلِك غادية ورائحة، وَعِنْدنَا مِنْهُ مَا أَن ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِيره، ضَاقَ ذرع البراعة عَن شرح يسيره، فضلا عَن كَثِيره، لَا كن الْعلم بأصيله وشهيره، يُغني عَن بَسطه وَتَفْسِيره. وَقد حضر بَين يدينا مودى كتابكُمْ إِلَيْنَا خديمكم الأنصح المبرور فلَان، وصل الله حفظه، وأجزل من مواهب السَّلامَة حَظه، وألقينا إِلَيْهِ من جزئيات الْأَحْوَال مَا يلقيه إِلَى مقامكم السَّامِي الْجلَال، وَمَا يتزيد عنْدكُمْ من الأنباء فتعريفنا بِهِ صلَة لعوايد الأفضال مِنْكُم والإجمال. وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم يخص مقامكم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. [وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ عرف الله بركته].
وَمن هَذَا الْغَرَض مَا صدر عني
الْمقَام الَّذِي أقمار سعده فِي انتظام واتساق، وجياد عزه [أس للغاية] القصوى ذَات استباق، والقلوب على حبه ذَات اتِّفَاق، وعناية الله عَلَيْهِ مديدة
الرواق، وأياديه الجمة فِي الْأَعْنَاق ألزم من الأطواق، وَأَحَادِيث مجده سمر النوادي وَحَدِيث الرفاق. مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي شَأْن قُلُوبنَا الاهتمام بِشَأْنِهِ، وَأعظم مطلوبنا من الله سَعَادَة سُلْطَانه، السُّلْطَان أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان أبي سعيد ابْن عبد الْحق، أبقاه الله والصنايع اللآلهية تحط بِبَابِهِ، والألطاف الْخفية تغرس فِي جنابه، والنصر الْعَزِيز يحف بركابه، وَأَسْبَاب التَّوْفِيق مُتَّصِلَة بأسبابه، والقلوب الشجية لَا تُفَارِقهُ مسرورة بإيابه. مُعظم سُلْطَانه الَّذِي لَهُ الْحُقُوق المحتومة، والفواضل الْمَشْهُورَة الْمَعْلُومَة، والمكارم المسطورة المرسومة، والمفاخر المنسوقة المنطومة، الدَّاعِي إِلَى الله فِي وقاية ذَاته المعصومة، وحفظها على هَذِه الْأمة المرحومة. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد [إِسْمَاعِيل ابْن فرج] بن نصر. سَلام كريم [طيب بر عميم، كَمَا سطعت فِي غيهب الشدَّة أنوار الْفرج، وهبت نواسم ألطاف الله عاطرة الأرج، يخص مقامكم الْأَعْلَى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله جالي الظُّلم بعد اعتكارها، ومقيل الْأَيَّام بعد عثارها، ومزين سما الْمُلُوك بشموسها المنجبة وأقمارها، ومريح الْقُلُوب من وَحْشَة أفكارها، ومنشى سَحَاب الرَّحْمَة على هَذِه الْأمة بعد افتقارها وَشدَّة اضطرارها، ومتداركها باللطف الْكَفِيل بتمهيد أوطانها، وتيسير أوطارها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، صفوة النُّبُوَّة ومختارها، ولباب مجدها الباذخ ونجارها، نَبِي الْمَلَاحِم وخائض تيارها، وَمذهب رسوم الْفِتَن، ومطفى
نارها، الَّذِي لم ترعه الشدائد باضطراب بحارها، حَتَّى بلغت كلمة الله مَا شَاءَت من سطوع أنوارها ووضوح آثارها. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، الَّذين تمسكوا بعهده على إحلاء الْحَوَادِث وأمرارها، وَبَاعُوا نُفُوسهم فِي إعلاء دَعوته الحنيفية وإظهارها. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى باتصال السَّعَادَة واستمرارها، وانسحاب الْعِنَايَة الإلآهية وانسدال أستارها، حَتَّى تقف الْأَيَّام بباكم موقف اعتذارها، وَتعرض على مثابتكم ذنوبها، راغبة فِي اغتفارها. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم أوفى مَا كتب لصالحي الْمُلُوك من مواهب إسعاده، وعرفكم عوارف الآلاء فِي إصدار أَمركُم الرفيع وإيراده، وأجرى الْفلك الدوار بِحكم مُرَاده، وَجعل الْعَاقِبَة للحسنى كَمَا وعد فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم [الميسر] للصالحين من عباده. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَيْسَ بِفضل الله الَّذِي عَلَيْهِ فِي الشدائد الِاعْتِمَاد، وَإِلَى كنف فَضله الِاسْتِنَاد، ثمَّ ببركة نبيه الَّذِي وضح بهدايته الرشاد، إِلَّا الصَّنَائِع الَّتِي تشام بوارق اللطف من خلالها، وتخبر سيماها بِطُلُوع السُّعُود واستقبالها، وتدل مخايل يمنها على حسن مآلها. لله الْحَمد على نعمه الَّتِي نرغب فِي كمالها، ونستدر عذب زلالها، وَعِنْدنَا من الاستبشار بانساق أَمركُم وانتظامه، وَالسُّرُور بسعادة أَيَّامه، والدعا إِلَى الله فِي إِظْهَاره وإتمامه، مَا لَا تفي الْعبارَة بإمكانه، وَلَا يتعاطى اللِّسَان حصر أَحْكَامه. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم وَأَعلاهُ، وخار لسلطانكم الرِّضَا وتولاه، فقد علم الْحَاضِر وَالْغَائِب، وخلص الخلوص الَّذِي لَا تغيره الشوائب، مَا عندنَا من الْحبّ الَّذِي صفت مِنْهُ المشارب، والتشيع الَّذِي وضحت مِنْهُ الْمذَاهب. وإننا من لدن اتَّصل بِنَا مَا جرت بِهِ الْأَحْكَام من الْأُمُور الَّتِي صَحِبت مقامكم فِيهَا الْعِنَايَة من الله والعصمة، وجلبت على الْعباد والبلاد الْوِقَايَة
وَالنعْمَة، لَا يسْتَقرّ بقلوبنا الْقَرار، وَلَا تتأتى بأوطاننا الأوطار لما تنتجه لكم الأقدار، ويبرزه من سعادتكم اللَّيْل وَالنَّهَار. ورجاؤنا فِي اسْتِئْنَاف سعادتكم يشْتَد على الْأَوْقَات ويقوى، علما بِأَن الْعَاقِبَة للتقوى، وَفِي هَذِه الْأَيَّام عميت الأنبا، وتكالبت فِي الْبر وَالْبَحْر الأعدا، وَاخْتلفت الْفُصُول والأهوا، وعاقت الوراد الأنوا، وعَلى ذَلِك فَلم يَنْقَطِع من فضل الله الرجا. وَلَو كُنَّا نجد للاتصال بكم سَببا أَو نلقى لإعانتكم مذهبا، لما شغلنا الْبعد الَّذِي بَيْننَا اعْترض، وَلَا الْعَدو الَّذِي بساحتنا خيم فِي هَذِه الْأَيَّام وربض، وَكَانَ خديمكم الَّذِي رفع من الْوَفَاء راية خافقة، واقتنى مِنْهُ فِي سوق الكساد بضَاعَة نافقة، الشَّيْخ [الْأَجَل الْأَعَز المرفع] أَبُو مُحَمَّد بن أجانا، سنى الله مأموله، وبلغه من سَعَادَة أَمركُم سوله، قد ورد على بابنا، وتخير اللحاق بجانبنا، ليتيسر لَهُ من جهتنا عَلَيْكُم الْقدوم، ويتأتى لَهُ بإعانتنا الْغَرَض المروم، فَبَيْنَمَا نَحن نَنْظُر فِي تتميم غَرَضه، وإعانته على الوفا الَّذِي قَامَ بمفترضه، إِذْ اتَّصل بِنَا خبر قرقورتين من الأجفان الَّتِي استعنتم بهَا على الْحَرَكَة، والعزمة المقترنة بِالْبركَةِ، حطت إِحْدَاهَا بمرسى الْمنْكب، وَالْأُخْرَى بمرسى ألمرية، فِي كنف الْعِنَايَة الالآهية، تلقينا فِيهَا من الواصلين بهَا الأنباء المحققة بعد التباسها، وَالْأَخْبَار الَّتِي يُغني نَصهَا عَن قياسها، وتعرفنا مَا كَانَ من عزمكم على السّفر، وحركتكم المقرونة بِالْيمن وَالظفر، وأنكم استخرتم الله فِي اللحاق بالأوطان الَّتِي يُؤمن قدومكم خائفها، ويولف طرائقها، ويسكن راجفها، وَيصْلح أحوالها، ويخفض أهوالها، وأنكم سبقتم حركتها بِعشْرَة أَيَّام، مستظهرين بالعزم المبرور، والسعد الموفور،
واليمن الرَّائِق الثغور، والأسطول الْمَنْصُور، فَلَا تسلوا عَن انبعاث الآمال بعد سكونها، ونهوض طيور الرجا من وكورها، واستبشار الْأمة المحمدية مِنْكُم بقرة أعينها، ومحقق ظنونها، وارتياح الْبِلَاد إِلَى دعوتكم الَّتِي ألبستها ملابس الْعدْل وَالْإِحْسَان، وقلدتها قلائد السّير الحسان، وَمَا مِنْهَا إِلَّا من باح بِمَا يخفيه من وجده، وجهر [بشكر الله وحمده]، وابتهل إِلَيْهِ فِي تيسير غَرَض مقامكم الشهير وتتميم قَصده، واستأنس نور سعده، وَكم مطل الِانْتِظَار بديوان آمالها، والمطاولة من اعتلالها. وَأما نَحن فَلَا تسلوا عَمَّن استشعر دنو حَبِيبه بعد طول مغيبه، إِنَّمَا هُوَ صدر رَاجعه فُؤَاده، وطرف عَاد إِلَيْهِ رقاده، وفكر ساعده مُرَاده، فَلَمَّا بلغنَا هَذَا الْخَبَر، بادرنا إِلَى إنجاز مَا بذلنا لخديمكم الْمَذْكُور من الْوَعْد، واغتنمنا مِيقَات هَذَا السعد، ليصل سَببه بأسبابكم، ويسرع لحاقة بجنابكم، فَعنده خدم نرجو أَن ييسر الله أَسبَابهَا، وَيفتح بنيتكم الصَّالِحَة أَبْوَابهَا وَقد شَاهد من امتعاضنا لذَلِك الْمقَام الَّذِي ندين لَهُ بالتشيع الْكَرِيم الوداد [ونصل على بعد المزار ونزوح الأقطار سَبَب الِاعْتِدَاد مَا يُغني عَن الْقَلَم والمداد]. وَقد ألقينا إِلَيْهِ من ذَلِك مَا يلقيه إِلَى مقامكم الرفيع الْعِمَاد، وكتبنا إِلَى من بالسواحل من ولاتنا، نحد لَهُم مَا يكون عَلَيْهِ عَمَلهم فِي بر من يرد عَلَيْهِم من جِهَة أبوتكم الْكَرِيمَة، ذَات الْحُقُوق الْعَظِيمَة، والأيادي الْحَادِثَة والقديمة، وهم يعْملُونَ فِي ذَلِك بِحَسب المُرَاد، وعَلى شاكلة جميل الِاعْتِقَاد، وَيعلم الله أننا لَو لم تعق الْعَوَائِق الْكَثِيرَة، والموانع الْكَبِيرَة، والأعداء الَّذين دهيت بهم فِي الْوَقْت هَذِه
الجزيرة، مَا قدمنَا عملا على اللحاق بكم، والاتصال بسببكم، حَتَّى نوفي لأبوتكم الْكَرِيمَة حَقّهَا، ونوضح من المبرة طرقها. لاكن الْأَعْذَار وَاضِحَة وضوح الْمثل السائر، ونيتنا لكم يعلمهَا علام السرائر، وَإِلَى الله نبتهل فِي أَن يُوضح لكم من التَّيْسِير طَرِيقا، وَيجْعَل السعد مصاحبا لكم ورفيقا، وَلَا يعدمكم عناية مِنْهُ وتوفيقا، وَيتم سرورنا عَن قريب بتعرف أنبائكم السارة، وسعودكم الدارة، فَذَلِك مِنْهُ سُبْحَانَهُ غَايَة آمالنا، وَفِيه إِعْمَال ضراعتنا وسؤالنا. هَذَا مَا عندنَا بادرنا إعلامكم بِهِ أسْرع البدار. وَالله يوفد عَلَيْكُم أكْرم الْأَخْبَار بسعادة ملككم السَّامِي الْمِقْدَار، وييسر مَا لَهُ من الأوطار. [ويصل سعدكم، ويحرس مجدكم] وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك قولي أَيْضا
الْمقَام الَّذِي لَا تفل الشدائد غرب عزمه، وَلَا تستخف الْحَوَادِث هضبة حلمه، فنفسه الْكَرِيمَة مسلمة لأمر الله السَّابِق فِي علمه، وَنِيَّته الصَّالِحَة تستنجز مِنْهُ سُبْحَانَهُ وعد نَصره، واثقة بِحكمِهِ، وَسعد ملكه قد استقام على رسمه، والدهر قد تَابَ لَدَيْهِ من ظلمه. مقَام مَحل والدنا الَّذِي تشيعنا إِلَيْهِ مشدود الأواخي، وأوامر أبوته مَحْمُولَة لدينا على الْفَوْر لَا على التَّرَاخِي. السُّلْطَان الكذا أبقاه الله مَاضِيَة إِلَى الْأَغْرَاض الْبَعِيدَة سهامه، مسطور فِي صحف الْأَيَّام صبره وحلمه وجوده وإقدامه، مذخورا بجهاد الْكفَّار حسامه، خاضعة لَدَيْهِ بِالتَّوْبَةِ النصوح ليَالِي الدَّهْر وأيامه، حَتَّى تخفق بنصر الْإِسْلَام ألويته وأعلامه، مُعظم مقَامه الَّذِي يجب إعظامه، الْمثنى على فَضله الَّذِي راق قسامه، وتوفرت
أقسامه. الْأَمِير عبد الله [يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج ابْن نصر] سَلام كريم، طيب بر عميم يخصكم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله ولي المحامد على اخْتِلَاف أجناسها، وموضح الْمذَاهب بعد التباسها، وملين صروف الْأَيَّام بعد شماسها، ذُو الألطاف الْخفية عَن الأفكار وقياسها. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد أكْرم الرُّسُل مَا بَين شيثها وإلياسها، شهَاب الْهِدَايَة ونبراسها، الَّذِي باتباعه نختال فِي حلل السَّعَادَة، ونستمتع بلباسها، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، عترة الْحق، المقتدى فِي الْخلق بنداها وبأسها، الَّذين لم يألوا فِي اتِّبَاع مرضاته والتماسها، فهم الْأَنْوَار الَّتِي هديت الْأمة باقتباسها، والتمسك بأمراسها، وَالدُّعَاء لمقام أبوتكم الْعُظْمَى، الَّتِي يبْنى الْمجد الصراح على أساسها، بالنصر الَّذِي ترسم آيَاته فِي أوراق السَّعَادَة وأطراسها، والعزة الَّتِي تقصر أَيدي اللَّيَالِي عَن اختلاسها، وَلَا زَالَت عزماته تفرق الآساد من افتراسها، وَنِيَّته الصَّالِحَة تجتنى ثمار الْأَمَانِي من زاكى غراسها، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم مجدا عَالِيا، وصنعا متواليا، وَعزا حَافِظًا كاليا. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَنعم الله سُبْحَانَهُ بِمَا تعرفناه من خبر ملككم أَعلَى الله سُلْطَانه، ومهد أوطانه، لَا يغب انسكابها، وَلَا يشح سحابها، وعنايته تنسدل عَلَيْهِ أطنابها. وَعِنْدنَا من التَّشَيُّع إِلَى جنابكم الرفيع قدره، الْوَاجِب بره، مَالا تتعاطى الْعبارَة شرح مجمله، وَلَا ينَال اللِّسَان من إيضاحه بعض أمله. فحسبنا نِيَّة يعلمهَا علام السرائر، وَنِيَّة الْمُؤمن خير من عمله. وَكَيف لَا يكون ثناؤنا على معاليكم الباهرة مَقْصُورا، ومسكه فِي جُيُوب
الْآفَاق منثورا. وَقد أسلفتم فِي هَذِه الأقطار الغريبة مَا يسطع نورا، وَرفع للفخر لِوَاء منثورا، عرفكم الله عزا وظهورا، وَجعل رَأْيكُمْ مَأْمُونا وعلمكم منصورا. وَإِلَى هَذَا أدام الله سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا فِي جَمِيع هَذِه الْأُمُور الَّتِي تعاقبت فِيهَا ألوان الزَّمَان وصروفه، وتنكر فِيهَا معروفه، نطوى الصُّدُور على المضض الْأَلِيم، ونرز الْجُيُوب من مساعيكم على مَا يُعلمهُ السَّمِيع الْعَلِيم، ونمدكم من الدُّعَاء بمدد عَظِيم، ونجعل شغل بالنا بِمَا أهمكم هجير الْيَوْم الشامس، وسمير اللَّيْل البهيم. وَلَو استطعنا لأطلعنا عَلَيْكُم ثَمَرَة الِاعْتِقَاد السَّلِيم، والعهد الْكَرِيم، وَمَا غفلنا عَن حث الْكتاب على بعد الشقة، ونزوح الركاب، وعادية الْعَدو وغائلة الْعباب، وَالِاسْتِنْشَاق لنسيم يهب من ذَلِك الجناب، فَتَارَة نتعلل بعليل الْأَخْبَار، ونشم فِي ليل الْخطب بارقة الاستبشار، وَتارَة نطوى الْقُلُوب على أحر من الْجَمْر، ونفوض الْأُمُور إِلَى من بِيَدِهِ ملاك الْخلق وَالْأَمر، وأملنا قوي فِيمَا عودكم الله من الْيُسْر [بعد الْعسر]. ووعد من ينصر دينه من مواعد النَّصْر، إِلَى أَن وصلنا كتابكُمْ الَّذِي هُوَ عندنَا الْوَافِد الْكَرِيم الْوِفَادَة، الْعَظِيم الإفادة على يَدي التَّاجِر النَّصْرَانِي فلَان أكْرمه الله بتقواه فجددنا الْعَهْد بمخاطبتكم الَّتِي فِيهَا لأمراض الْقُلُوب شفا، ولسهر الجفون غفا، عرفتمونا فِيهِ بِمَا سناه الله لكم من الْفضل الْكَبِير، وَأَنه سُبْحَانَهُ يفتح لكم الْأَبْوَاب الَّتِي أبهمت، وَيحل بسعدكم العرى الَّتِي أحكمت، ويصل لكم الْأَسْبَاب الَّتِي فَصمت، وَأَن جيشكم الْمَنْصُور، افْتتح الْمَدِينَة عنْوَة وقهرا وَاسْتولى على
[من كَانَ بهَا] من الفرسان وَالرِّجَال قسرا، وَإِن تِلْكَ الْجِهَات الَّتِي تخالفكم قد اضْطَرَبَتْ [وَعَن هَيْبَة] مقامكم أعربت، وأنكم على قدم الْحَرَكَة الَّتِي جعلتم فِيهَا التَّوَكُّل على الله دَلِيلا [والاستعانة بِهِ وليا] وقبيلا، وَكَانَ بكم، وَقد سلك الله بكم من الظُّهُور واليمن البادي السفور سَبِيلا، فارتحنا لهَذَا النبأ، الَّذِي شفا منا غليلا، وسجب على آمالنا الضاحية ظلا ظليلا، فَجَمِيع مَا ينالكم من عناية الله وتأييده سهمنا فِيهِ الْمُعَلَّى والرقيب، وَلنَا فِيهِ الْحَظ الوافر والنصيب، فأعمالكم فِي هَذِه الأقطار الغريبة لَا تخيب، وَلَا يضيعها الشَّاهِد الرَّقِيب. وخاطبناكم فِي كتَابنَا هَذَا نشكر فِي التَّعْرِيف فضل مجدكم، وَنَحْمَد الله على مَا كيفه من سعدكم، ونسله أَن يبلغكم من عنايته تَمام قصدكم، ونقرر لديكم مَا عندنَا من التَّشَيُّع الَّذِي موارده على كدر الزَّمَان صَافِيَة، وسجيته على تقلبات الْأَحْوَال ثَابِتَة وافية، ومعرفتكم بِمَا تقرر لدينا من ذَلِك عَن تَقْرِيره بِحَمْد الله كَافِيَة. وَإِن ذهب مقامكم حرس الله أكناف جَلَاله، إِلَى مَا يخص هَذَا الْقطر من أَحْوَاله، فَإِن سُلْطَان قشتالة أَصَابَهُ مرض، أفْضى بِهِ إِلَى زمانة مقعدة [وَوَقعت بَينه وَبَين الزعماء القرمانيين وَحْشَة مبرقة مرعدة، أشعلوها ببلادهم، وكشفوا وَجه عنادهم، وسلطان برجلونة يرليان آخر نواحيه. يستدعى قومه إِلَى المفاضة [فِي وَحْشَة وَقعت بَينه وَبَين أَخِيه] وَأهل هَذِه الْبِلَاد المنقطعة، قد أنسوا بوحشة عدوهم، وشاموا بارقة الْأَمْن فِي رَوَاحهمْ وغدوهم، ويرجى أَن يكمل الله سرورهم، ويشرح صُدُورهمْ، بِمَا يتَّصل بهم من وفور نعم الله لديكم، وتوالي غمائم السَّعَادَة عَلَيْكُم. وجهة الغرب لَيْسَ عندنَا فِيهَا زِيَادَة على مَا وصفتهم، وَمَا حدث بِبَعْض جباله من الْحَال الَّتِي تعرفتم، وَمَا أشرتم بِهِ فِي قَضِيَّة من بألمرية حرسها الله من خدامكم، فَلم يمنعهُم من اللحاق بمقامكم إِلَّا مَا يحذر من غائلة
الْبَحْر، الَّذِي عدوه فِي الْوَقْت موفور، واقتحامه مخوف مَحْذُور، وَالله تَعَالَى يمن بِجمع كلمة الْإِسْلَام، وَيعرف أَهله مَا عودهم من نعمه الثرة وآلائه الجسام. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ.
وكتبت فِي ذَلِك
الْمقَام الَّذِي أغراضه موفأة الْحُقُوق، ومخائل بره صَادِقَة البروق، وقواعد وده لَا تعَارض بالفروق، وأنباء مجده تتلى مَعَ الْغُرُوب والشروق. مقَام مَحل أخينا الَّذِي نيتنا فِي وده أبلغ من الْأَعْمَال، وَإِن كَانَت وَالْحَمْد لله بَالِغَة، [وشموس جميل اعتقادنا فِيهِ لَا تزَال لَا يحة بازغة] فَلَا نزال نلبس من موالاته الْكَرِيمَة حلَّة سابغة [ونتعرف مِنْهَا نعما سابغة] السُّلْطَان الكذا [أبي الْحسن] أبقاه الله مَعْرُوف الْحق، حائزا فِي ميدان السَّعَادَة قصب السَّبق، مغيث الْغَيْث صَادِق الْبَرْق، مَعْرُوف الْحلم وَالْفضل فِي الغرب والشرق. مُعظم قدره، وملتزم إعظامه وبره، المثابر على مُوَاصلَة حَمده وشكره، الْأَمِير [عبد الله يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر] سَلام كريم [طيب برعميم] يخص مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله ميسر المآرب، ومبين الْمذَاهب، ونشكره على آلائه الهامية السحايب، حمدا وشكرا، يتكفلان بمزيد الْمَوَاهِب. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا
مُحَمَّد رَسُوله الْهَادِي إِلَى السَّبِيل الْوَاضِح، والنهج اللاحب، الَّذِي بجاهه نعتصم عِنْد النوائب، وببركته نستفتح أَبْوَاب المطالب، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الْكِرَام الْخلال والضرايب، الَّذين خلفوه فِي أمته [بالسير الجميلة والمناقب] ودافعوا أعداءه بالسمر المواضي وَالْبيض القواضب، وَكَانُوا من بعده كَالنُّجُومِ الثواقب، وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى باعزاز الْجَانِب، ولازال حَالا من هضاب الْمجد بِأَعْلَى المراقي والمراتب، متكفلا سعده بعواقب الْحسنى، وَحسن العواقب، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم ... ... .... من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زايد بِفضل الله سُبْحَانَهُ إِلَّا الْخَيْر الواكف الدُّرَر، واليسر الْمشرق الْغرَر. وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَى فَضله. وَعِنْدنَا لكم ود مشرق قسامه، وخلوص وافرة أقسامه، وتشيع تشهد بِهِ ليَالِي الدَّهْر وأيامه، وَإِلَى هَذَا [أيد الله أَمركُم]، [وأعز بتأييده نصركم] فإننا وقفنا على كتابكُمْ الْكَرِيم الْوِفَادَة، السافر عَن السَّعَادَة، الَّذِي وجهتموه مَعَ خديمكم فلَان وصل الله عزته، وتعرفنا بِمَا التمسه من كَانَ بألمرية حرسها الله، من عفوكم الممنوح، وَمَا أظهروه من الطَّاعَة إِلَى على سلطانكم والجنوح، وَمَا ارتاحوا إِلَيْهِ من الْوِفَادَة [على بَابَكُمْ المفتوح] وأنكم بذلتم لَهُم فِي ذَلِك مَا سَأَلُوهُ، وأنلتموهم مَا رغبوه، وَهِي سجية بذرتم فِي أَرض السياسة زَرعهَا، فأينع نَبَاته وأثمر،
وعاملتم فِيهَا الله فزكى فِيهَا المتجر، وخاطبتموهم بمعهود الشَّفَقَة الَّتِي تجبر الْأَحْوَال، وَتجمع الشمل بالأوطان وتخلف الْأَمْوَال. شكر الله ذَلِك الْجلَال، وكافأ ذَلِك الْكَمَال. وأشرتم علينا أَن نعينكم على هَذَا الْغَرَض، ونيسر لكم أَسبَاب الْقيام بِهَذَا الْوَاجِب المفترض، وَلم يصل كتابكُمْ هَذَا بِمَا يُعلمهُ من أوصله من خدامكم، وأولياء مقامكم، إِلَّا وَنحن قد عَملنَا فِيهِ الْعَمَل الَّذِي يرضيكم، وتممنا الأرب بِمَا يحِق لمعاليكم، وألقينا إِلَى الشَّيْخ الْأَجَل أبي ثَابت الهنتاني، أعزه الله، فِي هَذَا الْمَعْنى بالمشافهة مَا يغبطه بالقدوم عَلَيْكُم، والتزام مَا لديكم، وأصحبناه منا مُخَاطبَة فِي شَأْنه إِلَيْكُم. فَانْصَرف عَنَّا قوير الْعين، منشرح الصَّدْر، واثقا بِقبُول مقامكم الرفيع الْقدر، وعينا من أسطولنا من يتَوَلَّى الْخدمَة فِي هَذَا الْأَمر. فَلَمَّا ورد علينا كتابكُمْ الْآن ألفى حَاجَة قد قضيت، ومثابة كَرِيمَة قد أرضيت، وحقوقا وَاجِبَة قد وفيت، وموارد وداد قد أعذبت وأصفيت، والخواطر إِذا طابت كفيلة إِن شَاءَ الله ببلوغ الآمال، والنيات أبلغ من الْأَعْمَال. وَلَو ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِير مَا لدينا فِيكُم من الْحبّ الْوَاضِح الشواهد، والاعتقاد الْكَرِيم الْمَوَارِد، والتشيع الراسخ الْقَوَاعِد، لضاق الْكتاب عَن تَقْرِير مَا لدينا، وَلم يقم بِعشر مَا يخفيه من حبكم مَا أبدينا، وَإِلَى الله نكل الْعلم بذلك، ونسله أَن يسْلك بِنَا من الْإِعَانَة على مَا فِيهِ رِضَاهُ أوضح لمسالك [وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم ويحرس مجدكم] وَالسَّلَام،
وَصدر عني أَيْضا وَكلما تقدم فِي هَذِه التَّرْجَمَة من أوليات مَا كتبت بِهِ
الْمقَام الَّذِي عُقُود سعده متناسقة، ووعود دهره بإعزاز نَصره صَادِقَة،
وجياد مكارمه سَابِقَة متلاحقة، وعناية الله بنودها عَلَيْهِ خافقة. مقَام مَحل أخينا الَّذِي من أنصاره الْقدر وَالْقَضَاء، وَمن خلاله السماحة والرجاحة والمضاء، وَمن سجاياه الصفح والمنح والإغضاء، السُّلْطَان الكذا أبقاه الله، تسطر فِي ديوَان الْمجد أخباره، وتروى على الْأَيَّام مآثره وآثاره. وَيَقْضِي فِي أعدائه وأوليائه اخْتِيَاره، وتمهد أوطانه، وتيسر مآربه وأوطاره. مُعظم مجده الَّذِي تَعْظِيمه حكم لَا يُبدل، وإجلاله فرض لَا يضيع وَلَا يهمل، الْمثنى على مكارمه الَّتِي غمر مِنْهَا الفارض المسبل، وكرم الآخر مِنْهَا وَالْأول. الْأَمِير عبد الله، فلَان بن فلَان. سَلام عَلَيْكُم [يخص مقامكم الْأَسْنَى، ومثابتكم الَّتِي تأسس من أصالتها البني، وتطابق مِنْهَا اللَّفْظ وَالْمعْنَى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله وَاصل أَسبَاب المنن ومواليها، ومسدى الآلاء الرغاب، إِلَى من هُوَ أَحَق بهَا من أهليها، وجامع كَلِمَات الْإِسْلَام، ليرْفَع قَوَاعِده ويعليها، ومجازي من أخْلص النِّيَّة لِعِبَادِهِ بالعناية الَّتِي تروق عُيُون مجتليها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله، ذِي الرسَالَة الَّتِي بهرت معاليها، والآيات الَّتِي لَا يمل تَالِيهَا، على تعاقب العصور وتواليها، حَافظ الْأمة بِمَا عقد من سياج الْعِصْمَة وكاليها، وَنَبِي الرَّحْمَة الَّذِي لَا يزَال فِي حَال الْحَيَاة وَالْمَمَات
يوليها. وَالرِّضَا عَن آله وأسرته وصحابته وعترته الَّذين ذادت عَنهُ بصفاحها الْمَاضِيَة وعواليها، وَكَانَت لأمته من بعده، كَالنُّجُومِ الزاهرة إِذا أربدت لياليها. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى باتصال الصنايع الإلهية، الَّتِي لَا يزَال لِسَان السلوان يُمْلِيهَا، وتوالي السَّعَادَة الَّتِي تبلى الزَّمَان وَلَا يبليها، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا جَدِيدا، وجدا سعيدا، وَلَا أعدمكم فضلا مِنْهُ ومزيدا، وعرفكم عوارف الْيمن كلما رميتم غَرضا بَعيدا. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، ولدينا من جميل الِاعْتِقَاد فِي أصالتكم الرفيعة الْعِمَاد، مَالا يزَال مَوْصُول السَّبَب، وَاضح الْمَذْهَب، متحليا من الصدْق وَالْوَفَاء بالعلا الْمَذْهَب. وَكَيف لَا يكون التَّشَيُّع إِلَى مقَام تِلْكَ الْأُخوة الْكَرِيمَة الَّذِي بِهِ يتجمل، ورواقنا الَّذِي بِهِ نتظلل، وعدتنا الَّتِي بهَا نقُول ونفعل، وَقد تَوَاتَرَتْ من فضائلكم قبلنَا مَا يعجز الشُّكْر وَالْحَمْد، وَيسْتَحق الخلوص والود، أبقى الله مقامكم عدَّة للآمال، متكفلا للدّين ببلوغ الآمال، جليل العلى، عالي الْجلَال، منيل الْمَوَاهِب موهوب النوال، متعرفا عوارف النجح فِي جَمِيع الْأَحْوَال. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وأعز نصركم، فَإِن كتابكُمْ الأكرم، طلع علينا مِنْهُ شهَاب وقاد، وتأرج مِنْهُ لدينا نسيم عطر، خلوص واعتقاد، إجتلينا مِنْهُ أنباء ذَلِك الْمقَام الَّذِي عضد الله لَهُ مصاحب، وسبيل سعده لَا حب، تعرفُون باتصال الْمَوَاهِب، ووضوح الْمذَاهب، واضطراد التَّوْفِيق العذب المشارب، واتساق الْعِنَايَة المتكفلة ببلوغ المآرب. فَسُرِرْنَا بِمَا كَانَ من انتظام النَّصْر لكم واضطراد السعد فِي
مجاله، واستخلاص الْأَمر واستكماله، وسعادة ذَلِك الْملك ونجاح أَعماله، وَسَأَلنَا الله أَن يزيدكم من مواهب أفضاله، ويعرفكم من عوارف الْخَيْر مَا يرْوى الْإِسْلَام بزلاله، ويستند إِلَى أروقته الوارفة وظلاله. فَأنْتم ملْجأ الْمُسلمين إِذا رماهم الْعَدو بأهواله، وناصرهم الَّذِي [يسمع دعاءهم] فيسمح فِي الله بِنَفسِهِ النفيسة وَمَا لَهُ. فكتبنا هَذَا إِلَى مقامكم نقرر من ودكم مَا ثَبت وتقرر، وَتردد وتكرر، وتخلص بالحس والمشاهدة وتحرر. وَقد علم الله وَالنَّاس أَن ودادنا فِيكُم أصفى موردا، وأوضح مقصدا، وَأبْعد فِي مرضات الله أمدا، من أَن يحصره تَقْدِير، أَو يشرحه تَفْسِير، فثقوا بِمَا يسر مِمَّا يتعاقب لديكم من السعد الْجَدِيد، والعمر العريض المديد، ونهنئكم بالصنع السَّامِي الْمجِيد، ونضرع لكم إِلَى الله فِي اتِّصَال الْمَزِيد، ونعلم أَن مَا يترادف لديكم من مواهب الله كَفِيل لمن بِهَذِهِ الجزيرة الغريبة بالنصر والتأييد، وَالله يصل سعدكم، [ويحرس مجدكم] وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وكتبت أَيْضا فِي غَرَض تَقْرِير الْمَوَدَّة
الْمقَام الَّذِي جِيَاد سعده إِلَى الْغَايَة القصوى ذَات استباق، وأكواس فتوحه المؤيدة بِفضل الله وروحه، تحثها أيدى اصطباح واغتباق، وعقود حَمده
ذَات انتظام فِي لبات اللَّيَالِي واتساق، وآثار مجده كواكب آفَاق، وَأَحْكَام وده مَذَاهِب إِجْمَاع وإصفاق، فَلهُ من عناية الله واق، وَمن عصمته أَي رواق، والقلوب على طَاعَته ذَات اتِّفَاق، وجداول سيوفه قد آلت أَلا تبقى على الأَرْض شُعْبَة نفاق. مقَام مَحل أخينا الَّذِي قضايا سعده وجودية منتشرة، ورياح سعده مبشرة، ووجوه الدّين بِمَا ينتجه الله لملكه المكين [من النَّصْر الْعَزِيز وَالْفَتْح الْمُبين] مستبشرة، وقدرة عزمه وصفات كَمَاله على توقد جَلَاله متكثرة، ونهار نَصره آيَاته مبصرة، وَأَقْلَام اللَّوْح الْمَحْفُوظ عِنْد قسم الْحُدُود والحظوظ مطيلة لَا مختصرة، وموارد الْعَيْش الهنى لموارد ملكه السّني بادرة خضرَة. السُّلْطَان الكذا أبقاه الله نَاصِر الْكَلِمَة الْعليا يمهد مِنْهَا الإيالة، ويؤسس لَهَا الْجَلالَة، ويتسدر من صنع الله الزِّيَادَة والإنالة، مُعظم مقَامه التَّعْظِيم الَّذِي لَا يبرح، وناشر كَمَاله الَّذِي طيور حَمده فِي روضات مجده الدَّهْر تسرح، وجياد [ثنايه فِي ميدان علائه] تسرح، وَأَقْلَام إطابة ذكره فِي صحف فخره تطنب وتشرح، فلَان، سَلام كريم طيب بر عميم، كَمَا تأرج غيث السَّمَاء زهره، وفاض للصبح على دوحة اللَّيْل نهره، يخص مقامكم الْأَعْلَى ومثابتكم الفضلى وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي جعل الْفتُوح لملككم ديما تصوب وتنثال، والصنائع عجائب تضربها الامثال، وروى نصركم فِي ولائم النَّصْر الْعَزِيز، والصنع الْوَحْي الوفير، مَا أطمعني وسقاني بعد أَن عظم الاحتفاء والاحتفال، وسماكم
فَارس هَذَا الْملك لما ذكركُمْ لنظم منتشر السلك، فصدقت السمة ونجح الفال. فمهما رمتم غَرضا أَصَابَته شاكلة النبال، وَمهما أثرتم عزما رجفت الجيال، وَمهما أردتم رَأيا نجحت بعده الْأَعْمَال، وَمهما خطبتم عناية الله تسنت مِنْهَا الآمال، وَمهما رمتم وجهة، صحب ركابكم الْيمن والإقبال. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، وَنبيه الَّذِي ختم بِهِ النَّبِيُّونَ والإرسال، الملجأ الَّذِي لَهُ الأفياء الوارفة الظلال، والمورد الَّذِي هُوَ العذب الزلَال، نور الله الَّذِي لَا يُفَارِقهُ التَّمام حسب وعده والكمال، وآيته الَّتِي لَا يلْحقهَا الدُّثُور وَلَا الاضمحلال، الْهَادِي إِلَى الْحق وَقد ارتبك الظلام واشتبك الضلال، صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود إِذا اشْتَدَّ الظمأ وعظمت الْأَهْوَال، والشفاعة المذخورة إِذا شهِدت الْجَوَارِح وحقق الْحساب ودقق السُّؤَال. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه وأنصاره وإشاعه وَأَتْبَاعه وَالصَّحَابَة والآل، سيوف جلاده إِذا اشْتَدَّ النزال، وَالسّنة جداله إِذا انحمى فِي الدّين الْحجَّاج وتعوطى الْجِدَال، والنجوم الزاهرة من بعده فِي سما دينه الَّتِي سمت مِنْهَا الْخلال. فبهم عرف الْحَرَام والحلال، ووضحت الْمَقَاصِد وَزَالَ الْإِشْكَال. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى بالصنع الَّذِي رحب مِنْهُ المجال، والنصر الَّذِي زَان مِنْهُ الْجمال، والعز الَّذِي لَا يرومه الْمقَال، والسعد الَّذِي تساعده الْمطَالع والمواضع والاجتماع والاستقبال، وَلَا زَالَ ملككم يمْضِي مِنْهُ فِي أَعدَاء دين الله النصال، وتخدمه الْبكر وَالْآصَال، ويتجدد بَينه وَبَين عناية الله الِاتِّصَال. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم فتوحا منظومة، ومنوحا بالمزيد موسومة،
وصنايع فِي صحف الْأَيَّام مرسومة، وعناية إلهية منطوقة دلالتها ومفهومة. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَنعم الله واكفة، ومواهبه مترادفة، ومذاهب التَّشَيُّع على رسوم الِاعْتِقَاد الْجَمِيل عاكفة، وركايب الاستمداد بِرُكْن مقامكم الرفيع الْعِمَاد طَائِفَة. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وأعز نصركم، كَمَا شرح لشكر أنعمه صدركم، وَأَعْلَى بإضمار مَا يرتضيه أَمركُم. فإننا ورد علينا كتابكُمْ الْكَرِيم الْوِفَادَة، الَّذِي رقمته أَطْرَاف اليراع، وإنهاء الصناع، وجادته سحائب الإبداع، فجَاء رَوْضَة ذَات إيناع، وَمَا على الصُّبْح غطاء، وَلَا على الشَّمْس قناع. تعرفُون اتساق الطَّاعَة، وخطبة الْبِلَاد الإفريقية لإمرتكم المطاعة، وَمَا كَانَ من دُخُول أَشْيَاخ الْقَبَائِل الَّذين سميتم فِي دينهَا أَفْوَاجًا، وَأَن دَوَاء السياسة الفارسية أوسع أدوائها علاجا، وملأ الْقُلُوب مِنْهَا بعد الْهم ابتهاجا، وأنكم أعدتم حاجبكم إِلَى سد مَدِينَة بجاية بعد الْقدوم عَلَيْكُم بِمن خلصت نِيَّته من أعيانها، وَمَا اعتمدتم بِهِ تِلْكَ المثابة من إحسانها، وَمَا ضمن وَلِيكُم الشَّيْخ أَبُو يَعْقُوب من إصْلَاح شَأْنهَا، وتمهيد أوطانها، وإطفاء نَار عدوانها.
وَمِنْه: وَإِن تشوفتم إِلَى مَا تزيد فِي هَذِه الْبِلَاد من الْأَخْبَار بِمَا يَقْتَضِيهِ فَضلكُمْ الباهر الْأَنْوَار، فاعلموا أَن صَاحب قشتالة توجه فِي هَذِه الْأَيَّام إِلَى بِلَاد [خوان منوال] الَّتِي هلك صَاحبهَا، والتبست مذاهبها لينْظر فِي مصرف أمرهَا، الَّذِي رجعت إِلَيْهِ، وأحكامها الَّذِي توقفت عَلَيْهِ، بعد أَن صَالح القند أَخَاهُ، الَّذِي كَانَ لَهُ حَربًا، وَعَلِيهِ ألبا، وَوجه إِلَيْنَا رَسُوله، يعرفنا بعزمه إِلَى منازلة حصن بلَى الْمُخَالف لطاعته، الْخَارِج عَن حكم جماعته، وَطلب منا مدَدا كثيرا من الرُّمَاة وَالرِّجَال، وإعانة على الْقِتَال. فراجعناه بأننا إِنَّمَا نقف فِي المدد عِنْدَمَا
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع