من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ابْن عبد الْحق مَا نَصه: (٤)
من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَا زايد بِفضل الله، الَّذِي يؤمل بعد وُصُول التَّشَيُّع فِيكُم اتِّصَاله، وَالسير الَّذِي راقت بِفضل الله، ثمَّ ببركة إمارتكم، بكره وآصاله، وحبنا فِيكُم قد تمخض زلاله، ووقفت علينا أماني الدّين وآماله. وَإِلَى هَذَا، وصل الله أَسبَاب سعدكم، وَحفظ علينا، مَا نستعذبه من ودكم، فإننا لَو أمكنا، أَن تكون المراسلة والمخاطبة بَيْننَا وَبَيْنكُم، تَتَرَدَّد مَعَ الأنفاس، فضلا عَن السَّاعَات، لأنضينا ركاب الاستطاعات، واقتنينا من ذَلِك أنفس البضاعات. وَلَكِن الاعذار تتيح التَّأْخِير فِي الْعِبَادَات والطاعات، فضلا عَمَّا للمودة من المراعات. وكنتم عِنْدَمَا أَصَابَكُم التألم الَّذِي توفر فِيهِ الثَّوَاب، وضفت بعد الْعَافِيَة الأثواب، وَردت علينا الْإِشَارَة الْكَرِيمَة بتوجيه طَبِيب دَارنَا كي
يُبَاشر خدمتكم، فِي جملَة من ببابكم من الأطبا والحكما، أولي الْأَلْبَاب. وَوَافَقَ ذَلِك الطَّبِيب الْمَذْكُور، وَقد أَصَابَته شكاية تخبط فِي أشراكها، ونحى منحى الْحَارِث بن همام فِي وطيس عراكها، وَعجز النُّفُوس البشرية عَن الْإِدْرَاك غَايَة إِدْرَاكهَا، وبيد باريها سُبْحَانَهُ أزمة سكونها وحراكها. فَلَمَّا بَان إبلاله، وَظهر استقلاله، صرفنَا مثابتكم الإمارية وَجه ابتداره، وأمرنا بحث تسياره، فتلبيته الندا بذلك مَشْرُوعَة، ودعوته بِكُل فج عميق مسموعة، وَمن أخر وَاجِبا لعذره ثمَّ قَضَاهُ، فَهُوَ كمن أوقعه فِي مِيقَاته الْمُخْتَار وأمضاه. وَغَايَة الطِّبّ كَمَا تقرر غرضان، أَحدهمَا إِزَالَة الْمَرَض، وَرفع السَّبَب الْكَفِيل بِدفع الْعرض، وَثَانِيها حفظ الصِّحَّة بِحَالِهَا، وإيجاد الْأَفْعَال الطبيعية بكمالها. فمذ أغْنى الله عَن الأول بِكَمَال الْعَافِيَة، وانسحاب أثوابها الضافية، وَمن على الْمُسلمين بإتاحة راحتكم بلطائفه الخافية، فَعَسَى أَن يكون لهَذَا الْحَكِيم فِي الْغَرَض الثَّانِي، غنا زَائِد، ونجح بتسني الآمال رائد؛ فَأنْتم مقلة الْإِسْلَام، الَّتِي بهَا يبصر، ومقامكم ومقام أبيكم، هُوَ الْعدة الَّتِي بهَا ينتصر، فَإِن شملتكم الْعَافِيَة، شملت الأقطار وَمن فِيهَا، وَإِذا ألم بكم ألم، أكبت ليديها وفيهَا، فمرضكم يمرضها، وشفاؤكم يشفيها، وَقد حملنَا الإدلال، الَّذِي هُوَ عنوان الوداد، وعلامة خلوص الِاعْتِقَاد، أَن وجهنا إِلَى بَابَكُمْ مَعَه من يتَصَرَّف فِيمَا تعين من هَذِه الْأَغْرَاض من خدمَة، ويتطوق من قبولكم عَلَيْهِ بأعظم نعْمَة، وَذَلِكَ كَذَا من الروميات وَكَذَا من صبيان الرّوم، وَكَذَا من البغلات. وَلَو كَانَ قدركم بِحَيْثُ تلقى هَدِيَّة تناسبه، أَن تُوجد تحفة يكافأ بهَا جَانِبه، لذهبنا مَذْهَب الِاعْتِذَار، واعترفنا بالتقصير فِي حقوقكم الْكِبَار، وَلكنه إِن عظم الْحق الْكَبِير، وَجل أَن يَأْخُذهُ التَّقْدِير، يتساوى فِيهِ الجم واليسير، والتافه والخطير، فَلَيْسَ إِلَّا ود لَا يتهم بِالنَّقْصِ وَالتَّقْصِير جَانِبه، وَلَا ترمى بالالتباس مذاهبه، وَالله تَعَالَى يصله مَحْفُوظًا من الْغَيْر، مكنوفا بِفضل السّير، حَتَّى تَجْتَمِع الْيَد على جِهَاد الْعَدو، وتفوز [تِلْكَ
المثابة الْكَرِيمَة] بالثناء المتلو، وَالْفَخْر المجلو. وَقد ألقينا إِلَى موصله الْحَكِيم الْمَذْكُور من تَقْرِير الود اللّبَاب، والخلوص الوثيق الْأَسْبَاب، بَيَان مَا أجملته عبارَة هَذَا الْكتاب، وفضلكم يتكفل بالإصغاء إِلَى مَا من ذَلِك يوديه، وَالْقَبُول على مَا يُعِيدهُ ويبديه، بِفضل الله سُبْحَانَهُ، وَهُوَ يصل سعدكم ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك
الْمقَام الَّذِي تقلد نَافِلَة الْفضل شفعا، وجود سُورَة الْكَمَال إفرادا وجمعا، وَجمع بَين الْمنح، والتهنئة بِالْفَتْح، فأحرز الْكَمَال أصلا وفرعا، وَاسْتحق الشُّكْر عقلا وَشرعا، وأغرى ايدى جوده بالمقصد الَّذِي هُوَ حَظّ وليه من وجوده، فأثار من جَيش اللقا نفعا، ووسط بِهِ جمعا، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي أَقْلَام مقاصده دربة، بِحسن التوقيع، وعيون فَضله مذكاة لإحكام الصَّنِيع، وعذبات فَضله تنْفق بِذرْوَةِ الْعلم المنيع، ومكارمه تتفنن فِيهَا مَذَاهِب التنويع. أبقاه الله، وألسن فَضله ناطقة، وأقيسه سعده صَادِقَة، وألويته بالنصر الْعَزِيز خافقة، وبضائع مكارمه فِي أسواق الْبر نافقة، وعصائب التَّوْفِيق لركائب أغراضه مُوَافقَة. السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا. سَلام كريم طيب بر عميم، يخص مقامكم الْأَعْلَى، وأخوتكم الفضلى وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، مجل قدركم، وملتزم بركم، وَمُوجب حمدكم وشكركم، فلَان.
أما بعد حمد الله الذى جعل الشُّكْر على المكرمات وَقفا، ونهج مِنْهُ بإزائها، سَبِيلا لَا تَلْتَبِس وَلَا تخفي، وَعقد بَينه وَبَين الْمَزِيد سَببا وحلفا، وَجعل الْمَوَدَّة فِي ذَاته مِمَّا يقرب إِلَيْهِ زلفى، مربح تِجَارَة من قصد وَجهه بِعَمَلِهِ، حَتَّى يرى الشَّيْء ضعفا
وناصر هَذِه الجزيرة من أوليائه الْكِرَام السّير، بِمن يوسعها فضلا وعطفا، ويدنى ثمار الآمال، فنتمتع بهَا اجتناء وقطفا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، النَّبِي الْعَرَبِيّ الْكَرِيم، الرؤوف الرَّحِيم، الَّذِي مد من الرَّحْمَة على الْأمة سجفا، وملأ قلوبها تعاطفا وتعارفا ولطفا، الْقَائِل من أَيقَن بالخلف جاد بِالْعَطِيَّةِ، ووعد من عَامل الله بِرِبْح الْمَقَاصِد السّنيَّة، وَعدا لَا نجد فِيهِ خلفا. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، الَّذين كَانُوا من بعده لِلْإِسْلَامِ كهفا، وعَلى أَهله فِي الهواجر ظلا ملتفا، غيوث الندا، كلما شاموا سماحا وليوث العدا كلما شهدُوا زحفا. وَالدُّعَاء لمقام أخوتكم الأسعد بالنصر الَّذِي يكف من عدوان الْكفْر كفا، وَالْمجد لذِي لَا يُغَادر كِتَابه من المفاخر، الذى ترك الأول للْآخر حرفا. والى هَذَا أيدكم الله بنصر من عِنْده، وَحكم لملككم الأسمى باتصال سعده، وأنجحز فِي ظُهُوره على من عاند أمره سَابق وعده. فإننا نقرر لَدَى مقامكم، وَإِن كَانَ الْغَنِيّ بأصالة عقله، عَن اخْتِلَاف الشَّاهِد وَنَقله، [وجلاء الْبَيَان وصقله] أَن الْهَدَايَا، وَإِن لم تحل الْعين بهَا كلما حلت، أَو تناوبها الاستنزار فَمَا نبهت فِي لحظ الِاعْتِبَار وَلَا جلت، أَو كَانَت زيفا كلما أغرى بهَا الِاخْتِيَار قلت، لَا بُد أَن تتْرك فِي النُّفُوس ميلًا، وَأَن تستدعي من حسن الْجَزَاء كَيْلا، وَأَن تنَال من جَانب التعاطف والتراحم نيلا. وَأي دَلِيل أوضح محجة، وَأبين حجَّة من قَوْله ﷺ، تهادوا تحَابوا، من غير تَبْيِين مِقْدَار، وَلَا إِعْمَال اعْتِبَار، وَلَا تفرقه بَين لجين وَلَا نضار. فَكيف إِذا كَانَت الْهَدِيَّة، فلذة الكبد، الَّذِي لَا يلذ الْعَيْش بعد فراقها، وَلَا تضيء ظلم الجوانح إِلَّا بعد طُلُوع شمسها وإشراقها. وَجمع الشمل الَّذِي هُوَ أقْصَى آمال النُّفُوس الألفة، والنواظر المصاحبة للحنين المحالفة، وَلَا سِيمَا إِذا اقتعدت محمل الهنا، بِالْفَتْح الرَّائِق السنا، وَخفت بهَا
من خلفهَا وأمامها صنايع الْبر وَقَومه الاعتنا، فهناك تَفْخَر ألسن السنا، وتتطابق أَعْلَام الشُّكْر السامية الْبَنَّا، وأننا ورد علينا كتابكُمْ الَّذِي سطره الْبر وأملاه، وكنفه اللحظ وتولاه، ووشحه الْبَيَان وحلاه، مهنئا بِمَا منحه الله ﷻ من رد الْحق، وَتَحْقِيق الْحق، وَتعين الْجمع وَرفع الْفرق، وتطويق الْأمان وأمان الطوق، وإسعاد السعد، وبلوغ الْقَصْد، وَقطع دابر، من جحد نعْمَة الْأَب وَالْجد، وسل سيف الْبَغي دامي الخد، فَالْحَمْد لله حمدا يلهمه ويتيحه، [ونسله أمدادا يسوغه ويسيحه] على أَن أحسن العقبى، وأعقب الْحسنى، وَأرى النعم بَين فُرَادَى وشتى، وَجمع الشمل وَقد تبدد، وجدد رسم السَّعَادَة لهَذَا الْقطر فتجدد، وَأخذ الظَّالِم، فَلم يجد من محيص، وَجمع لنا الْأجر وَالْفَخْر، بَين تَخْصِيص وتمحيص، وقلد برءوس أُولَئِكَ الفجرة الغدرة شرفات الفرضة الَّتِي فرعوها، وأطفأ بمراق دِمَائِهِمْ نَار الضَّلَالَة الَّتِي شرعوها، وَكتب لقبيلكم الْفضل الَّذِي يحمد ويشكر، وَالْحق الَّذِي لَا يحجد وَلَا يُنكر، فَلَقَد أَوَى لما تبرأت الخلصان، وتخفى عِنْد مَا تنكر الزَّمَان، وَسبب الإدالة، وطلوع الْأَصَالَة، وَالْجَلالَة، حَتَّى فرج الله الْكُرْبَة، وَأنس الغربة، وأقال العثرة، وَتقبل الْقرْبَة، لَهُ الْحَمد على آلائه وصلَة نعمايه ملْء أرضه وسمائه، وَوصل صحبته الْوَلَد مكنوفا بجناح اللطف، ممهدا لَهُ ببركتكم مهاد الْعَطف، فبرزنا إِلَى تلقيه تنويها بهديتكم وإشادة، وإبداء فِي بركم وإعادة، وأركبنا الْجَيْش الَّذِي آثرنا لحين استقلالنا عرضه، وقررنا بِمُوجب الِاسْتِحْقَاق فَرْضه، فبرز إِلَى الفضاء الأفيح، حسن التَّرْتِيب، سافرا عَن المرأى العجيب. وَلَوْلَا الحنين الَّذِي تَجدهُ النُّفُوس للأبناء وتستشعره، والتشوق للقاء الَّذِي لَا يجحده منصف
وَلَا يُنكره، لما شقّ علينا طول مقَامه فِي حجركم، وَلَا ثواؤ لصق أريكة أَمركُم، فجواركم مَحل لاستعادة رسوم الْإِمَارَة، وَتعلم السياسة والإدارة حَتَّى يرد علينا يقدم كَتِيبَة جهادكم، ويقود إِلَيْنَا طَلِيعَة نصركم إيانا وإمدادكم. فَنحْن الْآن نشكر مقاصدكم الَّتِي اقْتضى الْكَمَال سياقها، وزين الْمجد آفاقها، وقدرها فأحكم طباقها، ونقرر لديكم أَن حظنا من ودادكم، ومحلنا من جميل اعتقادكم، حَظّ بَان رجحانه وفضله، وَلم يتأت بَين من سلف من السّلف مثله، من الصُّحْبَة فِي الْمنزل الخشن، وَهِي الْوَسِيلَة، وَفِي رعيها تظهر الْفَضِيلَة، والاشتراك فِي لَازم الْوُصُول إِلَى الْحق، وَضم أشتات الْخلق، والمودة الْوَاضِحَة الطّرق إِلَى مَا بَين السّلف من الود الآمن بدره من الكلف، المذخور إذمته للخلف، فَإِذا كَانَت الْمُعَامَلَات جَارِيَة على حَسبه، وشعبها رَاجِعَة إِلَى مذْهبه، جنى الْإِسْلَام ثَمَرَة حافلة، واستكفى الدّين إياله كافلة. فَالله ﷿ يمهد الْبِلَاد بيمن تدبيركم، وَيجْرِي على مهيع السداد جَمِيع أُمُوركُم، ويجعلكم مِمَّن زين الْجِهَاد عواتق أَعماله، وَكَانَ رضَا الله أقْصَى آماله، حَتَّى تربى مآثركم على مآثر سلفكم، الَّذِي عرف هَذَا الوطن الجهادي أمدادهم، وشكر جهادهم، وَقبل الله فِيهِ أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ، وَحسن من أَجله معادهم. وَقد حضر بَين يدينا رَسُولكُم الَّذِي وجهتم الْوَلَد أسعده الله إِلَى نظره، وتخيرتموه لصحبة سَفَره، فلَان. وَهُوَ من الْأَمَانَة وَالْفضل، والرجاحه وَالْعقل بِحَيْثُ طابق اختياركم، وَاسْتحق إيثاركم. فأطنب فِي تَقْدِير مَا لديكم من عناية بِهَذِهِ الأوطان، عينت الرفد، وَضربت الْوَعْد، وأخلصت فِي سَبِيل الله الْقَصْد، وَغير ذَلِك مِمَّا يُؤَكد الْمَوَدَّة المستقرة الْأَركان، على التَّقْوَى والرضوان. فأجبناه بأضعاف ذَلِك مِمَّا لدينا لديكم، وقابلنا بالثناء الْجَمِيل قَوْلكُم وعملكم، وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
الْأَبْوَاب الَّتِي تفتح لنصرها أَبْوَاب السَّمَاء، وتستدر من آفاقها سَحَاب النعماء، وتجلى بأنوار سعدها دياجي الظلماء، وتعرف نكرَة الْعباد والبلاد بالانتساب إِلَى محبتها، والانتماء، على اخْتِلَاف الْعرُوض، وتباين الْحُدُود، وتعدد الْأَسْمَاء، وتجتزئ من صَلَاة صلَاتهَا عِنْد الْمَوَانِع من كَمَال حالات صفاتها بِالْإِيمَاءِ، وَتحمل لَهَا التَّحِيَّة ذَات الدسر والألواح، طاعنة نحر الصَّباح على كبد المَاء [أَبْوَاب] السُّلْطَان الْكَبِير الْجَلِيل الشهير الظَّاهِر الطَّاهِر الأوحد الأسعد الأصعد الأمجد الْأَعْلَى، الْعَادِل الْعَالم الْفَاضِل الْكَامِل، سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، عماد الدُّنْيَا وَالدّين، رَافع ظلال الْعدْل على الْعَالمين. جمال الْإِسْلَام، علم الْأَعْلَام، فَخر اللَّيَالِي وَالْأَيَّام، ملك البرين والبحرين (إِمَام الْحَرَمَيْنِ)، مُؤَمل الْأَمْصَار والأقطار، عاصب تَاج الفخار، هازم الفرنج وَالتّرْك والتطار، الْملك الْمَنْصُور ابْن الْأَمِير الرفيع المجادة، الْكَرِيم الْولادَة، الظَّاهِر الطَّاهِر، الْكَبِير الشهير، الْمُعظم الممجد الأسمى الموقر الْأَعْلَى، فَخر الْملَّة، سيف الْأمة، تَاج الْإِمَارَة، عز الْإِسْلَام، مستظل الْأَنَام، قمر الميدان، أَسد الْحَرْب الْعوَان الْمُقَدّس، المطهر، الْأَمِير أَحْمد بن وَالِد السلاطين وَملك الْمُسلمين، وَسيف خلَافَة الله على الْعَالمين، وَولي الْمُؤمنِينَ، سُلْطَان الْجِهَاد وَالْحج، ومقيم رسم العج والبج والثج، مُحي
معالم الدّين، قامع الْمُعْتَدِينَ، قاهر الْخَوَارِج والمتمردين، نَاصِر السّنة، مُحي الْملَّة، ملك البرين والبحرين، سُلْطَان الْحَرَمَيْنِ، الْملك الْعَادِل الْعَالم الْعَامِل الطَّاهِر الظَّاهِر، الأسعد الأصعد الأوحد، الْأَعْلَى، الْمَنْصُور الْمُؤَيد المعان، المرفع الْمُعظم المبجل، الْمُجَاهِد المرابط الْغَازِي، الممجد المكمل المطهر، الْكَبِير الشهير، الْمُقَدّس الْملك النَّاصِر، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قلاون الصَّالِحِي، جعل الله قسطاس دَعوته معمودا بعمود الصُّبْح، وحركات عزمه مَبْنِيَّة على الْفَتْح، ومجمل سعادته غَنِيا عَن الشَّرْح، وجياد أَوْصَافه متبارية فِي ميدان الْمَدْح، وزناد آرابه وارية عَن الْقدح. مُوجب حَقه وجوب الشعائر الْخمس، المرحب لأجل أفقه الشَّرْقِي بوفادة الشَّمْس، المجدد فِي الْيَوْم حكم مَا تقرر بَين السّلف، ﵀، فِي الأمس، أَمِير الْمُسلمين بالأندلس، عبد الله الْغَالِب بِهِ، مُحَمَّد بن يُوسُف بن إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر. سَلام كريم طيب كَمَا زحفت راية الصَّباح، تقدمها طلائع مُبَشِّرَات الرِّيَاح، تفاوح زهر الأدواح، وتحاسن طرر الْوُجُوه الملاح، يخص أبوتكم، الَّتِي رتب الْعِزّ فصولها، [وعضدت نُصُوص النّظر فصولها]، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الذى جعله فَاتِحَة الْقُرْآن، وخاتمة دَعَا أهل الْجنان، وشكره على مَا أولى من مواهب الْإِحْسَان حمدا وشكرا، استخدما زمر الْإِحْسَان، ملكتي الْقلب وَاللِّسَان. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله، زهرَة كمامة الأكوان، وَسيد ولد آدم، على اخْتِلَاف اللُّغَات والألوان، الَّذِي أذلّ بعزة الله أنوف الطغيان، وغطى بِدِينِهِ الْحق على الْأَدْيَان، زويت لَهُ الأَرْض، فَرَأى ملك أمته، يبلغ مَا زوى لَهُ، فَكَانَ الْخَبَر وفْق العيان، وَالرِّضَا عَمَّن لَهُ من الْأَصْحَاب والأحباب والأعمام والأخوال والإخوان، صَلَاة يجددها الجديدان، ويمليها
الملوان، وتتزاحم على تربته المقدسة مَعَ الأحيان، مَا سجعت طيور البراعة فِي أغماد اليراعة على الأفنان، والتفتت عُيُون الِالْتِفَات من بَين أجفان الْبَيَان. وَالدُّعَاء لمقام أبوتكم الشَّرِيفَة، جعل الله عصمته يُقيم بهَا وظيفتي الحجابة والاستئذان، وَضرب بدعوتها الَّتِي هِيَ لِدَة الْإِمَامَة وَالْأَذَان على الآذان، واستخدم بِروح الْفلك الدوار فِي أمرهَا الْعَزِيز الْأَنْصَار والأعوان، حَتَّى يعْمل فِي المدافعة عَن حماها مخالب السرحان، وَفِي الإشادة بعدلها كفتى الْمِيزَان، وَيهْدِي لَهَا من الزهرة كرة الميدان، وَمن الْهلَال عوض الصولجان، وَأبقى فِي عواملها ضمير الْأَمر والشان، إِلَى يَوْم تعنى وُجُوه الْمُلُوك إِلَى الْملك الديَّان. فإننا كتبناه إِلَى تِلْكَ الْأَبْوَاب، كتب الله لعتبها النَّصْر الدَّاخِلَة، كَمَا أخجل بمكارمها السَّحَاب الباخلة، وَجعل مفارق مناصلها المختضبة، من نجيع عَداهَا، عين الناصلة، وَقرن بِكُل سَبَب من أضدادها فاصلة.
من دَار ملك الْإِسْلَام بالأندلس، حَمْرَاء غرناطة، وصل الله سُبْحَانَهُ عَادَة الدفاع عَن أرجائها، وَشد بأيدي الْيَقِين عرى أملهَا فِي الله ورجائها حَيْثُ المصاف الْمَعْقُود، وَثمن النُّفُوس المنقود، ونار الْحَرْب ذَات الْوقُود، حَيْثُ الْأُفق قد تردى بالقتام وتعمم، وَالسيف قد تجرد وَتيَمّم، وغبار الْجِهَاد يَقُول أَنا الْأمان من دُخان جَهَنَّم، حَيْثُ الْإِسْلَام من عدوه، كَالشَّامَةِ من جلد الْبَعِير، وَالتَّمْرَة من أوسق العير، حَيْثُ المصارع تتزاحم الْحور على شهدائها، والأبطال يَعْلُو بِالتَّكْبِيرِ مسمع ندائها، حَيْثُ الْوُجُوه الضاحكة المستبشرة قد زينتها الكلوم، وفر عَن سماتها اللوم، ودارت بهَا الْجَوَامِع تواريها، وسلمت مِنْهَا النُّفُوس إِلَى الله مشتريها، حَيْثُ لَا آله إِلَّا الله قد اقتطعها عَمَّن وَرَاءَهَا، بَحر يزخر، وَكفر عَن الْإِقْدَام
عَلَيْهَا لَا يتَأَخَّر، وَكلمَة بِتَثْلِيث الله تَفْخَر، [تَعَالَى الله عَن ذَلِك]، وَأمة لَا تصون نفوسها عَن الْمَوْت وَلَا تذخر. وَعِنْدنَا من التَّعْظِيم لتِلْك الْأَبْوَاب، مَا لَو اعتقدته الرِّيَاح لسكنت وقارا، أَو الأفلاك مَا الفت مدارا، توسع عَن أنبائكم مطالع الصَّباح استخبارا، ونستهدي لطائفها أنفاس الرِّيَاح أصائل وأسحارا، ونقنع بِالْقَلِيلِ قنوع الْمُحب إِذا لم يجد مزارا، ونعد من الِاسْتِغْرَاق بجهاد المُرَاد المراق عَن مراسلة تِلْكَ الْآفَاق أعذارا، لَا يوسعها الْحق إِلَّا قبولا وإيثارا. وَلما ضَاقَ نطاق الصَّبْر عَن ذَلِك عَمَّا يواريه، وَأصْبح بَين خجل يلقيه، وأمل يغريه، وبرى اليراع [إِلَى مَكَّة] شوق كَاد يفنيه عَمَّن يبريه، أصدرنا هَذِه المخاطبة الحمرا، قد ورد خدها الخجل، وَقصر عَن الْقيام بعذرها الْمَرْوِيّ والمرتجل، تنوب عَن الْكَلَام بِالْإِشَارَةِ، وَتخَاف الرَّد لإغفال الزِّيَارَة. واقفة بِبَاب الإيوان، متقاصرة بدارة الخوان عَن رتب الإخوان، قصاراها تَحْصِيل الإغضا عَن قُصُورهَا، وَرفع الإهمال عَن سورها، والارتما عَن غربتها، وَبعد رتبتها، ورعى وسيلتها وقربتها. فلتنعم الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة، بالإصغاء، وليلغ عَن بَاب الإلغا، ولتعلم مجالسها الممهدة على التَّقْوَى المؤسسة، وحلومها المشرقة المقدسة، أَن هَذَا الْقطر الَّذِي أفضت إِلَيْنَا رعاياه، ومهدت لسياستها أكوار مطاياه، وَجعلت بيدنا، والْمنَّة لله، عباب عطاياه، قطر مُسْتَقل بِنَفسِهِ، مرب يَوْمه فِي الْبر على أمسه، زكي المنابت، عذب المشارب، متمم المآمل، مكمل المآرب، فاره الْحَيَوَان، معتدل السّمن والألوان، وسيطة فِي الأقاليم السَّبْعَة، شاهدة لله بِأَحْكَام الصَّنْعَة، أما خيله ففارهة، وَإِلَى الركض شارهة، وَأما سيوفه فلمواطن الغمود كارهة، وَأما أسله فَحسن النَّعْت، لين الْعَطف، وَأما أسنته فمتداركة الخطف، وَأما عوامله فَبَيِّنَة الْحَذف، وَأما نباله فمحذورة الْقَذْف،
إِلَّا أَن الْإِسْلَام فِي سفط مَعَ الْحَيَّات، ودريئة للمنيات الوحيات، وهدفا للنبال، وأكلة للسبال، تَطَأهُمْ الغارات المتعاقبة، وتتخيفهم الْحُدُود المصاقبة، وتجوس خلالهم الْعُيُون المراقبة، وتريب من أشكال مختطهم، إِلَّا بِفضل الله الْعَافِيَة. فَلَيْسَ إِلَّا الصَّبْر، وَالضَّرْب الهبر والهنى والتبر والمقابلة والجبر. وَقد حَال الْبَحْر بَينهم وَبَين إخْوَان ملتهم وأساة علتهم، يقومُونَ بِهَذَا الْغَرَض عَن أهل الأَرْض، ويقرضون ملك يَوْم الْعرض أحسن الْقَرْض، فلولا بعد المدى، وغول الردى، ولغط العدا، وَمَا عدا عمائدا، لسمعتم تَكْبِير الحملات، وزئير أسود تِلْكَ الفلات، ودوى الحوافر، وصليل السيوف من فَوق المقاصر، وصراخ الثكالى، والارتفاع إِلَى الله تَعَالَى، وَلَو ارْتَفع قيد الْمَكَان، وَهُوَ للأولياء مثلكُمْ، من حيّز الْإِمْكَان. لمغلتم مقل الأسنة الزرق، حَالَة من أَطْرَاف قضب الرماح محَال الْوَرق، وأبصرتم القنا الخطار قد عَاد أخله، وَالسُّيُوف قد صَارَت فَوق بدور الْحُدُود أهلة، وعقود الشَّهَادَة عِنْد قَاضِي السَّعَادَة مُسْتَقلَّة. وَكَانَ كَمَا تحضره علومكم الشَّرِيفَة، حذق سُورَة الْفَتْح، وَآخر دلاء ذَلِك الْمنح، عرض على الْفَارُوق فاحتاط، وأغرى بِهِ من بعده فاستشاط، واختط وخاط، وسرحت خيل ابْن أبي سرح، فِي خبر يَدْعُو إِلَى الشَّرْح، حَتَّى إِذا ولد مَرْوَان تقلدوا كربتها الَّتِي هوت، وخضموا مَا أنضجت وَرَثَة الْحق وشوبت، ويدهم على الْأَمر احتوت، وفازت مِنْهُ بِمَا نَوَت، نفل ولايده الْوَلِيد، وجلب لَهُ الطارف والتليد، وطرقته خيل طَارق، وَضَاقَتْ عَن أخباره المهارق، وجلت الْفَائِدَة، وَظهر على الذَّخِيرَة الَّتِي مِنْهَا الْمَائِدَة. ثمَّ استرسل المهب، وَنصر الرب، وَيكثر الطير حَيْثُ ينتشر الْحبّ، وصرفت أسراب الشَّام أعفتها إِلَى التمَاس خَيره، وطارت
بأجنحة الغرام تيمنا بطيره، وقصدته الطَّلَائِع صُحْبَة بلج بن بشر وَغَيره ففتحت الأقفال، [ونفلت الْأَنْفَال، ونجح الفال] ودسمت الأغفال، وافتتحت الْبِلَاد الشهيرة، وانتقيت العذارى الْخيرَة [واقتنيت الذَّخِيرَة] وَتجَاوز الْإِسْلَام الدروب وتخطا، وخضد الأرطى وأركب وأمطى، واستوثق واستوطى، وتثاءب وتمطى، حَتَّى إِذا تعدّدت مراحل الْبَرِيد، وسخنت عين الشَّيْطَان المريد، واستوسق الْإِسْلَام ملك ضخم السرادق، مرهوب البوارق، رفيع الْعمد، بعيد الأمد، تشهد بذلك الْآثَار وَالْأَخْبَار، والوقائع الْكِبَار، والأوراق والأسطار، وَهل يخفي النَّهَار. وَلكُل هبوب ركود، والدهر حسود لمن يسود، فراجعت الفرنج كرتها، واستدركت معرتها، فدوخت جوارحها. وحلقت، وأومضت بوارقها وتألقت، وتشبثت وتعلقت، وارسلت الأعنة وأطلقت، وراجعت العقائل الَّتِي طلقت، حَتَّى لم يبْق من الْكتاب إِلَّا الْحَاشِيَة، وَلَا من اللَّيْل إِلَّا الناشية، وَسَقَطت الغاشية، وأخلدت ألفية المتلاشية، وتقلصت الظلال الفاشية. إِلَّا أَن الله تدارك بِقوم [رجح] من سلفنا، استثبتوا فِي مستنقع الْحَرْب أَقْدَامهم، وَأَخْلصُوا لله بأسهم وأقدامهم، ووصاوا سيوفهم الباترة بخطاهم، وَأَعْطَاهُمْ منشور الْعِزّ من أَعْطَاهُم، حَتَّى تعين الدّين وتحيز، واشتهر بالموافقة وتميز، وعادت الحروب سجالا، وَعلم الرّوم أَن لله رجَالًا. وَقد أوفد جدنا ﵁، على أَبْوَاب سلفكم من وقائعه فِي الْعَدو كل منتشره، ووجودية نتشرة، ضحِكت لَهَا ثغور الثغور. وسرت فِي الأعطاف حميا
السرُور، وَكَانَت الْمُرَاجَعَة عَنْهَا شفا بالصدور، وتمائم فِي الدّور، وخفرا فِي وُجُوه البدور. فَإِن ذمام الْإِسْلَام مَوْصُول، وفروعه تجمعها فِي الله أصُول، وَمَا أقرب الْحق مِمَّن دَاره صول، وَالْملَّة والْمنَّة لله وَاحِدَة، والنفوس لَا مُنكرَة للحق وَلَا جاحدة، والأقدار مَعْرُوفَة، والآمال إِلَى مَا يُوصل إِلَى الله مصروفة، فَإِذا لم يكن الاستدعاء أمكن الدعا، والخواطر فعالة، وَالْكل على الله عَالَة، وَالدّين غَرِيب، والغريب يحن إِلَى أَصله، والمرء كثير بأَخيه على بعد مَحَله. وَلما صير الله إِلَيْنَا تراثهم الهنى، وَأمرهمْ السنى وبناءهم العبادى [وملكهم الجهادى] أجرانا وَله الطول على سُنَنهمْ، وَرفع أعلامنا فِي هضابهم المشرقة وقننهم، وحملنا فهم خير حمل، ونظم لنا بهم أَي شَمل، وألبس أيامنا سلما فسيح الإثارة، وَأحكم الإدارة، وَهنا الْإِمَارَة وَمكن الْعِمَارَة، وَأمن فِي الْبر وَالْبَحْر السيارة والعبارة، لَوْلَا مَا طرقهم فِيهَا من تمحيص [أجلى عَن تَخْصِيص، وتمحض بتره بعد تَخْلِيص] ومرام عويص، نبثكم بثه، ونوالي لديكم حثه، ونجمع منبثة. فَإِن [فى قصّ] الْحَوَادِث ذكرى، ومعروف الدَّهْر لَا يومن أَن يكون نكرا، وَشر الْوُجُود معاقب بخيره، والسعيد من اتعظ بِغَيْرِهِ، والحزم أفضل مَا إِلَيْهِ ينتسب، وعقل التجربة بالمران يكْتَسب وَهُوَ أَن بَعْضًا مِمَّن ينتسب إِلَى بيتنا بوشايج الأعراق، لَا بمكارم الْأَخْلَاق، ويمت إِلَيْنَا بِالْقَرَابَةِ الْبَعِيدَة، لَا بالنصبة السعيدة، مِمَّن كفلناه يَتِيما، وصناه
ذَمِيمًا شتيما، وبوأناه مبوأ كَرِيمًا، بعد أَن نَشأ حرفوشا ذَمِيمًا، وملعونا لئيما، ونوهناه من خموله بِالْولَايَةِ، ونسخنا حكم تسحبه بِآيَة الْعِنَايَة، دَاخل أَخا لنا، كُنَّا ألزمنا الِاقْتِصَار على قصره، وَلم نجْعَل أَدَاة تدل على حصره، وسامحناه فِي كثير من أمره، وَلم نرتب بزيده وَلَا عمره، واغتررنا برماده على حجره، فاستدعى لَهُ من الصعاليك شيعته كل درب بفك الأغلاق، وتسرب انفاق النِّفَاق، وخارق للْإِجْمَاع والاصناق، وخبير بمكايد الخراب ومذاهب الْفُسَّاق، وتسور بهم القلعة من ثلم شرع فِي سَده بعد هده، وَلم تكمل الأقدار المميزة فِي حَده، فِي لَيْلَة آثرنا مبيتها بِبَعْض الْبَسَاتِين خَارج قَصرنَا، واستنبنا من يضطلع بأمورنا، فَاسْتَتَمَّ الْحِيلَة الَّتِي شرعها، واقتحم القلعة وافترعها، وجدل حرسة الْعَوْرَة وصرعها، وكبس مَحل النَّائِب عَنَّا وحدله، وَلم ينشب أَن جدله، واستخرج الْأَخ اليايس فنصبه، وَشد بِهِ تَاج الْولَايَة وعصبه، وابتز أمرنَا وغصبه، وتوهم النَّاس أَن الْحَادِثَة على ذاتنا قد تمت، والدبرة بِنَا قد ألمت، وَلَقَد هَمت بخذل النَّاصِر وانقطعت الأواصر، وأقدم المتقاصر، واقتحمت الأبهاء والمقاصر، وَتَفَرَّقَتْ الْأَجْزَاء وتحللت العناصر، وفقد من عين الْأَعْيَان النُّور الباصرة فَأَعْطوهُ طَاعَة مَعْرُوفَة، وأضحت الْوُجُوه إِلَيْهِ مصروفة، وركضنا وسرعان الْخَيل تقفو أثر شجاتنا والظلام يخفيها، وتكفي علينا السَّمَاء وَالله يكفيها، إِلَى أَن خلصنا إِلَى مَدِينَة وَادي آش خلوص الْقَمَر من السرَار، لَا نملك إِلَّا نفسا مسلمة لحكم الأقدار، ملقية لله مقادة الِاخْتِيَار، مسلوبة الْملك [والبل د والأهل] وَالْولد والشعار والأثار، لَا تعرف سَببا لنكث الْعَهْد من بعد الْعَمَل بِمُوجبِه والاستقرار. وناصحنا أهل الْمَدِينَة فعملوا على الْحصار، واستبصروا
فِي الدفاع عَنَّا أتم الاستبصار، وَرَضوا لبيوتهم المصحرة، وبساتينهم المستبحرة، بِفساد الْحَدِيد وعياث النَّار، وَلم يرْضوا لجوارهم بالإخفار، وَلَا لنفوسهم بالعار. إِلَى أَن كَانَ الْخُرُوج عَن الوطن بعد خطوب تسبح فِيهَا الأقلام سبحا طَويلا، وتوسعها الشجون شرحا وتأويلا، ويلقى الْقَصَص مِنْهَا الْأَذَان قولا ثقيلا، وجزنا الْبَحْر، وضلوع موجه إشفاقا علينا تخفق، وأكف رياحه حسرة تصفق، ونزلنا من جناب سُلْطَان بني مرين على المثوى الَّذِي رحب بِنَا ذرعه، وَدلّ على كرم الاصول فرعة، والكريم الَّذِي وهب فأجزل، وَنزل لنا عَن الصهوة وتنزل، وَخير وَحكم، ورد على الدَّهْر الَّذِي تهكم، واستعبر وَتَبَسم، وآلى وَأقسم، وبسمل وَقدم، واستركب لنا واستخدم. وَلما بدا لما وَرَاءَنَا سيئات مَا اكتسبوا، وحققوا مَا حسبوا، وطفا الغثا ورهبوا، وَلم ينشب الشقى الجرى أَن قتل البائس الَّذِي مده بزيفه، وطوقه بِسَيْفِهِ، وَدلّ ركب المخافة على خيفة، إِذْ أَمن الْمَغْصُوب من كَيده، وَجعل ضرغامه بازيا لصيده، واستقل على أريكته اسْتِقْلَال الظليم، على تريكته، حاسر الهامة، متنفقا بالشجاعة والشهامة، مستظهرا بِأولى الْجَهَالَة والجهامة، وَسَاءَتْ فِي محاولة عَدو الدّين سيرته. وَلما حصحص الْحق انتكثت مريرته، وخبثت سَرِيرَته، وارتابت لحينه المستور جيرته، وفغر عَلَيْهِ طاغية الرّوم فَمه فالتهمه، وَمد عَلَيْهِ الصَّلِيب ذراعه فراعه، وَشد عَلَيْهِ الْكفْر يَده، فَمَا عضده الله وَلَا أيده، وتخرمت ثغور الْإِسْلَام بعد انتظامها، وَشَكتْ إِلَى الله باهتضامها، وغصت بأشلاء عباد الله وعظامها ظُهُور أوضامها، وركلت السّنة وَالْجَمَاعَة، وانقطعت من النجح الطَّاعَة، واشتدت المجاعة، وطلعت
شمس دَعوتنَا من الْمغرب، فَقَامَتْ عَلَيْهَا السَّاعَة، وأجزنا الْبَحْر تكَاد جهتاه تتقارب تيسيرا، ورياحه لَا تعرف فِي غير وجهتنا مسيرًا. وَكَأن مَاءَهُ ذوب لَقِي إكسيرا. ونهضنا يتقدمنا الرعب، ويتبعنا الدعا، وتحاجى بِنَا الْإِشَارَة ويحفزنا الاستدعاء، وأقصر الطاغية عَن الْبِلَاد، بعد أَن ترك ثغورها مهتومة، والإخافة عَلَيْهَا محتومة، وطوابعها مفضوضة، وَكَانَت بِنَا مختومة. وَأخذت الخائن الصَّيْحَة، فاختبل، وَظهر هوره الَّذِي عَلَيْهِ جبل، فَجمع أوباشه السفلة وأوشابه، وطرقه الَّذِي غش بِهِ المخض وشابه، وَعمد إِلَى الذَّخِيرَة، الَّتِي صانتها الأغلاق الحريزة، والمعاقل العزيزة، فَمَلَأ بهَا المناطق، واستوعب الصَّامِت والناطق، والوشح والغراطق، وَاحْتمل عدد الْحَرْب والزينة، وَخرج لَيْلًا عَن الْمَدِينَة، واقتضت آراؤه الفائلة، وهامته الشايلة، ودولة بغيه الزائلة، أَن يقْصد طاغية الرّوم بقضه وقضيضه، وأوجه وحضيضه، وطويله وعريضه، من غير عقد اقْتضى وثيقته، وَلَا أَمر عرف حَقِيقَته، إِلَّا مَا أمل اشْتِرَاطه من تَبْدِيل الْكَلِمَة، واستئصال الْأمة الْمسلمَة، فَلم يكن إِلَّا أَن تحصل فِي قَبضته، ودنا من مَضْجَع ربضته، وَاسْتَشَارَ نصحاه فِي أمره، وَحكم الْحِيلَة فِي جِنَايَة غدره، وشهره بِبَلَدِهِ، وَتَوَلَّى بعد قَتله بِيَدِهِ، وَألْحق بِهِ بِعَبْد جَمِيع من أمده فِي غيه، وَظَاهره على سوء سَعْيه. وَوجه إِلَيْنَا برءوسهم، فَنصبت بمشور غدرها، وقلدت لبة تِلْكَ البنية بشذرها، وأصبحت عِبْرَة للمعتبرين، وَآيَة للمبصرين وأحق الله الْحق بكلماته، وَقطع دابر الْكَافرين. وَعِنْدنَا إِلَى أريكة ملكنا، كَمَا رَجَعَ الْقَمَر إِلَى بَيته، بعد كيتة وكيته، أَو العقد إِلَى جيده، بعد انتشار فريده، أَو الطير إِلَى وَكره، مفلتا من غدر الشّرك ومكره، ينظر النَّاس
إِلَيْنَا بعيون لم تَرَ مُنْذُ غبنا من محيا رَحْمَة، وَلَا طمثت عَلَيْهَا بَعدنَا غمامة نعْمَة، وَلَا باتت للسياسة فِي ذمَّة، وَلَا ركنت لدين وَلَا منَّة. فطوينا بِسَاط العتاب طى الْكتاب؛ وعاجلنا سطور الْمُؤَاخَذَة بالإضراب، وأنسنا نفوس أولى الِافْتِرَاق بالاقتراب، وسهلنا الْوُصُول إِلَيْنَا، واستغفرنا الله لنفسنا وَلمن جنى علينا، فَلَا تسلوا عَمَّا آثَار ذَلِك من اسْتِدْرَاك نَدم، ورسوخ قدم، واستمتاع بِوُجُود بعد عدم. فسبحان الذى يمحص ليثيب، وَيَأْمُر بِالدُّعَاءِ فيجيب، وينبه من الْغَفْلَة ويهيب، ويجتبي إِلَيْهِ من يَشَاء، وَيهْدِي إِلَيْهِ، ينيب. ورأينا أَن نطالع علومكم المشرفة [بِهَذَا الْوَاقِع] تسييبا للفاتحة الْمُعْتَمدَة، وتمهيدا للموالاة المجددة، فأخبار الأقطار مِمَّا تنفقه الْمُلُوك على أسمارها، وترقم ببدائعه هالات أقمارها، وتستفيد مِنْهُ حسن السّير، والأمان من الْغَيْر، وتستعين على الدَّهْر بالتجارب، وتستدل على الشهد بالغائب. وبلادكم ينبوع الْخَيْر وَأَهله، ورواق الْإِسْلَام الَّذِي يأوى قَرِيبه وبعيده إِلَى ظله. ومطلع نور الرسَالَة، وأفق الرَّحْمَة المنثالة، تقوم علينا الْكَوَاكِب تضرب آباط أفلاكها، وتتخلل مداريها المذهبة غداير أحلاكها، وتستدعي البدور، ثمَّ يَدْعُو بهَا إِلَى الْمغرب الْخُدُور، وتطلع الشموس متجردة من كمام لَيْلهَا، متهادية فِي دكان ميلها، ثمَّ تسحب إِلَى الْغُرُوب فضل ذيلها. وَمن تلقائكم ورد الْعلم وَالْعَمَل، وأرعى الهمل. فَنحْن نستوهب من مظان الْإِجَابَة لديكم، دُعَاء يقوم لدينا مقَام المدد، ويعدل مِنْهُ الشَّيْء بِالْمَالِ وَالْعدَد، فَفِي دُعَاء الْمُؤمن، يظْهر الْغَيْب مَا فِيهِ، وَالله يعلم مَا يبديه العَبْد وَمَا يخفيه، وإياه نسل أَن يدْفع عَنَّا وعنكم عوادي الْفِتَن، وغوائل المحن،
ويحملنا على سنَن السّنَن، ويلبسنا من تقواه أوفى الجنن، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل لأبوابكم سَعْدا تستقل لَدَى قَاضِي الْقُضَاة رسومه، فتكتب حُقُوقه، وتكبت خصومه، وَلَا تكلفه الْأَيَّام وَلَا تسومه، بِفضل الله وعزته، وَكَرمه ومنته. وَالسَّلَام الْكَرِيم، الطّيب الْمُبَارك، بدءا بعد عود، وجودا أثر جود، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك
من الْأَمِير فلَان أيده الله وَنَصره. وَأَعْلَى نَصره وأظهره. إِلَى ولينا فِي الله الَّذِي لَهُ الْقدر الرفيع المناصب، وَالْمجد السَّامِي الذوائب [، والسياسة الَّتِي أَخْبَارهَا سمر الْمشَاهد، وحدو الركائب، الشَّيْخ الْجَلِيل، الْكَبِير الشهير، الْهمام الخطير، الأمضى الرفيع، الْأَعْلَى الأمجد الأوحد، الأصعد الأسعد، الأرقى، الطَّاهِر الظَّاهِر الْفَاضِل الباسل، الأرضى الأنقى، الْمُعظم الموقر المبرور، علم الاعلام، سلالة أكَابِر أَصْحَاب الإِمَام. معيد دولة التَّوْحِيد إِلَى الانتظام، أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن الشَّيْخ الْجَلِيل الْكَبِير الشهير الْمَاجِد الخطير الرفيع، الأسعد الامجد، الحسيب الْأَصِيل، الطَّاهِر الظَّاهِر، الأرضى الأمضى، الْأَفْضَل الْأَكْمَل، الْمُعظم الْمُقَدّس المرحوم أَبى الْعَبَّاس بن تيفرا جين، وصل الله لَهُ عزة تناسب شهرة فَضله، وسعادة تتكفل لَهُ فِي الدَّاريْنِ برفعة مَحَله. سَلام كريم يخص مجادتكم الفاضلة، ورتبتكم الحافلة، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي يمحص ليثيب، وَيَأْمُر بالاستقالة ليجيب، ويعقب ليل الشدَّة بصبح الْفرج الْقَرِيب، ونجني من شجر التَّوَكُّل عَلَيْهِ، وَالتَّسْلِيم إِلَيْهِ ثَمَر الصنع العجيب، وَيظْهر العبر مهمى كسر ثمَّ جبر، لكل عبد منيب
وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي نلجأ إِلَى ظلّ شَفَاعَته فِي الْيَوْم العصيب، ونستظهر بجاهه على جِهَاد عَبدة الصَّلِيب، ونستكثر بمدد بركاته فِي هَذَا الثغر الْغَرِيب، ونصول مِنْهُ على الْعَدو بالحبيب. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، نُجُوم الْهِدَايَة من بعده، ولأمته من الأفول والمغيب. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عزة مُتَّصِلَة، وعصمة بالأمان من نوب الزَّمَان متكفلة. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله الَّذِي لطف وجبر، وَأظْهر فِي الْإِقَالَة وَحسن الإدالة العبر، وَجَعَلنَا مِمَّن كتب لَهُ العقبى لما صَبر، إِلَّا الْخَيْر الَّذِي كسا الألطاف الْجَبْر، والصنع الَّذِي صدق الْخَبَر وَالْخَبَر. وَالْحَمْد لله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، ولمكانتكم عندنَا الْمحل الَّذِي قررت شهرة فَضلكُمْ قَوَاعِده، وأعلت مصاعده، وَأثبت التَّوَاتُر شواهده إِذْ لَا نزال نتحف [بسيركم الَّتِي هِيَ] فِي التَّدْبِير أثر يَقْتَضِي، وَعلم يسترشد إِذا الْعلم اختفى والسبيل عَفا، وَإِن تِلْكَ الدولة بكم استقام أودها، وَقَامَت وَالْحَمْد لله عمدها، وَإِنَّكُمْ رعيتم فِي الْبَنِينَ حُقُوق آبائها، وحفظتم عَلَيْهَا مِيرَاث عليائها، وَلَو لم تتصل بِنَا أنباؤكم الحميدة، وآراؤكم السديدة، بِمَا يُفِيد الْعلم بِفضل ذاتكم، ويقوى قوى الِاسْتِحْسَان بصفاتكم، لغبطنا بمخاطبتكم ومفاتحتكم مَا نجده من الْميل إِلَيْكُم طبعا وجبلة، من غير أَن نعتبر سَببا أَو عِلّة، فالتعارف بَين الْأَرْوَاح لَا يُنكر، والْحَدِيث الْكَرِيم يُؤَيّد مَا من ذَلِك ينْقل وَيذكر، وبحسب ذَلِك نطلعكم على غَرِيب مَا جرى بِهِ ملكنا الْقدر، وَحَيْثُ بلغ الْورْد، وَكَيف كَانَ الصَّدْر، وَرُبمَا اتَّصَلت بكم الْحَادِثَة الَّتِي أكفاها على دَار ملكنا من لم يعرف غير نعمتنا غاديا، وَلَا برح فِي جَوَانِب إحسانها رايحا وغاديا، يَتِيم حجرها
الكافل، ورضيع درها الحافل، الشقى الخاسر الخائن، الغادر مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل المستجير بِنَا من لوم غدره، الْخفية عَنَّا حيل مكره، الخمول قدره، إِذْ دَعَاهُ محتوم الْغدر [ليهلك] إِلَى أَن يهْلك وسولت لَهُ نَفسه الأمارة بالسوء أَن يملك أخانا الخاسر ثمَّ يملك. وَسُبْحَان الَّذِي يَقُول يَا نوح إِنَّه لَيْسَ من أهلك. وَكَيف تمّ لَهُ مَا أبرمه من تسور الأسوار، واقتحام الْبَوَار، وتملك الدَّار، والاستيلاء على قطب الْمدَار. وإننا كنفتنا عصمَة الله بمتحولنا الَّذِي كَانَ بِهِ ليلتئذ مَحل ثوائنا، وكفت الْقُدْرَة الإلهية أكف أَعْدَائِنَا، وخلصنا غلابا بِحَال انْفِرَاد إِلَّا من عنايته وَنعم الرفيق، وَصدق اللجأ إِلَى رَحمته الَّتِي ساحتها عَن مثلنَا لَا تضيق، مهمى تنكر الزَّمَان وتفرق الْفَرِيق، وشرذمة الْغدر تَأْخُذ علينا كل فج عميق، حَتَّى أوينا من مَدِينَة وَادي آش إِلَى الْجَبَل العاصم من الْحَادِث القاصم، وَالْحجّة المرغمة أنف المخاصم، ثمَّ أجزنا الْبَحْر بعد معاناة خطوب، وتجهم من الدَّهْر وقطوب، وبلى الله هَذَا الوطن بِمن لَا يُرْجَى لله وقارا، وَلَا يألوا لشعائره المعظمة احتقارا، فأضرمه نَارا، وجلل [وُجُوه] وجوهه خزيا وعارا، ثمَّ انتهك الْبَاطِل حماه، وَغير اسْمه ومسماه، وبدد حاميته المتجبرة وشذبها، وسخم دواوينه الَّتِي محصها التَّرْتِيب والتجريب وهذبها. وَأهْلك نفوسها وأموالها، وأساء لَوْلَا تدارك الله أحوالها. وَلما تَأذن ﷻ فِي إِقَالَة العثار، ودرك الثار، وأنشأت نواسم رِضَاهُ إدامة الاسْتِغْفَار، ورأينا أَن قلادة الْإِسْلَام قد أذن انتثارها وَالْملَّة الحنيفية كَادَت تذْهب آثارها، وَسَائِل الْخلاف يَتَعَدَّد مثارها، وَجعلت الملتان نحونا تُشِير، وَالْملك يأمل أَن يوافيه بقدومنا البشير، تحركنا حَرَكَة خَفِيفَة تشعر أَنَّهَا حَرَكَة لِلْفَتْحِ، ونهضنا نَبْتَدِر مَا كتب الله من الْمنح، وَقد
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع