تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

بَاب بَيَان قدر رُتْبَة الوزارة فِي الأقدار وَبَعض شُرُوط الِاخْتِيَار (٣)

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي بكر بن الْحَكِيم

ماجد أَقَامَ رسم الْمجد بعد عفائه، وَأَيْقَظَ طرفه بعد إغفائه، مَحَله مَحل ضيفان، ومنزع جفان، ومنهل وَارِد، ومظنة ضال من الْعلَا وشارد، مثواه لَا يَخْلُو عَن قرى جزيل، لقاصد ونزيل، إِلَى غير ذَلِك من التحلي بحلية الْآدَاب، والمبادرة

إِلَى اكْتِسَاب المعلوات والانتداب. برز فِي حمل الحَدِيث وَرِوَايَته، واجتنى ثَمَرَة رحْلَة أَبِيه وَهُوَ فِي حجر دايته، وَدون الْآن الفهارس، وأحيى الْأَثر الدارس، وارتقى من الْبِدَايَة إِلَى الْمحل النبيه، وَاسْتحق رتبتها من مَحل أَبِيه، فأينع روضه وتأطر، وتأرج دوحه وتعطر. وَله شعر أنيق الْحِلْية، جَار فِي نمط الْعلية، وسيمر فِي أَثْنَائِهِ مَا يدل على قدره، وَيشْهد بسعة صَدره.

وَفِي وصف أبي جَعْفَر بن صَفْوَان المالقى

فَارس البلاغة الْمعلم، وَحجَّة الْأَدَب الَّتِي تسلم، والبطل الَّذِي لَا ترد شياة نَقده، وَلَا تحل مبرمات عقده، من جهبذ رَاض صعاب الْبَيَان وساسها، وميز أَنْوَاعهَا وأجناسها، وَأحكم ضروب الْعبارَة ونظم قياسها، إِلَى ذهن يَأْتِي الغوامض فتنبلج، ويقرع أَبْوَاب المعميات فيلج، وهمة يود فرقد السما وسهاها أَن تبلغ مُنْتَهَاهَا. أَخذ من الْفُنُون بِنَصِيب، وَرمى فِي أغراض التعاليم بِسَهْم مُصِيب، فركض فِي مجالها، ورحل إِلَى لِقَاء رجالها. ودعى لأوّل أمره للكتابة لما اشتهرت براعته، وأثمرت بالمعاني الغريبة يراعته، فَأجَاب وامتثل، وراش سِهَام بَيَانه ونثل، ثمَّ كرّ والدولة قد رجفت مِنْهَا الْقَوَاعِد، وأنجزت بإدالتها المواعد، فاصطنعته الدولة الإسماعيلية لجنابها، وقلدته سر كتابها، والهيجاء تَدور رحاها، والأمور لَا يتَبَيَّن منحاها، فَلَمَّا وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا، وخفضت الْأُمُور أزارها، آثر الرُّجُوع إِلَى وَطنه، وأجرى هَوَاهُ فِي ذَلِك فضل رسنه، وضلت الْخدمَة عَنهُ فَمَا نشدها، وَقصر نَفسه على مَا يُقيم أودها، وَلم يثن بعد الْكر عنانه، وَلَا أعمل فِي خدمَة ملك بنانه، وكل مَا صدر عَنهُ من نظم تروق أسرته، وتتشوق إِلَيْهِ تيجان الْملك وأسرته، فالتصوف مجاله، وَفِي غَرَضه رويته وارتجاله.

وَفِي وصف أبي إِسْحَق بن زَكَرِيَّا

حَامِل لِوَاء الْخط، وَالْمُنْفَرد بِأَحْكَام الْمشق والقط، وَمن تفْتَقر إِلَى بنانه المخاطبات السلطانيات افتقار الْمَشْرُوط إِلَى الشَّرْط. شَدِيد التحفظ، مُقَدّر الْكَلَام حِين التَّلَفُّظ، عَظِيم البشاشة وَالْبر أَمِين على السِّرّ، إِلَى نفس مجبولة على الْخَيْر، وأخلاق حَسَنَة السِّيرَة، رفيعة السّير، وحياء كثف جلبابه، وسد فِي وَجه الدنية بَابه، وكلف بِالْعلمِ وأوضاعه، والتطلع على رقاعه، ويكفيه فضلا لَا تخبو آثاره، وَلَا يخفى مناره، مَا خلد من كَلَام شيخ الْجَمَاعَة، وَعلم الصِّنَاعَة، فقد أودعهُ بطُون الأوراق، وَجمعه بعد الِافْتِرَاق، وأطلع نوره بَادِي الْإِشْرَاق، وألبس الْأَيَّام بِهِ حللا أبهى من حلل صنعا الْعرَاق، وَالشعر وَإِن كَانَ قَلِيلا مَا يعْنى بإجادة صناعته، ومعاناة بضاعته، فحظه مِنْهُ لطيف الهبوب، حسن الأسلوب،

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق بن الْحَاج

طلع شهابا ثاقبا، وَأصْبح بِشعرِهِ للشعرى مصاقبا، فنجم فبرع، وتمم الْمعَانِي واخترع، وكلف بالآداب، وَهُوَ غُلَام يافع، وَله من الْحسن لكل قلب شَافِع، فأترع كأسه، ونضد ريحانه وأسه، وَنبهَ للصبوح من بعد الذكرى باسه. وَلم يزل دوحه يتأرج، وعقايل بدايعه تتبرج، حَتَّى دعى للكتابة، وترشح لتِلْك المثابة، فطرز المهارق برقوم أقلامه، وشنف المسامع بدرر كَلَامه، وأزمع للرحيل، لما خَافَ على بضائعه الضّيَاع، فَركب الْفلك وَشرع الشراع، فحج وزار، وَشد للطَّواف الْإِزَار، ثمَّ هفا إِلَى الْمغرب وحوم، وقفل قفول النسيم على الرَّوْض بعد مَا تلوم، فاستقر تَحت ظلال الدولة الموحدية، فحط بهَا على نَار الْقرى وَحمد عِنْدهَا صباح السرى، ثمَّ لم يلبث أَن تنقل وَوجد الْجَحِيم فعافه وتنقل، وَهُوَ الْآن فِي جملَة كتاب الْمغرب، حساما فِي البلاغة دامي المضرب.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم بن قُطْبَة

سَابق ركض مجلى، وشارق طلع فتجلى، وفاضل تخلق من الْخلال البارعة بِمَا تحلى، أَتَى من أدواته بالعجايب، وَأصْبح صَدرا فِي الْكتاب وَسَهْما فِي الكتايب، وَكَانَ أَبوهُ ﵀، بِهَذِهِ الْبِلَاد قطب أفلاكها، وواسطة أسلاكها ومؤتمن أملاكها، وَصدر رجالها، وَولى ربات حجالها، فَصدق يقينه ومحافظته على أَرْكَان دينه، قد نثل بنيه سَهْما سَهْما، وخبرهم براعة وفهما، وألقاه بَينهم مَاضِيا شهما، فدمر مِنْهُ نجيبا، وَدعَاهُ إِلَى الْجِهَاد، فألفى مِنْهُ سميعا مجيبا، فصحب السَّرَايَا الْمُغيرَة، وَحضر من المواقع الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة، وباشر الْحَرْب وبأسها، وَنَازع ذَلِك الشّرْب كأسها، وعَلى مصاحبة الْبعُوث وجوب السهول والوعوث فَمَا رفض البراعة للياتر، وَلَا ترك الدفاتر للزمان الفاتر. وَلم يزل يبهر بأدواته، وينتج البدايع بَين قلمه ودواته، فَإِن خطّ، فاخر ببراعة الْخط، إِلَى خلق سَلس المقادة، وَنَفس للمكارم منقادة، وأدب بديع الْمَقَاصِد، قَاعد للمعاني بالمراصد، واستأثرت بِهِ الْكِتَابَة الرفيعة السُّلْطَانِيَّة، فشعشع أكواسها وعاطاها، وَكَانَ من تِلْكَ القلادة الرفيعة وسطاها، وَله همة يحسدها فرقد الْأُفق وثرياه، وَكِتَابَة تنَازع الرَّوْض طيب رياه

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي بكر الْقرشِي

قريع مجد وَحسب، مُتَقَدم على تَأَخّر زَمَانه بِذَات ومنتسب، من دوحة الشّرف الَّذِي لَا يذوي نظيرها، ونبعة الدّيانَة الَّتِي لَا يغيض نميرها، إِذا ذكر الصالحون فحيها بعمر ووالده، وَأكْرم بطارفه وتالده، أصبح لمهبة الظّرْف ناسما، فَلَا تَلقاهُ إِلَّا ضَاحِكا باسما، إِلَى حلاوة الضرايب، والشمايل، وَالْأَدب المزري بأزهار الخمايل، فَمَا شيت من مداعبة تمتزج بالنفوس، ومحاورة تزري

بالكوؤس، وأدب عذب مذاقه، واعترف بِهِ فرسَان الْكَلَام وحذاقه، وَمَعَان جَاءَت من السهولة بِمَا تَقْتَضِيه أخلاقه، وعفاف ضفت أذياله، وظرف صفت جرياله،

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن جزى

فرع مجد سبق، وثاقب طلع فَجلى الغسق، وأديب فرع من الْأَدَب كل شَاهِق، وَحدث عَمَّا بَين عَاد وبنيه، وصدغاه فِي خدى غُلَام مراهق، فبذ أقرانه وأترابه، وأجال فِي ميدان الْفُنُون عرابه، فَأصْبح نادرة أَوَانه، وواسطة عقد أخوانه، فَهُوَ النبيه، الَّذِي قل لَهُ الشبيه، والوجيه الَّذِي قصر عَن لحاقه الْوَجِيه، إِذا ذكرت الغرائب قَالَ أَنا لَهَا، وَلَو تعلّقت الغوامض بِالثُّرَيَّا لنالها، إِلَى خلق أعذب من الضَّرْب وأشهى من بُلُوغ الأرب، ونبل لَا تطيش نباله عَن غَرَض، وذكا يكْشف كل مُشكل مهما عرض، وَله أدب تود الْعُقُول محَاسِن شذوره، وتقصر الصُّدُور عَن أعجازه وصدوره، وتتضاءل أهلة الْمعَانِي عِنْد طُلُوع بدوره.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي العلى بن سماك

كَاتب ماشق، وأديب لربح الْبَيَان ناشق، ذُو طبع سَائل، وكلف بالمسائل، فَلَا يفتر عَن تَقْيِيد وَنقل، وجلا للفوايد وصقل كتب مَعَ الحلبة فأحكم الْخط وأتقنه، وتلقى السجع وتلقنه، وَأنْشد الشّعْر فَأجرى بِغَيْر الخلا، وَجعل دلوه فِي الدلا، وَله بَيت معمور فِي الْقَدِيم بصدور قُضَاة، وسيوف للدّين منتضاة، وَلم يزل منتظما فِي السلك، ومرتسما فِي كِتَابَة الْملك إِلَى أَن عضه الدَّهْر بناب خطوبه، وقابله بعد البشاشة بقطوبه، فتأخرت فِي هَذِه الْأَيَّام جرايته، وَنَكَصت على الْعقب رايته، وَقد ثَبت من شعره مَا يشْهد بإجادته، وينظمه فِي فرسَان الْكَلَام وقادته.

وَمن ذَلِك فِي وصف مؤلف هَذَا الْمَجْمُوع مُحَمَّد بن عبد الله بن الْخَطِيب وَفقه الله

إِن خلطت العذب بالأجاج، ونظمت مخيلتي بَين دُرَر هَذَا التَّاج، فَلم أبغ تعريفا وَلَا تَنْبِيها، وَلَا اعتمدت أَن أقرظ نَفسِي وأذكيها، وَلَكِنِّي بأوت بنفسي عَن مُفَارقَة أَبنَاء جنسي، فزاحمتهم فِي أَبْوَاب هَذِه الْآدَاب، وقنعت باجتماع الشمل بهم وَلَو فِي الْكتاب، وَلما رَأَيْت حللهم الموشية الطرز، وحلاهم الْوَاضِحَة الشيات وَالْغرر، نافستهم مُنَافَسَة الْأَكفاء فِي حلَّة تزين مَنْكِبي، وَرَايَة تتقدم موكبي، فجلبت فضلا حلاني بِهِ رَئِيس الصِّنَاعَة وَإِمَام الْجَمَاعَة فِي بعض المنشورات السُّلْطَانِيَّة، ألبسني بِهِ الشّرف ضاني الأردان، وَتَرَكَنِي معلم ذَلِك الميدان وَهُوَ أظهر لَهُ أثر اعْتِقَاده الْجَمِيل فِيهِ، وَفتح لَهُ أَبْوَاب الْقبُول والتنويه، تشرع إِلَى الْعِزّ الْوَجِيه، وَالْقدر النبيه، ورعى لَهُ وسائله الَّتِي كرمت مَعَانِيهَا، وعذبت مجانيها، وتأسست على قَوَاعِد البلاغة مبانيها، فَعرف مَاله من الْأَصَالَة، حَتَّى تميز فِي أعيانها، وبراعة الْآدَاب الَّتِي أحرز خصل سباقها، وتلقى بِالْيَمِينِ راية فرسانها، وَلما اختصه بالتقريب والإيثار، وَاعْتَمدهُ بولايات ملكه الْكِبَار، وقربه فِي بِسَاط ملكه، حفاية وعناية، وأطلع من آيَات السَّعَادَة لَهُ آيَة، وابتداه بالخطط الَّتِي هِيَ لغيره غَايَة، رأى أَن يَسْتَعْمِلهُ فِيمَا هُوَ لَدَيْهِ أهم موقعا وأعز موضعا، وَأَن يجمع لَهُ بَين الكتابتين إنْشَاء وديوانا. ويطلع لَهُ وُجُوه الرِّعَايَة غرا حسانا. فحسبي مَا خلد لي بذلك من مجد، وقلدني من فَخر أشهر من نَار على نجد، وَأما شعري ونثري فقد أثبت مِنْهُ، بعد سُؤال الإغضا، وَالنَّظَر بِعَين الرِّضَا، تعلق بِالذكر، واحتجت بحجاب الضَّمِير من بَنَات الْفِكر

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن خَاتِمَة

ناظم دُرَر الْأَلْفَاظ، ومقلد جَوَاهِر الْكَلَام نحور الروَاة ولبات الْحفاظ،

ذُو الْأَدَب الَّتِي أضحت شوارده حلم النيام وَسمر الأيقاظ، وَكَمن فِي بَيَاض طرسه، وَسَوَاد نَفسه سحر اللحاظ، رفع بقطره راية هَذَا الشان على وفور حلبته، وَفرع قنة الْبَيَان على سمو هضبته، وَفَوق سَهْمه إِلَى نحر الْإِحْسَان، فأثبته فِي لبته، فَإِن أَطَالَ، ثار الْأَبْطَال، وكاثر المنسجم الهطال، وَإِن أوجز فَضَح وأعجز، فَمن نسيب تهيج بِهِ الأشواق، وتضيق عَن زفراته الأطواق، ودعابة تقلص ذيل الْوَقار، فتزرى بأكواس الْعقار. إِلَى انتماء للمعارف، وجنوح إِلَى ظلها الوارف، وَلم تزل فضائله بتك الْبَلدة تنفسح آمادها، حَتَّى تنافس فِيهِ قوادها، فاتخذوه كَاتب أسرارهم، وترجمان أخبارهم، وَقد ثَبت من مقطوعات شعره، ونفثات سحره، مَا يستفز السَّامع، ويقرط المسامع

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن بقى

مدير لأكواس الْبَيَان الْمُعْتق ولعوب بأطراف الْكَلَام المشقق انتحل لأوّل أمره الْهزْل من أصنافه فأبرز دُرَر مَعَانِيه من أصدافه وجنى ثَمَرَة الإبداع لحسين قطافه، ثمَّ تجَاوز إِلَى المعرب وتخطاه، فأدار كأسه وعاطاه، فَأصْبح لفنيه جَامعا، وَفِي فلكيه شهابا لامعا، وَله ذكا يطير شرره، وَإِدْرَاك تتبلج غرره، وذهن يكْشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض، وعَلى ذلاقة لِسَانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الضنانة بِشعرِهِ، مغال لسعره، أجَاب أحد الأحباء مِمَّن خطب ادبه واستدعاه للمراجعة وندبه.

وَمن ذَلِك وصف أبي عَليّ حسن بن عبد السَّلَام

فَارس براعة بارعة، ورث بديهة مسارعة لاك الْكَلَام وعلكه، وَاسْتحق الْإِحْسَان وَملكه، وأدار على قطب الإجادة فلكه، وساعده الدَّهْر فتحدى طَرِيق السرو وسلكه، وَلم يزل الْمِقْدَار يساعده، وَالتَّدْبِير ينوء بِهِ ساعده حَتَّى تحلت بِالثُّرَيَّا حَاله

وَعظم جاهه وَمَاله، وَلما تغلبت الْفِتْنَة بدولته، وعجمت عود صولته آثر الرحيل، وَفَارق ربعه الْمُحِيل، وَاسْتقر بِحَضْرَة تونس يروم الوجهة الحجازية وَقد تَبرأ من قَول الشَّاعِر: " وَمَا أَنا إِلَّا من غزيَّة " فَأَتَاهُ بهَا حمامة، وَانْقَضَت دون أمله أَيَّامه، وَله أدب غض الجنى، أنيق اللَّفْظ وَالْمعْنَى على قصر بَاعه، وَقلة انتجاعه.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن بن الصّباغ

اللسن الْعَارِف، والناقد لجواهر الْمعَانِي كَمَا تفعل بالسكة الصيارف، والأديب الْمجِيد، الَّذِي تحلى بِهِ للعصر النَّحْر والجيد، إِن أجال جِيَاد براعته، فَضَح فرسَان المهارق، وأخجل من بَيَاض طرسه، وَسَوَاد نَفسه الطرر تَحت المهارق. وَإِن جلى أبكار أفكاره، وأثار طير الْبَيَان من أوكاره، سلب الرَّحِيق المعدم فضل ابتكاره، إِلَى نفس لَا يفارقها ظرف، وهمة لَا يرْتَد إِلَيْهَا طرف وإباية لَهُ لَا يفل لَهَا غرب وَلَا جرف، وَفِي هَذِه الْأَيَّام دَعَاهُ شيخ الْغُزَاة إِلَى كِتَابَة سره، وَقَامَ بِوَاجِب بره، وَله أدب غض وزهر على مجتنبه مرفض.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق الطّراز

رَوْضَة أدب وظرف، كَمَا شِئْت من حسن وَعرف، أشرقت ذكا ذكائه، وتضوعت آدابه تضوع الرَّوْض غب سمائه، إِلَى حلاوة الْخَلَائق والضرائب، والشيم الْحَسَنَة والمعاني الغرايب، ترتاح إِلَى مُجَالَسَته المحاضر، ويرقب من أفنان فكاهته الزهر الناضر، فَمَا شيت من توقيع رفيع، وتندير بالإصابة جدير، ولطافة الشَّمَائِل فِي كثير من الْفَضَائِل، وَله نفس تطمح إِلَى بُلُوغ الْمعَانِي، وفكر يَحْدُو حلل الْبَدَائِع فِي الطّراز العالي، وأدب كالروض باكرته السحائب، وحملت أرجه الصِّبَا والجنائب وَقد أثبت من شعره كل عطر النسيم، سَافر الْمحيا الوسيم،

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن دَاوُد الْوَادي آشى

شيخ الْعمَّال المؤتمن على الجباية وَالْمَال، الْمُسْتَوْفى شُرُوط الْفضل على الْكَمَال،

تواضع ﵀ على الْعُلُوّ، وَلبس شعار السّكُون والهدو، وبذل المجاملة للصديق والمسالمة لِلْعَدو، ولازم مجَالِس الْملك بِحَيْثُ يضر وينفع، ويحط وَيرْفَع، فَمَا شَاب بالإساءة إحسانا، وَلَا أعمل فِي غير الْمُشَاركَة لِسَانا إِلَى غير ذَلِك من الْأَدَب الْعطر النسيم، السافر عَن الْمحيا الوسيم، واشتهر بِالْوَفَاءِ اشتهار دارين بطيبها وأياد بخطيبها، فَكَانَ حَامِل رايته، ومحرز غَايَته، وَمضى لسبيله فقيدا عَم فَقده وَخص، وهاض أَجْنِحَة الْحَاجَات وقص، وَله أدب يُصِيب شاكلة الرمى بنباله، ونظم تضحى الْمعَانِي قنايص حباله،

وَمن ذَلِك وصف أبي عبد الله بن حسان

كَاتب إنْشَاء وديوان، وَصدر حفل وإيوان، وَفَارِس يراعة، وَروض أدب وبراعة، يملى الرسائل فَلَا يجِف مدادها، وينظم القصائد لَا يعييه امتدادها، ويحبر الرّقاع ويوشيها، ويصور الْمعَانِي وينشيها، ويدبج برود البدايع ويطرز حواشيها إِلَى خطّ تهيم الْأَلْفَاظ بالتماح سطوره وتغار الرياض بممطوره، وأبوة ومجاده، وَبَيت أمطره الْفضل وجاده، وأنجبت مِنْهُ أبوة صَاحب الأشغال ﵀ خلفا سد مسده، وَتجَاوز فِي السرو مَا حَده، وَلم تزل الأسماع تخْطب بدايعه، وأسواق الأشواق تغلى بضايعه، حَتَّى أصبح فَردا فِي أترابه، وفذا فِي أغرابه، وَله نفس عذرية الشمايل، ولسان هام بزهر الرياض وظل الخمايل، وطبع إِلَى شيم الرصافة وَالْحسن مايل

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن مصادف الرندي

من شُيُوخ الطَّرِيقَة العملية ومنتحلي الصِّنَاعَة الأدبية

كَانَ ﵀ مَجْمُوع ظرف، ومسرح كل طرف، من خطّ بارع، وأدب إِلَى دواعي الْإِجَابَة مسارع، وَلما صَار أَمر رنده، كلأها الله، عِنْد اشتعال الْحَرْب،

وتوالى الضَّرْب على ملك الْمغرب قَلّدهُ أَعمالهَا، وَجعل إِلَى نظره حالتها، ثمَّ تنقل إِلَى بعض الولايات ببر العدوة، وَبهَا قضى نحبه، وَفَارق صَحبه، بعد معاناة خطوب، ومباشرة صروف من الدَّهْر وضروب. وَله أدب طَابَ وتأرج، وَعطف على رسوم الإجادة وعرج، وَمَعَان تتجلى تجلى العذارى وتتبرج.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي إِسْحَق بن جَعْفَر

شيخ توقيعة نادرة، وفكاهة وَارِدَة وصادرة، ونظم أنيق الديباجة، لطيف الزجاجة، عطر النفخة، [عذب المجاجة] وظرف لَا يذوي دوحه، وأدب تأرج روحه، وَقضى ﵀، وَقد تخلف عقبا نجيبا، والقى من ابْنه أَبى جَعْفَر مستمعا للفضل مجيبا، حَاز فِي الْإِحْسَان طلقه، وحاسن فلقه، وَقد ثَبت من شعره مَا يقر بوقور مادته واستقامة جادته،

وَمن ذَلِك فِي وصف ابْنه أبي جَعْفَر

كَاتب حِسَاب، ومنتسب لأدب أَي انتساب، إِن فكر وروى، أنهل الخواطر وروى، وَإِن ابتدر وارتجل، أولد الْبَدَائِع وَانْتَحَلَ، وَله منطق يحاول الصعاب فيلينها، ويتناول الغوامض فيبينها، ويجلو كل سَاحِرَة الْأَلْبَاب تروق جبينها ويوسع المحاضرة إمتاعا ويمد فِيهَا خطوا وساعا، قَالَ الْمُؤلف وَقد حظيت من بَيَانه بِهَذَا الْمَجْمُوع، وَلم أَقف مِنْهُ عِنْد خَبره المسموع، لكني اجتزأت مِنْهُ باليسير، وقنعت بِمَا حضر، واكتفيت برايقة الْأَثِير، وأقمت قَلِيله مقَام الْكثير،

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْحسن الْبَرْبَرِي المالقي

شَاعِر ينْفق من سَعَة، وينطق وسط المجمعة، ومطبوع لَا يتَكَلَّف، ومجيد إِذا نَهَضَ البلغاء لَا يتَخَلَّف، عانى النّظم وزمنه كمثله غُلَام، ودهره تَحِيَّة وَسَلام،

ومدح وانتفع، وشفع شعره للملوك فشفع، وَلم يزل يتَصَرَّف فِي الْأَعْمَال، ويقابل بِالْإِحْسَانِ والإجمال، وَقد أثبت من شعره كل مُحكم العقد، شَدِيد الْوَطْأَة على النَّقْد.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم بن مقَاتل المالقي

من حسباء الطَّرِيقَة وصدورها، والمحاسن لترايبها العاطلة ونحورها. كَانَ ﵀ هضبة وقار وسكينة، وَذَا مكانة فِي الْفضل مكينة. إِلَى صدر سلم ومجد صميم، وَخلق عَظِيم السهولة، وسمت خليق بسن الكهولة، ولسان مغرى بِالذكر، متقلب بَين الْحَمد وَالشُّكْر، وَإِلَى ذَلِك فَكَانَت لَهُ دعابة صائبة السهْم، ونادرة يتنافس فِيهَا أولو الْفَهم، ومجالسة طيبَة، وفكاهة غمامتها صيبة. وَاسْتعْمل فِي الولايات النفيسة، فحمدت سيرته، وَحسن أَثَره، وكرم خَبره وَخَبره، وأنجب عقبا جَارِيا على سنَنه، ومتخلفا من السرُور بأحسنه، وَكَانَ لَهُ أدب غض الجني، طيب اللَّفْظ وَالْمعْنَى، ومقطوعات حَسَنَة المقاطع، سافرة عَن الْحسن الساطع.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي زيد عبد الرَّحْمَن الينشتي

من شُيُوخ طَريقَة الْعَمَل، المتغلبين من أحوالها بَين الصحو والثمل، المتعلقين برسومها حِين اخْتَلَط المرعى بالهمل. وَهُوَ ناضم أرجاز، ومستعمل حَقِيقَة ومجاز نظم بهَا مُخْتَصر السِّيرَة فِي الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة، ونظم جُزْءا فِي الرجز والفال، فبذ بِهِ تِلْكَ الطَّرِيقَة بعد الإغفال.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر الْمَعْرُوف بالبغيل من أهل المرية

بَقِيَّة صَالِحَة، وغرة فِي الزَّمن البهيم وَاضِحَة، أرخ وَقيد وَأحكم بِنَا الْعبارَة وشيد، ورقم الرسائل الْبَدَائِع، وحقق بِبَلَدِهِ الْأَخْبَار وَكتب الوقائع. فمجالسته عَظِيمَة الإمتاع، ومحاضرته مقرطة الْأَذَان والأسماع. وَله شعر جزل، لَا ينتكب لمعانيه غزل، وَأَلْفَاظه صقيلة، وَمَعَان تتبرج تبرج العقيلة، وأغراض لَا تطيش

نبلها، وَلَا تطمس لاحب سبلها. وَقد أثبت مِنْهَا مَا يشْهد بإجاد ته وَيدل على كرم مجادته.

وَفِي وصف أبي جَعْفَر بن جَعْفَر من مالقة

أديب مجيد، وَبَطل فِي الْحساب نجيد، تقدم فِي الطَّرِيقَة العملية، وبرز وطور طروسها وطرز، وَنقد وأبرز، وعانى النّظم فأجاده، واستقى غمام الْأَدَب فجاده، وسبك الْأَلْفَاظ وخلصها، واستطرد الْمعَانِي واقتنصها، وَمَرَّتْ بِهِ النادرة فاغتنم فرصها. وَله أخلاف رفيعة، وَنَفس لكل عُذْري شَقِيقَة، وَقد أثبت من شعره مَا وَقع بيَدي، وارتسم فِي خلدي.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عَليّ حسن ابْن الْخَطِيب أبي الْحسن القيجاطي

حسنى الْمَذْهَب، وهائم بِكُل عذار موشى وخد مَذْهَب، نَشأ بَين يَدي أَبِيه ﵀، وحلقة درسه مكنس أرام، ومثار صبَابَة وعزم، ومطلع الشموس الْأَهِلّة من أَبنَاء الجلة، فركض فِي الكلف ملْء عنانه وَمكن الجفون السود من سويداء جنانه وعذب عِنْده تعذيبه حَتَّى اشْتهر غزله ونسيبه، وَلما نضب عود تِلْكَ الشبيبة، وصوخ نبت تِلْكَ الرياض العجيبة، تعلق بِالْخدمَةِ العملية، فانتظم فِي أَهلهَا، وَسَار فِي حزنها وسهلها، وَظَهَرت عَلَيْهِ تبعات عبر لَهَا اللجة، وَقطع الْحجَّة. وَاسْتقر ببجاية، فارتفد وارتفق، وَعرض شعره، فعلى سعره ونفق، ثمَّ ارتحل على هَذَا الْعَهْد إِلَى أم تِلْكَ المملكة، والقايمة بحسنات تِلْكَ الْبِلَاد مقَام الفذلكة، فاستند إِلَى بَابهَا، وارتسم فِي سلك كتابها،

وَقد أثبت من شعره المطبوع أَيَّام مقَامه بِهَذِهِ الربوع.

وَفِي وصف أبي مُحَمَّد المرابع من أهل بلش

طَوِيل القوادم والخوافي، كلف على كبر سنه بعقائل القوافي، شَاب فِي

الْأَدَب وشب، ونشق ريح الْبَيَان لما هَب، فجاور رَقِيقه وجزله، وأجاد جده وَأحكم هزله، فَإِن مدح صدح، وَإِن وصف أنصف، وَإِن عصف قصف، وَإِن أنشأ وَدون، وتقلب فِي أفانين البلاغة وتفنن، أفسد مَا شَاءَ وَكَون، فَهُوَ شيخ الطَّرِيقَة الأدبية وفتاها، وخطيب محافلها كلما أَتَاهَا، لَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من أغراضها غَرَض، وَلَا يضيع لَدَيْهِ مِنْهَا مفترض، وَلم تزل بروقه تتألق، ومعانيه بأذيال الْإِحْسَان تتَعَلَّق، حَتَّى برز فِي أبطال الْكَلَام وفرسانه، وذعرت الْقُلُوب لسطوة لِسَانه، وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ الصِّنَاعَة زمامها، ووقفت عَلَيْهِ أَحْكَامهَا فشعشع قدامتها وَنبهَ ندامها، وَأرْسل رجومها. وَعبر الْبَحْر لهَذَا الْعَهْد منتجعا لشعرة ومنفقا فِي سود الكساد من سعده، فأبرق وأرعد، وحذر وتوعد، وَبلغ جهد إِمْكَانه فِي التَّعْرِيف بمكانه، فَمَا حرك وَلَا هز، وذل فِي طلب الرفد وَقد عز، وَمَا برح أَن رَجَعَ إِلَى وَطنه الَّذِي اعتاده رُجُوع الحَدِيث إِلَى قتاده، وَقد أثبت من نزعاته، وَبَعض مخترعاته، مَا يدل على سَعَة بَاعه، ونهضة ذراعه، وألمعت بِشَيْء من سَبَب رحلته واغترابه، وعود مرهفه إِلَى قرَابه.

وَفِي وصف أبي عبد الله المتأهل الْمَعْرُوف بعمامتي من أهل وَادي آش ناظم أَبْيَات، وموضح غرر وشيات، وَصَاحب توقيعات وإمارات ذَوَات إشارات، اشْتهر فِي بَلَده اشتهار الشيب فِي المفارق، وتألق بأفقه بألق البارق. وَكَانَ شَاعِرًا مكثارا، وجوادا لَا يخَاف عثارا. دخل على أَمِير بَلَده [المخلوع عَن ملكه بعد انتثار سلكه وَخُرُوج الحضرة عَن ملكه، واستقراره بوادي آش] مروع المَال متعللا بقصيات الآمال.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْمُؤلف ﵀

إِن طَال الْكَلَام، وجمحت الأقلام، كنت كَمَا قيل مادح نَفسه يُقْرِئك

السَّلَام، وَإِن أحجمت فَمَا أسديت فِي الثَّنَاء وَلَا أفحمت أضعت الْحُقُوق، وقاربت العقوق. هَذَا وَلَو زجرت طير البلاغة من أوكاره، وحييته بعيون الْكَلَام وأبكاره لما قضيت حَقه بعد، وَلَا قلت إِلَّا بِالَّذِي علمت سعد، فقد كَانَ ذمر حزم، وَرجل رَجَاء وعزم، كَانَ بِبَلَدِهِ قطبه الَّذِي عَلَيْهِ الْمدَار، وزعيمه الَّذِي لَهُ الْإِيرَاد والإصدار، وَله إِلَى الْمقَام الْعلي النصري وَسَائِل قربى، ومتات أناف وأربى. لما حل الْملك الْإِسْمَاعِيلِيّ بذلك الْقطر، ولاح بأفقه لياح هِلَال الْفطر، نزع إِلَى فريقه، وَجعل تِلْكَ الإيالة قرى طَرِيقه، وَصَحب ركابه إِلَى قرارة ملكه، ومحط فلكه، فقر بِهِ وَأَدْنَاهُ، وشيد لَهُ الْعِزّ وبناه. وَلم تزل سماؤه تجوده، وروضه يروضه جوده. واصطنعه خَلفه من بعدة إِلَى أَن دَعَاهُ الْأَجَل لوعده، فَفَقَدته بكاينة طريف جبر الله عثارها، وَعجل ثارها، حدث خطيب الْجَامِع الْأَعْظَم، وَهُوَ مَا هُوَ من وفور الْعقل، وَصِحَّة النَّقْل، قَالَ، مَرَرْت بأبيك بعد مَا تمت الكسرة وخذلت تِلْكَ الأسرة وَقد كبا بأخيك الطّرف، وَعرض عَلَيْهِ الْحمام الصّرْف، وَالشَّيْخ لم تزل قدمه، وَلَا راعه عَدمه، وَلما يئس من الْخَلَاص وطلابه صرفني، وَقَالَ أَنا أولى بِهِ فَقضى سعيدا شَهِيدا، لم يستفزه الهول وَلم يثنه، وَلَا ارتضى عَار الْفِرَار عَن ابْنه، وَكَانَت لَهُ فِي الْأَدَب فَرِيضَة، وَفِي النادرة العذبة، منادح عريضة، مَعَ قلَّة انتحاله، واشتغاله بِحَالهِ،

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي بكر البلوي من أهل ألمرية

محيى لرسوم المكارم، ذُو هزة للفضائل كهزة الصارم، كَانَ ﵀ بِبَلَدِهِ فِي الْإِحْسَان منزلَة الْعين من جَسَد الْإِنْسَان، والنطق من اللِّسَان والبشاشة من الصُّور الحسان. إِن ضل السماح فبيته مَأْوَاه أَو أظل الضَّيْف فَهُوَ أَبُو مثواه.

إِلَى نفس آخذة بأقاصي الْكَمَال، وشمائل ألطف من أنفاس الصِّبَا وَالشمَال، وأدب انْتهى إِلَى الْقُلُوب من الآمال، قدم على الحضرة بِأول الدولة لأَدَاء حق الطَّاعَة والانتظام فِي الْجَمَاعَة،

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله بن السراج

طَبِيب ماهر، وَروض علم تفتحت فِيهِ للفنون أزاهر، درج من الشظف إِلَى السعَة، وتحلى بحلية الْعلم فرفعه، فَبلغ الْغَايَة الَّتِي لطف محلهَا، وَفَاء عَلَيْهِ ظلها، وتقلبت عَلَيْهِ الْأَيَّام فاعتورته صروفها، وتنكر عِنْده معروفها لما ذكرته فِي كتاب " طرفَة الْعَصْر فِي اختبار دوَل بني نصر "، ثمَّ تداركت صَلَاح حَاله ومتعته بِطيب الْقَرار بعد ارتحاله، فاستقرت دَاره، واستقام على قطب الْعِنَايَة مَدَاره، وَكَانَ ﵀ كثير الدعابة، وَمَا شانه ذَلِك وَلَا عابه، وَله نظم ينخرط فِي سلك الانطباع، وتخبر بطول الباع.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي زَكَرِيَّا يحيى بن هُذَيْل التجِيبِي درة بَين النَّاس مغفلة، وخزانة على كل فَائِدَة مقفلة، وهدية من الدَّهْر الضنين لِبَنِيهِ محتفلة، أبرع من رتب التعاليم وَعلمهَا، وركض فِي الألواح قلمها، وأتقن من صور الْهَيْئَة وَمثلهَا، وَأسسَ قَوَاعِد الْبَرَاهِين وأثلها، وَأعرف من زاول شكاية، وَدفع عَن جَسَد نكاية إِلَى غير ذَلِك من الْمُشَاركَة فِي الْعُلُوم، والوصول من الْمَجْهُول إِلَى الْمَعْلُوم، والمحاضرة المستفزة للحلوم، والدعابة الَّتِي مَا خَالع الغدار فِيهَا بالملوم. فَمَا شيت من نفس عذبة الشيم، وأخلاق كالزهر من بعد الديم، ومحاضرة تتحف الْمجَالِس والمحاضر، ومذاكرة يروق النواظر زهرها الناضر، وَله أدب ذهب فِي الإجادة كل مَذْهَب وارتدى بن البلاغة بِكُل رِدَاء مَذْهَب، وَمَعَان تراودها الخواطر فتصد وتحييها النُّفُوس فَلَا ترد، وَالْأَدب

نقطة من حَوْضه، وزهرة من أزهار روضه، وسيمر فِي هَذَا الدِّيوَان مَا يبهر الْعُقُول ويحاسن بِرِوَايَة ورائق بهائه الفرند المصقول.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عَمْرو بن عباد من أهل رنده

صوفي مُحَقّق، ومريد عَن صبوح الْمحبَّة مرفق. كَانَ بِبَلَدِهِ ﵀ عينا من أعيانها، وقريع بَيت من بيوتات إحسانها، شام للغرب بارقا، فَأصْبح لدنياه مفارقا، فنزح عَن بِلَاده، وَخرج عَن طريفه وتلاده، وشمر لمقارعة الْهوى وجلاده، وخاض بَحر تِلْكَ الْأَهْوَال حَتَّى صَار معدودا فِي أهل الاحوال، وَظَهَرت عَلَيْهِ سمات الحضرة، وسطعت لَهُ أنوار الْعِنَايَة الإلهية، وَلم يزل يعبر عَن وجده ويكنى بحاجره ونجده، حَتَّى حفظت أَقْوَاله، واشتهرت أَحْوَاله.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْوَلِيد بن هاني من أهل غرناطة

شَاعِر ينحت من طود، وماطر صاب من الْكَلَام بجود. عدل عَن اللَّفْظ الْقَرِيب إِلَى الحوشى الْغَرِيب، وَإِذا أجهد طبعه وَوصف حيه وربعه، وَكَيف ظعن الْقطَّان، وتغيرت الأوطان، قلت حجازيا فصيحا أَو تميميا شقّ للْبَيَان ريحًا أَو نجديا شكى بثا وتبريحا. نَشأ بِبَلَدِهِ غرناطة، مطلع نور حَسبه الباهر، وروضة بَيته الأنيق الأزاهر، فشاقى حلبة الطّلب، وفاز بالغلب، واجتهد وَعَكَفَ واستمطر وابل الْعلم لما وكف حَتَّى جلى من المشكلات كل حالك، وَاسْتظْهر موطأ مَالك. ثمَّ رمى السفار بعزمته، وخاض القفار بجرفه وحزمته، وَاسْتقر بعد اعتساف المجاهل، ومزاحمة المناهل، وخوض المرار، والبشام بحماة الشَّام، واتخذها دَارا، وارتضاها لفضله مدارا.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله النمري الكفيف من أهل مالقه

[ضَرِير زار نور بَصَره نور قلبه فاجتمعا، وكفيف سَارَتْ الْأَمْثَال بِذكرِهِ فَصدق مرأى مِنْهُ مستمعا] صَادِق اللهجة، سلك سَبِيل الْفضل، وانتهج نهجه،

أذهن من راو المشكلات وافترعها، وصادم الغوامض فصرعها، وَله فِي علم اللِّسَان [قدم راسخة] وَفِي أَحْكَام الْمعَانِي آيَة ناسخة، وَكَانَ معرى عصره، ووارث علمه الَّذِي يعجز عَن حصره، وَله فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة ذوق، وَإِلَى تِلْكَ الْفُنُون شوق نسبته لسببه الألسن، واستقبح مِنْهُ مَا يحسن. ونظمه دون قدره، ومعانيه تكْثر عَن نفثات صَدره.

وَمن ذَلِك فِي وصف الأديب الْحَاج الرّحال أبي إِسْحَق الساحلي ﵀

جَوَاب الْآفَاق، ومحالف الرفاق، ومنفق سعر الشّعْر كل النِّفَاق، رفع بِبَلَدِهِ راية للأدب لَا تحجم وَأصْبح نَسِيج وَحده فِيمَا يسدى ويلحم، فَإِن نسب، جزى كل قلب بِمَا كسب، وَإِن مدح وقدح، من أنوار فتنته مَا قدح، حرك الجامد، ونظم نظم الجمان المحامد. وَإِن أبن أَو رثا، غبر فِي وُجُوه السوابق وحثا، وَلما أنف الكساد سوقه، وضياع حُقُوقه، أَخذ بالعزم، وَأدْخل على تعلاته عَامل الْجَزْم، وَلم يزل يسْقط على الدول سُقُوط الْغَيْث، ويحتل كناس الظبي وَغَابَ اللَّيْث، ويركض النجائب، وَيتبع الْعَجَائِب، حَتَّى استضاف بِمصْر الْكِرَام، وَشَاهد البرابي والأهرام، وَرمى بعزمته الشَّام، فاحتل ثغورها المحوطة، وَدخل دمشق وتفيأ الغوطة، ثمَّ عاجلها بالفراق، وَتوجه إِلَى الْعرَاق، فَحَيَّا بِالسَّلَامِ، مَدِينَة السَّلَام، وَأورد بالرافدين رواحله، وَرَأى الْيمن وسواحله ثمَّ عدل إِلَى الْحَقِيقَة عَن الْمجَاز، وَتوجه إِلَى مثابة الْحجاز، فاستلم الرُّكْن وَالْحجر، وزار الترب الْكَرِيم لما صدر، وتعرف بِجَمِيعِ الْوُفُود بِملك السود، فغمره بإرفاده، واستصحبه إِلَى بِلَاده، وَاسْتقر بِأول أقاليم الأَرْض، وأقصى مَا يعمر من هَذَا الْعرض، فَحل بهَا مَحل الْخمر فِي القار، والنور فِي سَواد الْأَبْصَار، وتقيد

بِالْإِحْسَانِ، وَإِن كَانَ غَرِيب الْوَجْه وَالْيَد وَاللِّسَان، وَقد أثبت من شعره مَا يشْهد بجلالة آدابه، وَتعلق الْإِحْسَان بأهدابه.

وَمن ذَلِك فِي وصف الْقَائِد أبي جَعْفَر أَحْمد بن خير

قَائِد مليح الشيبة، ممتزج المباسطة بالهيبة، يجمع بَين الدعابة وَالْوَقار، وَيُدبر من الفكاهة كؤوسا تزري بكؤوس الْعقار، وَله أَصَالَة قَامَت على الْعلم أَرْكَانهَا، واشتهر بحمص أَعَادَهَا الله مَكَانهَا، ووسائل إِلَى السّلف الْكَرِيم عظم ذمامها، وَثبتت أَحْكَامهَا، وحظوة ظفر مِنْهَا بالأمل، وارتضع أخلافها بَين القيادة وَالْعَمَل، تنَاول خطة الْمَدِينَة فأجراها، وراش نبل الْأَحْكَام وبراها، وَبشر أبشار ألى الْفساد وفراها، وَفرق حَتَّى بَين الجفون وكراها, فكم عاشق انتجز للوصل ميعادا وارتقب للسعد إسعادا، وظفر بمثير غرامه، وموقد ضرامه فِي مجْلِس تجلت فِيهِ عروس الكاس، عَن فرش الْورْد والآس، وَعند سُجُود الإبريق، ومزج المدامة بالريق، وثب ابْن خير هَذَا وثوب اللَّيْث، وَسقط عَلَيْهِ سُقُوط الْغَيْث، فراع غزال ذَلِك الكناس، وَفرق بَين روح المدام وجسم الكاس، حَتَّى ذعرت الْقُلُوب لسطوته، وتشوفت الآذان إِلَى إحساس خطوته. كل ذَلِك بِعدْل ميزَان قَائِم، وجزالة، لَا يثنيها فِي الْحق لايم، وبسالة تشهد المواقع بمضايها، وتثنى عَلَيْهِ السيوف عِنْد انتضابها. واصطنعه هَذَا الْمقَام اليوسفي، أَعْلَاهُ الله، فارتضاه للأمانة الْعُظْمَى، وقلده حفظ أَبْوَاب معقله الأسمى، فاعطى الْقوس باريا، وقلد الخطة حساما واريا، وَهُوَ لطيف الْمحل لَدَيْهِ وحظى بَين يَدَيْهِ، يستظرف نادرته العذبة، ويبدي لَهُ الْقبُول والمحبة، وَله أدب عذب الْجَانِب سهل المذانب، لَا زَالَ ينفث بضربه ويستفز عِنْد نظمه عوائد طربه.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر بن غفرون من الْجند

نير مَا طلع حَتَّى أفل، وَمَا جد فِي حلل الْفضل رفل، ألطف النَّاس فِي معاشرة

الْأَكفاء، وَثَانِي السموأل ابْن عاديا فِي الْوَفَاء، إِلَى حلم لَا يضيق لَهُ صدر، وعهد لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ لحماه نكث وَلَا غدر، وَنَفس عَظِيمَة النفاسة، وأخلاق مولعة بِذكر الحماسة. توجه مَعَ الْحصَّة إِلَى حراسة ثغر بيرة، وَقد اشتعلت نيرانه، وكلف جِيرَانه، وَكَانَت من الْمُسلمين جَوْلَة فِي بعض المواقف، ميز الله بهَا الْخَالِص من الزائف وَلم يرض صاحبنا ﵀ عَار الْفِرَار أَمَام الْكفَّار، وَلم يزل يقدم إقدام الغضنفر، وَيُقِيم هامته مقَام المغفر، فَقضى سعيدا مقداما، وَشرب للحمام كأسا كَانَت لَهَا السَّعَادَة مداما، وَلم أظفر من كَلَامه إِلَّا بنزر، وَلَا حصلت من مده إِلَّا على جزر

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي جَعْفَر الروية من أهل بلش

ناظم للفقر الشاردة، ومقتنص الْمعَانِي الصادرة والواردة، وَصَاحب قريحة ملتهبة الْوقُود، وبديهة منتظمة الْعُقُود، إِلَى بَيت ينتمي إِلَى مجد، وأصالة أطيب من عرار نجد. نَشأ بِبَلَدِهِ بلش قرارة ميلاده، مُقْتَصرا على انتجاع تلاده، صان بذلك وَجهه عَن إِرَاقَة مَائه وهتك حجاب حيائه. وَلم أظفر من شعره على استرساله، وتدفق سلساله إِلَّا بقوله يهنى السُّلْطَان بِأحد أَوْلَاده

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي عبد الله الْعَبدَرِي المالقي

أديب نَار ذكائه يتوقد، وعارف لَا يعْتَرض كَلَامه وَلَا ينْقد. وَأما الْهزْل فَهُوَ طَرِيقَته المثلى الَّتِي ركض فِي ميدانها وجلى، وطلع فِي أفقها وتجلى فَأصْبح علم أعلامها، وعابر أحلامها، فَإِن أَخذ بهَا فِي وصف الكاس، وَذكر الْورْد والآس، وألم بِالربيعِ وفصله، والحبيب وَوَصله، وَالرَّوْض وطيبه، والغمام وتقطيبه، شقّ الْجُيُوب طَربا، وعَلى النُّفُوس أربا وَضَربا. وَإِن أشْفق

لاعتلال العشية فِي فرش الرّبيع الموشية، ثمَّ تعداها إِلَى وصف الصبوح، وأجهز على الزق الْمَجْرُوح، وَأَشَارَ إِلَى نغمات الْوَرق يرفلن فِي الْحلَل الزرق، وَقد اشتعلت فِي عنبر اللَّيْل نَار الْبَرْق، وطلعت بنود الصَّباح فِي شرفات الشرق سلب الْحَلِيم وقاره، وَذكر الخليع كأسه وعقاره، وحرك الأشواق بعد سكونها وأخرجها من وَكَونهَا، بِلِسَان يتزاحم على مورده الخيال، ويتدفق من حَافَّاته الْأَدَب السيال، وَبَيَان يُقيم أود الْمعَانِي، ويشيد مصانع اللَّفْظ محكمَة المباني، ويكسو حلل الْإِحْسَان جسوم المثالث والمثاني، إِلَى نادرة لمثلهَا يشار، ومحاضرة يجتني بهَا الشهد ويشار. وَقد اثْبتْ من شعره، وَإِن كَانَ لَا يتعاطاه إِلَّا قَلِيلا، وَلَا يُجَاوِزهُ إِلَّا تعليلا، أبياتا لَا تَخْلُو من مسحة جمال على صفحاتها، وَهبة طيب تنم فِي نفحاتها.

وَمن ذَلِك فِي وصف أبي الْقَاسِم الشريف الْحسنى

ماشيت من قدرَة وأيد، لَيْسَ من عَمْرو وَلَا زيد، أكْرم من عمر البلاغة مجالا [وَلعب بأطراف الْكَلَام المشقق روية وارتجالا]، وأطوع من دَعَا أَبْيَات الْمعَانِي فَجَاءَت عجالا [وأبدع من أدَار أكواس الْبَيَان الْمُعْتق]، وَأجل من أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّاعِر بقوله " وَخير الشّعْر أكْرمه رجَالًا " قدم على الحضرة هَذَا القَاضِي الشريف، وَقذف بدرته النفسية لَهَا الرِّيف، رَوْضَة أدب وظرف لما شيت من حسن وَعرف، يُدِير المحاضرة جريالا، ويسحب البديع الروايع أذيالا، ذَا نفس كَرِيمَة، وأخلاق كالروض غب انسكاب ديمه، وَقعد بمسجدها فدرس وَحلق، وسطع نوره فِي أفقها وتألق، واستأثرت بِهِ الْكِتَابَة السُّلْطَانِيَّة لأوّل وُرُوده، وسحبت

عَلَيْهِ من الْإِحْسَان سوابغ بروده، وتوشح بخلاله المرتضاة إِلَى قَضَاء الْقُضَاة، وَهُوَ الْآن قاضى الْجَمَاعَة وإمامها، وقيم الشَّرِيعَة، الَّتِي فِي يَدَيْهِ زمامها، بلغت بِهِ تِلْكَ الْمُتَابَعَة العدلية آمالها، واستأنفت بعد الكبرة جمَالهَا، وَقَالَت هيت لَك، فَلم تَكُ تصلح إِلَّا لَهُ، وَلم يَك يصلح إِلَّا لَهَا، وَأَلْقَتْ لَهُ الخطابة قيادها، فأنسى قسها وأيادها، ووسم بعد الإغفال بسمة الاحتفال جمعهَا وأعيادها. وَأما شعره فيناسب الرضى نسيبه فخره ونسيبه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.