من «نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن» لأحمد الشرواني (ت ١٢٥٣هـ)
الباب الأول في الحكايات (٣)
حكاية: أخبر عمر بن الحبيب القاضي أن رجلاً كان بالبصرة وكانت له امرأة وله منها ابنان فمات وترك لهم شاة، فرأت المرأة في النوم كأن أحد ابنيها يقول يا أماه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة وليس بد من أن أقوم أذبحه فقالت لا تفعل يا بني قال لابد من أن أذبحه فقام وذبحه وسمطه وشواه وأخرجه من التنور وقعد هو وأخوه يأكلان فكلمه أخوه بشيء فأخذ السكين وشق بطنه فانتبهت فزعة وإذا بانها يقول يا أماه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة فأريد أقوم فأذبحه، فقالت لا تفعل يا بنيّ وجعلت تتعجب من تصديق الرؤيا فأخذت بيد أخيه فأدخلته بيتاً وأغلقت عليه الباب من داخل، فبينما هي مفكرة ومغتمة إذ غفت فرأت النبي ﷺ في النوم، فقال لها ما شأنك؟ فخبرته الخبر فنادى يا رؤيا فإذا الحائط قد انشق وخرجت منه امرأة جميلة بديعة الجمال، فقال لها ما أردت بهذه المسكينة، فقالت لا والذي بعثك بالحق نبياً ما أتيتها في منامها فنادى يا أضغاث أحلام فخرجت امرأة دونها، فقال لها ما أردت بهذه المسكينة، قالت رأيتهم بخير فحسدتهم وأردت أن أغمهم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس عليك بأس
فانتبهت وأكلت مع ابنيها ولم يزالوا بخير.
حكاية: أخبر بعض الأدباء قال حدثنا رجل من جيراننا أن الفضل مرّ في يوم صائف منصرفاً من المدينة يريد منزله فقلت له والله ما في منزلي قليل ولا كثير فعطس الفضل فقلت يرحمك الله وقد كان سمع يميني فأمر بعض غلمانه أن يحملني معه على دابته، فلما صار بي إلى قصره أخرج إليّ خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب فانصرفت بها على
منزلي فقالت لي امرأتي والله لقد خرجت من عندنا وما تملك قليلاً ولا كثيراً فمن أين صرفت هذا؟ قال فأعلمتها الخبر فلم تصدق قولي واستراب الجيران في حالي وتناهى الخبر إلى السلطان فطمع فيّ وحبسني فقلت له إنه كان من أمري كيت وكيت فرفع خبري إلى الفضل فأمر بإحضاري، فلما أحضرت ورآني عرفني وأمر بإطلاقي وأعطاني خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب وقال تعهدنا ننفعك فلم يزل ينفعني حتى حدث من أمرهم ما حدث.
حكاية: أخبر بعض الفضلاء أن رجلاً كان ينزل بنهر المهدي وكانت عليه نعمة فزالت ولم يقدر على شيء فمطر الناس ثلاثة أيام متتابعة فبقي في منزله لا يقدر على الخروج فأضرّ به ذلك وأبلغ إليه الجوع وإلى عياله، فلما كان في آخر الليل جاء إلى بقال بقصعة ليرهنها عنده في خبز، فانتهره البقال وقال ما اصنع بها وأبى أن يعطيه عليها شيئاً. قال فعاد إلى منزله مغموماً لا حيلة له فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم سق إليّ في هذه الليلة عبداً من عبادك تحبه يفرج عني ما أنا فيه فما شعر إلا والباب يدق فخرج فإذا رجل على حمار قد حفّ به خدم، فقال له كم عيالك؟ قال كذا وكذا فأعطاه كيساً فيه نحو خمسة آلاف درهم، فقال الحمد لله الذي استجاب دعائي وفرج عني كربي، فقال له وما كان دعاؤك فأخبره الخبر بفعل البقال وما دعا الله ﷿ به فاستحلفه أنه دعا بهذا الدعاء فحلف به فأمر له بمائة ألف درهم، قال فسألت بعض أولئك الخدم عنه لأعلم هل يقدر الرجل على ما أمر لي به أم لا، فقال هو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي فسكتّ لذلك وانصرفت إلى منزلي، فلما أصبحت مضيت إلى قهرمانه فقبضت منه المال قلت إن الفضل حرّي بقول أبي تمام رحمه الله تعالى:
هو البحر من أيّ النواحي أتيتهفلجته المعروف والجود ساحله
جواد إذا ما جئت للجود طالباًحباك بما تحوي عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله
حكاية: قيل إن رجلاً من أهل الشام عزم على لقاء المأمون فاستشار بعض أصحابه على أيّ وجه أصلح أن ألقى أمير المؤمنين قال على الفصاحة قال ليس عندي منها شيء وغني لألحن في كلامي كثيراً. قال فعليك بالرفع فإنه أكثر ما يستعمل فدخل على المأمون وقال
السلام علك ورحمة الله وبركاته، فقال يا غلام اصفعه فصفعه، فقال بسم الله، فقال ويلك من دلك على الرفع؟ قال وكيف يا أمير المؤمنين لا أرفع من رفعه الله؟ فضحك وقضى حاجته.
حكاية: قيل اختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وجعلا يلحنان، فقال الحاجب قوما فقد آذيتما أمير المؤمنين، فقال عمر أنت والله أشد أذىً لي منهما.
حكاية: قيل لما تشاغل عبد الملك بن مروان بقتال مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم وقالوا قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ببعض ووقع بأسهم بينهم والرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك منهم فنهاهم عن ذلك فأبوا عليه إلا أن يفعل، فلما رأى ذلك دعل بكلبين فأحرش بينهما فاقتتلا قتالاً شديداً شديداً، ثم دعا بذئب فخلاه بينهما، فلما رأى الكلبان الذئب تركا ما كان بينهما وأقبلا على الذئب حتى قتلاه، فقال ملك الروم هكذا العرب يقتتلون بينهم، فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا فعرفوا صدق قوله ورجعوا عما كانوا عليه.
حكاية: قيل دخل قوم على المنصور من حاشيته وخدمه فرأى منهم رجلاً عليه سواد خلق، فقال له يا فلان ما لي أرى سوادك متقطعاً أما تقبض رزقك؟ قال بلى يا أمير المؤمنين ولكن أبي توفي وترك عليه ديناً كثيراً فبعت تركته في قضاء دينه فصرفت أكثر رزقي إلى حرمته وولده من بعده، فقال أعد عليّ ما قلت فأعاده فقال ما أحسن ما فعلت اغد عليّ في غد فغدا عليه فوجد الربيع جالساً على الكرسي، فقال قد سأل عنك أمير المؤمنين فادخل فدخل فوجده يصلي فقضى حاجته من الصلاة، وقال ألم آمرك أن تغدو، فقال يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدوّ عند نفسي. قال خذ ما تحت تلك المضربة وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام عليه فرفعت المضربة فإذا دنانير تحتها فجعلت أحثوها في كمي، ثم دعوت له وخرجت ووزنت الدنانير فإذا هي ألف دينار وتسعة وتسعون ديناراً.
حكاية: قيل إن شمر بن أفر يقيس بن أبرهة خرج في خمسمائة ألف مقاتل إلى أرض الصين، فلما
قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع وزراءه واستشارهم، فقال رئيسهم أثر فيّ أثراً وخلني فأمر به فجدع أنفه فقام هارباً مستقبلاً لشمر فوافاه على أربعة منازل
بعد خروجه من مغاور الصين فدخل عليه، وقال إني أتيتك مستجيراً. قال شمر ممن؟ قال من ملك الصين لأني كنت رجلاً من خاصة وزرائه وإنه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه واستشارنا فأشار القوم جميعاً عليه بمحاربتك وخالفتهم في رأيهم وأشرت عليه أن يعطيك الطاعة ويحمل إليك الخراج، فاتهمني وقال قد ملت إلى ملك العرب وكان منه لي ما ترى ولم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هارباً إليك ففرح به شمر وأنزله معه في مكانه ووعده من نفسه خيراً، فلما أصبح وأراد أن يرحل قال لذلك الرجل كيف علمك بالطريق قال أنا من أعلم الناس به قال فكم بيننا وبين الماء قال مسيرة ثلاثة أيام وأنا موردك اليوم الرابع على الماء فأمر جنوده بالرحيل ونادى فيهم أن لا يحملوا من الماء إلا لثلاثة أيام، ثم سار في جنوده والرجل بين يديه، فلما كان اليوم الرابع انقطع بهم الماء واشتد الحر، فقال لا ماء إنما كان ذلك مكراً مني لأدفعك بنفسي عن ملكي فأمر به فضرب عنقه وعطش القوم، وقد كان المنجمون قالوا لشمر عند مولده إنه يموت بين جبلي حديد فوضع درعه تحت قدمه من شدة الرمضاء ووضع ترساً من حر الرمضاء فذكر ما كان قيل له في ولادته وقال للقوم تفرقوا حيث أحببتم فقد أوردتكم إلى هذه المهالك فهلك جميع من معه.
حكاية: قيل إن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع في ماء الفرات، فقال له يا غلام اخرج إليّ أسألك فعرفه الغلام، فقال إني خائف أفآمن إن خرجت حتى ألبس ثيابي، قال: نعم، فخرج وقال والله لا ألبسها اليوم، فضحك شبيب وقال خدعني ورب الكعبة، ووكل به رجلاً من أصحابه يحفظه أن لا يصيبه أحد من أصحابه بمكروه.
حكاية: ذكر البيهقي في المحاسن والمساوي أن رجلاً من أهل الشام سأل ابن عباس ﵄ من الناكثون؟ قال الذين بايعوا علياً بالمدينة، ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية، وأصحابه والمارقون أهل النهروان ومن معهم فقال الشامي يا ابن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة وفرجت عني فرج الله عنك أشهد أن علياً مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
حكاية: حدث ابن المكي عن أبيه، قال قال لي محمد الأمين في آخر أيامه يا مكي إني والله أحبّ أن أقعد
يوماً قبل أن يحال بيني وبين ملكي فقلت يا أمير المؤمنين افعل ذلك فقال اغد عليّ في غد، قال فانصرف وغدا عليّ رسوله في السحر فجئت إليه وهو في صحن داره
وعليه جبة وأشياء مذهبة تتألق وعمامة مثلها ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ذهب مرصع بالجواهر فدعا لي بكرسي فجلست عليه عن يساره، ثم قال لخادم على رأسه ادع لي فلانة وفلانة حتى عد أربعة جوار ما منهن جارية إلا وأنا أعرف حذقها وجودة غنائها فخرجن وجلسن عن يمينه، ثم قال يا غلام عليّ برطل فأتى برطل وجام بلور مكلل بالجواهر فالتفت إلى التي عن تليه، وقال لها غني فضربت ضرباً حسناً وغنت بشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
هم قتلوه كي يكونوا مكانهكما قتلت كسرى بليل مراز به
بني هاشم ردوا سلاح أخيكمولا تنهبوه لا تحل مناهبه
قال فرمى بالجام في وسط الدار، ثم قال لعنك الله ما هذا؟ قالت والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا، ثم التفت إلى الغلام وقال له اسقني فأتاه بجام مثل الأول فقال للثانية غني فغنت ما قيل في كليب بن وائل:
كليب لعمري كان أكثرا ناصراًوأيسر ذنباً منك ضرج بالدم
فرمى بالجام من يده في صحن الدار فكسره، ثما قال يا غلام عليّ برطل، وقال للثالثة غني فغنت:
أتقتل عمراً لا أبا لك شارداوتزعم بعد القتل أنك هارب
فلو كنت بالأقطار ما فتّ ضربتيوكيف تفوت الحين والدم طالب
قال فرمى بالجام وقال يا غلام عليّ برطل، وقال للرابعة غني فغنت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفاأنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادناصروف الليالي والخطوب الزواجر
قال فالتفت إليّ وقال قد سمعت، هذا أمر يريده الله ﷿ قال فما مضت أيام حتى رأيت رأسه معلقاً على القصر.
حكاية: عن الأوزاعي، قال بعث إليّ المنصور وقال لم أبطأت عنا قلت وما تريد من قال لأستفيد منكم فقلت له مهلاً فإن عروة بن رويم أخبرني أن رسول الله ﷺ قال (من جاءته موعظة من ربه فقبلها شكر الله له ذلك ومن جاءته ولم يقبلها كانت عليه حجة يوم القيامة) مهلاً فإن
مثلك لا ينبغي له أن ينام إنما جعلت الأنبياء رعاة لعلمهم
بالرعية يجبرون الكسير ويسمنون الهزيل ويردون الضالة فكيف بمن يسفك دماء المسلمين ويأخذ أموالهم أعيذك بالله أن تقول إن قرابتك من رسول الله ﷺ تدعوك إلى الجنة إن رسول الله ﷺ كانت في يده جريدة يستاك بها فضرب بها قرن أعرابي فنزل جبريل ﵇، وقال يا محمد إن الله ﵎ لم يبعثك جباراً مؤيساً مقنطاً تكسر قرون أمتك ألق الجريدة من يدك فدعا الأعرابي إلى القصاص من نفسه فكيف بمن يسفك دماء المسلمين إن الله ﷿ أوحى إلى من هو خير منك داود ﵇ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق - واعلم أن ثوباً من ثياب أهل النار لو علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من نتن ريحه فكيف بمن يتقمصه ولو أن أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبال الدنيا لذابت كما يذوب الرصاص حتى تنتهي إلى الأرض السابعة بمن تقلدها.
حكاية: قال بعض الأدباء دخلت على أبي العشائر يوماً أعدوه من على فقلت ما يجد الأمير فأشار إلى غلام قائم بين يديه كأنه رضوان غفل عنه فأبق من الجنة ثم أنشد:
أسقم هذا الغلام جسميبما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلالأهدى فتوراً إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحيتمازج الماء بالمدام
حكاية: قال بعض الأدباء دعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه ابراهيم يوماً، وكان يسمى دينار بني برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضم إليه من كتابه وأصحابه فقال ما حال ابني هذا فقالوا قد بلغ من الأدب كذا وكذا، قال ليس عن هذا سألت وإنما سألت عن بعد همته قالوا اتخذنا له من الضياع كذا وكذا قال ليس عن هذا سألت وإنما سألت عن بعد همته هل اتخذتم له في أعناق الرجال مننا أو حببتموه إلى الناس قالوا لا قال فبئس الأصحاب أنتم هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم، ثم أمر بحمل خمسمائة ألف درهم إليه فتفرقت على قوم لا يدري من هم ولله در من قال:
أبت المكارم أن تفارق أهلهاوأبى الكريم بأن يكون بخيلا
حكاية: قيل إن المأمون تكلم يوماً فأحسن، فقال يحيى بن أكثم يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته أو في النجوم فأنت
هرمس في حسابه
أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب ﵁ في علمه وإن ذكر السخاء كنت حاتماً في جوده أو الصدق فأنت أبو ذر في صدق لهجته أو الكرم فأنت كعب في إيثاره على نفسه أو الوفاء فأنت السموأل بن عادياء في وفائه فاستحسن قوله وتهلل وجهه، وكان المأمون ماهراً في جميع الفنون كاشفاً عن كل سر مكنون.
حكاية: قال أبو عبد الله أحمد بن أبي داود كان المأمون يبطل الرؤيا ويقول ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء فلما رأينا أن ما يصح منها الحرف أو الحرفان من الكثير علمنا أنها باطلة وإن أكثرها لا يصح، وكان بعث العباس ابنه إلى بلاد الروم وأبطأ عليه خبره فصلى ذات يوم الصبح ونام قليلاً وانتبه ودعا بدابته وركب، وقال أحدذكم بأعجوبة رأيت الساعة كأن شيخاً أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساء في عنقه ومعه عصا وفي يده كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت من أنت قال رسول العاباس بالسلامة ناولني كتابه قال المعتصم أرجو الله أن يحقق رؤيا أمير المؤمنين ويبشره بالسلامة ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج فسار قليلاً وإذا بشيخ قد أقبل نحوه في تلك الحال فقال المأمون هذا والله الذي رأيته في منامي وهذه صفته قال فدنا منه الرجل فنحاه خدمه وصاحوا به فقال دعوه فجاء الشيخ فقال من أنت؟ قال رسول العباس وهذا كتابه قال فبهتنا وطال منا تعجبنا فقلت يا أمير المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذا قال لا.
حكاية: قال يوسف بن سلام الزعفراني حدثني أبي قال: قال خالد بن برمك يوماً وهو بالري وأراد الخروج إلى مجلس له وأخرج دوابه إلى الحضرة ونحن قيام بين يديه فقال من يخرج مع هذه الدواب. قال أبي أنا وليس أحد يجترئ أن يتكلم فقال اخرج معها فخرجت معها وكنت أحسن إليها، فلما رددتها حمد أثرى فيها فقلت أيها الأمير لي حاجة، قال وما حاجتك؟ قلت أمي مملكوة لقوم بالبصرة وحاجتي أن يشتريها الأمير، وقال وكم ثمنها؟ قلت ثمنها ثلاثة آلاف درهم، قال أعطوه ثلاثة آلاف درهم وقال لي اشتر أمك وأعتقها، ثم قال ما تريد؟ قلت الحج وتحج أمي معي، قال أعطوه ثلاثة آلاف درهم، قلت نحتاج إلى خادم يخدمنا، قال أعطوه ثلاثة آلاف لثمن الكسوة قال فلم أزل أقول وأعد شيئاً شيئاً حتى قلت وأحتاج إلى منزل وأحتاج إلى فرس وهو يقول أعطوه ثلاثة آلاف درهم حتى
اخذت ثلاثين ألف درهم، قال البيهقي رحمه الله تعالى، وكان للبرامكة في الكرم ما لم
يكن لأحد من الناس، وكانوا يخرجون بالليل سراً ومعهم الموال فيتصدقون بها وربما دقوا على الناس أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها ما بين الثلاثة الآلاف إلى الخمسة الآلاف.
حكاية: قال خالد بن صفوان دخلت يوماً على السفاح وهو خالي المجلس، فقلت يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي إليك شيئاً أنصحك به فأمر بذاك فقلت يا أمير المؤمنين فكرت في هذا الأمر الذي ساقه الله إليك ومن به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذاته وأتعب الخلق فيه، قال وكيف ذلك يا خالد قلت باقتصارك من الدنيا على امرأة واحدة وتركك البيض الخرائد الحسان، فقال يا خالد إن هذا أمر ما مر في سمعي فاستأذنه في الانصراف فأذن له وخرجت إليه أم سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه، فقالت يا أمير المؤمنين أراك مفكراً فما الحال أسمغت خبراً يحزنك؟ قال كلا ولكن كلام ألقاه إليّ خالد بن صفوان فيه نصيحتي وشرح لها ذلك. قالت فما قلت لابن الزانية؟ قال ينصحني وتشمتينه، فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت لهذا اليوم اتخذتكم وأعددتكم امضوا فإذا وجدتم خالد بن صفوان فاهووا إلى أعضائه عضواً عضواً فرضوها فطلبت ومررت بقوم أحدثهم إذ أقبل القوم فدخلت في جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضوها بالأعمدة وبقيت لا تظلني سماء ولا تقلني أرض وإني لجالس ذات يوم إذ هجم عليّ قوم، فقالوا أجب أمير المؤمنين فقمت ولا أملك من نفسي شيئاً حتى دخلت عليه وهو جالس وأنا أسمع حركة من وراء الستر فقلت أم سلمة والله؟ فقال يا خالد من أين ترى قلت كنت في علة لي، ثم قال الكلام الذي كنت ألقيته لي في بعض الأيام أعده عليّ قلت نعم يا أمير المؤمنين إن العرب اشتقت اسم الضرر من الضرتين فإن الضرائر أشد الذخائر والإماء آفة المنازل ولم يجمع رجل بين امرأتين إلا كان بين جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقه الأخرى بشرارها قال ليس هو هذا قلت بلى قال ففكر قلت نعم يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الثلاث يتغايرن فلا يصبرن، قال لا والله ما هذا قلت يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الأربع همّ ونصب وضجر وصخب إنما صاحبهن بين حاجة تطلب وبلية تترقب إن خلا بواحدة منهن خاف شر الباقيات وكنا له أعدى من الحيات، قال لا والله ما هو هذا قلت بلى وأخبرتك أن بني مخزوم ريحانة العرب
وعندك ريحانة الرياحين وسيدة نساء العالمين، وحدثتني أنك تهم بالتزويج فقلت لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ذلك
بكائن آخر الزمان المعاين، قال ويلك أتستعمل الكذب؟ فقلت ضرب السيوف لعب، قال فاذهب فإنك أكذب العرب قلت فأيما أصلح أأكذب أم تقتلني أم سلمة، فاستلقى ضاحكاً وقال اخرج قبحك الله تعالى وارتفع الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأم سلمة ومعه خمس بدر وخمس تخوت وقال هذا لك من سيدتي فخذه.
حكاية: قيل إن رجلاً بالعراق أصلح مجلساً للشرب ودعا إليه إخوانه، فلما فرغوا من الأكل وقعدوا للشرب وارتفعت أصوات العيدان والمزامير ودار الشرب فيهم وطرب القوم تأمل رجل منهم عند ذلك ما هم فيه من اللذة والفرح فرأى داراً حسنة وستوراً وفرشاً وأواني ورياحين وفواكه وشموعاً تزهر وقد امتلأ داخل الأبواب من الضياء والروائح والنغم ورأى فتياناً عليهم زي الجمال ومحاسن الكمال فبقي متحيراً متفكراً متعجباً فيما يرى ويسمع ويشم من محاسن المحسوسات وما تلتذ منه الحواس وتفرح به الأرواح وتسر به النفوس حتى نعس وغاص في نومه حتى لم يكن يحس شيئاً مما كان في المجلس من تلك المحسوسات، ثم رأى فيما يرىة النائم كأنه في بلاد الروم في كنيسة من كنائس النصارى، وهي مشعلة بالقناديل منقوشة بالتصاوير مملوءة من الصلبان، وإذا هو بين القسيسين عليهم ثياب المسوح وبأيديهم مجامر يبخرون فيها القسط والكندر وهم يقرؤون كلمات لها شبه بالتسبيح يكررونها حتى حفظها الرجل من تكرارهم إياها ومعناها بالعربية أن الأخيار الذين يسبحون الله تعالى بالليل والنهار فهم أحياء عنده وإن كانوا قد ماتوا، وإن الأشرار والظلمة فهم موتى عند الله وإن كانوا في الدنيا أحياء، ورأى قوماً من الأساقفة بأيديهم أقداح مملوءة خمراً، وفي مناديل لهم أقراص خبز يفرقونها على الناس ويحسونهم بعد ذلك خمراً فتناول ذلك الرجل من تلك الأقراص، وأخذ بحرص ورغبة وتحسى من ذلك الشراب من شدة الجوع والعطش، ثم إنه بعد ساعة لفكّر في حاله كيف حصل في تلك الكنيسة وكيف الرجوع إلى العراق مع طول المسافة ثم تذكر إخوانه ومجلسهم وما تركهم فيه من اللذة والسرور واشتد شوقه إليهم وضجره بمكانه، وما رأى من الأشياء المخالفة لسنة شريعته المغايرة لطبيعته وعادته فضاق صدره واضطرب في منامه من ضجره
فانتبه فإذا هو بالعراق في مجلسه ومكانه بين إخوانه، وتلك الأصوات والروائح التي تأملها قبل نعاسه على ما كانت عليه لم تتغير شيئاً.
حكاية: قيل إن نبياً من أنبياء الله قال في مناجاته مع ربه يا رب لم خلقت الخلق بعد أن لم تكن خلقتهم؟ قال له ربه على سبيل الرمز كنت كنزاً مخفياً من الخيرات والفضائل ولم أكن أعرف فأردت أن أعرف. قال العلامة ابن الجلدي صاحب إخوان الصفا معناه أن لو لم اخلق لحقيق بهذه الفضائل والخيرات التي أفضتها وأظهرتها من عجائب حلقي ومصنوعاتي المحكمات التي كلت الألسن عن البلوغ إلى كنه صفاتها وحارت عقولهم عن كنه معرفتها بحقائقها.
حكاية: قيل إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي، وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة وتحاسد، وكان كل واحد منهما ينتظر لصاحبه الدوائر، فلما ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية ضاق برجل من الدهاقين بالعراق الأمر وتعذرت عليه المطالب فحمل نفسه على أن افتعل كتاباً على لسان يحيى بن خالد البرمكي إلى عبد الله بن مالك بالوصاية به وأكد بمعاونته كل التأكيد ولم يعلم ما بينهما من التباعد فشخص من مدينة السلام إلى أذربيجان وصار إلى باب عبد الله بن مالك بالكتاب فأوصله الحاجب فقال له عبد الله أدخل صاحب هذا الكتاب فأدخله فقال له عبد الله إن كتابك هذا مفتعل ولكنك قد طويت هذه الشقة البعيدة ولسنا نخيبك، فقال الرجل أما كتابي فليس بمفتعل وإن كنت تريد بهذه التهمة أن تردني خائباً فالله ﷿ حسبي وعليه أتوكل فقال عبد الله أفترى أن تحبس في دار وتزاح علتك وأن أكتب وأستطلع الرأي وأعرف نبأ هذا الكتاب فإن كان مزوراً عاقبتك وإن كان صحيحاً أنعمت عليك قال نعم، فأمر عبد الله بحبسه وإزاحة علته وكتب إلى وكيله بالعراق أن رجلاً يسمى فلان بن فلان أورد إليّ كتاباً من يحيى بن خالد فابحث عن أمر هذا الكتاب واكتب إليّ بالحال فيه فصار الوكيل بكتاب عبد الله إلى يحيى وقرأ عليه فدعا بالدواة والقلم وكتب إليه بخطه فلان من أخص الناس إليّ وأوجبهم حقاً عليّ وقد أخبرني صاحبك بشكك في أمره فأزل الشك جعلت فداك وليكن صرفه إليّ معجلاً بما يليق بك، فلما خرج الوكيل قال يحيى لأصحابه ما تقولون في رجل افتعل عليّ كتاباً إلى عبد الله بن مالك ووصل به من مدينة السلام إلى أذربيجان؟ فقالوا جميعاً نرى أن تفضحه وتهتك ستره وتعلن أمره
ليرتدع به غيره ويصير نكالاً وأحدوثة في العالمين، قال لا والله وهذا رأيكم قالوا نعم، قال قبح الله هذا من رأي فما أقله وأقبحه ويحكم هذا رجل ضاق به الرزق فأمّل فيّ خيراً ووثق
بي وشخص إلى أذربيجان مع بعد مشقتها وصعوبة طريقها أتشيرون عليّ أن أحرمه ما أمله فيّ حتى يسيء ظنه بي، فما انا والله ممن يقبل منكم ذلك، ثم أخبرهم بما كتب به إلى عبد الله فتعجبوا من كرمه واحتماله الكذب وورد الكتاب بخطه إلى عبد الله فدعا بالرجل وقد سقط من عينه الاعتراض وسوء الظن بقلبه، فلما دخل عليه قال هذا كتاب أخي قد ورد إليّ بصحة أمرك وسألني تعجيل صرفك إليه فدعا له بمائتي ألف درهم وما يتبعها من الدواب والبغال والجواري والغلمان ثم أصدره، فلما ورد باب يحيى بن خالد أدخل ذلك أجمع إليه وعرضه عليه فأمر له يحيى بمثل ذلك وأثبته في خاصته:
خرجت من شيءٍ إلى غيرهحب الذي يقضي به الحال
لا تنكروا حالي فإني امرؤدارت به في السير أحوال
حكاية: حدث محمد بن اسحق عن أبيه، قال دخلت على الرشيد وبين يديه طبق فيه ورد فقال قل في هذا شيئاً فقلت:
كأنه خد محبوب يقبلهفم الحب وقد أضحى به خجلا
فقالت له جارية كانت على رأسه أخطأت هلا قلت كما أقول:
كأنه لون خدي حين تدفعنييد الرشيد لأمر يوجب الغسلا
قال فضحك الرشيد، وقال الخرج يا اسحق فقد حركتني هذه الماجنة، ثم قام وأخذ بيدها وخلا بها.
حكاية: قيل انقطع عبد الملك بن مروان عن أصحابه فانتهى إلى أعرابي، فقال أتعرف عبد الملك بن مروان؟ قال نعم جائر فاجر قال ويحك أنا عبد الملك بن مروان قال لا حياك الله ولا قربك أكلت مال الله وضيعت حرمته قال ويحك أنا أضر وأنفع قال لا رزقني الله نفعك ولا دفع عني ضررك، فلما وصلت خيله إليه قال يا أمير المؤمنين اكتم ما كان بيني وبينك فالمجالس بالأمانة فضحك عبد الملك وأنعم عليه.
حكاية: قيل إن أعرابياً ولي البحرين فجمع اليهود، وقال ما صنعتم بعيسى بن مريم ﵇ قالوا قتلنا. قال والله لا تخرجوا من السجن حتى تؤدوا ديته، فما خرجوا حتى أخذ منهم الدية كاملة.
حكاية: قيل أهدى أبو جعفر محمد بن علي البحتري
الشاعر المعروف نبيذاً مع غلام حسن
الوجه بديع الوصف فلما رآه البحتري ضمه إليه وقبله وكتب معه هذه البيات:
أبا جعفر كان تقبيلناغلامك إحدى الهبات الهنيه
بعثت غلينا بشمس المدامتشرق في كف شمس البريه
فليت الهدية كان الرسولوليت رسولك كان الهديه
فلما قرأ الأبيات أرسل إليه الغلام.
حكاية: قال بعض الأدباء وصف للمأمون جارية شاعرة فائقة في الجمال والكمال يقال لها فضل، فبعث في شرائها وأتى بها وقت خروجه إلى الروم، فلما همّ ليلبس درعه خطرت بباله فدعا بها فخرجت إليه؟ فلما نظر إليها أعجب بها فقالت ما هذا؟ قال أريد الخروج إلى بلاد الروم فقالت قتلتني والله يا سيدي ثم ذرفت دموعها على خدها، فقال المأمون:
دمعة كاللؤلؤ الرطبعلى الخد الأسيل
هطلت في ساعة البينمن الطرف الكحيل
ثم قال لها أجيزي، فقالت:
حين هم القمر الطالع عنا بالأفولإنما تفتضح العينان في وقت الرحيل
فضمها المأمون إلى صدره، ثم قال لخادمه مسرور أكرمها وأكرم ملحها وأصلح لها كلما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي.
حكاية: قيل إن رجلاً كانت عنده ابنة جميلة تزوجها رجل من أهل النعم وأحبته، فلم تلبث معه إلا قليلاً حتى مات فحزنت عليه حزناً شديداً وكانت تدخل بستاناً لأبيها تخلو فيه وتبكي وتنشد هذه الأبيات:
إنما ابكي لإلفخانه الدهر فمات
قلت للدهر بشجوأيها الدهر أسات
لم تركت الم والأبوبالإلف بدات
إنه أحسن خلقكان لي في الخلوات
ففطن لها أبوها وسمعها تردد البيات فقال لها ما كنت تقولين يا بنية؟ فقالت يا أبتي وجدت الماء قد قلّ ولحق النخل العطش، فلما رأيت ذلك أحزنني فأنشدت:
إنما ابكي لنخلخانه الماء فمات
قلت للماء بشجوأيها الماء أسات
لم تركت الزرع والكرموبالنخل بدات
إنه أحسن شيءكان لي في الثمرات
فقال لها يا بنية هل لك أن أزوجك، قالت لا والله يا أبتي مالي رغبة في زوج، فلم تلبث إلا قليلاً حتى ماتت رحمها الله تعالى.
حكاية: قيل عن أحمد بن اسرائيل كتب إلى الواثق بالله وقد عزله عن الخراج وديوان الخراج وأمر بتقييده لتصحيح حساباته يا أمير المؤمنين بم يستحق الاذلال من أنت بعد الله ورسوله مئل عزه، ولم تزل نفسه راجية لابتداء إحسانك إليه وتتابع نعمك عليه وعينه طامحة إلى تطولك والزيادة في الصنيعة لديه فهب له يا أمير المؤمنين ما يزينك واعف عنه ما يشينك فما له عنك معدل ولا على غيرك معول، فأمر بإطلاق سراحه وأحسن إليه وصار في منزلة رفيعة لديه.
حكاية: قيل إن رجلاً من آل ملهب اشترى غلاماً أسود، فربّاه وتبنّاه، فلما اشتد ساعده وترعرع هوى سيدته فراودها عن نفسها فأجابته إلى ذلك، فدخل مولاه يوماً على غفلة، فإذا هو على صدر سيدته، فعمد إليه وجب ذكره وتركه يتشحط في دمه ثم إنه أدركته عليه رقة وتخوف من فعله، فعالجه حتى أقيل من علته وخرج من مرضه فأقام بعد هذا مدة يدبر على مولاه أمراً يكون فيه شفاء قلبه، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفل والآخر بالغ فغاب الرجل عن منزله لبعض أموره فأخذ العبد الصبيين وصعد بهما إلى ذروة سطح عال وجعل يعللهما بالطعام مرة وباللعب مرة أخرى إلى أن دخل مولاه فرفع رأسه، فإذا هو بابنيه في شاهق؟ فقال ويلك الله الله في تربيتي لك قال دع عنك هذا والله ما هي إلا نفس لأرمين بها قال ويلك ما تريد قال جب نفسك كما جببتني أو لأرمين بهما وإني لأسمح بعدهما بنفسي مثل شربة ماء قال فجعل يكرر عليه وهو يأبى وذهب ليروم الصعود إليهم فأهوى بهما ليرميهما من ذروة ذلك الشاهق، فقال أبوهما ويلك فاصبر حتى أخرج المدية وأفعل ما أردت فأخذ المدية ليريه ما يصنع بنفسه فرمى بذكره وهو يراه، فلما علم أنه قد فعل رمى بالصبيين، وقال ذلك بذاك، وهذه زيادة فتقطع الصبيان وأخذ ذلك الأسود وكتب بخبره إلى المعتصم بالله فأمر بقتله وأن يخرج من مملكته كل عبد أسود.
حكاية: قيل كان رجل له غلام فباعه، وقال للمشتري إني أبرأ إليك من كل عيب به إلا عيب وحاداً قال وما هو قال النميمة قال أنت بريء منه فإني لا أقبل قوله فما لبث إلا قليلاً حتى أتى السيد، وقال إن امرأتك تريد أن تقتلك وتتزوج غيرك قال وما يدريك؟ قال قد عرفت ذلك فتناوم
عليها فإنه سيظهر لك ما أقول ثم أتى إلى المرأة وقال إن زوجك يريد أن يخلعك ويتزوج غيرك، فهل لك أن أرقيك فيرجع إليك حبه؟ قالت نعم ولك كذا وكذا قال ائتني بثلاث شعرات من تحت حنكه، فلما دنت منه لتناول الشعر قام إليها بالسيف ولم يشك فيما قاله الغلام فقتلها وجاء إخوة المرأة فقتلوا الزوج، فذهب كلاهما بسوء صنيع عبدهما وقبولهما نميمته فنعوذ بالله من النميمة ونسأله الحماية منها ومن ذويها.
حكاية: قيل إن أبا نواس أتى إلى بلاد الرشيد يوماً، فلما علم به طلب بيضاً وقال للجماعة الذين عنده هذا أبو نواس على الباب، فكل واحد منكم يأخذ بيضة ويجعلها تحته وإذا دخل أظهرت الغضب على الجميع وقلت لكم بيضوا الآن بيضة بيضة وإلا أمرت بضرب رؤوسكم حتى نرى ما يقول ثم طلبه فدخل فبعد ساعة جال بهم الحديث إلى شيء أغضب الخليفة فأظهر لهم الغضب الشديد وقال لهم الواحد مثل الدجاجة ويدخل ويدخل فيما لا يعنيه بيضوا الآن بيضة بيضة لأنها صفتكم وإلا أمرت بضرب رؤوسكم والتفت إلى من على يمينه، وقال أنت الأوّل بض الآن بيضة فعصر نفسه وتنحنح وتغير وجهه ثم أخرج بيضة فدار على الكل مثل هذا حتى وصلت النوبة إلى أبي نواس فضرب بعضديه على جنبيه ثم صرخ، وقال في صراخه قوققوقو قال يا مولانا لا يصلح الدجاج بغير ديك؟ فهؤلاء دجاج وأنا ديكهم، فضحك الخليفة حتى استلقى على قفاه واستحسن ذلك منه.
وحكى أنه غضب عليه يوماً فأمر جماعة أن يخرؤا على فراشه الذي يرقد عليه فأتوه وهو ببيته، فقالوا له أمرنا الخليفة بأن نخرأ على فراشك، فقال أمر الخليفة مطاع فهل أمركم بشيء غير الخراء قالوا لا فأخذ خشبة بيديه. وقال لهم اخرؤا ولكن إن بال أحدكم منكم ضربت رأسه بهذه الخشبة فما أمكنهم ذلك بغير أن يبولوا فرجعوا إلى الخليفة وأعلموه بذلك فضحك وأمر له بصلة.
حكاية: دخل لص دار مالك بن دينار في الليل فطاف بها، فلم يجد فيها شيئاً فلما همّ بالخروج رفع مالك رأسه وقال يا هذا طلبت الدنيا فما وجدتها عندنا فهل لك أن تقبل على
الآخرة، فقال اللص نعم ثم تقدم إلى مالك فتاب على يديه، فلما طلع الفجر أخذه مالك ومضى به إلى المسجد، فلما رآه التلامذة قالوا للشيخ ما هذا الرجل، فقال هذا لص جاء ليصيدنا فصدناه، فصار ذلك اللص ببركة مالك من كبار الأولياء.
حكاية: قال بعض حكماء
الفرس أخذت من كل شيء أحسن ما فيه فقيل له فما أخذت من الكلب؟ قال حيه لأهله وذبه عن صاحبه قيل فما أخذت من الغراب قال شدة حذره قيل فما أخذت من الخنزير قال بكوره في حوائجه قيل فما أخذت من الهرة قال تملقها عند المسئلة.
حكاية: قيل إن رجل أتى سليمان ﵇، فقال له يا نبي الله علمني منطق الطير، فقال أعلمك بشرط أن لا تخبر به أحداً وإن أخبرت به أحداً مت، فقبل ذلك فعلمه فرجع الرجل إلى داره وأمسى وكان له حمار وثور وديك، فكان الحمار يسأل الثور كيف كنت اليوم؟ قال في عناء وشدة قال أتريد أن لا يحمل عليك غداً فتستريح؟ قال نعم قال لا تأكل العلف الليلة، ففعل وكان الرجل يسمع كلامهما، فلما أصبح أمر أن يحمل على الحمار بدل الثور، فلما كان الليل انصرف الحمار إلى معلفه، فسأله الثور كيف كنت اليوم كأنك لم تعمل قال بلى قد عملت وأصابتني الشدة كما أصابتك إلا أني سمعت أنهم يستعدون لذبحك وقالوا هو عليل لا يصلح إلا للذبح قبل أن يموت فإن أردت السلامة، فكل العلف فضحك الرجل لما فهم من كلامهما، فقالت له امرأته مم تضحك قال لا شيء فألحت عليه، فلم يخبرها مخافة ان يمون؟ فقالت إن لم تخبرني قلت إنك مجنون أو أن لك امرأة غيري قال إن أخبرتك مت، فلم تطاوعه ولم يكن له بدّ منها، فقال أمهليني حتى أوصي، ففعلت فلما أصبح كان يوصي وأمسك الحمار والثور عن الأكل والشرب ولم يمسك الديك عن الصراخ والنشاط، فقال له أصحابه صاحبنا يموت فما هذا النشاط قال الموت لهذا خير من الحياة قالوا ولم ذلك؟ قال إن تحت يدي عشرين وأنا أعولهن وهو لا يقدر أن يعول امرأة واحدة ولا يقدر أن يدفعها عن نفسه قالوا فما يعمل معها قال يأخذ السوط ويضربها إلى أن تموت أو تتوب، فقال الرجل صدق الديك وقام وأخذ السوط وضربها حتى سكتت ورجعت عن ذلك.
حكاية: قيل إن الرشيد خرج يوماً إلى الصيد فانفرد عن عسكره والفضل بن الربيع خلفه فإذا هو بشيخ على حمار، فنظر إليه الرشيد فإذا هو رطب العينين، فغمز الفضل عليه؟ فقال له الفضل أين تريد يا شيخ قال حائطاً لي قال هل لك أن أدلك على شيء تداوي به
عينيك فتذهب هذه الرطوبة، فقال ما أحوجني إلى ذلك؟ فقال خذ عيدان الهوى وغبار الماء وورق الكمأة وصيره في قشرة جوزة واكتحل به فإنه يذهب رطوبة عينيك فانكأ الشيخ على قربوس فرسه وضرط ضرطة طويلة
وقال خذ هذه أجرتك لوصفك وإن نفعنا الكحل زدناك يا ابن الفاعلة، فضحك الرشيد حتى كاد أن يسقط عن ظهر دابته.
حكاية: قيل إن بعض الملوك كان مغرماً بحب النساء وكان وزيره ينهاه عن ذلك فرأته بعض قيانه متغير الحال عليهن، فقالت له يا مولاي ما هذا، فقال لها إن وزيري فلاناً قد نهاني عن محبتكن، فقالت الجارية هبني له أيها الملك وسترى ما أصنع به، فوهبها له فلما خلا بها تمنعت منه حتى تمكن حبها من قلبه، فقالت لا تقربني حتى أركبك وتمشي به خطوات، فأجابها إلى ذلك فوضعت عليه سرجاً وجعلت في رأسه لجاماً وركبته، وكانت قد أرسلت إلى الملك بهذا الخبر فهجم عليه الملك وهو على تلك الحالة، فقال ما هذا أيها الوزير كنت تنهاني عن محبتهن وهذه حالتك معهن، فقال أيها الملك من هذا كنت أخاف عليك فاستحسن منه هذا الجواب.
حكاية: قال هشام الكلبي: إن ناساً من بني حنيفة خرجوا يتنزهون إلى جبل لهم فرأى فتى منهم في طريقه جارية فرمقها وقال لأصحابه لا أنصرف والله حتى أرسل إليها وأخبرها بحبي لها فمنعوه فأبى ان يكف وأقبل يراسل الجارية وتمكن من قلبه حبها فانصرف أصحابه وأقام الفتى في ذلك الجبل فمضى إليها متقلداً سيفاً وهي بين أخوين لها نائمة فأيقظها فقالت انصرف لئلا ينتبه أخواي فيقتلانك، فقال الموت والله أهون مما أنا فيه ولكن إن أعطيتني يدك حتى أضعها على قلبي انصرفت فأعطته يدها فوضعها على قلبه وصدره وانصرف، فلما كانت الليلة الثانية أتاها وهي على تلك الحال فأيقظها، فقالت من ذا وأنشدت تقول:
متى تزر قوم من تهوى زيارتهالا يتحفوك بغير البيض والأسل
تريد بذلك تخويفه. قال الذي يقول:
والهجر أقتل مما أراقبهأنا الغريق فما خوفي من البلل
ثم قال إن مكنتني من شفتيك أرشفهما انصرفت فأمكنته فرشفهما ساعة ثم انصرف فوقع في قلبها من حبه مثل الذي وقع بقلبه منها وفشى خبرهما في الحي فقال أهل الجارية ما
مقام هذا الفاسق في هذا الجبل اخرجوا بنا إليه حتى نخرجه هذه الليلة فبعثت إليه الجارية آخر النهار أن القوم يأتونك الليلة فاحذر، فلما أمسى قعد على مرقب ومعه قوسه وسهمه ووقع في الحيّ أول الليل
مطر فاشتغلوا عنه، فلما كان آخر الليل انقشع السحاب وطلع القمر اشتاقت الجارية فخرجت تريده ومعها صاحبة لها من الحي كانت تثق بها فنظر الفتى إليهما فظن أنهما ممن يطلبه فرمى فلم يخط قلب الجارية فوقعت ميتة فصاحت الأخرى وانحدر الفتى من الجابل فإذا الجارية ميتة والأخرى على رأسها فبكى بكاء الثكلى وقال:
اختلست ريحانتي من يدييا عين أجرى الدمع لا تجمد
كانت هي الأنس إذااستوحشت نفسي من الأقرب والأبعد
وروضة كانت بها مرتعيومنهلاً كان به موردي
كانت يدي كانت بها قوتيفاختلس الدهر يدي من يدي
وقالت صاحبتها الواقفة على رأسها:
نعب الغراب بما كرهت ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتها فاصبر وإلا فانتحر
ثم ضرب الفتى نفسه بسكين كان معه فمات فجاءت أهل الحي وهما ميتان فدفنوهما في قبر واحد.
حكاية: قيل اصطحب أسد وثعلب وذئب فخرجوا يصيدون فصادوا حماراً وظبياً وأرنباً، فقال الأسد للذئب اقسم بيننا صيدنا فقال الحمار لك والأرنب للثعلب والظبي لي فخلبه الأسد فأخرج عينه، فقال الثعلب قاتله الله ما أجهله بالقسمة، فقال الأسد هات أنت يا أبا معاوية فاقسم، فقال يا أبا الحارث الأمر أوضح من ذلك، الحمار لغدائك، والظبي لعشائك، وتخلل بالأرنب فيما بين ذلك، فقال الأسد قاتلك الله ما أقضاك من أين تعلمت هذا قال من عين الذئب.
حكاية: قيل اجتمع السراج الوراق مع أبي الحسن الجزار وابن الفقيسي فمرت بهم جارية بديعة الجمال فقال السراج:
شمائلها تدل على اللطافةوريقتها أرقّ من السلافة
وقال أبو الحسين الجزار:
وفي وجناتها ورد ولكنعقارب صدغها منعت خطافه
قال ابن الفقيسي:
فلو أعطوا الخلافة ذو جماللحق لها بأن تعطى الخلافة
حكاية: قيل إن الوزير نظام الملك أبا الحسن علياً خرج يوماً إلى الصلاة فجلس قليلاً ثم التفت إلى الحاضرين وقال لهم هذا بيت شعر أريد له أوّلاً وهو هذا:
فكأنني وكأنه وكأنهمأمل ونيل حال دونهما القضا
وكان في الجماعة أبو القاسم مسعود الخجندي الشافعي، فقال مرتجلاً:
ببابي حبيب زارني متنكراًفبدا الوشاة له فولى معرضا
حكاية: قيل إن المهدي دخل يوماً وقت الظهر إلى مقصورة جاريته الخيزران على حين غفلة فوجدها تغتسل، فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم يبن من جسدها شيء فأعجبه ذلك واستحسنه ثم عاد إلى مجلسه، وقال من بالباب من الشعراء؟ فقيل له أبو نواس وبشار بن برد قال فليحضرا جميعاً فأحضرا وجلسا قال فليقل كل منكما شعراً يوافق ما في نفسي، فأنشأ بشار بن برد يقول:
تتجنبتكم والقلب صاب إليكمبنفسي ذاك المنزل المتجنب
إذا ذكروا أعرضت لا عن ملالةوذكراكم شيء إلي محبب
وقالوا تجنبنا ولا تقربننافكيف وأنتم حاجتي أتجنب
على أنهم أحلى من المنّ عندناوأطيب من ماء الحياة وأعذب
النص من طبعة مطبعة التقدم العلمية بمصر (١٣٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع