من «نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن» لأحمد الشرواني (ت ١٢٥٣هـ)
الباب الأول في الحكايات (٤)
فقال أحسنت ولكن والله ما أصبت، فقال أبو نواس:
نضت عنها القميص لصب ماءفورّد خدها فرط الحياء
وقابلت الهواء وقد تعرتبمعتدل أرق من الهواء
ومدت راحة كالماء منهاإلى ماء معدّ في الإناء
فلما أن قضت وطراً وهمتعلى عجل لتأخذ بالرداء
وقامت تشرئب على حذاركشبه الظبي أفرد من ظباء
رأت شخص الرقيب على التدانيفأسبلت الظلام على الضياء
فغاب الصبح منها تحت ليلوظل الماء يجري فوق ماء
فسبحان الإله وقد براهاكأحسن ما تكون من النساء
قال المهدي: سيفاً ونطعاً. قال ولم يا أمير المؤمنين؟ قال كنت معنا. قال لا والله يا أمير المؤمنين قد قلت شيئاً خطر ببالي فأمر له بأربعة آلاف درهم وصرفه.
حكاية: حدث الربيع قال ما رأيت قط أثبت قلباً ولا أحضر حجة من رجل من أهل
الكوفة أشخصه المنصور لسعاية سعى بها رجل عليه، وقيل له إن عنده أموالاً لبني أمية وودائع، فلما حضر قال له المنصور أخرج ودائع بني أمية وأموالهم التي عندك. قال الرجل يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية؟ قال: لا. قال أفوصيّ لهم؟ قال لا. قال فبأي شيء أدفع إليك ما في يدي من أموالهم وودائعهم؟ قال فأطرق المنصور رأسه مفكراً في الحجة، ثم رفع رأسه وقال إن بني أمية خانوا المسلمين في أموالهم وأنا وكيل المسلمين في حقوقهم يجب عليّ أن أطالب فيما أخذوه منهم على سبيل الخيانة وأردها إلى بيت مال المسلمين. قال الرجل يا أمير المؤمنين بقيت عليك البينة العادلة أن هذا المال الذي قبلي من تلك الخيانات دون غيرها لقد كان للقوم أموال من وجوه شتى. قال فأطرق المنصور ملياً يطلب الحجة عليه فلم يجدها فالتفت إليّ، وقال يا ربيع أطلق الرجل فوالله ما خاطبت رجلاً مثله قط، ثم قال له سل حاجتك إن كان لك حاجة، قال الرجل والله مالي حاجة إلا إرسال كتاب في البريد إلى أهلي بسلامتي فإن قلوبهم متعلقة بي وبخبري فأمر المنصور بذلك، فقال الرجل يا أمير المؤمنين ما قبلي لني أمية مال قط ولا وديعة وإني أحب أن يأمر أمير المؤمنين بالجمع بيني وبين من سعى بي إليه، فقال له المنصور لم لم تنكر؟ قال فإني لما وقفت هذا الموقف رأيت الاحتجاج أقرب إليّ من الجحود فأمر المنصور بإحضار الساعي فأحضر فإذا هو غلام الرجل قد هرب منه. قال يا أمير المؤمنين هذا والله عبدي قد أبق مني وسرق مني ثلاثة آلاف دينار وأتلفها فشدد المنصور على الغلام، فقال صدق والله يا أمير المؤمنين وإنما كذبت عليه لأشغله عن طلبي، فقال المنصور هب جرمه إليّ وإساءته، فقال أشهدك يا أمير المؤمنين أنه حرّ لوجه الله وإن له من مالي ثلاثة آلاف دينار أخرى، فقال المنصور ما أراد هذا كله منك، قال هذا قليل لمن تكلم أمير المؤمنين فيه، فأعجب المنصور كلامه وأمر له بخلعة حسنة وكان يتعجب أبداً من ثبوته على حجته واجتماع عقله وكرم فعله.
حكاية: قيل إن ملكاً من ملوك الفرس كان سميناً مثقلاً حتى أنه لا ينتفع بنفسه فجمع الأطباء على أن يعالجوه من ذلك فصار كلما عالجوه لا يزداد إلا شحماً فجيء إليه ببعض الحذاق من الأطباء، فقال له أنا أعالجك أيها الملك ولكن أمهلني ثلاثة أيام حتى أتأمل وأنظر إلى طالعك وما يوافقك من الأدوية، فلما مضت له ثلاثة
أيام. قال أيها الملك إني نظرت في طالعك فظهر لي أنه ما بقي من عمرك إلا أربعون يوماً فإن لم تصدقني فاحبسني عندك لتقتصّ مني فأمر الملك بحبسه وأخذ الملك في التأهب للموت ورفع جميع الملاهي وركبه الهمّ والغمّ واحتجب من الناس وصار كلما مضى يوم يزداد هماً ويتناقص حاله، فلما مضت الأيام المذكورة طلب الحكيم وكلمه في ذلك، فقال له أيها الملك إنما فعلت ذلك حيلة على ذهاب شحمك وما رأيت لك دواء يفيدك إلا هذا الدواء فخلع عليه الملك خلعة سنية وأمر له بمال جزيل.
حكاية: سأل بعض الملوك وزيره هل الأدب يغلب الطبع أم الطبع يغلب الأدب؟ فقال الطبع يغلب الأدب لأنه أصل والأدب فرع وكل فرع يرجع إلى أصله، ثم إن الملك استدعى الشراب وأحضر سنانير بأيديهم الشماع فوقفت حوله، فقال للوزير انظر خطأك في قولك الطبلع يغلب؟ فقال الوزير أمهلني الليلة. قال قد أمهلتك، فلما كان الليلة الثانية أخذ الوزير في كمه فأرة وربط في رجلها خيط ومضى إلى الملك، فلما أقبلت السنانير بأيديها الشماع أخرج الفأرة من كمه، فلما رأتها السنانير رمت بالشماع وتبعت الفأرة فكاد البيت أن يحترق، فقال الوزير انظر أيها الملك كيف غلب الطبع الأدب ورجع الفرع إلى أصله؟ قال صدقت لله درك.
حكاية: قيل إن ابراهيم بن المهدي اختفى مرة عن المأمون عند عجوز فقالت له سأحتال لك في شيء من الدراهم، فقال لا بأس فأتت المأمون وقالت له إن دللتك على ابراهيم بن المهدي ماذا تجعل لي؟ قال مائة ألف درهم، فقالت وجه معي رسولاً ومره أن يطيعني في جميع ما آمره به وأعطه ألف دينار وأمره بما قالت فجاءت به إلى مسجد فيه صندوق كبير وقالت له ادخل في هذا الصندوق فامتنع، فقالت له ألم يأمرك أمير المؤمنين بطاعتي فكيف تمتنع وإن لم تفعل انصرفت فدخل حسين في الصندوق وأتت بحمال فحمله فجعلت تطوف به في الأسواق والشطوط فمرّة يسمع صوت الحدادين ومرة يسمع صوت الملاحين، فلما
أظلم الليل أدخلته داراً وفتحت عنه فإذا هو بمجلس عظيم وفي صدره ابراهيم بن المهدي يشرب وبين يديه قيان يغنين فأكب على رجلي ابراهيم يقبلهما وتناولت العجوز منه الدنانير فسأله ابراهيم عن المأمون وناوله القدح فشرب ثم قدم له
طعاماً فأكل ثم سقاه شراباً فيه بنج، فلما سكر أدخل في الصندوق وقفل عليه وحمل إلى باب العامة فألقي هناك، فلما اصبح الناس رأوا الصندوق وليس معه أحد فأنهوا خبره إلى المأمون فأحضر وفتح فإذا حسين الخادم ملوث فعولج حتى أفاق، فقال له المأمون رأيت ابراهيم؟ قال أي والله يا أمير المؤمنين. قال أين هو؟ قال لا أدري وحدثه بالقصة، فقال المأمون خدعتنا والله العجوز وذهب المال.
حكاية: قيل إن الحجاج أمر بضرب عنق شخص، فقال لحاجبه أريد أن أكلم الأمير قبل أن يقتلني، فقال له الحجاج قل، فقال أيها الأمير لا أحب أن أكلمك إلا وأنا أمشي معك مكتوفاً بحالي في إيوانك من أوله إلى آخره وما على الأمير في ذلك من بأس ولا يحول بينه وبين ما يريد مني شيء فأخذ يتمشى معه في الإيوان فلما بلغ إلى آخره. قال أيها الأمير إن الكريم يراعي صحبة ساعة وقد صحبت الأمير في هذه المشية وهو أولى من رعى حق الصحبة، فقال الحجاج خلوا سبيله، فقال والله لقد صدق، ثم أمر له بعطية ومشى الرجل لشأنه.
حكاية: قيل إن رجلاً جلس يوماً يأكل هو وزوجته وبين يديهما دجاجة مشوية وإذا بسائل عند الباب فخرج إليه فانتهره فاتفق بعد ذلك أن الرجل افتقر وزالت نعمته وطلق زوجته وتزوجت برجل آخر فجلس في بعض الأيام يأكل معها وبين يديهما دجاجة وإذا بسائل يقرع الباب، فقال لزوجته ادفعي إليه هذه الدجاجة فخرجت إليه فإذا هو زوجها الول فدفعت إليه الدجاجة ثم رجعت وهي باكية فسألها عن بكائها فأخبرته أن السائل كان زوجها وأخبرته بقصة ذلك السائل الذي انتهره زوجها الأول، فقال لها والله أنا ذلك السائل.
حكاية: قيل إن معاوية لما ولى زياد بن سمية العراق، وهم يقطعون السبيل ويفسدون فيها ويسرقون فأول ما قدم عليهم قصد الجامع فرقى المنبر وخطب، ثم قال والله لئن خرج أحد بعد العشاء لآخذن رأسه فليعلم الحاضر الغائب، ثم أمر منادياً نادى في البلاد ثلاثة أيام، فلما كانت الليلة الرابعة خرج زياد، وقد مضى من الليل ثلثه وجعل يطوف بخلال البلاد
فرأى رجلاً راعياً ومعه غنم، فقال له زياد ما تصنع ههنا قال أتيت البلاد ولم أجد موضعاً أستقر فيه فنزلت مكاني إلى الصبح لأبيع غنمي غداً إن شاء الله تعالى، فقال له زياد والله إني أعلم أنك صادق، ولكنني إن تركتك خفت أن يشيع الخبر عني، فيقال إن زياداً
يقول ولا يفعل فتفسد سياستي وتنكسر هيبتي والجنة خير لك وضرب عنقه حتى أتى في الليلة على خمسة آلاف وخمسمائة نفس وجعل رؤوسهم على باب داره فهابه الناس وفزعوا لما رأوا من أفعاله، فلما كان في الليلة التي بعدها خرج أيضاً فلقي ثلثمائة رجل فأخذ رؤوسهم فلم يقدر أحد بعد ذلك أن بخرج من بيته بعد العشاء، فلما كان يوم الجمعة رقى المنبر، وقال لا يغلق أحد باب دكانه ليلاً ومهما سرق شيء فهو عليّ فلم يقدر أحد منهم أن يغلق دكانه فجاءه رجل صيرفي بعد أيام يسيرة، وقال إنه سرق من دكاني البارحة أربعمائة دينار، فقال له زياد هل تقدر أن تحلف على ما تدعيه، قال نعم فاستحلفه ووزن له عوض ذهبه، ثم استكتمه فلما كان يوم الجمعة خطب الناس وقال إن فلاناً الصيرفي قد سرق له من دكانه أربعمائة دينار والآن كلكم حاضرون فإن أرجعتم ذلك فقد عاد إلى الرجل ماله، وإن لم ترجعوا فقد آليت على نفسي لا يمكن أحدكم أن يخرج من الجامع، وأمرت بقتل الجميع في هذه الساعة ففي الحال ألزموا من من كان يتهم بسرقة وقدموه بين يديه فرد حينئذ السارق ما أخذ وأمر بصلبه فصلب في الحال ثم قال أي محلة في البصرة لم يكن فيها أمن ولا هيبة، فقيل له محلة بني الأزد فأمر بثوب من ديباج له ثمن عظيم أن يلقى على قارعة الطريق بتلك المحلة فبقي الثوب على ذلك أياماً لم يقدر أحد أن يرفعه من مكانه.
حكاية: ذكر صاحب حياة الحيوان أن الأسد لما مرض عادته السباع إلا الثعلب فنمّ عليه الذئب فقال له إذا حضر فأعلمني فأخبر بذلك الثعلب، فلما حضر أعلمه فقال له الأسد أين كنت إلى الآن، قال في طلب الدواء لك، قال فأي شيء أصبت قال خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج، فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب وانسل الثعلب منهم فمرّ به الذئب بعد ذلك ودمه يسيل، فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر إلى ما يخرج من رأسك.
حكاية: قيل لما وفد قيس بن عاصم على رسول الله ﷺ سأله بعض
الأنصار عما يتحدث به المؤودات فأخبره أنه ما ولدت له بنت إلا وأدها قال كنت أخاف العار وما رحمت منهن إلا بنية كانت ولدتها أمها وأنا في سفر فدفعتها إلى إخوانها وقدمت أنا من سفري فسألتها عن الحمل، فأخبرت أنها ولدت ولداً ميتاً وكتمت حالها حتى مضت على ذلك سنون وكبرت الصبية وينعت فزارت أمها
ذات يوم فدخلت فرأيتها. وقد ظفرت شعرها وجعلت في قرونها جداداً ونظمت عليه ودعاً وألبستها قلادة من جزع فقلت لها من هذه الصبية وقد أعجبني جمالها فبكت أمها، وقالت هذه ابنتك فأمسكت عنها حتى غفلت أمها، ثم أخرجتها يوماً فحفرت حفرة وجعلتها فيها، وهي تقول يا أبت ما تصنع أخبرني بحقك وجعلت أقلب عليها التراب وهي تقول يا أبت أنت مغط عليّ بهذا التراب أنت تاركي وحدي ومنصرف عني وجعلت أقرف عليها حتى وارتها وانقطع صوتها فتلك حسرتها في قلبي فدمعت عينا رسول الله ﷺ، وقال إن هذه لقسوة ومن لا يَرحم لا يُرحم.
حكاية: قيل إن علياً ﵁ خطب ذات يوم، فقال في خطبته عباد الله الموت الموت وليس منه فوت إن أقمتم أخذكم وإن فررتم عنه أدرككم الموت معقود بنواصيكم فالنجاة النجاة والوحا الوحا، ألا إن وراءكم طالباً حثيثاً، وهو القبر ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلا أنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول أنا بيت الظلمة أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود إلا أن وراء ذلك اليوم يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير - وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد - ألا وإن وراء ذلك اليوم نار حرها شديد وقعرها بعيد وجبلها حديد وماؤها صديد ليس لله فيه رحمة. قال فبكى المسلمون بكاء شديداً، فقال ألا وإن وراء ذلك اليوم - جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين - أجارنا الله وإياكم من العذاب الأليم.
حكاية: قيل قصد بعض الدباء باب معن بن زائدة فوعده وماطله فنفدت نفقته وضاق لذلك صدره وعزم على الانصراف عن بابه فكتب إليه أبياتاً يقول فيها:
بأي الحالتين عليك أثنيفإني عند منصرفي لمسئول
أبا لحسني وليس لها دليلعليّ فمن يصدق ما اقول
أم الأخرى ولست لها حليفاًوأنت لكل مكرمة فعول
قال فلما قرأ ذلك معن دعا به فاعتذر إليه وأمر له بعشرة آلاف درهم.
حكاية: قيل إن الحجاج خطب يوماً وأطال فقام رجل من القوم، وقال الصلاة يا حجاج فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك فأمر بحبسه فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله، فقال إن أقرّ بالجنون خليته فقيل له، فقال معاذ الله لا أقول إن الله ابتلاني وقد عافاني فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه ولله در من قال:
عليك بالصدق ولو أنهأحرقك الصدق بنار الوعيد
وأبغ رضا الله فأغبى الورىمن أسخط المولى وأرضى العبيد
ويقال الصدق عمود الدين وركن الأدب وأصل المودة ولا تتم هذه الثلاثة إلا به وقال النبي ﷺ إيّاكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، وقال بعض الحكماء من قلّ صدقه قل صديقه، وقال بعضهم لو صوّر الصدق لكان أسداً ولو صوّر الكذب لكان ثعلباً.
حكاية: قال الأصمعي رأيت سعدون المجنون جالساً عند رأس شيخ سكران يذب عنه الذباب، فقلت له ما لي أراك جالساً عند رأس هذا الشيخ؟ قال إنه مجنون فقلت له أنت المجنون أم هو؟ قال بل هو. قلت من أين؟ قال لأني صليت الظهر والعصر في جماعة وهو لم يصلّ جماعة ولا فرادى، فلت وهل في ذلك قلت شيئاً؟ قال نعم:
تركت النبيذ لأهل النبيذوأصبحت أشرب ماء قراحا
رأيت النبيذ يذل العزيزويذرى الوجوه الملاح الصباحا
فإن كان ذا جائز للشبابفما العذر فيه إذا الشيب لاحا
فقلت له صدقت وانصرفت.
حكاية: قيل عن زبيدة لامت الرشيد على حبه للمأمون دون ولدها الأمين، فقال لها الآن أريك عذري فدعا ولدها محمد الأمين، وكانت عنده مساويك، فقال له يا محمد ما هذه؟ فقال له مساويك ودعا المأمون وقال له ما هذه يا عبد الله؟ فقال ضدّ محاسنك يا أمير المؤمنين، فقالت زبيدة الآن بان لي
عذرك.
حكاية: يروى أنه كان لبعض الملوك شاهين، وكان مولعاً به فطار يوماً ووقع على منزل عجوز فلزمته، فلما رأت منقاره معوجاً، قالت هذا لا يقدر أن يلقط الحب فقصته بالمقص، ثم نظرت إلى مخالبه وطولها، فقالت وأظنه ى يستطيع المشي فقصتها. تحكمت فيه شفقة عليه بزعمها، وأهلكته من حيث أرادت نفعه، ثم إن الملك بذل الجعائل لمن يأتيه بخبره فوجدوه عند العجوز فجاؤوا به إلى الملك، فلما رأى حاله قال أخرجوه، ونادوا عليه هذا جزاء من أوقع نفسه عند من لا يعرف قدره.
حكاية: قيل لما ولي المأمون الخلافة عرضت عليه سيرة أبي بكر ﵁، وفي آخرها، وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة عمر ﵁ وفي آخرها وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة عليّ كرم الله وجهه وفي آخرها وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة معاوية بن أبي سفيان وفي آخرها، وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها كيف شاء قال إن كان فهذا.
حكاية: قيل إن الرشيد جمع أربعة من الأطباء عراقياً ورومانياً وهندياً وسوادياً فقال ليصف كل منكم الدواء الذي لا داء فيه فقال الرومي له الدواء الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض، وقال الهندي الماء الحار، وقال العراقي الاهليلج الأسود، وكان السوادي أبصرهم برقة المعدة، فقال له ما تقول؟ قال الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه وتقوم عنه وأنت تشتهيه. وقال بعض الفضلاء سألت طبيباً فارسياً، فقلت إنا قوم نتغرب فتتغير علينا المياه فصف لنا ما تعالج به، فقال دعوا كل الأدوية وعليكم بالأغذية وما يخرج من الضرع والنحل وعليكم بأكل اللحم وشرب ماء الكرم ودخول الحمام ولبس الكتان.
حكاية: دخل أبو دلامة الشاعر على المهدي يوماً فسلم عليه ثم قعد وأرخى عيونه بالبكاء، فقال له مالك قال ماتت أم دلامة، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ودخلت له رقة، لما رأى من جزعه، فقال له عظم الله أجرك يا أبا دلامة وأمر
له بألف درهم، وقال له استعن بها في مصيبتك فأخذها ودعا له وانصرف، فلما دخل إلى منزله قال لأم دلامة اذهبي فاستأذني
على الخيزران جارية المهدي فإذا دخلت عليها فتباكي وقولي مات أبو دلامة فمضت واستأذنت على الخيزران فأذنت لها، فلما اطمأنت أرسلت عينها بالبكاء، فقالت لها مالك قالت مات أبو دلامة، فقالت إنا لله وإنا إليه راجعون عظّم الله أجرك وتوجعت لها، ثم أمرت لها بألفي درهم فدعت لها وانصرفت فلم يلبث المهدي أن دخل على الخيزران، فقالت يا سيدي أما علمت أن أبا دلامة مات، قال لا يا حبيبتي إنما هي امرأته أم دلامة، قالت لا والله إلا أبو دلامة فقال سبحان الله خرج من عندي الساعة، فقالت وخرجت من عندي الساعة، وأخبرته بخبرها وبكائها فضحك وتعجب من حيلتهما.
حكاية: أخبر احمد بن بكر الباهلي. قال حدثني حاجب المهدي قال قال لي المهدي يوماً نصف النهار اخرج وانظر من الباب فخرجت فإذا شيخ واقف، فقلت ألك حاجة قال ما يمكن أن أخبر بها أحداً غير أمير المؤمنين فتركته ودخلت، وقلت شيخ قد سألته ألك حاجة قال ما يخبر إلا أمير المؤمنين، فقلت أيدخل؟ قال نعم ومره بالتخفيف فخرجت، وقلت له ادخل وحفف فدخل وسلم بالخلافة، ثم قال يا أمير المؤمنين إنا قد أمرنا بالتخفيف، وأنشأ يقول:
فإن شئت خففنا فكنا كريشةمتى تلقها الأنفاس في الجو تذهب
وإن شئت ثقلنا فكنا كصخرةمتى تلقها في حومة البحر ترسب
وإن شئت سلمنا فكنا كراكبمتى يقض حقاً من سلامك يعزب
قال فضحك المهدي وقال بل تكرم وتقضي حاجتك فقضى حاجته وأمر له بعشرة آلاف درهم.
حكاية: قال الأديب أبو يعقوب كنت جالساً عند معن بن زائدة وإذا عليه إزار يساوي أربعة دراهم، فقال يا أبا يعقوب هذا إزاري وقد قسمت العام في قومك خاصة أربعين ألف دينار، قال فبينما نحن نتحدث إذ أبصر أعرابياً يخبّ في مشيته من خوخة له مشرفة على الصحراء، فقال لحاجبه إن كان هذا يريدنا فأدخله فدخل الأعرابي وسلم وأنشأ يقول:
أصلحك الله قلّ ما بيديفلا أطيق العيال إذ كثروا
ألح دهري ورمى بكلكلهفأرسلوني إليك وانتظروا
قال فاضطرب وقال أرسلوك وانتظروا، يا غلام ما فعلت بغلتنا الفلانية، قال حاضضرة،
قال كم عليها قال ألف دينار قال اطرحها له، ثم قال له اذهب إليهم بما معك، ثم إذا احتجت فارجع إلينا.
حكاية: حدث العتابي، قال دخلت على عبد الله بن طاهر وهو يريد مصر فقلت السلام عليك أيها المير، فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال وما الخبر؟ فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما فقال هاتهما فقلت عند ذلك:
حسن ظني وحسن ما عود اللهيقينا بك الغداة أتى بي
أي شيء يكون أحسن من حسنيقين أعدي إليك ركابي
فقال أحسنت والله يا غلام احمل إليه ثلاثين ألف درهم قال والله لقد سبقني بها الغلام إلى منزلي فلما كان من الغد دخلت عليه فقلت السلام عليك أيها الأمير فقال وعليك السلام ما الخبر فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما فقال هاتهما فقلت:
وجهي قد يكفيك في حاجتيورؤيتي تكفيك عن السؤال
وكيف أخشى الفقرما عشت لي وإنما كفك لي بيت مال
قال أحسنت والله يا غلام احمل إليه ثلاثين ألف درهم فسبقني بها الغلام أيضاً إلى منزلي، فلما كان اليوم الثالث دخلت عليه ورجله في الركاب، فقلت السلام عليك أيها الأمير، فقال وعليك السلام ما الخبر فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما، فقلت هاتهما فقلت:
إن خير الثياب يخلقه الدهروثوب الثنا ثوب جديد
أكسني ما يبيد أصلحك اللهفإني أكسوك ما لا يبيد
فقال أحسنت والله يا غلام احمل إليه أربعين ألف درهم.
حكاية: قيل لما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من علي كرم الله وجهه فقام الحسن ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، وقال إن الله ﷿ لم يبعث نبياً إلا جعل له عدوا من المجرمين فأنا ابن علي وأنت ابن صخر وأمك هند وأمي فاطمة وجدك حرب وجدي رسول الله ﷺ فلعن الله ألأمنا حسباً وأخملنا ذكراً وأعظمنا كفراً وأشدنا نفاقاً فصاح أهل المسجد آمين آمين فقطع معاوية خطبته ودخل منزله.
حكاية: قيل إن أبا دلامة الشاعر كان واقفاً بين يدي السفاح في بعض
الأيام فقال له سلني
حاجتك، فقال له أبو دلامة أريد كلب صيد، فقال أعطوه إياه فقال وأريد دابة أتصيد عليها قال أعطوه إياها قال وغلاماً يقود الكلب ويصيد به. قال وأعطوه غلاماً قال وجارية تصلح الصيد وتطعمنا منه قال أعطوه جارية. قال هؤلاء يا أمير المؤمنين لابد لهم من دار يسكنونها، فقال أعطوه داراً تجمعهم قال وإن لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون قال قد أقطعتك عشر ضياع عامرة وعشر غامرة، قال وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال ما لا نبات فيها قال أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيا في بني أسد، فضحك منه، وقال اجعلوها كلها عامرة.
حكاية: قيل اجتاز بعض المغفلين بمنارة وكانوا ثلاثة نفر، فقال أحدهم ما كان أطول البنائين في الزمن الأول حتى وصولا إلى رأس هذه المنارة فقال الثاني يا أبله كل أحد يبنيها ولكن يعلمونها على وجه الأرض ويقيمونها فقال الثالث يا جهال كانت هذه بئراً فانقلبت منارة.
حكاية: قال بعض الفضلاء كنت في ضيق من العيش وشدة من الإفلاس فشكوت حالي إلى حبيب لي كان كثير الصلاح، فقال لي اقرأ هذه الأبيات وكررها فإن الله يفرج عنك الهموم ويحسن حالك قال فكررتها أياماً فحسنت أحوالي ورزقني الله تعالى من حيث لا أحتسب، وهي هذه:
يا من تحل بذكرهعقد النوائب والشدائد
يا من إليه المشتكىوإليه أمر الخلق عائد
يا حي يا قيوم يامن قد تنزه عن مضادد
أنت الرقيب على العباد وأنت في الملكوت واحد
أنت المعز لمن أطاعك والمذل لكل جاحد
إن الهموم جيوشهاذا القلب مني قد تطارد
فافرج بحولك كربتييا من له حسن العوائد
فخفّي لطفك يستعان به على الزمن المعاند
أنت المسير والمسبب والمسهل والمساعد
سبب لنا فرجاً قريباًيا إلهي لا تباعد
كن راحمي فلقد أيست من الأقارب والأباعد
ثم الصلاة على النبيوآله الغرر الأماجد
تم الباب الأول من كتاب مفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن بعون الله المؤمن المهيمن فالحمد له ما دامت االأزمن والصلاة والسلام على رسوله وأصحابه ما دام تجري في البحور السفن
الباب الثاني
نذكر فيه مناظرة النرجس والورد المسماة بالجوهر الفرد للشيخ الأديب أبي الحسن علي بن محمد المارديني ﵀ خدم بها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن كشك ومناظرة المنجم والطبيب المسماة بمنية اللبيب للشيخ الأديب العلامة.
محمد مؤمن بن الحاج محمد قاسم الجزائري رحمه الله تعالى
الجوهر الفرد
﷽
الحمد لله الذي أنبت في رياض الخدود وردة الخجل وزين أغصان القدود بنرجس حين المقل وأوضح لذوي الدب سبيل البلاغة فاتضح واستجلوا من وجوه المعني عيون الملح، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفارق بين الشك واليقين بقول غير ملتبس وعلى الآل والأصحاب ما خجلت خدود الورد من تغازل عيون النرجس وبعد: فلما كان الورد والنرجس من أحسن الأزهار وصفاً وألطفها شكلاً وأطيبها عرفاً، وقد اختلف بينهما في التفضيل وأيهما إذا حضر كان لبيت البسط تكميل مثلّتهما كالخصمين في المناظرة واستنطقت لسان حالهما على سبيل المحاظرة فقال الورد: الحمد لله الذي أنزل في محكم القرآن - فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان - والصلاة والسلام على نبيه محمد المبعوث إلى الأسود والأحمر الذي نسخ بشريعته البيضاء ملة بني الأصفر، وبعد فإن الله تعالى فضلني على سائر الزهور بأرفع المراتب، فوجب عليّ شكر نعمته وشكر المنعم واجب، فيّ تتجمّل المجالس والمحافل:
وإني وإن كنت الأخير زمانهلآت بما لم تستطعه الأوائل
كفاني الله عن حسودي، فالروض ملكي والزهر جنودي وما فيهم من خرج عن أعلامي السلطانية، وكيف لا يطيعوني وشوكتي فيهم قوية فازورّت أحداق النرجس، وقام على ساقه في المجلس، وقال أقسم بمن أنزل في كتابه المبين - صفراء فاقع لونها تسر الناظرين - وحق محمد المحمود الذي أوحي إليه - قتل أصحاب الأخدود - لقد مدحت نفسك بالكمال مع نقصك وما جررت النار إلا إلى قرصك أتعيرني بالاصفرار وهو لون التبر إذا أنسبك وتفتخر عليّ بالاحمرار فما أحمرك فتأدب في
مقالك واذكر سرعة زوالك واحفظ حرمتك
وإلا كسرت شوكتك، فقال الورد ويلك ما اقوى عينك وأكثر مينك أتجعل مقامك مقامي، وأنت من بعض خدامي ولو لم تكن قليل الحرمة ما كنت جالساً وأنت واقف في الخدمة ألك مثلي حسن منظر ومخبر، أما سمعت أن الحسن أحمر وإن عيرتني بقصر مدتي، فقد استنبت عني بخليفتي ولم يزل جمال المقامات ومن خلف مثله ما مات أتحسب أن محاسني مثل محاسنك متناهية، وكيف ينقطع عملي ولي صدقة جارية فشتان بيني وبينك، وإن لم تنته عن جدالي قلعت بشوكتي عينك، وأنشد لسان حاله:
لجمال وجهي تشخص الأبصارولعز مجدي تخضع الزهار
لي بهجة وردية في وجنتيولها من ورق الجديد عذار
وملابسي من سندس فتق الشذاأكمامها فانفضت الزرار
فكأنني هذا الحبيب إذا بدانشوان قد دارت عليه عقار
لا غرو إن صرف المحب على حياة فكم في وجنتي دينار
حرمي غدا لذوي الخلاعة آمنامن حوله تتخطف البصار
ولي المهابة والبهاء وأنت منحسد وغيظ قد علاك صفار
ما شانني قصر الزمان ولا يرىلك في لياليك الطوال فخار
لكنّ أيامي سرور كلهاوكذاك أيام السرور قصار
فقال النرجس يا قليل المودّة، ويا قصير المدّة أين العيون من الخدود، وأين الجافي من الودود، أنا أوفى بميثاقي ومن يزرني أجلسه على أحداقي، فيقول لي من أفضت عليه السرور فيضاً، لقد أكرمت ضيفك، فعليك الراية البيضا، وأنت طالما جنى شوكك على جناك فذقت عذاب النار، ذلك بما كسبت يداك، سرقت لون الحبيب وتسترت بالورق فقطعوك والقطع حد من سرق واستقطروا دمعك وأذاقوك الحرق وقيل لتركبنّ طبقاً عن طبق، وأي فخر في احمرارك الشريق، وكم بين التبر والعقيق فلا تبهرج زيفك على خالص اللجين، وارجع عن المناظرة فما جئتك إلا بعين، هذا ولي في السبق قصبات، وكم جلوت صداع القلب بطيب النفحات، وإذا وفد جيش الزهر فلي في طلائعه عيون - والسابقون السابقون أولئك المقربون - وأنشد:
فقت الزهور جميعها بتقدميفأنا المقيم على الوفا يا متهمي
أدعو الندامى بالمسرة والهناوكما علمت شمائلي وتكرمي
وآتي الجليس بناظري وأروقهحسناً وساقي في يديه ومعصمي
وأغض طرفي إن خلا بحبيبهوأصون سر العاشق المتكنم
وإذا غفا المحبوب كنت لحفظهخوفاً عليه من الدبيب المجرم
وأغازل الأجفان وهي نواعسوإليّ تشبيه اللواحظ ينتمي
وترى حجيج اللهو حولي طائفاًوجميع أيامي كيوم الموسم
أين العيون من الخدود نفاسةلولا فساد قياس من لم يعلم
فافهم وكن عن رتبتي متاخراًواعلم بأن الفضل للمتقدم
فاحمر خد الورد والتهب وظهرت في وجهه صورة الغضب، وقال يا قويّ العين ويا لون اللجين، خلّ عنك الحماقة، ولا تدخل في باب مالك به طاقة فلقد استحقيت المقت، ولا أبالي بك ولو برقت كيف تفاخر بصفارك حمرة الخدود ومن أين لبياض أجفانك المغازلة للعيون السود، أتناظر بعماشك عيون الملاح؟ ما أنت يا عيون النرجس إلا وقاح أتعيرني بحسن الابتلاء وهو الفضل، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل) طالما ابتليت فصبرت وما شكوت حالي بل شكرت أبيت بزفرة لا تخمد وأدمعي تتحدر وانفاسي تتصعد أحبس بلا ذنب وأعصر فتجري دموعي وما هي إلا مهجة تذوب فتقطر وما ضر ابراهيم إلقاؤه في نار النمروذ ولا شان يوسف سجنه مع فضله المشهود مع أني طالما لثمت الثغور والعناق وفزت بالشم والضم والعناق زكا مني الأصل والفرع ولا انزل بواد غير ذي زرع وأقسم ببديع حسني وتسبيح أوراقي وسموّي عن مراعاة النظير بتوجيه طباقي ما أنت مجانسي في المقابلة ولا موازني في المشاكلة ولا لاحقي في الطي والنشر وأنا سيد زهر الربيع ولا فخر فلا تطل الشقاق والنفاق لا بدّ لك من الوقوف في خدمتي ولو قامت الحرب على ساق أي فضل لك في التقديم وكم بين الحبيب والكليم وإن أردت كشف التلبيس فتفكر في فضل آدم على ابليس، وكم بين الشمس والنجوم - وما منا إلا له مقام معلوم - وهل أنت إلا من بعض جنودي والمبشرين بوردي وأنا منك بالفضل أولى -
وللآخرة خير لك من الوى - وأنشد:
لم يزدك التقديم في الفضل شيئاًوأنا ما نقصت بالتأخير
بيننا في القياس فرق لطيفمثل ما بين يوسف والبشير
فحدق النرجس وحولق، ورفع رأسه بعد أن أطرق، وقال إن افتخرت بآثارك فليست العين كالأثر، وإن كنت مباشر الثغور، فأنا إلى حسن النظر مع أنهم أرخصوا بك في التعسير، وما عصروك عن ذنب كبير، ولو لم تكن من المتمردين والنجاس، ما حبسوك في قماقم النحاس. أنت في افتخارك كما قالت الحكماء أنف في الماء واست في السماء، تتطفل على الموائد، ولا تصبر على طعام واحد، وأقسم بقدي الرشيق ولوني الشريق وبياض صحائفي واخضرار سوالفي لئن لم تصن بهجتك المسبوكة وتستر فضائحك المهتوكة لأقطعن طرقك المسلوكة وأجعلن حرفتك متروكة ولا اترك لك في عصبة الزهار شوكة وأذيقك عذاب الهون، أتعيبني وكلك عيوب وكلي عيون أنا طبعي الوفاء، وأنت طبعك الغدر، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض من الزهر ولا فخر، ولولا خشية التطويل عددت معايبك على التفصيل، ولكن شيمتي غض الطرف في المجلس، وما أحسن الغض من النرجس، وإن تشبهت بالشمي أنا بكسوفك شامت، وإن كنت من السيارة فأنا من النجوم الثوابت، وشتان بين طالع وىفل، وكم بين مقيم وراحل، وإن لم ترجع إلى السكينة والوقار، لأريك النجوم بالنهار، أين قضبان الزمرد دمن شوك القتاد، وكم بين مريد ومراد، وأقسم بمن زين السماء بزينة الكواكب، إن لم ترجع لأرمينك بشهاب ثاقب، وأسلط عليك رجوم نجومي، وأقول مضمناً قول ابن الرومي:
عجبت للورد إذا وفى بناظرهوزاد في تقوّله عجباً وفي شططه
يبدو وطياته من حول حمرتهكصرم بغل وباقي الروث في وسطه
فخجل خد الورد حتى كلله من الطل العرق، وكاد خوف الفضيحة يتستر بالورق، ثم إنه استشاط كمن أطلق من عقال، وسطا على النرجس بشوكه وقال، يا نفاضة المحافل ولفاظة المزابل، كم بين مهتوك ومصون، ومتروك ومخزون، فجلّ القضية أنك راجل وأنا فارس، وتقوم في الخدمة وأنا جالس، ولولا فجورك وقوّة الحدقة ما جئت تزاحمني في الطبقة وأنشد:
أما وفتور أجفاني النواعسوتنزيهي المحاضر والمجالس
وإشراقي لعشاقي وما قدكساني الله من أسنى الملابس
وما قد حزت من نشر شذاهيفوح بطيّ أنفاسي النفائس
لقد عديت طورك في مقاميوهل أحد بمثلك لي يقايس
أنا في البسط فاتح كل بابوخاتم كل زهر في المجالس
وإن زفت كؤوس الراح أجليعلى صحبي كما تجلى العرائس
وإن نحن اجتمعنا في مقامتقم في خدمتي وأظل جالس
وإن تك حارساً ما ذاك فخرفكم ما بين سلطان وحارس
دع التعريض أو صحف فإنيأراك إن التقى الجمعان ناعس
وهل للحب من حسن إذا مايكون الورد في خديه غارس
فقال النرجس أنا عيون المجالس وشكوع المجالس وأنيس النديم، وقد خلقني الله في أحسن تقويم من أين لك لطفي ودلالي، وقد فاتك ليني واعتدالي وبي تشبه عين الحبيب فاعلم ولأجل عين ألف عين تكرم، وكثيراً ما بينك وبيني وإن عدت إلى مثلها سقطت من عيني وأنشد:
وأما فتور أجفاني النوائسولحظ دونه لحظ الكوانس
وأحداق تصيد الأسد صيداًوألباب الرجال لها فرائس
وعينيّ الوقاح ولين عطفي الترشيق إذا بدا في الروض مائس
لئن لم تنته يا ورد عنيوتترك ما لديك من الوساوس
رشقتك صائباً بسهام عينيوأجعل ربعك المهدوم دارس
أنا أبهى وألطف منك معنىوأزهى في المجالس للمجالس
وكم منعته نظراً وشماًولنت له ولا أوذي الملامس
وعن أهل الغرام أغض طرفيوإن نام الحبيب فنعم حارس
أقوم بخدمة الندمان جهديوتقعد عن مقامي في المجالس
لفخرك لم أجد وجهاً لأنيأنا رأسي الزهور فلا تراوس
فقال الورد والذي خلق الانسان من علق وألبس الخد حلة الشفق ودرج الوجنات بحجرة الخجل ودبج بالتوريد مواقع القبل لقد جزت في القول حداً
ولقد جئت شيئاً إدّا تريد أن تميز نفسك بتقويمها وإنما الأعمال بخواتيمها أنا خد الحبيب نصيبي والروح يلتبس ويتمسك
بذيل طيبي أتشك في أن أحسن صفات المدام الورديه لقد تفتت قلبي من عينك القوية أتروم تعطي فضلي بغضاً منك وسخطاً، أما سمعت في الأمثال أن الشمس ما تتغطى، وأنشد:
أنا والراح للأرواح راحهوكم في قبض ساقي بسط وراحه
أتعمى عن عيوبك إذ ترانيبعين النقص ماذا إلا وقاحه
فقال النرجس والذي زين العيون بالدعج وأرسلها في فترة الأجفان إلى المهج وفضل الإنسان بالعين والعين بالانسان وكحل بفنون السحر فتور الأجفان إن لم ترجع عني لأجردن سيفي من جفني وأطيح رأسك عن قدمك وأخضبك بدمك ومن أنت في البين وقد أصبح فضلي عليك أتحاربني وجيادي السوابق وتناظرني ونواظري بأحداق الحدائق وفي فتور أجفاني من السحر فنون أتشك في أن الملاحة في العيون، وأنشد:
أنا ما بين أصحابي بعينوفضلي راجح والورد دوني
وفيّ من الملاحة كل فنبديع والملاحة في العيون
فقال الورد أين السهل من الممتنع، وكم بين المفترق والمجتمع أنت تبذل نفسك فتهان وأنا أعز بصيوني عن ملامسة الندمان وأنت رقيب على العشاق في المجالس الطيبة، وإذا رميتهم بعينك يقولون ماذا إلا مصيبة، أنا ذو الوجه القمر والخد الأزهر، وإذا تأملت عيونك إذا هي بالساهرة كيف تناظرني ولي - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة - وأنت قد ضربت عليك الذلة وما اصفرارك إلا لعلة، فقال النرجس يا قليل الوفا ويا كثير الجفا ألم تعلم أن التخليق بالصفرة من أمارات النصرة، وقال جماعة الحكماء: عن من أنجس الأشكال الحمرة، فقال الورد هذا لوني مذ كنت في أحشاء الأكمام مضغة - صلغة الله ومن أحسن من الله صبغة -، فقال النرجس وهذا فضلي من الشواهد، فقال الورد ما يصفرّ منّا إلا الحاسد، فقال النرجس لم تزل عين كل شيء أحسنه، فقال الورد - لا تستوي السيئة ولا الحسنة فقال النرجس ذهبت منك الحجة واتضحت لي المحجة فأنا على المقدور ولي الفضل أحمد بحضوري في مقام المقرّ الشهابي أحمد وأنا المؤيد بفضل
ظاهر لا يختفي بحضوري في حضرة مولانا قاضي القضاة الحنفي، فقال الورد وهذا مما يؤيد كلامي ويرفع في الفخر مقامي، فكم بلغت بحضرة المخدوم مقصودي ولم يزل إلى المنهل العذب ورودي، قال الراوي: فلما رأيت كلاً منهما قد جاء في حجته بالبرهان والدليل ولم يتضح
لي أيهما أحرى بالتفضيل وضاقت عليّ في الفرق بينهما المسالك ورأيت مالكي بالمدينة فلم يجز لي أفتي وفي المدينة مالك لأنه فريد عصره في علمه وآدابه وهو الذي يفصل بينهما بفصل خطابه كيف لا وهو شهاب له في فلك المعالي أرفع المراتب - ومن يسترق السمع يتبعه شهاب ثاقب:
شهاب رقى بالسعد في فلك العلىوعاد بفضل منه والعود أحمد
فمن شافعي والوجد في قلب ثابتسوى مالكي كنز الفضائل أحمد
وما أنا في إهداء هذه النبذة إليه وعرض بضاعتي المزجاة عليه إلا كمن أهدى إلى البحرة قطرة أو أتحف الروض بزهرة وهو ذو الصفات التي فاقت على الراح والحبيب رقة ونظماً وناظرت فعل المدام فكانت أفعالها أسمى، قلت لله درّه من مسجع ما افصح لسانه وأبلغ بيانه فلقد أحرز قصبات السبق في ميدان الكلام وأتى بما يعجز عنه الفاضل والنظام.
منية اللبيب
قال الشيخ العلامة محمد مؤمن ﵁: ساقني طول السياسة في طلب العلم إلى ساحة الكمال، ودلني هادي الشوق لتحصيل المعارف إلى مدارس الخيال، فرأيت بين النوم واليقظة كأني حللت في قرار مكين ودخلت روضة كأنها جنة الخلد التي اعدت للمتقين فوجدت محفلاً منيعاً مشحوناً بالخواص والعوام ومجلساً وسيعاً محفوفاً بأصناف طوائف الأنام وبينهم شيخان يتناظران وبعلمهما يتفاخران، أحدهما منجم فارسي ماهر عنده تقويم واصطرلاب، والآخر طبيب يوناني حاذق بين يديه أدوية وكتاب كل منهما يفضل نفسه على صاحبه ويطعن فيه بذكر نقائصه ومثالبه والناس حولهما مجتمعون وإلى أقوالهما مستمعون فاقتحمت بين ذلك الجمع وجلست قريباً لاستراق السمع فسمعت هذا يصف النجوم والسماء وذاك يذكر الداء والدواء هذا يبين القطب والآفاق وذاك يحقق السم والترياق هذا يوضح كرات الفلك والسماك إلى السمك والثريا
إلى الثرى والسهيل إلى السها، وذاك يشرح سوء المزاج ودستور العلاج وتشريح الأبدان وأنواع النجران هذا يبحث عن الاثار العلوية والحوادث السفلية والآفات السماوية والأحكام النجومية والتأثيرات الفلكية وأحوال الأمصار ونزول الأمطار وذاك يتكلم في الحميات والمسهلات والأسباب والعلامات والمفردات والمركبات والأطلية والضمادات والمعاجين والمفرحات وأنواع
الأدوية والأشربة والأغذية فتناظرا وتشاجرا من كل باب حتى أغلظ المنجم في الخطاب، وقال ايها الطبيب الجاهل والمكثار من غير طائل ما أقل درايتك وأجلّ غوايتك وأخس صناعتك وأخسر بضاعتك ألم تعلم أنك من دواعي القوت وخليفة ملك الموت ورسول قابض الأرواح ومفرق النفوس عن الشباح وإنك منذر إلى الممات وذئب في جلد الشاة وظالم في زيّ مسكين وذابح بغير سكين وعدوّ في صورة صديق وحشيش يتشبث به الغريق قد ضاع عمرك في ملاحظة الفضلات والقاذورات وطال فكرك في المدارات والمسهلات هل أنت بمعرفة القارورة تتبختر أم بقتل نفس بغير حق تتكبر، جهلك مركب وحقك مجرب تحسب كلام ابن سينا في القانون كالوحي المنزل، وتزعم قول ابن زكريا بمنزلة خبر النبي المرسل، وتعد جالينوس في كل ما أخبر به صادقاً وكفى بك ذماً، حديث الطبيب ضامن ولو كان حاذقاً فتعساً لجالينوس وسقراطك وتباً لاسفلينوسك وبقراطك وأفاً لتشخيصك وتدبيرك وتباً لتجويزك وتقريرك. فلما سمع الطبيب هذا السباب التهب غضباً وقال في الجواب إخسأ أيها المنجم الجاهل ولتبك على عقلك الثواكل ألم تدر أنك أكذب الناس والخناس الذي يوسوس في صدور الناس وإنك أبين كذباً من الفجر الأوّل وأغلط حساً من عين الأحول، وأخلف في الوعد من عرقوب وأشهر بالكذب من أولاد يعقوب، وأخص طبعاً من ضبع وضبه، وأنقص قدراً من قيراط وحبه، وكفى بك ذماًخبر كذب المنجمون ورب الكعبة، وما أشبهك بمسيلمة الكذاب وما أكثر غلطك في الحساب خطؤك أكثر من صوابك، وإثمك أجل من ثوابك، تتقرب بأكاذيب الأحكام النجومية رجماً بالغيب إلى الأمراء والسلاطين، وقد فسر الشياطين بالمنجمين بالرواية المعتبرة عن بعض الفضلاء الأساطين في قوله
النص من طبعة مطبعة التقدم العلمية بمصر (١٣٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع