من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
يوم الصرائم
وهو يوم أغارت فيه بنو عبس، على ربيعة بن مالك بن حنظلة، فأتى الصريخ بني يربوع، فركبوا
في طلب بني عبس، فأدركوهم بذات الجرف. قال: فقتلوا شريحا وجابرا ابني وهب من بني عوذ بن
غالب، وأسروا فروة وزنباعا ابني الحكم بن مروان بن زنباع. وأسر أسيد بن حناءة الحكم بن مروان
بن زنباع بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس. وقتل عصمة بن
حدرة ابن قيس بن عبد الله بن عمرو بن همام بن رياح سبعين رجلا من بني عبس - وقال قائل بل
قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام هو الذي قتلهم فسمي في هذا اليوم قعنب المبير -
وقد كان العفاق بن الغلاق بن قيس بن عبد الله بن عمرو بن همام، خرج في طلب إبل له، فمرَّ ببني
عبس، فأخذه شريح وجابر ابنا وهب فقتلاه. قال: فنذر عصمة بن حدرة ألا يطعم خمرا، ولا يأكل
لحما، ولا يقرب امرأة، ولا يغسل رأسه، حتى يقتل به سبعين رجلاً من بني عبس فقال لما قتلهم:
الله قد أمكنني من عبسساغَ شرابي وشفيتُ نفسي
وكنتُ لا أقرب طُهْرِ عِرسيولا أشد بالوِخاف رأسي
ولم أكن أشربُ صَفْوَ الكأسِ
وقال في هذا اليوم الحطيئة وكان في الجيش فهرب:
لقد بلغوا الشفاءَ فأخبرونابِقتلى من تقتلنا رياحُ
حَوتْنَا منهمُ لما التقينارماحٌ في مراكزها رماحُ
وجُرِّدَ في الأعنَّةِ ملجماتٌخفافُ الطَّرِف كلَّمها السلاحُ
إذا ثار الغبارُ خرجن منهكما خرجت من الغدر السراح
وما باءوا كَبَأرِهِمُ علينابفضلِ دمائهم حتى أراحوا
قال: البأو: الكبر يقال منه، بأوت تبأى بأوا، قال وهو المصدر، قال: وقال في هذا اليوم أيضاً
شميت بن زنباع بن الحارث بن ربيعة بن زيد ابن رياح:
سائِلْ بنا عبساً إذا ما لقيتَهاعلى أي حيٍّ بالصرائم دَلَّتِ
قتلنا بها صبراً شُريحاً وجابراًوقد نهلت منها الرماح وعَلَّتِ
قال: شريح وجابر ابنا وهب، وهما من بني عوذ بن غالب.
جزيْنَا بما أمَّتْ أسيدةُ حِقبةًخويلةَ إذ آذنَّها فاستقلتِ
فأبلغ أبا حمرانَ أن رماحَناقضت وَطراً من غالبٍ وتغَلَّتِ
قوله وتغلت، يريد من الغلو وهو الزيادة، وهو من قولهم: قد غلا السعر وذلك إذ علا وارتفع. قال
وأبو حمران، عروة بن الورد العبسي.
فدىّ لرياحٍ إذ تداركَ ركضُهاربيعةَ إذ كانت بها النَّعْلُ زلَّتِ
فَطِرنا عُجالي للصريخِ ولا ترىلنا نَعماً من حيثُ يُفزعُ شُلَّتِ
قوله شُلَّتِ، يريد لا يهمون بطرد إبلهم إذا فزعوا - وقال الأصمعي قال لبيد في مثل ذلك:
في جميعٍ حافظي عوراتِهملا يهمُّون بإدعاقِ الشَّللْ
يقول: لا يهمون بطرد إبلهم، أي بالهرب إذا فزعوا وأتوا، ولكنهم يقيمون ثقة منهم بأنفسهم. وقال:
والشلل والطرد سواء. وقال الأصمعي: وقوله بادعاق، قال والأصل في إدعاق دعق يقال دعق يدعق
دعقا، قال وأرى أن أدعق إدعاقا لغة وهو الطرد -
وما كان دهري إن فخرتُ بدولةمن الدهر إلا حاجةَ النفسِ سُلَّتِ
وقال في هذا اليوم رافع بن هريم الرياحي يرتجز:
فينا بقيَّاتٌ من الخيلِ صُرَّمٌسبعةُ آلاف وأدراعٌ دُرُمْ
قوله درم، يعني ملسا غامضة المسامير. قال: وذلك لكثرة استعمالهم إياها املاست وسلست.
ونحن يومَ الجرفِ جئنا بالحَكمْقَسراً وأَسرى حوله لم تقتَسم
وصَدَّأ الدرعُ عليه كالحممْ
وقال جرير يفخر على الفرزدق:
قُلْ لحفيف القَصَباتِ الجوفانْجيئوا بمثلِ قعنبٍ والعلهانْ
والرِّدفِ عتَّابٍ غداة السُّوبانْأو كأبي جزرةَ سُمَّ الفرسانْ
يعني عتيبة بن الحارث.
والحنتفينِ عند شَلِّ الأظعانْوما ابنُ حِنَّاءةَ بالوغل الوانْ
ولا ضعيفٍ في لقاءِ الأقرانْيومَ تسدَّى الحكمُ بنُ مروانْ
قوله تسدى، يقال من ذلك تسداه إذا علاه وركبه. وقوله الحكم، يعني الحكم بن مروان بن زنباع بن
جذيمة بن رواحة.
رجع إلى القصيدة:
إنَّ البعيثَ وعبدَ آل مُقاعسٍلا يقرآنِ بسورةِ الأحبار
قوله وعبد آل مقاعس، أراد الفرزدق. ومقاعس هو الحارث وولده عبيد. قال: وعبيد وصريم ابنا
الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، تقاعسوا عن الحلف فسموا مقاعسا. وقوله:
لا يقرآن بسورة الأحبار، فالباء زائدة. يقول: لا يقرآن سورة الأحبار. قال أبو عبد الله: يعني قوله
تعالى ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ يعني لا يوفون بعهودهم.
أبلغْ بَني وقبانَ أنَّ نساءَهُمْخُورٌ بَناتُ موقَّع خَوَّار
كُنتمْ بَني أمةٍ فأُغلقَ دُونكمْبابُ المَكارم يا بني النَّخْوار
النخوار نبز نبزهم به. ويروى يا بني حجار. وحجار من بني مجاشع.
أبَني قُفيرةَ قدْ أناخَ إليكُمُيومَ التَّقاسُم لُؤْمُ آلِ نزَار
إنَّ اللِّئامَ بني اللِّئامِ مُجاشعٌوالأخبثونَ محلَّ كُلِّ إزار
ضربَ الخميسُ على بناتِ مُجاشعحتَّى رجعنَ وهُنَّ غيرُ عذاري
إنَّ المواجنَ من بنات مُجاشَعمأوى اللُّصوص وملعبُ العُهَّار
تبْكي المُغيبةُ منْ بناتِ مُجاشعوَلهى إذا سمعتُ نُهاقَ حمار
لا تبتغي كمراً بناتُ مُجاشعويُردْنَ مثلَ بيازر القصَّار
قال: البيازر واحدتها بيزارة. قال: وكل عصا غليظة فهي بيزارة. قال: وهي هاهنا مواجن
القصارين، واحدتها ميجنة ن وهي التي تسميها الفرس الكذين.
أبُنَّي شِعرَةَ ما ظننتُ وحرْبُنابعدَ المراس شديدةُ إلا ضْرار
سارَ القصائدُ واستبحنَ مُجاشعاًما بينَ مصرَ إلى جنوب وَبار
سار القصائد واستبحن، يعني سلبوهم باحتهم ونزلوا بها. والباحة والساحة والعرصة كله واحد.
وقوله وبار، وهي أرض معروفة. وجنوبها يعني جوانبها.
يَتلاوَمون وقدْ أباحَ حريمهُمْقينٌ أحلَّهُمُ بدارِ بوَارِ
قوله بوار، يريد به الهلاك، وهو من قوله تعالى ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
الْبَوَارِ﴾ يعني الهلاك.
لا تفخرَنَّ إذا سمعتَ مُجاشِعاًيَتخاوَرونَ تخاورَ الأثوار
أعْليَّ تغضَبُ أنْ قُفَيرةُ أشبهتْمنهُ مكانَ مُقَلَّدٍ وَعذار
قوله وعذار، يعني عارضيه. وعارضا الفرس خداه.
نامَ الفرزدقُ عنْ نَوار كنوْمِهِعنْ عُقْرِ جعثِنَ ليلةَ الأحفار
قالَ الفرزدقُ إذْ أتاهُ حَديثُهاليستْ نوارُ مُجاشعٍ بنوَار
تَدْعو ضُرَيسَ بَني الحُتات إذا انتشَتْوتقولُ ويحُكَ من أَحسَّ سواري
يقول تسكر فيضيع سوارها، فدعت ضُريس يطلب سوارها.
إنَّ القصائدَ لنْ يزلنَ سَوايخاًبحديث جعثنَ ما تَرَنَّمَ ساري
لمَّا بَنى الخطفى رضيتُ بما بَنىوأبو الفرزدق نافخُ الأكيار
وتبيتُ تشربُ عندْ كُلِّ مُقَصَّصٍخضِلِ الأناملِ واكِفِ المعْصارِ
قوله مقصص أي ذمي قد جزت ناصيته.
لا تفخرَنَّ فإن دينَ مُجاشعدينُ المَجُوس تطُوفُ حَوْل دُوار
يعني صنما.
وقال الفرزدق في قتل قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين بن ربيعة بن خالد بن أسيد بن كعب بن
قضاعى بن هلال بن عمرو بن
سلامان بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن
قيس بن عيلان بن مضر، وقتله وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود ابن كليب بن عوف بن مالك
بن غدانة بن يربوع، ويمدح سليمان بن عبد الملك ويهجو قيساً وجريرا:
تحِنُّ بِزوراءِ المدينةِ ناقَتيِحنينَ عجُولٍ تبتَغي البوَّرائِمِ
قوله حنين عجول، قال: العجول الثكلى، وهي المرأة تثكل أولادها، فشبه حنين الناقة بحنين الثكلى
وطلبها لولدها. قال: والبو جلد حوار يحشى ثماماً ترأمه الناقة فهي تستدر به لينزل لبنها وتحسب
ذلك البو ولدها.
وَيا ليْتَ زوْراءَ المدينةِ أصبحتْبِأَحفارِ فلْجٍ أَوْ بِسيفِ الكواظِمِ
قال: السيف شط البحر والكواظم يعني كاظمة وما حولها، وهو موضع معروف.
وكمْ نامَ عنِّي بالمَدينةِ لَمْ يُبَلْإليَّ اُطِّلاعَ النَّفسِ دُونَ الحَيازِمِ
إذا جشَأَتْ نَفسِي أقولُ لَها أرْجُعيوراءَك واستحي بياضَ اللَّهازِمِ
جشأت ارتفعت لسوء وهمت بقبيح. يقول: كلما جشأت نفسي مما أجد وقرتها وقلت لها: استحي
بياض اللهازم وهو شبيه.
فإن التي ضَرَّتْكَ لَو ذُقْتَ طَعمهاعليكَ منَ الأعباءِ يومَ التَّخاصُمِ
يقول: هذه القصيدة، أو الشيء الذي قاله من قصيدة، أو نحوها، لو
ذقت طعمها يريد ثوابها من الأعباء والثقل لكان عليك ثقيلاً. قال: والمعنى يقول: كم نام عني بالمدينة من خلي أي من رخي
البال، لا يبالي ما أنا فيه من الكرب والغم الذي قد خرجت نفسي له من الحيازم إلى التراقي. قال:
والحيزوم الصدر. وقوله لم يبل يريد هو خلي البال كما تقول العرب "ويل للشجي من الخلي" يريد
للحزين من الفرح. قال أبو عبد الله: يقال إن هذا أراد به المرأة. وقوله يوم التخاصم، يريد يوم
القيامة لقول الله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.
ولسْتَ بِمأخوذٍ بَلْغو تقُولُهُإذَا لَمْ تعمَّدْ عاقِداتِ العزَائِمِ
وروى أبو عبيدة بقول تقوله، بلغو قال: بقول لا يؤاخذك الله باللغو في كلامك فإن عزمت على شيء
وعقدته آخذك به.
ولمَّا أَبَوْا إلاَّ الرَّحِيلَ وأَعْلَقُواعُرىً في بُرىً مَخْشوشَةٍ بالخزائمِ
يروى فلما أبوا إلا الرواح وأعلقوا ن يعني الأزمة في الأخشة، وهي جمع خشاش، وهي الخشبة في
أنف البعير، وهي البرى، وذلك حين أرادوا الرحيل، وكانت قبل ذلك معطلة في الرعي. والخزامة
حلقة من شعر تكون في أنف الناقة مكان البرة، والبرة من صفر.
وراحُوا بجثمانيِ وأمْسَكَ قلبهُحُشاشتُهُ بينَ المصلَّى وواقِمِ
ويروى بجسماني وهو الجسم، وكذلك الجثمان، الحشاشة بقية الروح. وواقم بالمدينة، أراد حرة واقم.
ويروى قلبه، حبالته يعني حبالة القلب، أي تلك التي كلف بها قد صادت قلبه فكأنها حباله الصائد.
أقولُ لمغْلوبٍ أماتَ عِظَامَهُتَعاقُبُ أدْرَاجِ النُّجُومَ العَواتِمِ
مغلوب صاحب له غلب عليه النعاس والإعياء. أدراج النجوم سير العقب بالنجوم.
إذا نحنُ ناديْنَا أبَى أنْ يُجيبنَاوإنْ نحنُ فدَّينَاه غيرَ الغَماغم
قال: الغمغمة: صوت لا يفهمه من نعاسه وإعيائه.
سيُدْنيكَ مِنْ خَيْر البَريَّةِ فاعتَدلْتناقُلُ نَصِّ اليملات الرَّواسِمِ
قوله فاعتدل يريد فانتصب لا تنم. ويروى أيضا فانتصب. التناقل: نقلها قوائمها في السير.
إلى المُؤْمِنِ الفَكاكِ كُلَّ مُقيَّدٍيَداه ومُلقِي الثِّقلَ عنَّ كُلِّ غَارِمِ
بِكفَّينِ بيضَاوَيْنِ في رَاحتيهمَاحَيَا كُلِّ شَيءٍ بالغيُوثِ السَّواجِمِ
بِخَيرْ يَدْي مَنْ كانَ بعدَ مُحمَّدٍوجارَيهْ والمظلُومِ للهِ صَائِمِ
فلمَّا حَبَا وَادي القُرى مِنْ ورائِنَاوأشرفْنَ أقتَارَ الفجَاجِ القواتِمِ
ويروى وأعرض أركان الرعان القواتم. وراءنا هاهنا أمامنا، حبا: أشرف. والقتمة: سواد في
الحمرة، وجارا النبي ﷺ، أبو بكر وعمر، والمظلوم عثمان ﵃.
لَوَى كُلُّ مُشتاقٍ مَنَ القومِ رأسَهُبِمغرورِ قاتٍ كالشَّنانِ الهَزَائِم
ويروى من الركب. الهزائم المنكسرة. والشنة القربة الخلق تبرد الماء ولا تسيل.
وأيَقَنَ أنَّا لن نرُدَّ صُدُورهاولمَّا تُواجهها جِبالُ الجَراجِمِ
وأيقن يعني الرجل. قال: وروى عمرو بن أبي عمرو وأيقن يعني النوق. قال: والجراجم نبط الشام،
واحدهم جرجماني.
أكُنتُمْ ظننتُمْ رِحلتي تنثنيِ بِكُمْولَمْ ينقُضِ الإدلاجُ طَيَّ العمائمِ
ويروى حسبتم رحلتي تنقضي. قوله تنثني بكم أي تصرفكم عن وجوهكم. والإدلاج: سير الليل كله،
والإدلاج التبكير.
لَبِئسَ إذاً حامي الحقيقةَ والَّذييُلاذُ به في المعضِلاتِ العظائِمِ
وماءٍ كأنَّ المنَّ فوقَ جمامِهِعباءٌ كستهُ من فُروجِ المخارِم
كسته ذلك الغبار الرياح، المخرم منقطع الطريق في الجبل.
رياحُ على أعطانه حيثُ تلتقِيعفَا وخَلا مِنْ عهدِهِ المُتقادِمِ
وردتَ وأعجازُ النُّجومِ كأنَّهاوقَد غارَ تاليها هجائنُ هاجِمِ
ويروى وأرداف، وقوله هاجم هو طارد يطرد إبله، قوله هجائن هاجم، الهاجم صاحب إبل قد هجم
بها على الماء. وأراد اجتماع النجوم في الغرب للمغيب. وقد غار تاليها وهو آخرها، أي غابت هي
في المغيب، وتاليها: كوكب الصبح في المشرق وقد ذهب بها ضوء الفجر.
بغيدٍ وأطلاحٍ كأنَّ عُيونهَانطاف أظلتُها قِلاتُ الجماجِمِ
بغيد يريد بفتيان شباب، لينة أعناقهم ومفاصلهم. وقوله وأطلاح، هي الإبل المعيية قد بلاها السفر.
ونطاف: مياه. وقوله أظلتها، يريد
صيرتها في ظلال القلات. قال، والقلت: قلت العين مدخلها في
الرأس. والجماجم يعني رءوسها واحدتها، جمجمة. قال أبو عبد الله: قوله غيد يعني يثنون من
النعاس.
كأنَّ رحالَ الميْس ضمَّتْ رحالُهاقناطرَ طيِّ الجندلِ المُتلاحم
الميس: شجر تتخد منه الرحال. والمتلاحم: المتراصف الذي قد أخذ بعضه بعضاً.
إليكَ وليَّ الحقِّ لاقَى غُروضهاوأحقابَها إدْراجُها بالمنَاسِم
يقول: ضمرت فالتقت عرى الغروض، وهو مثل الحزم من الأدم. والأحقاب مثل الحبال. يقول:
كانت عراها لا تلتقي فلما أضمرها السفر التقت.
نواهضَ يحملن الهِمومَ التَّي جفتْبنا عَنْ حَشَايا المُحصنات الكَرائم
ليبلُغنَ ملءَ الأرض نُوراً ورحمةًوعدلاً وغيثَ المُغبرات القَواتم
ويروى أمنا وعصمة.
جُعلتَ لأهْل الأرْضِ عدلاً ورحمَةًوبُرءاً لآثار الجُروح الكَوالم
كَما بعثَ الله النَّبيَّ مُحمَّداًعلى فترَة والنَّاسُ مثلُ البَهائم
ورثتُمْ قناةَ المُلك غيرَ كلالَةعَن ابْني مَنَاف عَبْد شَمْس وهَاشم
تَرى التَّاجَ مَعقوداً عليْه كأنَّهُمْنُجُومٌ حَواليْ بدْر مُلك قُماقم
عجِبْتُ إلى الجَحَّادِ أي إمارةٍأرادَ لأنْ يزدادها أو دراهم
يعني الحجاج بن يوسف.
وكانَ عَلى ما بينَ عمَّانَ واقفاًإلى الصِّين قَدْ ألقوا لهُ بالخزائم
قوله ما بين عمان، هو موضع ببلاد الشام، وقوله بالخزائم يعني ذلوا له وانقادوا، كما يذل البعير إذا
خزم بالبرة أو بالخشاش.
فلمَّا عَتَا الجَحَّادُ حينَ طَغَى بهغنى قالَ إنِّي مُرتق في السلاَّلَم
ويروى طغت به مني. قوله مرتق في السلالم يريد أصعد إلى السماء.
فكانَ كَمَا قَالَ ابنُ نُوح سأرتَقيإلى جبَل منْ خَشيَة الماءِ عَاصم
رَمَى الله في جُثمَانه مثلْ ما رَمَىعن القِبلةَ البيضاءَ ذاتِ المحارم
يقول لم ينفعه شيء. مثل ما رمى أي مثل ما رمى الله ﷿. قوله ذات المحارم يعني طيراً
أبابيل جاءت تنصر البيت.
جُنوداً تسُوقُ الفيلَ حتى أعَادَهاهباءٌ وكانُوا مُطرَ خمَّي الطَّراخم
نُصرتَ كنَصْر البيت إذْ ساقَ فيلَهُإليه عَظيمُ المُشركينَ الأعَاجم
وما نُصر الحجاجُ الاَّ بغيرهعلى كُلِّ يومْ مُستحرِّ المَلاحم
الملاحم القتال. يقول: هلكت الحبشة فكانوا كعصف مأكول.
بقَوْم أبوُ العَاصي أبُوهُمْ توارْثَوُاخلافةَ أُميَّ وخيْر الخَواتم
يعني النبي ﷺ، أنه خاتم الأنبياء، وهو خير الأنبياء ﷺ.
ولاَ رَدَّ مُذْ خطَّ الصَّحيفَةَ ناَكثاًكَلاماً ولا باتَتْ لهُ عينُ نَائم
ولاَ رَجعُوا حتَّى رأَوا في شمالهكتاباً لمغَرْور لدَى النَّار نَادم
ويروى حتى رأى. وقوله لدى النار، يريد إلى النار. الرواية لمغلول إلى النار.
أتَاني ورَحْلي بالمَديَنة وقعَةٌلآل تَميم أقْعَدتْ كُلَّ قَائم
قال: يعني قتل وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود، أحد بني غدانة بن يربوع، قتيبة بن مسلم
الباهلي، على قتل ابني الأهتم. قال: والأهتم هو سنان بن سمي. وذلك أنه لما أراد قتيبة أن يستخلف
عبد الله ابن عبد الله بن الأهتم، أتاه بشير بن صفوان بن عمرو بن الأهتم، فقال له بشير: أصلح الله
الأمير، إنك تريد أن تستخلف عبد الله، وهو رجل حريص حسود غدور كفور. ومتى تستخلفه يخنك،
ويكفرك، ويغدر بك. فغيَّر منزلتنا عندك، وأفسدنا عليك. فحمله قتيبة على الحسد من بشير لعبد الله،
فقال له قتيبة: لا، ولكنك حسدت ابن عمك. قال: فاذكر قولي، واقبل عذري، إن فعل فاستخلفه، وغزا
فرغانة. - وقال أبو الحسن المدائني: لم يغز فرغانة وإنما غزا سجستان - حين ضمت إليه الجنود.
قال أبو عبيدة: فجعل عبد الله يشقق الكتب في قتيبة إلى الحجاج بعوراته، ويحمله عليه، ويطلب
عمله. فإذا وردت كتبه إلى الحجاج طواها في بطون كتب إلى قتيبة، فتمر بها الرسل إلى عبد الله،
فتطويه بها إلى قتيبة بفرغانة، حتى تواترت كتبه. قال: فلما رأى ذلك قتيبة، ضاق بذلك ذرعاً. قال:
فدعا عند ذلك نفرا من بني تميم، فشكى إليهم
عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، فهرب عبد الله حتى أتى مكران،
ثم عبر إلى عمان، فأتى مكة، وأتى المدينة، وكان شبيهاً بالموالي في خلقته. قال: فعصب
إحدى عينيه بخرقة، وجعل يبيع الخمر والأدهان، يطوف بها على ظهره، ومعه غلمان له يبيعون
معه، فكتب فيه قتيبة إلى الحجاج أن عبد الله عدو الله، حمل بيت مال خراسان وهرب، وكتب فيه
إلى الوليد فكتب إلى الآفاق. فلم يقدر عليه لتنكره، وأخذ قتيبة شيبة ابنه أبا شبيب، وأخذ أخا لشيبة
بن عبد الله فقتلهما، وأخذ بشير بن صفوان بن عمرو بن الأهتم، فقال: قد كنت أخبرتك بغدره،
وتقدمت في المعذرة إليك، واستعهدتك من ذلك. فقال له قتيبة: صدقت، لقد أنبأتني بذلك، ولكنه دسيس
ومكر منكما، فإن تم لكما ما أردتما، لم يكن ذلك ضرك، وإن صرعكما الله، كنت قد أخذت لنفسك أمنا
ونجاة، فقتله، وقتل ابنا لبشير، وقتل معهم نفرا. قال: فمر وكيع بن حسان بن قيس ابن أبي سود،
وهريم بن أبي طحمة على بشير في السوق، وقد قطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه - قال أبو
الحسن المدائني: بل قطع يديه ورجليه، وطرحه في الثلج حتى مات - وهما يريدان قتيبة، فلما دخلا
عليه، قال: يا وكيع ألم تر ما فعلت بصديقك أبي الزقاق، وهو يظن أن ذلك يوافق وكيعا، وكانا
يتنازعان كثيرا، وذلك للشحناء التي كانت بين حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وبين بني سعد بن زيد
مناة بن تميم. فقال وكيع: سبحانه الله، ما بلغ كنه ما بيني وبينه، ما تبلغ عقوبته ما رأيت، فغضب
قتيبة حتى كاد يطير. وقام وكيع، فلم يزل قتيبة ينظر في قفاه حتى تغيب. قال: وتبعه هريم، فقال
لوكيع: لا تدع جفاءك. أبدا، تعمد إلى جبار يقطر سيفه دما، فتكلمه بمثل ما كلمته، حتى تربد وجهه
تربدا خفته عليك. وما زال يتئر بصره - أي يديم النظر - في قفاك حتى قلت: الساعة يأمر بك.،
فقال وكيع لهريم: لا تخشى أن
يقتلني، فأنا والله أقتله. قال: فلم يصل وكيع يومئذ الظهر ولا العصر
ولا المغرب، فقيل له: ألا تصلي يا أبا المطرف؟ فقال: ما أصنع بالصلاة، وقد قُتل من بني الأهتم
من قُتل. لا يغضب لهم أحد لا من في الأرض ولا من في السماء. قال: فعزله قتيبة عن رئاسة بني
تميم، واستعمل مكانه ضرار بن حصن الضبي. قال زهير بن الهنيد: وكان أول ما هاج مقتل قتيبة
بخراسان، أن الوليد بن عبد الملك، في آخر عمره، أراد خلع سليمان، وأن يجعل ابنه عبد العزيز بن
الوليد، ولي عهد. ودس في ذلك إلى القواد والشعراء. فقال جرير في ذلك:
إذا قيل أيُّ الناس خيرُ خليفةٍأشارت إلى عبدِ العزيزِ الأصابعُ
رأَوُهُ أحقَّ الناسِ كُلِّهِمُ بهاوما ظَلموا إن بايعوه وسارعوا
وقال جرير أيضا يحض الوليد على بيعته:
إلى عبدِ العزيزِ سَمَتْ عيونُ الرَّعيةُ إذ تُخيرِّتِ الرِّعاءُ
إليهِ دَعتْ دَواعِيَهُ إذا ماعمادُ المُلِك خَرَّتْ والسماءُ
وقال أولو الحكومةِ مِنْ قريشٍعلينا البيعُ إذ بَلغَ الغَلاءُ
رَأَوْا عبدَ العزيزِ وليَّ عهدٍوما ظلموا بذاك ولا أساءوا
فماذا تنظرون بها وفيكمجُسورٌ بالعظائم واعتلاء
فزَحلِفها بأزفلِها إليهأميرُ المؤمنين إذا تشاء
قوله فزحلفها إليه، يعني ادفعها. وقوله بأزفلها يريد بأجمعها.
فإن الناس قد مدُّوا إليهأكُفَّهم وقد بَرِحَ الخفاء
ولو قد بايعوك ولي عهدلقام الوزن واعتدل البناء
قال أبو عثمان: حدثنا الأصمعي، وليس هذا من النقائض، قال للمذمر مكانان يمسهما المذمر،
فأحدهما ما بين الأذنين، إذا وجده غليظا تحت يده، علم أنه ذكر، وإذا رآه يموج تحت يده، علم أنه
أنثى. قال والمكان الآخر أن يمس طرف اللحى، فإن وجده لطيفا، علم أنه أنثى. وإن وجده جائسا،
علم أنه ذكر، ومن ذلك قول عتيبة بن مرداس. ويقال له ابن فسوة:
تطالعُ أهلَ السُّوقِ والبابُ دونهابمستفلك الذّفْرَى أسيلِ المُذَمَّرِ
قوله تطالع أهل السوق، وذلك لطول عنقها. وإنما يصف ناقة محبوسة في دار، فهي ترفع رأسها،
فتشرف من فوق الحائط، وقوله بمستفلك الذفرى، قال: الذفرى ما خلف الأذنين، قال أبو عثمان:
وأنشد الأصمعي للكميت:
وأنسى في الحروب مُذَمَّريكمنتاجَ اليتن ما صِقةَ السليل
يريد في حروب مخالفة، لا تنتج على استقامة. وإنما تنتج يتناً. قال واليتن الذي تخرج رجلاه قبل
رأسه مقلوبا. يقول: فلا أدري أذكر هو أم أنثى، يضرب مثلا للأمر الذي لا يهتدى له، كما قال
الكميت:
وقال المُذَمِّرُ للناتجينمتى ذُمِّرَتْ قبلي الأرْجُلُ
الزيادة إلى هنا
قال: فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف، وقتيبة بن مسلم. قال: ثم طعن في نيط الوليد -
يعني مات. كما تقول: طُعن في جهازه،
وذلك إذا مات. قال: ونيط واحد وجمعه نياط - قال فقام
سليمان بن عبد الملك يوم السبت للنصف من جمادى الآخر - قال، وقال أبو الحسن المدائني،
للنصف من ربيع الآخر - سنة ست وتسعين، فخافه قتيبة، فخرج غازياً حتى لحق بفرغانة في
الناس، وخلف حماد بن مسلم على مرو، قال: وبعث رسولاً إلى سليمان بثلاثة كتب، وقال لرسوله:
إذا دفعت إليه الكتاب الأول، وكان فيه وقيعة في يزيد بن المهلب، يذكر غدره وكفره وقلة شكره، فإن
قرأه ودفعه إلى يزيد، فادفع إليه هذا الآخر، وكان فيه ثناء على يزيد، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد، فادفع
إليه هذا الكتاب الثالث، وكان فيه "لئن لم تقرني على ما كنت عليه، وتؤمني لأخلعنك خلع النعل،
ولأملأنها عليك خيلا ورجالا". قال: فدفع الأول إليه، ويزيد عنده، فلما اقترأه، دفعه إلى يزيد. فدفع
إليه الكتاب الثاني، فلما اقترأه، دفعه إلى يزيد أيضاً. قال: فدفع الكتاب الثالث إليه فلما اقترأه، وضعه
بين مثالين من المثل التي تحته، ولم يحر في ذلك مرجوعا. قال: ولم يشك الناس أنه مستعمل يزيد
بن المهلب. قال: وقد كان في نفس يزيد على قتيبة ما كان، لبعثه الحجاج إياه عليهم إلى خراسان،
فرهب أيضا ذلك. قال سعدان، قال أبو عبيدة، قال أبو مالك: وكان قتيبة لا يزال يلقي الكلمة بعد
الكلمة، يستطلع بذلك آراء الناس ولا يعالنهم، فقال يوما: هذه وفود الشام تقدم عليكم في البيعة،
فقولوا: لا نبايع إلا على أن يقسم فينا فيئنا، ولا تغزونا مرابطات أهل الشام. فقال جدي وكيع: أنت
الأمير، فابدأ فقل، ثم نقول نحن، فقال له قتيبة: اسكت لا أم لك. ومن سألك عن هذا؟ قال: أنت
آمرتنا فأجبتك. قال: وكانت فيه عليه غلظة، فعزله عن رئاسة بني تميم، وجعل عليها ضرار بن
حصن بن زيد الفوارس الضبي، ثم قال لهم يوما: استخلف عليكم يزيد بن ثروان، والناس يومئذ
عرب، فعرفوا أنه
عنى هبنقة، فشبه سليمان به، وهذا كله ابتيار منه للناس - يريد اختبار منه للناس
- ليدعوهم إلى خلعه، فلما لم يجب إلى ذلك، قام فيهم خطيبا، وهو عاتب عليهم، قال: فعرض ولم
يصرخ بالخلع وعاب القبائل وحضهم.
قال، وقال أبو عبيدة، قال زهير: وحدثني أبو نعامة، أنه قال: وقد كان مدد من الأعراب أمد بهم من
الهند وجزائر البحر فقال: "يا أهل السافلة، ولا أقول أهل العالية، إنما أنتم أو شاب من أو شاب كأبل
الصدقة جمعت من كل أوب، يا بكر بن وائل، يا فراش النار وذبان الطمع، بأي يوميكم تخوفوني،
أبيوم سلمكم أم بيوم حربكم؟ فو الله لأنا أعز منكم في الفتنة، وأمنع منكم في الجماعة، يا بني ذميم،
ولا أقول يا بني تميم، يا أهل الغدر والقصف - يعني الضعف والخور - كنتم تسمون الغدر في
الجاهلية كيسان، يا عبد القيس يا معشر الفساة، يا عبيد الكراب، ورعاء البقر، وسواق الحمير، خليتم
إبار النخل وحصد الزرع، وارتبطتم الحصن وركبتموها بعد طول الترقي في النخل، يا معشر الأزد
والله لانتم بأعنة السفن، ولبس التبابين، وجذب أعنة السفن، أحذق منكم بأعنة الخيل، رفضتم
المرادي، وأخذتم الرماح، والله إنها لبدعة في الإسلام، والأعراب وما الأعراب! ولعنة الله على
الأعراب، جمعتكم من منابت القرظ، والشيح، والقيصوم، ومنابت الغاف - وهو الينبوت - والقاتل،
ومن جزيرة عمان، ومن جزيرة ابن كاوان، تركبون البقر، وتاكلون القضب، حتى إذا اجتمعتم
اجتماع قزع الخريف، فحملتكم على الخيل وسلحتكم، وفتح الله لكم البلاد، وقلتم وقلتم كيت وكيت،
وذيت وذيت. كلاَّ والله، إنه ابن أبيه، وأخو
أخيه، العصا من العصية حول الصلبان الزمزمة - نبت
يعجب الإبل تزمزم حوله وتدور - لأعصبنكم عصب السلمة، يا أهل خراسان، والله لئن شئتم
لتجدني غشمشما، أغشى الشجر مثل البعير يمر بالشجر فيدقه لا يبالي. ألم أكن أيمن عليكم نقيبة من
حنيف الحناتم - وكان أحسن الناس قياما على إبله فضرب به المثل - من تيم اللات بن ثعلبة؟ ألم
أكن أغزيكم قبل الشتاء، وأقفلكم قبل الفراء، يا أهل العراق، انسبوني من أنا، والله لتجدني عراقيا ابن
عراقي، الشام أب مبرور، والعراق أب مكفور، حتى متى يتبطح أهل الشام في أفنيتكم وظلال
دياركم، إن هاهنا نارا حمراء فارموها أرم معكم، أرموا غرضكم الأقصى فقد استخلف عليكم أبو نافع
ذو الودعات. يا أهل خراسان، أتدرون لمن تبايعون. تبايعون يزيد بن ثروان! كأني بأمير فتى قد
أتاكم فأكل فيئكم وسامكم سوء العذاب. سميت هذا النهر معتقا - يعني نهر بلخ -
إنَّ امرءاً عرف اليمامةِ قلبُهُأعطى الملوكَ مقادَةً لمضِلل
ويروى كلها أعطى - يا أهل خراسان، أما تذكرون ما كنتم فيه، وما أنتم اليوم فيه. فتحمدون الله
على ما أصبحتم فيه، فقد وليتكم الولاة قبلي وجربتموهم، فاذكروا كيف كنتم كيف كانت حالكم في
الفرقة بالأمس - يعني عبد الله بن خازم السلمي - ثم أتاكم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فكان
كاسمه أمية الرأي، كان في رأيه ودينه وعقله كاسمه - أي أمة صغرت أمية - أمية الدين أمية العقل
في قرب أثره، لم يفتح أرضا، ولم ينك عدوا، وزعم أن جبايتها لا تكفي بطنه، فكتب إلى خليفته: إن
خراج خراسان لو كان في مطبخه لم يكفه. ثم أتاكم بعده المهلب، فدوَّم بكم أبو سعيد ثلاث سنين، لا
تدرون أفي معصية أنتم أم في طاعة، لم يجب مالا، ولم يستفئ فيئا، ولم ينك عدوا، ثم بنوه من بعده،
كأطباء الكلبة، منهم ابن دحمة حصانا تبارى له النساء صباح مساء. وجئتكم أنا، فانظروا كيف نعمة
الله اليوم منها قبل ذلك، وأين ما أنتم فيه اليوم مما كنتم فيه قبل؟ ألست أعظم منا عليكم من حنيف
الحناتم؟ ألست أغزيكم فلا أجمركم - معناه لا أحبسكم - فقد ترون ما أصبحتم فيه، إن الظعينة
لتخرج من مرو إلى سمر قند في غير جوار، فأرم القوم سكوتا، ما يحير أحد منهم جوابا. ثم قال: يا
معشر أهل خراسان أتيتكم وأنتم رجلان، رجل عند جرته - قال أبو عبد الله جرته بفتح الجيم - إن
هدرت هدر، وإن استقرت استقر. عليكم يزيد بن المهلب، لا بل ينقص لا يزيد، حمارا نهاقا ينهق
كلما برق له الصبح نهقة أو اثنتين، ثم التفت فإذا حوله من الصغد - والسغد يقال بالسين والصاد -
أربعة آلاف في الحديد، فقال: والله إن في هؤلاء لمنتصرا للدين، ومقارعة عن حريم المسلمين، قال:
ثم نزل فدخل رواقه ولبس قميصا وملحفة سابريين، ثم أمر بأبناء السغد، يعرضون عليه في السلاح،
معهم السيوف والخناجر ن وقد قتل آباءهم. قال: فعرض عليه أربعة آلاف منهم، ثم قال: ذهب الفتك
من السغد سائر الدهر. كأنه استقتل، فهمت به القبائل جمع. قال: وقد كان بعث إلى ذراري الذين معه
ليحوزهم إلى مدينة سمر قند دون فرغانة، ويأخذهم رهائن، فحشرهم حماد بن مسلم خليفته قال، وقال
زهير بن الهنيد فحدثني عمي المهلب ابن إياس بن زهير بن حيان بن قميئة، أنه لما بعث إلى
ذراري من معه، منع الناس وقطع نهر بلخ ن وبين عسكره وبين المفازة سبعون فرسخا، واستعمل
على ذلك مولى له يقال له بندة الخوارزمي، فنزل دون النهر إلى العراق، وجمع المعابر فحرقها. قال
زهير وكان مع قتيبة
أبي إياس بن زهير، وعماي عبيد الله بن حيان وعبد الله ابنا زهير بن حيان
بن قميئة، فقال أبي: أصلح الله الأمير، قد عرفت نصيحتي لك، وانقطاعي إليك، ولم أشعر بما أردت
ولم يعلمني الأمير ولم أكن أعلم بالذين بعثتهم إلى ذراريهم، وإن لي أصيبية صغارا، وضيعة ومالا،
وليس لهم من يغني شيئا ولا يجزي، فإن رأى الأمير أن يأذن لابني الهنيد فيكتب له جوازا، فيضم
مالي وضيعتي، ويحمل صبيتي فليفعل. فكتب له قتيبة بيده، وكذلك جوازه بخط يده قال، فقال الهنيد:
فأقبلت من عسكره وحدي ما أرى أحداً يتحرك حتى قطعت المفازة من خوفه، فلما وقفت على شط
نهر بلخ مما يلي فرغانة، ألمعت بسيفي ليروني من الجانب الآخر، فيعلموا أني رسول فيأتوني
بالمعبر، قال: فلما ألمعت قطع إلي نفر في المعبر، فقالوا: من أنت؟ قال: فانتسبت وقلت: رسول
الأمير، فرجوا فأخبروا مولى قتيبة الخوارزمي، بقولي واسمي ونسبي، وعرفوني. قال: فردهم
فرجعوا يحملونني، فحملوني فأتيته في قصره، حتى إذا دخلت عليه في يوم قائظ، وقد أمعرت من
الزاد، وطال يومي، وأنا شاب أتضرم ولا أصبر، قال: فإذا خوانه مهيأ ليؤتى به، فلولا الحياء لملت
إلى الخوان فرجوت أن يعجل به خادمه، قال: فأقبل يستخبرني فيم وجهت، فقلت: في حاجة للأمير
مكتومة، وأقبل يستخبرني الأخبار وعن حال الناس، قال: ولهى عن الغداء، وأقلقني الجوع، فلما طال
على ذلك قلت لوصيف له: هلم ذلك الخوان، قال هو حينئذ قربه إليه. فجعلت آكل وهو يسألني وأنا
أحدثه.
فقال زهير بن الهنيد، وجهم وأبو مالك: فأبرمت اليمانية أمرها، وأجمعت رأيها على الخروج عليه،
والنهض به على قتله، فلما تبايعت على ذلك، وكانوا أول الناس فعل ذلك، قالوا: لو دعونا حلفاءنا
وأدخلناهم في أمرهم، قال: فأتوا الحضين بن المنذر. قال أبو عبد الله: كل اسم فهو الحصين بالصاد
غير معجمة غير هذا فإنه بالضاد معجمة، وهو صاحب رايه قومه يوم صفين. وقد روى عن علي
بن أبي طالب ﵁ فعرضوا ذلك عليه، ودعوه إلى أن يدخل فيما دخل فيه الناس، فقال
الحضين: هل دعوتم إلى أمركم هذا أحداً من بني تميم؟ قالوا: لا ولا نريد إدخالهم في هذا الأمر، ولا
إطلاعهم عليه، قال: قد عرفتم أن بني تميم أعد أهل خراسان رجلا عربيا، ومتى تريدوا هذا الأمر
يكونوا أشد الناس عليكم، فلا يغرنكم ما كان بينهم وبين قتيبة، فانكم إن لم تدخلوهم في هذا الأمر، لم
يسلموه أبدا، فإن نصرته تميم تجمعت له مضر، وإن اجتمعت مضر، وقد علمتم أن العجم جنود
خراسان وبيت المال معهم. والمال لهم والسلطان لهم. لم ير بعضنا مصرع بعض، ثم قال لهم: لست
من هذا ولا جملي ولا رحلي، أنا أول لاحق بقتيبة حتى ينجلي هذا الأمر، فقالوا لا وحشة بنا إليهم،
فرجعوا عنه ولم يجبهم. قال زهير: فتدافعوا، لا يتقلدها أحد اتقاء ألا يتم الأمر هيبة لقتيبة، قال:
وكان قتيبة أشد سلطانا من الحجاج، وهيبة في صدور الجند. قال: وكان الحجاج استعمله على فرض
أهل الكوفة إلى خراسان. وكان أبوه زحر بن قيس من وجوه أصحاب عليّ ﵁ قال:
واستعمل سعد بن نجد من الجراميز ابن الحارث بن مالك ابن فهم من الأزد، على فرض أهل
البصرة من الأزد إلى خراسان. فلما عرس أمرهم - أي عسر - قالوا: لو أتينا الحضين فأشار علينا.
فأتوه فقالوا له: ما الرأي؟ فقال: الرأي عندي أن تأتوا الأهوج من بني تميم - يعني وكيع بن سود -
فتقلدوه هذا الأمر - وقال جهم: فإن تأتوا هذا الرجل من بني تميم - فإنكم إن قلدتموه هذا الأمر،
أعانته تميم أو كف عنكم من لم يرد نصره - وقال جهم: أو كف من لم يعنه - فلم ينصر
قتيبة، فإن انصرفت تميم عن قتيبة انصرفت مضر وتخاذلت. وإن نصر قتيبة بعضهم كنتم قد ألقيتم بأسهم
بينهم، فإن ظفرتم فهو ما طلبتم، وإن لم يتم هذا الأمر كان البلاء بهم، ولم يستحر الشر إلا ببني تميم.
قال فأتوا وكيعا فيابعوه، وأخذ منهم الطلاق والعتق، وجعل يأتي الفقير عبد الله بن مسلم، فيشرب
عنده إلى هدء من الليل ثم يرجع، قد واعدهم تلك الليلة بعد رجعته، فيأتيه الناس فيبايعونه على
الطلاق والعتق، وجعل يأتي شباب بني مسلم ويشرب معهم، ويتساكر، وليس به سكر حتى فشا ذلك
في الناس وعرفوه، فقال ضرار ابن حصين الضبي، رأس بني تميم لقتيبة، وخبره بكل ما كان من
أمرهم، فقال له عبد الله بن مسلم، إنه عندي وعند شبابنا يخرج كل ليلة سكران ما يبت سكراً، قال
فاكذب عنه، وجل وكيع يأتي أهل مسلم، ولا يجهد الشراب، ويتساكر عليهم. قال: وربما تناوم، وربما
راهم أن الشراب قد غلبه، حتى يحمل إلى منزله في كساء، فجعل أمره يستبين، ويأتي ضرار بذلك
قتيبة من أمره، حتى كاد يأخذ ذلك في قتيبة. قال: وكان عبد الله لا يصدق أن وكيعاً يفعل شيئا تلك
الساعة لما يراه به. قال: فقال ابعث من ينظر إليه، فبعث قتيبة فوجده عند عبد الله سكران، فرجعوا
فأخبروا قتيبة. قال: فتراخى عنه حتى أشعلها عليه، فأتى ضرار قتيبة. فقال برئت إليك من جناية
وكيع، فقد دسست اليه ابن عمي ضرار بن سنان الضبي فبايعه، قال: ووضح أمر وكيع، وقام ابن
توسعة فقال:
تنمَّرْ وشَمِّرْ يا قتيبَ بنَ مسلمٍفإن تميما ظالمٌ وابنُ ظالمِ
ولا تأَمنَنَّ الثائرينَ ولا تنَمْفإن أخا الهيجاءِ ليس بنائمِ
ولا تثِقَنْ بالأزدِ فالغَدرُ منهمُوبكرٍ فمنهم مُسْتحلُّ المحارمِ
وإني لأخشى يا قتيبَ عليكُمُمعرَّةَ يومٍ مثلِ يومِ ابنِ خازمِ
قال، فقال له قتيبة: صدقت اجلس، فبعث إلى وكيع عبد الله بن رألان، وهو رجل من عدي الرباب.
فقال له: قل له، لتأتيني، أو لأبعثن إليك من يأتيني برأسك. قال أبو مالك: فوجد قد طلا ساقيه وجسده
بصندل أحمر، وعلَّق على ساقيه كعوب ظباء وخرزا، قال ابن رألان: فجئته وقد طلا ساقيه بمغرة
الجأب، وإذا عنده رجلان من طاحية بن سود من الأزد يرقيانه من الشوكة، قال جهم: وقد علق على
ساقيه مع الطلاء كعوب ظباء وخرزا، قال ابن رألان: فأبلغته ما قال قتيبة. فقال وكيع: بي الشوكة
ولا أقدر على المجيء أما تراني مريضا؟ قال: فأتيت قتيبة بما قال وكيع. قال: فأرسل اليه صاحب
شرطه ورقاء بن نصر الباهلي، من بني قتيبة بن معن، وأخاه صالح بن مسلم وأمرا لخيل، فركبت
إليه معهما، فقال: إن أجاب وإلا فأتياني برأسه، فقد حذرني الحجاج غدر بني تميم. قال فدخل عليه
فقال له: أجب الأمير وإلا احتززنا رأسك. قال: نعم، أصب عليَّ ماء من هذا الطلاء، قال: فدخل
حجرة له، فشن عليه الدرع، ثم خرج من كفاء الخباء، قال زهير: وكان عند وكيع ثمامة ابن ناجية
من عدي الرباب، فقال ثمامة: فدعا بماء فغسل المغرة عن ساقيه وأمرني، فقال: ناد يا خيل الله
اركبي إلى وكيع وأبشري، قال ثمامة: فدعوت بما أمرني به من نواحي العسكر، قال ثمامة: فكان
أول من تجمع إليه مائة من بني العم، مرة بن مالك بن حنظلة. قال أبو مالك: كان أول من ثاب إليه
ابن أخيه إسحاق بن محمد في خمسة عشر فارسا من أهله مجففة. قال: وتقاعس الناس بعض
التقاعس، وتربصوا. قال: فأمر إسحاق أن يحرق، يريد بذلك أن يشغلهم ويرهبهم ويريهم أنهم كثير،
ولينشط أصحابه فيخرجوا. قال: فثاب الناس واجتمعوا. قال أبو الخنساء: فخرج وكيع فرأى رجلا
اجتهره، فقال: من أنت؟ قال: بشر بن غالب. قال: ممن؟ قال: من بني أسد. قال: خذ الحربة فأخذها،
فسار بها حتى طعن قتيبة فجعل وكيع يرتجز ويقول:
شُدَّا عليَّ سُرَّتي لا تنقلفيومٌ لهمدانَ ويوم للصُّدَف
ولتميم مثلُها أو تعترف
قال أبو عبد الله: للصدَف بفتح الدال، قال: ولقي سليمان الضبي صالح بن مسلم فرماه فأثقله، قال:
وزعمت الأزد أن زياد بن عبد الرحمن، أخا لمدرك بن شريك بن مالك بن فهم حمل على صالح بعد
ذلك، فطعنه فقتله. قال: حظارا فيه بخاتيه، وأطافوا به قال: وهرب عبد الله بن مسلم فقُتل في هربه،
وقتل عبد الرحمن بن مسلم أخو قتيبة، قتله قصاب، قال زهير: ولم يبق من بني تميم معه، غير
إياس بن زهير بن قميئة، وعبد الله بن رألان العدويين، فإنهما وفيا له فلم يزالا قاعدين معه في
فسطاطه، حتى أتى إياس بن زهير أخواه عبد الله وعبيد الله ابنا زهير، فأخذا بضبعي إياس أخيهما
وقالا، حتى متى تكون مع قيس وقد أسلمت أنفسها؟ قال: وقتيبة يرى ما يصنعان ويسمع قولهما،
فأخرجاه. قال أبو مالك: فلما قيل لقتيبة إن وكيعا قد تجمع إليه أصحابه، قال هريم بن أبي طحمة:
هذا الباطل أنا أجيئك به. قال: فوليت غير بعيد، فسمعتهم يقولون لا تدعه فيلحق بوكيع، ولن يرجع
إليك. قال: فغمزت فرسي برجلي المتوارية عنهم، ونوديت فتصاممت حتى فت القوم. قال أبو مالك
ك فجاء إليَّ ما حيال وجهه، من صف أصحاب وكيع، فجعل يضرب وجوه خيلهم برمحه، ويقول: سووا
صفوفكم، ولم يأت وكيعا، قال، وقال عمر بن عبد الله بن أبي بكرة، قال، قال بشير بن عبد
الله: فلما أطافوا بفسطاطه، دعا ببرذون له مدرب، كان يتطير إليه في الزحوف. ودعا بعمامة كان
يعتم بها، فقرب البرذون إليه ليركبه، قال: فجعل البرذون يقمص به حتى أعياه، قال: فلما رأى ذلك،
عاد إلى سريره فقعد عليه، فقال: دعوه فإن هذا أمر يراد، قال: وجاء حيان النبطي، وكان قائد العجم،
وكان مولى بكر بن وائل، فقال: أنا أكفيكم العجم، فقال لهم: ما لكم وللعرب تهرقون دماءكم فيما
بينهم، دعوهم يقتل بعضهم بعضا، واعتزلوا شرهم. قال: فمالوا براياتهم، فقال قتيبة لجعفر بن جزء
الوحيدي: يا أخا بطحاء أين قومك؟ قال: حيث جعلتهم. قال بشير فغشوا الفسطاط، ثم قطَّعوا أطنابه
علينا، فلولا سريره لقتلنا، ولكن السرير رد عادية الفسطاط عنا، قال زهير، فقال جهم لسعد انزل
فحزَّ رأسه. قال: وقد أثخن جراحا. فقال: أخاف أن تجول الخيل جولة. فقال: أتخاف وأنا إلى جنبك،
فنزل سعد فشق عنه صومعة الفسطاط - ويروى صوقعة - فاحتز رأسه فغيبه فقال الحضين بن المنذر:
وإن ابنَ سعدٍ وابنَ زَحْرٍ تعاورابسيفِهما رأسَ الهمامِ المُتَوجِ
وما أدركت في قيسِ عيلانَ وِتَرهابنو مِنْقَرٍ إلاَّ بأزدٍ ومِذحجِ
عَشِيَّةَ جئنا بابنِ زَحْرٍ وجئتُمُبأدغَمَ مَرقومِ الذراعينِ دَيْزَجِ
أصَمُّ غُدانيٌّ كأَنَّ جبينَهلطاخةُ نقسٍ في أديمٍ مَمجْمَح
قال ك وصوقعة الفسطاط رأسه الذي فيه العمود. قال: فقتلوه سنة ست وتسعين وقتل من بني مسلم
أحد عشر رجلا. قال: فصلبهم وكيع. سبعة منهم لصلب مسلم، وأربعة من بني أبنائهم، وهم: قتيبة،
وعبد الرحمن، وعبد الله الفقير، وعبيد الله، وصالح، وبشار، ومحمد.
هؤلاء بنو مسلم. وكثير بن قتيبة، ومغلس بن عبد الرحمن. قال ولم ينج من صلب مسلم غير عمرو،
وكان عامل الجوزجان. وضرار، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة،
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع