تجاوز إلى المحتوى

من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)

باب الحماسة ومعنى الحماسة الشدة والشجاعة (٦)

وقال قيس بن زهير، جاهلي:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

لعمرك ما أضاع بنو زياٍد ذمار أبيهم فيمن بضيع

بنو جنيٍة ولدت سيوفًا صوارم كلها ذكٌر صنيع

شرى ودي وشكري من بعيٍد لآخر غالٍب أبدًا ربيع

وهذه الأبيات قالها قيس بن زهير يشكر الربيع بن زياد الكامل قيامه ونصرته في حروب داحس والغبراء ويمدحه، وذلك أن الربيع قد كان ساوم قيسًا على درع له والربيع راكب وقيس راجل، فلما وضعها على قربوصية ركض فرسه فمضى بها، فلما انتجعوا أخذ قيس بن زهير زمام ناقة أمه فاطمة بن الخرشب الأنمارية يريد أن يرتهنها بدرعه، فقالت: أين ضل حلمك يا قيس؟ ترجو الصلاح فيما بينك وبين زياد وقد ذهبت بأمهم يمنة ويسرة، وقال الناس ما شاءوا، وحسبك من شر سماعه، فذهب مثلًا، فعلم قيس أنها صدقت فأرسلها وأغار على إبل الربيع فاستاقها، وكان هذا بينهما. فلما قتل حذيفة بن بدر مالك بن زهير ظن قيس أن الربيع لا يقوم معه، يطلب ثأر أخيه لما بينهما من الشحناء، فلما قام معه قال قيس: "شري ودي وشكري من بعيد" أي كان ما بيني وبينه بعيدًا، فألقى العداوة وراء ظهره، ونصرني للرحم والقرابة، وقوله: لآخر غالب يعني لآخر ما بقي من بني غالب، وغالب عبس والذمار: الحفاظ، وبنو جنية: أي هم في الشهامة كأنهم ولد الجن، ويروى "بنو حنية" بالحاء، والحن قبيلة من الجن، وبنو حن حي من

قضاعة، وهو حن بن دراح من أخواله قصي بن كلاب. المعنى: يمدح بني زياد ويشكر الربيع ويصفهم برعاية الحرم وشبههم بالسيوف الماضية.

وقال هدبة بن الخشرم العذري، إسلامي:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

إني من قضاعة من يكدها أكده وهي مني في أمان

ولست بشاعر السفساف فيهم ولكن مدره الحرب العوان

سأهجو من هجاهم من سواهم وأعرض منهم عمن هجاني

السفساف: الردئ من الشعر، مدره الحرب: المدافع عن أصحابه فيها.

المعنى: يصف مساعدته ويتمدح بالدفع عن أصحابه وأنه لا يجازي قومه بالإساءة إليهم، ويجازي غيرهم على ما يكون منه من الإساءة.

وقال عمرو بن كلثوم، جاهلي، كلثوم فعلول من الكلثمة، وهي غلظ الوجه.

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

معاذ الإله أن تنوح نساؤنا على هالٍك أو أن نضج من القتل

وإنما قال هذا لأن الجزع عند العرب عار. المعنى: يصف جلادتهم وصبرهم حتى لا يجزع من القتل ولا ينوح نساؤهم.

قراع السيوف بالسيوف أحلنا بأرٍض براٍح ذي أراٍك وذي أثل

المعنى: يقول: مضاربتنا بالسيوف آمنتنا الأعداء، فلا نتحصن خوفًا منها، ولكننا ننزل الفضاء ولا نخاف أحدًا، وقيل: معناه محاربتنا بني أبينا أجلتنا عن أوطاننا فأحلتنا بدار الغربة.

فما أبقت الأيام ملمال عندنا سوى جذم أذواٍد محذفة النسل

ملمال: أراد من المال، الجذم: الأصل، ومعنى محذفة النسل: مقطوعة الأولاد.

ثلاثة أثلاٍث فأثمان خيلنا وأقواتنا وما نسوق إلى العقل

ويروى "إلى القتل" ثلاثة أثلاث أي أموالنا ثلاثة أثلاث ما نسوق إلى القتل لأجل القتل، أي ما نعطي في الديات ونتحمل من المغارم، وثلثه ثمن الخيل، وثلثه للقوت والضيافة.

وقال المثلم بن عمرو التنوخي، المثلم، المكسر، تنوخ فعول من تنخ بالمكان- بالتشديد والتخفيف- إذا أقام به.

(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)

إني إبى الله أن أموت وفي صدري هم كأنه الجبل

يمنعني لذة الشراب وإن كان قطابًا كأنه العسل

حتى أرى فارس الصموت على أكساء خيل كأنها الإبل

وإن كان قطابًا: أي ممزوجًا من الشراب، وشبهه بالعسل في حلاوته، فارس الصموت يعني نفسه، والصموت: اسم فرسه، والأكساء: الأدبار واحدها كسي. المعنى: إني لا أموت وفي صدري هم عظيم كأنه جبل لا أجد معه لذة الشراب، وإن كان طيبًا كالعسل حتى أراني في أدبار خيل هزمتها، اطردها أطراد الإبل.

لا تحسبني محجلًا سبط السـ اقين أبكي أن يظلع الجمل

إني امرٌؤ من تنوخ ناصره محتمٌل في الحروب ما احتملوا

محجلًا له معنيان أحدهما الذي يحجل أي يسكن الحجلة كالمرأة المخدرة، والثاني محجلًا أي مخلخلًا عليه خلخال هو الحجل- بالكسر- سبط الساقين: ممتد الساقين. المعنى: يصف قوته وجلادته وقيامه بأمر الحرب كما تقوم به تنوخ يقول: لا تظنني كامرأة مخدرة ممتدة الساقين تعجز عن المشي، ثم بين أن ناصره من تنوخ، وأنه يقوم بأمر الحرب قيامهم: فضمن البيت مدحه ومدح قبيلته.

وقال عبد الله بن سيرة الحرشي، ويروي الجرشي بالجيم، السبرة: الغداة الباردة، والجرشي منسوب إلى جريش موضع باليمن، إسلامي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

إذا شالت الجوزاء والنجم طالٌع فكل مخاضات الفرات معابر

وإني إذا ضن الأمير بإذنه على الإذن من نفسي إذا شئت قادر

المخاضات: جمع مخاضة، المعبر: موضع العبور. المعنى: يقول: إذا اشتد الحر وقلت المياه عبرت الفرات، ولم يمنعني خوف الغرق، وإذا بخل على الأمير بإذنه قدرت على الإذن من نفسي بالانصراف عن بابه وهربت من سلطانه.

وقال الربيع بن زياد العبسي، جاهلي:

(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)

حرق قيٌس على البلا د حتى إذ اضطرمت أجذما

جنية حرٍب فما تفرج عنه وما أسلما

غداة مررت بآل الربا ب تعجل بالركض أن تلجما

قيس: يعني قيس بن زهير، حتى إذا اضطرمت البلاد شرًا أجذما أي اعتزل عنا، ومعنى أجذم كف وأقلع، يقال: حرقت الأرض وأحرقتها، والمعنى أنه هرب ولم يفعل قيس ما أخبر عنه الربيع، والجنية: الجناية جناها أي جرها، وقوله: فما تفرج عنه وما اسلما أي لم يخذل قيس ولم يسلم لمن أراده من الأعداء. وروى القاسم الديمرتي الرباب- بفتح الراء- وقال: هي امرأة، وروى غيره بالكسر يعني قبيلته، وتعجل أي تعجل أن تلجم فرسك من الفزع. المعنى: يشكو قيس ابن زهير جنايته الحرب واعتزاله عنها، ويصف أنهم لم يسلموه للعدو، ولم يتفرقوا عنه، وصرف شدة الفزع في آل الرباب، ويروى "فما يفرج".

وكنا فوارس يوم الهريـ ر إذ مال سرجك فاستقدما

عطفنا وراءك أفراسنا وقد أسلم الشفتان الفما

إذا نفرت من بياض السيو ف قلنا لها أقدمي مقدما

يوم الهرير من أيامهم مال سرجك لانهزامك، لم تقدر أن تصلحه، أي عطفنا عليك لننجيك لما انهزمت، وقوله: أسلم الشفتان الفما أي كلح كل واحد ما نريد، يعني أكرهناها على الإقدام. المعنى: يصف ثبات أصحابه يوم الهرير ما نيد، يعني أكرهناها على الأقدام. المعنى: يصف ثبات أصحابه يوم الهرير وانهزام من يخاطبه حتى تقدم سرجه، ويصف منهم عليه بعطفهم عليه لتخليصه عند اشتداد الأمر وإكراههم الخيل على الإقدام إذا نفرت من لمع السيوف.

وقال الشنفرى الأزدي، جاهلي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

لا تقبروني إن قبري محرٌم عليكم ولكن أبشري أم عامٍر

إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقي ثم سائري

هنالك لا أرضى حياة تسرني سجيس الليالي مبسلًا بالجزائر

قوله: ولكن أبشري أم عامر، فيه قولان أحدهما: أبشري أنت يا أم عامر بأكلي إذا تركت ولم أدفن، وأم عامر الضبع [والثاني اتركوني للتي يقال لها ابشري أم عامر]، ويروى "خامري أم عامر" أي استتري وتواري، وذلك أن الضبع إذا صيدت يقال لهم: ليست الضبع ها هنا، وقوله: إذا احتملت رأسي يعني الضبع، وفي الرأس أكثري يعني أن الرأس مجموع الحواس السمع والبصر والذوق والشم والنطق والعقل، ويقال معنى وفي الرأس أكثري أن الرأس يعرف وحده من غير جسد، والجسد لا يعرف بلا رأس، وقوله: هنالك لا أرجو يعني بعد القتل وتفريق الأجزاء لا أرجو حياة تسرني أي البعث بعد الموت في القيامة، وكانت العرب على مذاهب مختلفة، منهم من أقر بالبعث ومنهم من ينكر، ويحتمل أن يكون مقرًا بالبعث ولكنه لا يحمد عاقبته لكثرة جرائره فقال: لا أرجو حياة تسرني، لم ينف الحياة أصلًا، وإنما نفى حياة تسره، وقوله: مبسلًا أي مسلمًا، وسجيس الليالي: آخر الليالي، أي امتداد الدهر، وذلك أن الشيء إذا طالت مدته تغير في غالب الأمر

فكأنه قال: لا أكلمك إلى آخر المدة التي يتغير فيها الدهر. المعنى: يصف شجاعته وقلت اكتراثه بالموت يقول: لا تدفنوني في قبري، فإنه حرام عليكم دفني، ولكن اتركوني تأكلني الضباع وهي تأكل الجيف، وقيل بل مراده ادفنوني، وذلك إنه يخاطب أعداءه الذين قتلوه وهو يعلم أنهم لا يطيعونه فيما يقول فقال: لا تدفنوني حتى يدفنوه، وقيل: بل مراده الحث على طلب ثأره، وذلك إن قتل وترك بالفضاء ولم يدفن كأن أشد على قومه وادعى لهم إلى الطلب بثأره، وقال: لا أرجو حياة تسرني بعد أكل الضبع رأسي، إذا صرت بتلك الحالة لا أحيا بعد ذلك آخر الدهر، وقيل: إن الشنفرى من منكري البعث.

وقال تأبط شرًا، واسمه ثابت بن عميثل:

(الثاني من الطويل والقافية متدارك)

وقالوا لها لا تنكحيه فإنه لأول نصٍل أن يلاقي مجمعا

فلم تر من رأٍي فتيلًا وحاذرت تأيمها من لابس الليل أروعا

قال الأصعمي: "كان تأبط شرًا ابن أبي طرفة الهذلي، وهو ثابت بن جابر وهو من فهم"، وفهم وعدوان أخوان، وكان خطب امرأة من بني عبس فأرادت نكاحه ووعدته، فلما جاءها وجدها قد تغيرت فقال لها: ما غيرك؟ قالت: والله إن الحسب لكريم ولكن قومي يقولون: ما تصنعين برجل يقتل عنك أحد اليومين وتبقين بلا زوج، فانصرف عنها وهو يقول الأبيات ... ولابس الليل يعني نفسه لأنه يسري فيه. المعنى: يصف شهرته بالشجاعة وتعرضه للموت حتى قيل للمرأة

التي خطبها: لا تنكحيه فإنه يقتل إذا لقي جميعًا، لم سفه رأيها فقال: لم تر شيئًا من رأٍي وحاذرت تأيمها أي أن تصير مني أيما:

قليل غرار النوم أكبر همه دم الثأر أو يلقى كميًا مسفعًا

يماصعه كٌل يشجع قومه وما ضربه هام العدا ليشجعا

قليل ادخار الزاد إلا تعلًة وقد نشز الشرسوف والتصق المعا

يبت بمغنى الوحش حتى ألفنه ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا

السفع: المغير اللون، ويروى "مشيعًا" أي هو جريء كأنه معه من يشيعه، وروى البرقي "مقنعًا"، وهو الذي عليه المغفر، وزعم أنه أجود، ويماصعه يقالته بالسيف ويشجعه ينسبه إلى الشجاعة، ويروي "يجالده" أي يحاربه، ويروي "كٌل يشجع يومه" أي يوصف بشجاعته في اليوم الذي لقي فيه عدوه، وقوله: وما ضربه أي لا يريد بالقتال الذكر، وإنما يريد به الذب عن قومه، وإلا تعلًة أي القدر علقة من القوت، والشراسيف رؤوس الأضلاع، والتصق المعافى الجنب للضمر والهزال، يعني ليس هو بمتنعم رهل، ولكنه قليل الزاد من الطعام خفيف اللحم على العظام. المعنى: يصف قلة نومه من شدة همه في طلب الثأر أو يمارس شجاعًا قد تعود الشجاعة، وبين أن ضربه هام العدا ليس للذكر، ومدح نفسه بأنه لا يدخر الزاد إلا مقدار ما يتعلل به، وقد أثر ذلك فيه، وأنه قد ألف البعد عن الناس حتى ألفته الوحش إلا أنه لا يحمي لها مرتعًا.

رأين فتًى لا صيد وحٍش يهمه فلو صافحت إنسًا لصافحنه معا

على غرٍة أو جهرٍة من مكانٍس أطال نزال القوم حتى تسعسعا

ومن غير بالأعداء لابد أنه سيلقى بهم من مصرع القوم مصرعا

المكانس: واحدها مكنس وهو ما يستتر به من الحر والبرد، ويروي "مكانس" وحتى تسعسع أي ذهب أكثره، ويروي "تشعشع" أي تفرق، وقيل:

تشعشع أي طال، ومن يغر بالأعداء أي يولع بهم. المعنى: يصف أن الوحش ألفنه لطول صحبته إياها، لأنه لا يخيفها حتى كادت تصافحه غفلة وعلانية إن دخل معهن الكناس، وقد أثر فيه النزال حتى ضمر ثم قال: من تكلف محاربة الأبطال لابد أن يهلك على أيديهم.

ولكن أرباب المخاض يشفهم إذا اقتفروه واحدًا أو مشيعا

وإني وإن غمرت أعلم أنني سألقى سنان الموت يبرق أصلعا

يشفهم: يغمهم، مشيعًا أي في جماعة، أصلعًا أي ضاحيًا ظاهرًا لا يستره شيء، ويروى في البيت الأول مشنعًا بالنون، ويفسر أنه لابس السلاح، وليس بجيد. المعنى: يصف الفتى الذي ذكر أن صيد وحش لا يهمه، ويقول: أنه يستاق الإبل مغيرًا عليها، فهو يؤذي أرباب المخاض ويبرح بهم إذا اتبعوه واحدًا أو معه أصحابه أي يخافونه على كل حال، ثم ذكر إن غايته الموت وإن طال عمره.

وقال بعض بني قيس بن ثعلبة:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

دعوت بني قيٍس إلى فشمرت خناذيذ من سعٍد طوال السواعد

إذا ما قلوب الناس طارت مخافًة من الموت أرسوا بالنفوس المواجد

بنو قيس هم الذين وصفهم رسول الله ﷺ بالفروسية فقال: "لله فرسان في السماء وفرسان في الأرض، ففرسانه في الأرض، قيس بن ثعلبة"، والخنذيذ: الكريم يستعمل في الرجال والخيل. المعنى: يمدح بني قيس بالشجاعة وأنهم دعاهم إلى الحرب فأسرعوا إليها، ووصفهم بطول الأيدي وإنهم يثبتون في الحرب إذا فر الجبان.

وقال جحدر بن مالك بن ضبيعة بن قيس بين ثعلبة جد طرفة:

(من مرفل الكامل والقافية من المتدارك)

يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا

والحرب لا يبقى لجا حمها التخيل والمراح

إلا الفتى الصبار في الـ نجدات والفرس الوقاح

والنثرة الحصداء والـ بيض المكلل والرماح

وتساقط التنواط والـ ذنبات إذ جهد الفضاح

والكر بعد الفر إذ كره التقدم والنطاح

أراد يا بؤس الحرب، وأراهط: حي من العرب، استراحوا: أي تركوا الحرب، ولجاحمها أي شدة حرها، والتخيل: التكبر، والنجدات: الشدائد، الفرس الوقاح: هو الصلب الحافر، والمكلل: الذي ركب على رأسه حديد وغيره، والتنواط: ما يعلقه القارس من المزادة وغيرها، وأراد به الأدعياء والملحقين، والذنبات: السقاط من الناس، والفضاح: الفضيحة. المعنى: يتعجب من وضع الحرب إحياء من بني قيس بن ثعلبة لأن الرجل إذا لم يثبت في المعركة وضعت منه، ومعنى فاستراحوا إنهم لا يعاودون فكر الحرب، ثم بين أن الحرب لا يبقى لشدتها الاستطالة والنشاط، وإنما يبقى لها الفتى الكثير الصبر في الشدائد والفرس الصلب الحافر، والدرع المحكمة، والبيض المكلل والرماح، كأنه يعيبهم بالتقاعد عن الحرب، ويصفهم بالجبن والعجز وقلة السلاح، ثم قال: وتساقط المعلقين بقوم ليسوا منهم.

كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصراح

فالهم ببيضات الخدو ر هناك لا النعم المراح

من صد عن نيرانها فأنا ابن قيٍس لا براح

كشفت لهم عن ساقها مثل: أي اشتدت الحرب، بيضات الخدور: الجواري المخدرة، والبراح ضد الثبات. المعنى: يصف حال الأواهط التي وضعتها الحرب ويقول اشتدت بهم الحرب، وخلص لهم الشر فلم يهمهم إلا نساؤهم دون أموالهم، ثم دل على شجاعته وثباته فقال: من أعرض عن نيرانها [فأنا ابن قيس لا براح لي فيها ولا انحراف].

صبرًا بني قيٍس لها حتى تريحوا أو تراحوا

إن الموائل خوفها يعتاقه الأجل المتاح

هيات حال الموت دو ن الفوت وانتضي السلاح

حث بني قيس على الصبر في الحرب حتى تريحوا قومكم بالذب عنهم أو تراحوا بالقتل، الموائل: جمع موئل، وهو ما يفزع إليه، يعتاقه الأجل المتاح: أي يمنعه من الفوز الأجل المقدر فلا ينجو إذا حان أجله، فما يغنيه توقيه وجبنه حال الموت أي لا فوت من الموت، المعنى: يصبر بني أبيه، ويخبرهم أن الجبن لا ينجي من الموت، وأن الأجل المقدر لا يقع معه الفوت والنجاة، وقد جرد السلاح وجاء الأجل المقدر فلن يفوته من قدر له الموت.

يا ليلًة طالت على تفجـ عًا فمتى الصباح

فمتى الحياة إذا خلت منا الظواهر والبطاح

أين الأعزة والأسنة عند ذلك والسماح

بئس الخلائف بعدنا أولاد يشكر واللقاح

البطاح جمع الأبطح وهو السهل من المكان. المعنى يتألم من طول الليل ويتمنى الصباح ويتحزز لسادة قومه وأعزتهم وكرامهم ويذم بني يشكر.

وقال جحدر وهو ربيعة بين صبيعة وجحدر القصير، وهو لقب له، واسمه ربيعة، قال هذه الأبيات يوم التحالف، وهو يوم معروف من أيام بكر وتغلب، وحلقت بكر بن وائل رؤوسها استسلامًا للموت، وجعلوا ذلك علامة لهم، وأعطوا النساء الأداوي والهراوي وقالوا لهن: إذا رأيتن صريعًا محلوق الأراهط فاسقينه وأنعشنه فإنه منا، وإذا رأيتن غير ذلك فاضربنه بالهراوي حتى تجهزن عليه، وكان جحدر رجلًا دميمًا، وكانت له لمة حسنة فقال: دعوا لمتي بأول فارس يطلع من الثنية فتركوا لمته، فقطعت بكر بن وائل على القوم فقاتلوا قتالًا شديدًا، وأتاهم جحدر فحمل عليهم وهو يقول:

(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)

ردوا على الخيل إن ألمت

إن لم أطاردها فجزوا لمتي

قد يتمت بنتي وآمت كنتي

وشعثت بعد الدهان جمتي

ثم أصابته جراحات فارتث صريعًا فيما يذكرون، فمرت به نساء بني بكر بن وائل يطفن في الجرحى والقتلى، فوجدنه ذا لمة فقتلنه وهن يحسبن أنه من بني

تغلب، ويروى "ردا وردوا" بالجمع. المعنى: يصف شجاعته وحرصه على لقاء العدو، وبعد من نفسه المناجزة، ويروي "إن لم أناجزها" ويروي "إن لم أطاعنها".

قد علمت والدتي ما ضمت

ولففت في خرق وشمت

أمخدٌج في الحرب أم أتمت

إذا الكماة بالكماة التفت

شمت: بالشين من الشم، ويروى "سمت" بالسين غير المعجمة، المعنى: قالت والدتي في حال صغري وشهامتي ما يكون مني في الحرب إذا اختلفت الكماة لأن آثار شهامتي كانت ظاهرة.

وقال شماس بن أسود الطهوي لضمرة بن ضمرة النهشلي، وشماس من

الشموس، وهو اضطراب الدابة إذا أريد ركوبها.

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

أغرك يومًا أني قال ابن دارٍم وتقصى كما يقصى من البرك أجرب

وتقصى: تنحى، والبرك: الإبل الباركة. المعنى: أيكفيك من الحسب أن تنتسب إلى دارم لا تأنف إلا إذا أبعدت لؤمًا كما يبعد الجرب من الإبل، أي ما ينفعك شرف آبائك مع دناءة نفسك.

قضى فيكم قيٌس بما الحق غيره كذلك يخزوك العزيز المدرب

فأد إلى قيس بن حسان ذوده وما نيل منك التمر أو هو أطيب

ويروي "نوس" وهو اسم رجل، وقوله: العزيز المدرب: أي من كان القهر من عادته. يصفه بالذل والعجز عن الانتصار، يقول: ظلمك نوس في حكمه عليك وأرغمك رد الذود على حسان، ولم يأمر رد أخذ منك، فصار ذلك لهم كالتمر في الحلاوة لأنه لا تبعة عليه.

فالا تصل رحم ابن عمرو بن مرثٍديعلمك وصل الرحم غضٌب مجرب

المعنى: إن لم ترع حق القرابة حملت على رعايتها بالسيف قهرًا، وهذا كقولهم: "الطعن يظأر").

وقال حجر بن خالد بن قيس بن ثعلبة، جاهلي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

وجدنا أبانا حل في المجد بيته وأعيا رجالًا آخرين مطالعه

فمن يسع منا لا ينل مثل سعيه ولكن متى ما يرتحل فهو تابعه

يسود ثنانًا من سوانا وبدؤنا يسود معدًا كلها ما تدافعه

ويروى "جل في المجد بيته". المعنى: يصف نفسه وآباءه بالشرف والمجد العالي، وأنه يعجز عن مثل مجد أبيه، ثم بالغ في ذلك بأن قال: غير السيد منا سيد غيرنا، والسيد من غيرنا ليس بسيد فينا، ثم قال: معد لا تدفع عن ذلك بل تقربه لنا.

ونحن الذين لا يروع جارنا وبعضهم للغدر صٌم مسامعه

لا يروع جارنا: لا يخوف ولا يفزع لعزنا وذبنا عنه، وقوله: وبعضهم للغدر صم مسامعه، أي بعض الناس لا يبالي بالذم فكأنه أصم لأنه لحبه للغدر لا يسمع اللوم فيغدر بجاره.

ندهدق بضع اللحم للباع والندى وبعضهم تغلي بذم مناقعه

ويحلب ضرس الضيف فينا إذا شتا سديف السنام تستريه أصابعه

ندهاق: قالوا: نزود في القدر بالغليان الشديد، ويروي "ندهمق"، المناقع: جمع منقعة، وهي قديرة صغيرة حجرية تكون للبن يطرح فيها اللبن والتمر، ومعنى يحلب ضرس الضيف أي ينزل بنا فنطعمه السنام، وهو السديف، وقيل: بل معناه ينزل بنا الضيف فنطعمه سديف السنام فهو مضغه ويخرج دسمه فكأنه يحلبه، وتستريه: أي تختاره من الشيء السري الجيد. المعنى: يصف كرمهم وإطعامهم الضيف إذا جاءهم في الجدب بما يعد عندهم من الطعام.

منعنا حمانا واستباحت رماحنا حمى كل حي مستجيٍر مراتعه

أي مستجيرة، ويروى بالماء، كأنه التفاف العشب من الكثرة. المعنى: يصف عزهم وغلبتهم غيرهم حتى حفظت ديارهم وأبيح حمى غيرهم، ويروى "حمى كل قوم".

وقال أيضًا:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

لعمرك ما ألياء بن عمرٍو بذي لونين مختلف الفعال

غداة أتاه جباٌر باٍد معضلٍة وحاد عن القتال

ففض مجامع الكتفين منه بأبيض ما يغب عن الصقال

ألياء: اسم رجل، وغداة أتاه جبار باد يروي على أربعة أوجه: "بعبد" و"بإد" و"ابن عبد" و"عنيد" ولكل وجه، والاد: الداهية والشر، والعنيد: العادل عن الحق، ومعضلة نعت لاد، لأنه روى "معضلة" و"مغفلة" كأنه استغفله لما أتى جبار الياء، ومجامع الكتفين أي ضربه بذي وجهين وإن كان جبار بن عبد أتاه بداهية فقتله ألياء.

فلو أنا شهدناكم نصرنا بذي لجٍب أزب من العوالي

ولكنا نأينا واكتفيتم ولا ينأى الحفي عن السؤال

المعنى: لو حضرناكم نصرناكم بجيش كثير الرماح، ولكن بعدنا عنكم فاكتفيتم بقوتكم ولم نبعد عن السؤال عنكم.

وقال غسان بن وعلة أحد بني مرة بن عتاب، غسان من الغس، وهو الضعيف أو من الغسنة، وهي الخصلة من الشعر، والوعلة أمنع موضع في الجبل:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

إذا كنت في سعٍد وأمك منهم غريبًا فلا يغررك خالك من سعٍد

فإن ابن أخت القوم مصغى اناؤه إذا لم يزاحم خاله بأٍب جلد

يعني سعد بن زيد مناة بن تيم، ومصغى اناؤه أي ممال. المعنى: إذا كنت غريبًا في سعد وأمك منهم فلا تعتمد أخوالك فإن الرجل إذا لم يقابل خاله باب جلد ينقص حقه ويظلم.

وقال بعض جهينة في وقعة كانت لكلب مع فزارة، إسلامي.

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ألا هل أتى الأنصار أن ابن بحدٍل حميدًا شفى كلبًا فقرت عيونها

وأنزل قيسًأ بالهوان ولم تكن لتقلع إلا عند أمٍر يهينها

فقد تركت قتلى حميد بن بحدٍل كثيرًا ضواحيها قليلًأ دفينها

فأنا وكلبا كاليدين متى تقع شمالك في الهيجا تعنها يمينها

ضواحيها: بوادرها جمع ضاحية. المعنى: يصف إيقاع حميد بن بحدل ببني فزارة وإذلاله قيس بن عيلان وإكثاره القتل منهم، ثم وصف مساعدة جهينة كلبًا وجعلهما بمنزلة اليمين والشمال أي هم يد واحدة على من عاداهم.

وقال المنخل بن الحرث اليشكري المنخل: المخلص، والناخلة: الخالصة:

(من مرفل الكامل والقافية من المتواتر)

إن كنت عاذلتي فسيري نحو العراق ولا تجوري

لا تسألي عن جل ما لي واسألي كرمي وخيري

ويروي "ولا تحوري" ويروي "وانظري حسبي وخيري" قوله: فسيري هو عندهم من مكان الطلاق أو يقول: نحو بيتك لا تحوري أي لا ترجعي، ومعنى لا تجوري لا تعدلي، المعنى: يخاطب امرأته وينهاها ويقول: إن كنت تعذليني فأنت طالق، ثم افتخر بكرمه وأمرها بالسؤال عنه وهو أمر المال. ويجوز أن يكون معنى فسري نحو العراق أي لي بها آثار من الكرم والشجاعة فسيري نحوها تخبري

بذلك.

وفوارٍس كأوار حر النـ ار أحلاس الذكور

شدوا دوابر بيضهم في كل محكمة القتير

واستلأموا وتلببوا ان التلبب للمغير

وعلى الجياد المضمرا ت فوارٌس مثل الصقور

يخرجن من خلل الشعا ب يجفن بالنعم الكثير

أقررت عيني من أولـ ئك والكواعب بالعبير

وإذا الرياح تناوحت بجوانب البيت الكسير

الفيتني هش اليديـ ن بمري قدحي أو شجيري

الأوار: الوهج، والذكور يعني الخيل القرح، لأن الذكر أثبت في الحرب وأشجع عند الضرب من الأنثى، وشدوا دوابر بيضهم جمع دابرة، وكانت لبيضهم حلق يوثق في الدروع كالكلاليب مخافة أن يسقط إذا أجروا الخيل، وأراد بمحكمة القتير: الدروع والقتير: رؤوس المسامير التي كعيون الجراد، واستلأموا: أي لبسوا اللؤم: يعني الدروع، وتلببوا أي تحزموا، وقوله: يخرجن من خلل الشعاب يروي "يخرجن من قحم الشعاب" جمع قحمة وهي كل أمر شديد، ويجفن: يسرعن من الوجيف، ويروي "الفوائح بالعبير" يعني النساء المتطيبات أقررت عيني منهن منعمًا معهن، هش اليدين أي ضعيف اليدين، والمري: المسح من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب، والشجير: القدح يكمن مع القداح، وتناوحت أي تقابلت شمالًا مرة وجنوبًا مرة، وصبا أخرى، وسميت النساء نوائح لتقابلهن، والبيت الكسير: الذي له كسور واحدها كسر- بكسر الكاف وفتحها-

وهو ما مس الأرض من هداب الخيم، وإنما يريد به إذا اشتد وكان الشتاء لأن الرياح عند ذلك تختلف. المعنى: يصف شجاعته وتنعمه وأنه أقر عينه بفوارس متأهبين مدججين في السلاح على خيل كالصقور خفة قد تعودوا انتهاب النعم وأقر عينه بجوار متنعمات، ويصف جوده في شدة البرد وزمان الجدب، وأنه خفيف اليدين في الميسر يضرب القداح الذي جربه والذي لم يجربه حبًا للندى، لأن العرب كانت تبخل من لم يدخل في الميسر وتسميه البرم.

ولقد دخلت على الفتاة ة الخدر في اليوم المطير

الكاعب الحسناء تر فل في الدمقس وفي الحرير

يعكفن مثل أساود الـ تنوم لم تعكف لزور

فدفعتها فتدافعت مشيي القطاة إلى الغدير

ولثمتها فتنفست كتنفس الظبي العقير

فدنت وقالت يا منخل ما بجسمك من حرور

ما شف جسمي غير حبك فاهدئي عني وسيري

يعكفن ويعكفن: لازمن، ولم يعكفن لزور فيه قولان: أحدهما لم يعكفن لزينة لغير أزواجهن، وقال الأصمعي: يعني أن شعورهن لم يخلط بها شعر غيرهن وصلا ويكون زورًا، مشي القطاة إلى الغدير: أي مشت متأنية، وقيل: أراد إسراعها لأن القطاة تسرع إلى الماء، والظبي العقير: المرمي، وهو يلهث على ذلك، ويروي كتنفس الظبي البهير أي المبهور، ومن حرور أي من حمى، وروى الأصمعي "عن عرور" وهو قلة اللحم، وقوله: ما شف جسمي: أي ما ترين من هزال وتغير لوني من حبك، وقوله: فاهدئي عني وسيري أي من المسألة عن حالي فقد كفاك ما عرفتك من ذلك، وقيل سيري معناه اسمحي بما أريده منك وهذا

تعسف في التأويل، وقيل: سيري من السيرة الجميلة أي خذي نفسك بالجميل.

المعنى: يصف تنعمه بالجارية ومغازلته كما فسرنا.

وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري

يا هند من لمتيم يا هند للعاني الأسير

المعنى: يصف تساويهما في المحبة وطول ملازمته إياها حتى ألف بعيره ناقتها، ثم قال: من يحسن إلى المتيم إن لم تحسني ومن يطلق أسر الحب إن لم تطلقي، يتلطف لها ويتخضع إليها، وفي هذه القصيدة أبيات رواها بعضهم في هذا الكتاب وهي:

ولقد شربت من المدا مة بالصغير وبالكبير

وشربت بالخيل الانا ث وبالمطهمة الذكور ذ

وإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير

وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير

قال ثعلب عن ابن الأعرابي إنه أراد تصغير ماله وتكبيره ولم يرد إناء، ومما يحقق هذا الرواية التي تقول "ولقد شربت الخمر بالعبد الفصيح وبالأسير" يقول: اشتريت بثمن العبد الخمر وفديت الأسير، ويقال: الصغير والكبير الدراهم والدنانير، والخورنق فارسي معرب وأصله خرنقا أي موضع الأكل والشرب والسدير أيضًا فارسي معرب: أي سد لي أي ثلاث قباب متداخلة، والشويهة تصغير شاة وأصله شوهة. المعنى: يصف شربه الخمر بأمواله ويذكر اختلاف حالتي السكر والصحو.

وقال باعث بن صريم، صريم تصغير صرم، وهو أبيات من الناس مجتمعة:

(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)

سائل أسيد هل ثأرت بوائٍل أم هل شفيت النفس من بلباها

إذ أرسلوني مائحًا بدلائهم فملأتها. علقًا إلى أسبالها

قوله: هل ثأرت بوائٍل أي طلبت قاتله، إذ أرسلوني هذا مثل أي بعثوني طالبًا بترتهم، والمائح: المستقي الذي يدخل ليجمع الماء في الدلو، والمانح الذي يسقي على رأس البئر. فملأتها أي ملأت الدلاء ماء إلى أعاليها، والعلق: الدم نفسه أي أكثرت من القتل حتى بلغت مرادكم وزدت. المعنى: يصف شجاعته وإدراكه الثأر بوائل المقتول وإكثاره القتل به.

إني ومن سمك السماء مكانها والبدر ليلة نصفها وهلالها

آليت أثقف منهٌم ذا لحيٍة أبدًا فتنظر عينه في مالها

يعني والله لأنه رافع السماء سمك أي رفع، وليلة نصفها فيه قولان: إما نصف السماء وإما نصف أيام الشهر وهو الأصح، وجاز أن يكنى عن الأيام ولم يتقدم لها ذكر لأن لفظة البدر دلت عليها. وقوله: آليت أثقف منهم ذا لحية أي لا أثقف منهم، وجاز حذف لا ها هنا لأن جواب القسم إما أن يكون نفيًا أو إيجابًا والإيجاب باللام، فإن تعرى منها كان نفيًا إلا إذا طال الكلام فإنه يجوز حذف اللام، ومعنى أثقف أجد. المعنى: إنه لا يصيب منهم رجلًا فيتركه حيًا مبالغة في التهدد.

وخمار غانية عقدت برأسهاأصلاً وكان منشرا بشمالها
وعقيلة يسعى عليها قيممتغطرس أبديت عن خلخالها

عقدت برأسها أي سكنت منها حتى اطمأنت نفسها فعقدت خمارها برأسها لا أنه عقده بيده، ولكنه كان سبباً له، وكان منشراً أي كان الخمار منشرا بشمال الغانية، وعقيلة البيت أي امرأة كريمة، يسعى عليها قيم يعني الزوج، ويجوز أن يكون المراد به الأب وسائر الأولياء، متغطرس أي متكبر، أبديت من خلخالها، أي امرأة كريمة، يسعى عليها قيم يعني الزوج، ويجوز أن يكون المراد به الأب وسائر الأولياء، متغطرس أي متكبر، أبديت من خلخالها، أي فزعتتها حتى هربت، فشمرت عن ساقها للهرب فبدا خلخالها. المعنى: يصف شجاعته ويقول: رب غانية استنقذتها من العدو فسكنت منها، ورب جارية كريمة من الأعداء أزعجتها عن خدرها حتى تكشفت عن ساقها فبدا خلخالها.

وكتيبة سفع الوجوه بواسلكالأسد حين تذب عن أشبالها
قد قدت أول عنفوان رعيلهافلففتها بكتيبة أمثالها

سفع الوجوه: متغيرة ألوان الوجوه لملازمة السلاح، الرعيل: القطعة من الخيل. يصف شجاعته وبسالته ولفه الخيل بالخيل.

وقال الفند الزماني:

(من الهزج الأول والقافية من المتواتر)

أيا طعنة ما شيخ كبير يفن بال

تقيم المأتم الأعلى على جهد وإعوال

ولولا نبل عوض في خصماتي وأوصالي

لطاعنت صدور الخيــل طعناً ليس بالآلي
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «تقيم المأتم الأعلى»
ترى الخيل على آثاـر مهري في السنا العالي
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «تقيم المأتم الأعلى»
ولا تبقي صروف الدهــر إنساناً على حال
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «تقيم المأتم الأعلى»
تفتيت بها إذ كــره الشكة أمثالي
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «تقيم المأتم الأعلى»
كجيب الدفنس الورهاء ريعت بعد إجفالي
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «تقيم المأتم الأعلى»

إنما كتبنا هذه الأبيات كلها لأن قوله: تفتيت بها راجع إلى الطعنة التي ذكرها في أول القصيدة، وبينهما اعتراض كثير، يفن: ضعيف، البالي: المسن الهرم، المأتم الأعلى: المصيبة الكبرى، والإعوال البكاءـ ونبل عوض يعني حوادث الدهر، وعوض مبني على الضم والفتح، وإنما سمي الدهر عوضاً لأنه كلما مضى منه جزء خلفه جزء كالعوض من الأول، ويروى ها هنا "عوض" مصروفاً للضرورة، خضماتي: جمع خضمة وهي كل لحمة غليظة، ويروى "خضباتي" على الإبدال، والأوصال: الأعضاء واحدها وصل بكسر الواو، وقوله ليس بالآلي أي المقصر، وقوله ترى الخيل ... البيت يريد أن الخيل إذا كانت في آثار مهري تابعة غباره فقد بلغت السنا العالي، ويكفيها أن تدعى لمهري، ويجوز أن يكون المعنى إني رئيس أتقدم القوم فيتبعوني سائرين في ضوء سنا الأسنة وغيرها من السلاح، ويجوز أن يكون أراد بالسنا ضوء الغبار الذي يرتفع من سنابك الخيل، وقوله: تفتيت بها: تخلقت بأخلاق الفتيان، والشكة السلاح كله، وذلك لأنه طعن رجلين على فرس فانتظمها برمحه في حرب البسوس، والدفنس المرأة الحمقاء، شبه الطعنة بجيب المرأة الحمقاء لأنها لا يزر عليها قميصها ولا سيما إذا فزعت. المعنى: تعجب من طعنة طعنها على شيخوخته كما يطعن الشباب وأشكاله يكرهون حمل السلاح لضعفهم، وشبه تلك الطعنة بجيب المرأة الحمقاء إذا فزعت واعترض في ذلك بالاعتذار بقوله ولولا تأثير الدهر في لبالغت في الطعنة، ثم افتخر أنه قائد الخيل وأنها تتبعه.

وقال ربيعة بن مقروم الضبي:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

أخوك أخوك من يدنو وترجومودته وإن دعي استجابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة
إذا حاربت حارب من تعاديوزاد سلاحه منك اقترابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

أخوك أخوك إن شئت جعلت الثاني بدلا وإن شئت جعلت الثاني خبراً عن الأول، أي إنما يستحق أن تدعو الرجل أخاك إذا كان في الحقيقة كما قال، وهذا مثل قول أبي النجم "أنا أبو النجم وشعري شعري". المعنى: يذكر في البيتين الأولين أن المحبة إذا لم تكن بالطبع وكانت بمغالبة النفس سئمت المغالبة، وكذلك العطاء إذا كان في عتاب يخشى رغب عنه الناس وتركوا العتاب، ويستزيد أخاه في البيت الثاني، وبين له ما يجب للأخ على أخيه، ويدل على أن من كان بهذه الصفة لا يجب أن يعرض، يقول: أخوك يمحض مودتك ويحسن معونتك، ويساعدك على الشدائد.

وكنت إذا قريني جاذبتهحبالي مات أو تبع الجذابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

المجاذبة: المماذة، ويروى مكان مات "طاح" أي سقط. المعنى: يصف قوته وغلبته الأقران، يقول: كنت إذا قرنت بصعب من الناس فنازعني غلبته حتى انقاد لي صاغراً أو قطعت عنقه فمات.

بمثلي فاشهد النجوى وعالنبي الأعداء والقوم الغضابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة
فإن الموعدي يرون دونيأسود خفية الغلب الرقابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة
كأن على سواعدهن ورساًعلا لون الأشاجع أو خضابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

الموعدي الذين يوعدونه ويتهددونه، خفية اسم موضع بعينه، والغلب: الغلاظ العناق، المعنى: يمدح نفسه ويصف هيبته في قلوب أعدائه، يقول: أعدائي يرون دوني أسوداً غلاظ الرقاب، ويجوز أن يكون المراد بذلك أصحابه،

ويحتمل أن يكون المراد به أعدائي لا يدنون مني كأنهم يروني أسود خفية، ثم بين أنها قد تعودت الفرس والقتل فقال كأن على سواعدهن ورسا أي زعفراناً، ويقال: بل الورس شيء يشبه الزعفران، والأشاجع عروق ظاهر الكف.

فإن أهلك فذي حنق لظاهعلي يكاد يلتهب التهابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة
مخضت بدلوه حتى تحسىذنوب الشر ملأى أو قرابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

الحنق بفتح النون أفصح وبكسر النون أيضاً يقال، لظاه يعني نار عداوته، مخضت بدلوه أي سقيته دلواً من الشر فتحسى أي شيء بعد شيء، وقال بدلوه وعنى بها الدلو التي سقاه بها. المعنى: بلغت مرادي من أعدائي، وأحللت بهم نهاية الشر فإن أمت فرب مغتاظ علي بلغت منه غاية المكروه.

وقال سلمي بن ربيعة من بني السيد من بكر بن سعد بن ضبة جاهلي:

(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)

حلت تماضر غربة فاحتلتفلجأ وأهلك باللوى فالحلت
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة
وكأن في العينين حب قرنفلأو سنبلاً كحلت به فانهلت

فلجا يعني وادياً بطريق البصرة بينها وبين مكة. المعنى: يصف مفارقته من يحبها وهي تماضر، ودوام البكا لأجل ذلك يقول: حلت تماضر مكاناً بعيدا منك، لأنها حلت فلجا وحل أهلك الحلت، وبينهما مسيرة عشر ليال، "ويروى "أو فلفلاً".

زعمت تماضر أنني إما أمتيسدد أبينوها الأصاغر خلتي
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة
تربت يداك وهل رأيت لقومهمثلي على يسري وحين تعلتي
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة
رجلاً إذا ما النائبات غشينهأكفى لمعضلة من مطاه وعلت
ومناخ نازلة كفيت وفارسنهلت قناتي من مطاه وعلت
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة

أبينوها تصغير بنيها على غير قياس، المطا الظهر. المعنى: يصف شهامته وجلالته، وأن أحداً لا ينوب منابه، ويسفه رأي تماضر -في زعمها- أن بنيها يسدون مكانه، ويدعو عليها بالخيبة.

ثم افتخر بقيامه في أمور الناس على اختلاف أحواله، وكفايته الداهية العظيمة، وطعنه في ظهر المنهزم الطعنة النافذة، وأخرج قوله: "وهل رأيت" مخرج الاستفهام لأنه أبلغ من الإفصاح بالخبر.

وإذا العذارى بالدخان تقنعتواستعجلت نصب القدور فملت
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة
دارت بأرزاق العفاة مغالقبيدي من قمع العشار الجلة

تقنعت بالدخان لأنها تصطلي به من شدة البرد، ولا يكون ذلك إلا في الشتاء، وملت أي كببت استعجالا من كلب الجوع وقلة صبرها، والقمع أعالي السنام الواحد قمعة، والجلة المسان من الإبل. المعنى: يصف كرمه وجوده، وأنه إذا اشتد البرد وعظم القحط ستر ضعة القوم، فدارت القداح بيده بأرزاق السؤال من أسنمة الإبل.

ولقد رأبت ثأى العشيرة بينهاوكفيت جانيها اللتيا والتي
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة
وصفحت عن ذي جهلها ورفدتهانصحي ولم تصب العشيرة زلتي
وكفيت مولاي الأحم جريرتيوحبست سائمتي على ذي الخلة
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة

رأبت أصلحت، وثأى العشيرة فسادها، واللتيا والتي يعني الداهية الصغيرة والكبيرة، واللتيا بفتح اللام وضمها، ورفدتها نصحي أعنتها بنصحي، والأحم الأقرب، لا يجوز غيره، ومن روى بالجيم فقط غلط عند أكثر العلماء، وقال بعضهم بالجيم حسن، أي لم أجن على من لم يحمل السلاح كما يظلم القوي الضعيف، وحبست سائمتي على ذي الخلة أي لم أسرح إبلي دون الفقير، ولكني إذا رأيت ذا الحاجة أعطيته منها ما سد خلته، والهاء في جانيها ضمير العشيرة.

وقال أبي بن سلمي بن ربيعة بن زبان، ويقال أبان، وزبان فعلان من الزبن، وقيل: الزب والزبب وهو كثرة الشعر.

(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)

وخيل تلافيت ريعانهابعجلزة جمزى المدخر
جموم الجراء إذا عوقبتوإن نوزقت بزرت بالحضر
سبوح إذا اعترمن في العنانمروح ململة كالحجر

دفعن إلى نعم بالعرا .. ق من حيث أفضى به ذو شمر

فلو طار ذو حافر قبلهالطارت ولكنه لم يطر

ريعان كل شيء أوله، معجلزة أي صلبة شديدة، جمزى المدخر أي سريعة الجري الثاني كأنه ادخره من الجمز وهو الوثوب، ومنه الجمازة، عوقبت فوعلت من العقب وهو الجري الثاني، يقال: فرس ذو عقب إذا كان بهذه الصفة، ونوزقت من النزق وهو الجري الأول، والنزق الخفة والنشاط، ململة مجتمعة، ويروى "البراق" وهو موضع، وذو شمر، بفتح الشين والميم وقيل: ذو شمر يعني فرساً.

فما سوذنيق على مربأخفيف الفؤاد حديد النظر
رأى أرنباً سنحت بالفضاءفبادرها ولجات الخمر
بأسرع منها ولا منزعيقمصه ركضه بالوتر

السوذنيق: من جوارح الطير وهو الشاهين وهو السواذق أيضاً، والمربأ المكان المرتفع، والخمر المكان الكثير الشجر يستر من دخله واستتر فيه، وقوله بأسرع منها يعني فرسه، ويقمصه أي يزعجه، وركضه بالوتر أي دفع الوتر إياه عند النزع، والباء زائدة. المعنى: يصف فرسه بالسرعة والخفة وحدة النظر، وجعلها أسرع من سوذنيق انقض على أرنب، وجعلها أسرع من سهم فارق الوتر.

وقال زيد الفوارس بن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب ابن نخالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن ربيعة بن ضبة:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

تألى ابن أوس حلفة ليردنيعلى نسوة كأنهن مفائد
قصرت له من صدر شولة إنماينجي من الموت الكريم المناجد

يقول: حلف ابن أوس حلفة ليأسرني ويردني إلى نسوته المهازيل، شبههن بالمفائد وهي السفافيد واحدها مفأد وهو السفود، ويقال: المفائد المساعير وهي التي تحرك بها النار، وابن أوس هو قيس بن أوس بن حارثة بن لأم، وذلك أن زيد الفوارس خرج في خيل من ضبة، فمر ببني جديلة من طيء ولم ينزل فأرسل أوس بن حارثة ابنه قيساً ليردهم فجد قيس في أثره! حتى إذا لحقه نادى قيس بن أوس يا زيد ارجع، قال زيد: الام ارجع؟ قال قيس: واللات والعزى لأردنك أسيراً إلى نسوة تركتهن، فلم يكترث زيد ومضى، وكان ابن مرهوب أحد بني هاجر بن كعب على فرس بطيء في اخريات الناس، فلما لحقته خيل طيء نادى زيداً، وزيد في أوائل خيل ضبة على فرس له تدعى شولة، فعطف زيد على ابن مرهوب، وقال له: كن عن شمالي، فإنني سأكفيك القوم فلحقتهم طيء فاقتتلوا ساعة، ثم إن زيد الفوارس حمل على رئيسهم زيد بن أوس فطعنه في جبهته فخر ميتاً، وشدت عليهم خيل بني ضبة. وقوله: ينجي من الموت أي يخلص، والمناجد: الشجاع المقاتل من النجدة وهي الشجاعة. المعنى: يصف شجاعته واحتياله على عدوه وتخليصه نفسه بعد قربها من الموت ولحوق العدا به، ويروى "من بطن شولة".

دعاني ابن مرهوب على شنء بيننافقلت له إن الرماح مصايد

النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح حماسة أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.