من «تفريج الكرب في معرفة لامية العرب» لابن زاكور الفاسي (ت ١١٢٠هـ)
تفريج الكرب في معرفة لامية العرب
الصفحة ١ من ٢
وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم يقول أفقر الخلق إلى المعبود بالحق, المشفق من خلله المأثور عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن عبد الواحد, عرف بابن زاكور رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي جعل معرفة كلام العرب من أقوى دواعي الطرب, من اجل أنه أحل من الضرب, على الناس في ذوقه متفاوتو الرتب. وصلى الله على سيدنا محمد أفصح العرب قاطبة, فإنه بلغ مشارق البيان ومغاربه, واسترق ساريه وساربه، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل فصاحتهم يأتوا بمثلها ولو ظاهر صاحب منهم صاحبه. ولكانت نسبة كلامهم من كلامه عليه أفضل صلاة الله وعلى اله وصحبه وأزكى سلامه, وإن قادوا البيان بخطامه, وأفرغوا السحر في قالب نثره ونظامه, نسبة الترب من التبر, والخشب من الذهب.
ومع هذا فإن معرفة كلامهم, وسيلة إلى معرفة كلامه, وما أنزل عليه وسبب, فكانت لذلك من أعظم الوسائل وأجل القرب, فلذلك ما شرحت لامية العرب, وأجلستها على البيان من مرتقب, وكشفت عن وجهها الذي طالما قد انتقب, مقتصرا في إبداء معناها الذي قد احتجب, على ما قد تعين من القول ووجب, فجاء شرحا كثير العجب, ناقعا لغلل أهل الأدب, فسميته تفريج الكرب عن قلوب أهل الأرب في معرفة لامية العرب, فرج الله تعالى كروبنا وغفر ذنوبنا, وجبر بمعرفته قلوبنا.
قال الشنفرى عمرو بن مالك الأزدري:
أقيموا بني أمي صدور معطيكمفإني إلى قوم سواكم لأميل
المطي كالمطايا جمع مطية: وهي الدابة تمطو في سيرها أي تجد وتسرع, وإقامة صدور المطي: إعمالها في السير, والتوجه بها إلى وجهة, ويقصد به الجد في الأمر, والانتباه من الغفلة, فيكون تمثيلا على سبيل الاستعارة, وهذا هو المراد هنا كما قيل, وهو الظاهر, وأصله في الراكب ينام على راحلته فتنحرف به عن القصد فيقال له: أقم صدر مطيتك, أي انتبه من نومك. والميل إلى الشيء: الانحراف إليه بالقلب, والأميل: الأشد ميلا, وبنوا أمه, قيل: هم فهم وعدوان. والقوم سواهم رهطه من الأزد, وكان نازلا في بني أمه, فعير, فرحل إلى قومه, وهذا التعيير سبب قوله القصيدة.
والمعنى: جدوا بابني أمي في أمركم فإنكم غارون, وانتبهوا فإنكم نائمون عن شأني الذي هو غير شأنكم, وبمراحل عما تتوهمونه من ميلي إليكم لكوني نازلا فيكم, فإنني أشد ميلا إلى قوم غيركم, أي ميلي إليهم أكثر من ميلي إليكم وان كنت بعيدا منهم, وهواي معهم وان لم أكن فيهم, وهذا إنذار لبني أمه برحيله عنهم, ثم قال:
فقد حمت الحاجات والليل مقمروشدت لطيات مطايا وارحل
حم الأمر-بالبناء لما لم يسم فاعله-قدر. ومعنى "الليل مقمر": ذو قمر وقد يقصد منه: الأمر واضح, وهو تمثيل على سبيل الاستعارة, ولا تبعد إرادته هنا, ومنه قول الشاعر:
وخالدٌ قال لي قولا قنعت بهلو كنت اعلم أنّى يطلع القمر
والطيات, كالنيات لفظا ومعنى, وواحدها طية كنية, وهو ما ينويه المسافر من وجه. وواحد الأرحل, رحل: وهو مركب للبعير كالراحول. وشد الرحل: إيثاقه. وشد المطايا: بمعنى شد أرحلتها وأدواتها.
والمعنى: فقد قدرت الحاجات الداعية إلى ارتحال عنكم, والحالة أن الزمان مساعد على ذلك, وهو الليل المقمر, فإن السير فيه يسمى سرى, وعاقبته محمودة عند الصباح, ولاسيما إذا كان الليل مقمرا, فإن السرى في القمر يبلغ الغاية, فترتفع بحمده في الصباح الراية, ولست بأوحد في الارتحال, فإن الناس قد تهيئوا له, وشدوا أرحلهم على مطاياهم لقصد جهات مختلفة في طلب الحاجات, فليفيهم أسوة. فهذه أمور كل منها يدعو إلى الارتحال, وهي تقدير الحاجات, ومساعدة الزمان, والائتساء بالإخوان, فاجتماعها يكون ادعى إلى ذلك.
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذىوفيها لمن خاف القلى متحول
المنأى: المكان الذي ينأى إليه, أي يبعد. والكريم هنا: العزيز والسيد الواسع الخلق. والقلي: البغض. الموضع الذي يحصل التحول إليه وهو المعني.
يقول والأرض واسعة, ففيها ما يبعد العزيز عن الإذلال والإذاية, وفيها أيضاً ما إذا تحول إليه من خاف وبال البغض, وسوء عاقبته سلم وامن. وهذا معنى قول بن أوس المزني:
وفي الناس إن رثت حبالك واصلوفي الأرض عن دار القلى متحول
وافهم قوله: "وفي الأرض منأى... البيت".
إن الأرض واسعة غير ضيقة على الراغب في الاعتزاز, والراهب من القلى, فأكد هذا المفهوم بقوله:
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئٍسرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
لعمرك: -بالفتح-أي لحياتك, وقيل: لدينك.
يقول: لحياتك قسمي ما في الأرض من ضيق على امرئٍ سرى, أي سار ليلا في حالة كونه راغبا في العز مثلا, أو راهبا من عقبى العداوة, وهو يعقل, أي يميز ما رغب فيه, وما رهب منه, فحيثما وجد المرغوب فيه أقام, فتتسع عليه الأرض بوجدان الراحة بإدراكه, وحيثما وجد المرهوب منه رحل, فتتسع عليه الأرض بالخلاص منه, وهذا معنى ضيق الأرض وسعتها, فمرجعه في الحقيقة إلى انقباض النفوس وانشراحها بحسب إدراكها الملائم وغيره كما أفصح به من قال:
لعمركما ضاقت بلاد بأهلهاولكن أخلاق الرجال تضيق
ولي دونكم أهلون سيد عملسوأرقط زهلول وعرفاء جيال
الأهلون: جمع أهل, وأهل الرجل: عشيرته, وذوو قرباه, وهو هنا استعارة لما ذكره من السيد-بالكسر-وهو من أسماء الذئب. والعملس بفتح العين المهملة, والميم واللام المشددة-الخبيث من الذئاب. والأرقط: النمر, سمي بذلك لرقطته, وهي سواد مشوب بنقط بيض. والزهلول-بزنة عرجون-الأملس. والعرفاء هنا: الضبع, سميت بذلك لان لها عرفا بضم العين: أي شعرا في عنقها. وجيال: من أسماء الضبع, فهو بدل من عرفاء. وهو على وزن "فيعل" ومعرفة بلا ألف ولا لام, قاله في الصحاح.
ومعنى البيت: ولي دونكم بابني أمي أهلون, أي مؤالفون وحوش القفار والمفاوز, وهم ذئب خبيث, ونمر أملس, وضبع ذات عرف. والمقصود انه اعتاد السفر, وتكرر من قطع المهامه حتى الفته وحوشها فصارت له بمثابة الأهل, أي فلا يؤدني الرحيل, ولا يشق علي السير.
هم الرهط لا مستودع السر شائعلديهم ولا الجاني بما جر يخذل
الرهط: في معنى الأهل. والسر المستودع: الذي أودع, أي جعل وديعة عند الشخص, بمعنى أن من القي إليه يطلب منه كتمانه.
يقول: هم-أي ما ذكر من الوحش-الرهط لا غيرهم, بمعنى أنهم أحق باسم الأهل والرهط من الناس, فإن من استودعهم سرا كتموه فلم يفش عندهم, ومن جنى جناية على احد لم يسلموه إليه بجريرته, فيكون ذلك خذلانا منهم له, فأين هم من المسمين بالأهل, الذين يشيع لديهم مستودع السر, ويخذلون الجاني بما جر فيسلمونه إلى المجني عليه.
وكل أبي باسل غير أننيإذا عرضت أولى الطرائد أبسل
الأبي: الذي يأبى الدنايا, ولا يقبل الضيم, فعله: أبي بالكسر إباء بالكسر أيضاً. والباسل هنا: الأسد, أو الذي بسل بسولا: عبس غضبا أو شجاعة, فهو أيضاً بسل وبسيل. وعرضت: ظهرت. والطرائد: جمع طريدة, بمعنى مطرودة, وهي من الإبل ما يزعج من محله في الغارات.
والمعنى: وكل واحد مما ذكرته من الآهلين حمي الأنف, لا يضام, شديد الكشيمة, لا يرام بهوان, غير أنني اشد إباء لذلك منها, إذا ظهرت الأولى من الإبل التي شلت في الغارة, وتبعها أربابها لاستنقاذها وهم أحرد شيء إذا ذاك, واشد حنقا, يكادون يتميزون من الغيظ علينا, فناهيك بقتالهم, وبشجاعة من يجول في مجالهم, ولا يكترث بنزالهم, ثم قال:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكنبأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
الأجشع - بتقديم الجيم على الشين-الأكثر جشعا, بالتحريك, وهو اشد الحرص وأسوؤه, وان يأخذ الإنسان نصيبه وعينه من نصيب غيره.
يقول: إذا اجتمع الناس على زادهم, ومدوا أيديهم لتناوله, لم أكن أنا أكثرهم عجلا إليه بأن اسبقهم إلى ذلك جميعهم, أما سبق بعضهم فقط, كما إذا سبق بعض الآكلين الجميع فتلاه بعضهم على الفور قبل غيره, فإن ذلك لا يكون عيبا, بل ربما كان من مكارم الأخلاق, لما فيه من رفع الحشمة عن السابق. بما يناسبه بذلك, ولذلك نفى عنه الأعجلية دون مطلق العجل, فإن لا يكون من الزلل, ولا يعد صاحبه مخطئا فيدعى على أمه بالهبل.
ويدل لما قلناه قوله: "إذا اجشع القوم أعجل". أي اشد القوم حرصا على الطعام لشدة نهمه, أشدهم عجلا إلى مد اليد إلى الزاد.
ووجه الدلالة منه انه علل نفي كونه أعجل بان سببه شدة الجشع في الخارج, فيستدل بالأعجلية على الجشع فيذم بذلك من حيث انه عنوان على شدة النهم, فالذم في الحقيقة إنما هو بالجشع, أما إذا كان سبب العجلة ما قلنا, فلا ذم, والله اعلم سبحانه, ثم قال:
وما ذاك إلا بسطة عن تفضلعليهم وكان الأفضل الم
تفضل.
البسطة هنا: السماحة والسعة في الكرم. والتفضل كالإفضال: الإحسان, يقال: أفضل علينا وتفضل.
والمعنى: وليس انقباض يدي عن تناول الزاد قبلهم لعلة سوى سماحة ناشئة عن إحسان إليهم, أو سوى سعة في إحسان إليهم.
ف "عن" بمعنى "في" على هذا التقدير الأخير, وكان المتفضل أي المحسن, الأفضل بالنصب على انه خبر كان مقدما على اسمها, وجملة "وكان الأفضل... الخ". أكدت ما أفهمته التي قبلها بمعرفة المقام من كون المتفضل أكثر فضلا من غيره, وهذا يسمى تذييلا, وقد تكون الجملة المذيلة مؤكدة لمنطوق ما قبلها, وهي على كل حال لا محل لها من الإعراب.
ومن الناس من يسمي مثل هذه الجملة اعتراضا, وان كان في آخر الكلام بناء على انه عنده لا يختص بأثناء الكلام الواحد, أو ما في معناه من الكلامين المتصلين معنى, ولا مشاحة في الاصطلاح, ونكتة هذا التذييل أو الاعتراض الحث على التفضل.
وإني كفاني فقد من ليس جازياًبحسنى ولا في قربه متعلل
كفاني كذا: أي احسبني, ووجدت فيه الكفاية. والحسنى: ضد السوأى. والمتعلل: موضع التعلل, أي التلهي والتجزي.
يقول: لا أبالي بفقد الشخص الذي ليس مكافئا على الفعلة الحسنى وليس في قربه-أي القرب منه-ما يتعلل به من قرب منه, أي لا خير فيه فتتلهى به نفس من قرب, وتتكلف الاجتزاء به لقلته, فقد كفاني فقد هذا المذكور أي خوف فقده.
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيعوأبيض إصليتٌ, وصفراء عيطل
ومن لا يخاف فقده لأجل وجود هذه الثلاثة, يكون وجوده مساويا لعدمه, من اجل عدم الانتفاع به. والفؤاد المشيع-بضم الميم وفتح الشين المعجمة والياء المشددة-: الشجاع الجريء, كأنه شيع بغيره أو بقوة أودعها الله فيه. والأبيض الإصليت بكسر الهمزة: السيف الصقيل الماضي, وفي معناه: الصلت والمنصلت. والصفراء العيطل-بالعين المهملة-القوس الطويلة.
ف "فؤاد" وما عطف عليه تفصيل لإجمال ثلاثة أصحاب, فؤاد قوي, وسيف صقيل ماضٍ, وقوس صفراء طويلة, ولعلها أجود القسي عودا وأبعدها مرمى.
ثم وصف القوس بما يدل على جودتها فقال:
هتوف من الملس المتون يزينهارصائع قد نيطت عليها ومحمل
إذا زال عنها السهم حنت كأنهامرزأة عجلى ترن وتعول
الهتوف من القسي: المصوتة بكثرة, ومثله الهتافة والهتفة كالجمزى في التحريكة. والمتون: الظهور, واحدها متن. والرصائع, جمع رصيعة: وهي كل حلقة مستديرة, فلعل القسي العربية كانت تزين بالحلق المستديرة.
ومن الناس من فسر الرصائع هنا بسيور مضفورة وليس ذلك في القاموس, ولا خير فيما لا يوجد فيه إن شاء الله. والمحمل: العلاقة. وحنين القوس: تصويتها. والمرزأة: الكثيرة الرزايا, أي الكصائب. والرنين: التصويت, رنت القوس ترن. و "عجلى" صفة "مرزأة" فهي بمعنى عجول بفتح العين: وهي الوالة من النساء لفقد ولدها. والإعوال: رفع الصوت بالبكاء, وجملة "ترن" في موضع نصب على الحال من "مرزأة".
والمعنى: اشبهت القوس بتصويتها, عند مفارقة السهم لها, امرأة كثرت أرزاؤها, والها, في حال كونها ترن وترفع صوتها بالبكاء.
ولست بمهياف يعشي سوامةمجدعة سقبانها وهي بهل
المهياف: الشديد العطش. والسوام: النعم الراعي كالسائمة. أسام الإبل: رعاها. وعشاها بالتشديد: رعاها ليلا, فهي عاشية, وفي المثل: العاشية تهيج الآبية. أي الراعية تبعث التي امتنعت من الرعي عليه. والسقبان-بالضم-أولاد الإبل, ومن الناس من خص به الذكور.
ومنهم من قال: إنما يسمى السقب ساعة الولادة. وتجديع السقبان: إساءة غذائها كإجداعها. والبهل, جمع باهل: وهي الناقة التي لا صرار عليها. والصرار-بالصاد المهملة بزنة كتاب-ما يشد به ضرع الناقة, يقال: أبهلها إذا أهملها من ذلك, وترك ولدها يرضعها.
يقول: لست راعيا شديد العطش, أو سريعة, في حال كونه يرعى إبله ليلا حالة كون الإبل جائعة الولاد لقلة اللبن, وفي حال كونها غير مشدودة الضروع من أجل ذلك, إذ لا فائدة من شدها حين لا لبن, فأولادها ترضعها لو كان الرضاع يغنيها من جوع, أو يسمنها, وهذه حالة شديدة. نفى عن نفسه أن يكون من ذكر مؤكدا للنفي بزيادة الباء في الخبر, لأن الكون على تلك الحال تسوء معه الأخلاق وتحج به الصدور.
ولا جبإٍ أكهى مرب بعرسهيطالعها في شأنه كيف يفعل
الجبأ -بوزن سكر-: الجبان. والأكهى بالهاء: الجبان الضعيف. فهو تأكيد للجبان أي نعت له مفيد للتأكيد بما فيه من الزيادة على معنى الأول, يقال منه: كهي كرضي. والإرباب بالعرس-أي الزوجة ملازمتها. ومطالعتها في الشأن: مؤامرتها فيه.
يقول ولست أيضاً بجبان, ضعيف, ملازم لزوجته, يؤامرها في شؤونه, كيف يفعل فيها, فقوله: كيف يفعل "تفسير ل "يطالعها" أي يسألها كيف يفعل فيما عن له من شأنه. وناهيك بضعف من يسأل النساء, ويرجع إلى إشارتهن في الأمور, ومشورتهن في الشؤون, فإنهن ناقصات عقل ودين, والمحتاج إليهن في ذلك أنقص عقلاً, وأضعف رأياً.
ولا خرق هيق كأن فؤادهيظل به المكاء يعلو ويسفل
الخرق-بالخاء المعجمة المفتوحة بوزن كتف-: الذي خرق كفرح, أي دهش من خوف أو حياء, فاتحا عينيه ينظر. وخرق الطائر: لم يقدر على الطيران. والهيق: الدقيق الطويل. والمكاء-بضم الميم وفتح الكاف المشددة-: طائر جمعه مكاكي. وأما المكاء بالتخفيف: فالتضفير بالفم, أو النفخ في الأصابع مشبكة. والمكاء بالتشديد: ذو مكاء بالتخفيف, ولذلك يسمى الصافر, وهو طائر جبان يضرب به المثل فيقال: "أجبن من صافر". ولذلك ما خص الشنفرى بظنه في فؤاد الخرق الهيق. والفؤاد: ما يتعلق بالمريء من كبد ورئة وقلب.
والمعنى على تشبيه القلب في الاضطراب من الدهش والخوف بالمكاء. وهو تشبيه مكنى عنه لا مصرح به. وبيان الكناية انه يلزم من ظن المكاء في الفؤاد ظن القلب مكاء. لأن الذي في الفؤاد-على التحقيق-القلب, والظن المذكور استفيد من خبر "كأن". فغنه إذغ كان فعلا كما هنا, أو ظرفا, أو مشتقا, أشربت "كان" معنى الظن.
وتقدير البيت: ولست أيضاً بذي دهش طويل في نحافة, فإن ذلك من إمارات الحمق غالبا, مظنوناً فؤاد ذلك الخرق يقيم به المكاء حالة كونه عاليا وسافلا, أي يرتفع وينخفض من شدة الدهش.
ولا خالف دارية متغزلٍيروح ويغدو داهنا يتكحل
الخالف: الذي خلف: بمعنى فسد أو حمق, ويسمى بهذا المعنى الثاني خالفة أيضاً, أو الذي خلف عن أصحابه. بمعنى تخلف عنهم, أو الذي خلف غيره: أي صار خليفته في أهله. والدراية: من لا يفارق البيوت. وقيل: الذي يكثر الادراء لغيره: أي الختل. فتاؤه-عليهما-للمبالغة كعلامة, ونسابة. والمتغزل: الذي يتكلف الغزل-بالتحريك-: وهو محادثة النساء, ومرادودتهن, غازلهن وغازلته.
يقول: ولست بالفاسد الذي يخلف عن أصحابه: أي يتخلف عنهم, أو يخلفهم في أهاليهم بالريبة, لا يفارق البيوت لذلك يغازل النساء ويغازلنه, رائح غادٍ متطيباً, متكحلاً يستميل بذلك النساء.
والمقصود نفي كونه خالفا, لا خالفا موصوفا بالأوصاف المذكورة حتى يقال: لا يلزم من نفي الخالف الموصوف بها نفي الخالف غير الموصوف بها, على أنه-والله العالم سبحانه-لا وجود للخالف بدون تلك الأوصاف فهي مفسرة له, كاشفة عن معناه, تشعر بذمه, ومع ذلك فإن نفوس ذوي الهمم من العرب كانت تأنف من ذلك في جاهليتها, وتذم فاعله غاية الذم, ويتمدحون بغض البصر عن الجارات, قال عنترة: ﴿الكامل﴾
وأغض طرفي عن بدت لي جارتيحتى يواري جارتي مأواها
وقال عقيل بن علفة المري:
ولست بسائل جارات بيتيأغياب رجالك أم شهود
ولا ملق لذي الودعات سوطيألاعبه وربته أريد
ولست بصادرٍ عن بيت جاريصدور العير غمره الورود
ولست بعل شره دون خيرهألف إذا ما رعته اهتاج أعزل
العل-بفتح العين المهملة وتشديد اللام-: من يزور النساء كثيراً, ومن تقبض جلده من مرض, والمسن الصغير الجثة. وهذه المعاني صالحة هنا كلها. أما الذي يكثر الزيارة للنساء فإنه يتخلق بأخلاقهن فيكثر شره, ويقل خيره, كالذي تقبض جلده من المرض, فإنه يفسد مزاجه, ويحرج صدره, ولا تسل عن شره وندور خيره.
وأما الثالث فلأن دمامة الخلق- بالفتح- يلازمها ذمامة الخلق في الغالب. وألف-بتشديد الفاء-العيي, البطيء الكلام, إذا تكلم ملأ لسانه فمه, وهو أيضاً الثقيل البطيء المقرون الحاجبين. وكلا المعنيين يعاب به لكونه يدل على نقص باطني. والاهتياج: الثوران, كالهيج والهيجان, والهياج بالكسر. والروع: الفزع. والأعزل: الذي لا سلاح معه.
وجملة "شره دون خيره" في موضع خفت على النعت ل "عل" و "ألف" و "أعزل": نعتان له مقطوعان، أي هو ألف, وهو أعزل, والثاني هو المقطوع, والأول تابع لمتبوعه في الإعراب. والمقصود من هذه النعوت مجرد الذم للمنعوت, على أن الأول وهو: "شره دون خيره" مبين لملازم معنى المنعوت كما أومأنا إليه أنفا, ومعنى: "شره دون خيره" أي شره أدنى الناس من خيره, وضره أقرب إليهم من نفعه, فشره حائل بينه وبين خيره فلا يصلون إليه, وهذا بحسب الدلالة الوضعية.
أما المقصود: فنفي خيره على سبيل المبالغة, لا نفي الوصول إليه مع وجوده, لأن وجود الخير غنما يدرك بنيله والوقوف عليه, وهو متنفٍ بكون الشر دونه, أي لا يعلم فيه خير يشوب شره, ونفع يخالط ضره, وأفهم نفي هذه الأوصاف المذمومة عنه, ثبوت أضدادها المحمودة له, فهو خيره دون شره, قريب البيان, فصيح اللسان, ثبت الجنان, لا يهتاج لقعقعة الشنان, ملازم السلاح, مستعد للكفاح.
ولست بمحيار الظلام إذا انتحتهدى الهواجل العسيف يهماء يعمل
المحيار: الكثير الحيرة. والانتحاء: القصد. اليعمل: الجمل النجيب المطبوع على العمل, والناقة يعملة. واليعمل واليعملة اسمان لا يوصف بهما كما في القاموس.
واليعمل فاعل انتحى. ويروى: "هوجل": وهي الناقة السريعة, وانتحت بتاء التأنيث. والهدى-بضم الهاء وفتح الدال-الرشاد والدلالة, والمراد هنا الطريق والقصد, لأنه يهتدى بالطريق له, والهوجل هنا: الدليل. والعسيف-بكسر العين والسين المشددة المهتملين: الذي يكثر من قطع المفاوز على غير طريق, مبالغة بالعاسف.
"وهدى" منصوب ب "انتحت" على أنه مفعول به, أو مفعول مطلق مرادف لمصدر الفعل, لن المعنى: انتحى انتحاء الهوجل, أو المعنى: اهتدى هداه.
وتقدير البيت: ولست بشخص كثير الحيرة في الظلام, بمعنى يقع التحير منه كثيرا, أي تكثر مراءلته, أو يشتد ما يقع منه من ذلك بحيث لا يجد مخرجا, وقد يقال: لا يحتاج إلى هذا, إذ لا يسمى تحيرا إلا ما كان مثل هذا. أما التوقف الذي يعقبه الاهتداء فليس بحيرة, ولا يذم به صاحبه, وقلما يسلم منه, فلأجل هذا خص النفي بما يدل على الكثرة في ذلك وهو محيار بزنة "مفعال" الذي هو من أمثلة المبالغة في تكثير المعنى, ونفي ذلك عنه أفاد ثبوت ضده له وهو أنه كثير الاهتداء إلى قصد السبيل عند اشتباك الظلام, فلا تعمى عليه المسالك, إذا قصد جمل مطبوع على العمل به قصد الدليل الذي يكثر منه عسف اليهماء: أي المفارزة التي يهيم فيها السالك.
ف "يهماء" -على ما قررنا- مفعول بالعسيف, وأسند على الجمل لأنه هو الذي يسير, فالراكب تابع في القصد للمركوب, والمركوب تابع للراكب في الاهتداء والتحير, ولذلك ما نفى التحير عنه دون الجمل. وهذه من لطائف البلاغة, وأسرار الفصاحة.
وجعل طريق الدليل هدى, لأن من يسلكها يجد عليها هدى, فكان الطريق هدى من الليل الذي سلكها أولا لمن يسلكها بعده.
ويجوز أن يفسر الهدى بالراحة هنا, لاهتداء راكبها بها. ف "هدى" عليه فاعل "انتحت", و "يعمل" بدل منه, و "يهماء" بالنصب مفعوله.
والتقدير: إذا قصدت راحلة الهوجل العسيف وهي يعمل يهماء.
إذا الأمعز لاقى مناسميتطاير منه قادح ومفلل
الأمعز: المكان الصلب. والصوان جمع صوانة: ضرب من الحجارة شديد. فالأمعز الصوان: صاحب الصوان. والمناسم جمع منسم: مقدم الخف. والقادح: الذي يقدح النار. والمفلل: المكسر.
وصف بعيره بصلابة أخفافه بحيث تؤثر مناسمها في الأماكن الصلبة إذا لاقتها. فتطير منها أحجارا قادحة للنار, وأخرى مكسورة من شدة الوطء وصلابة ما يباشر الأرض من الأخفاف.
أديم مطال الجوع حتى اميتهواضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
المطال: كالمطل: تأخير الحق. يقال: مطله وما طله بحقه: لواه, أي أخره. والصفح: مصدر صفح, يصفح-بفتح الفاء فيهما-أعرض وأذهل-بالفتح-مضارع ذهلت عن الشيء, بالفتح, ذهلا, أو أذهلت عنه بالكسر ذهولا: نسيته, والذكر: التذكر. وضربه من الجوع صفحا: الإعراض عما يقتضيه من الأكل إعراضا, وهذا عين مطاله الذي يديمه حتى يميت الجوع وأي يكسر سورته, ويقتل كلبه بدوام مصابرته بأن يرتاض به فلا يتأثر به بعد. وغاية ذلك أن يذهل عن وجوده, وألا يحس بحر وقوده.
وأستف ترب الأرض كي لا يرى بهعلي من الطول امرؤ متطول
استفاف الترب كسفه, والسويق: أخذه غير متلوت. والطول-بفتح الطاء المهملة-الفضل و "من" زائدة للتوكيد. والمتطول: المتفضل.
يريد أنه إذا دار أمره بين أن يستف التراب, أو أن يتحمل منة من ذي من, فإنه يختار استفاف التراب.
وتقدير البيت: وأستف تراب الأرض لأجل ألا يرى بسبب ذلك على امرؤ متفضل فضلا.
بمعنى أن هذه عادتي, فسف التراب عند خوف المنة متحقق في حقه ماض بالنسبة لزمان تكلمه, فالتعبير بالمضارع لحكاية حالة سفه التراب الماضية, فهو يستحضر به صورة السف لفظاعتها.
أو يقال: إن المعتاد مستقبل العودة كما هو ماضي البدء, فالتعبير بالمضارع عما يعود منه يعود منه حقيقة, وعما مضى منه مجازا.
ولولا اجتناب الذم لم يلف مشربيعاش به إلا لدي وما كل
يعني أن اجتنابة الذم المحقق بحسب دعواه بشهادة "لولا" فإنها تقتضي وجود شرطها, وامتناع جوابها لوجوده, والشرط هنا اجتناب الذم, فهو الذي أرقى همته, وقمع نهمته, ومنع من وجدان المشارب والمآكل التي يعاش بها عنده, ولولا ذلك-أي لو قدر عدم اجتناب الذم بعدم المبالاة به-لم يوجد شيء مما ذكر إلا عنده.
ولكن نفساً حرة لا تقيم بيعلى الذم إلا ريثما أتحول
النفس الحرة: هي الكريمة التي تأنف من الدنايا, وتستهل من جنبها المنايا. والريث هنا: القدر, و "لكن" هنا للاستدراك المحقق لوجود اجتناب الذم المانع من ارتكاب ما تضمنه الجواب الذي امتنع لوجوده, فيتحقق امتناع مضمون الجواب, وذلك مفهوم من "لولا" في البيت الأول فيكون هذا تأكيدا لذلك.
وبالجملة: إن هذا من الاستدراك المشتمل على الإثبات للذي لم يتوهم نفيه لمجرد التأكيد. وقد يكون بالنفي لما يتوهم ثبوته كذلك. ومن قول أبي سلمى بن ربيعة:
فلو طار ذو حافر قبلهالطارت ولكنه لم يطر
فإن "لو" أفادت امتناع طيران ذي الحافر، فارتفع توهمه فاستدراكه بعد يكون للتأكيد.
وتقدير البيت: ولكن نفسا كريمة لا تستمر بي على ما أذم به إلا ما انتقل عنه.
والمعنى أنه لا يقيم لحظة، فاستثناء مقدار التحول من مقدار الإقامة استثناء من غير الجنس، أفاد ذلك مبالغة في عدم الإقامة على الذم. فالإقامة والتحول - أي قدره - متغايران، وقد حصر ما أثبته من الإقامة في التحول الذي هو ضدها بلا تأول, وذلك محال لا يخطر ببال، فتكون الإقامة على الذم من المحال, وهذا هو المسمى بعلم البديع بتأكيد المدح بما يشبه الذم, ومن شواهده قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
فاستثناء فلول السيف من العيب, كاستثناء التحول من الإقامة في بيت الشنفرى, ففلول السيف مدح أفرغ في قالب الذم, أكد المدح بنفي العيب لتحقيقه أنه لم يوجد من إفراد العيب شيء, وكذلك القول عن الذم مدح عظيم مفرغ في قالب الذم, حيث استثني من نفي الإقامة على الذم والاستثناء من النفي إثبات, فيقتضي إثبات الإقامة على الذم, وكونها تحولا عنه مؤكد لنفيها وبرهان على استغراق النفي بجميع إفراد الإقامة على الذم.
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوتخيوطه ماري تغار وتفتل
الحوايا: الأمعاء التي تحوت, أي استدارت, واحدها حوية - بوزن غنية- وحاوية وحاوياء.
والخمص مصدر خمصه الجوع: أضمره. وخمص البطن - مثلث الميم-أي خلا والخيوطة - بالتاء- كالخيوط, والأخياط: جمع خيط. والماري: كساء صغير لخطوط مرسلة, وإزار الساقي من الصوف المخطط. وتغار: يحكم فتلها. ف "الحوايا" مفعول "أطوي" أي: أشد الأمعاء على جوعها فتنطوي كما انطوت خيوط الكساء, والإزار الماري في حال كونها تفتل ويحكم فتلها, وانطواء الخيوط في حالة الغزل على المغزل في غاية الانضمام والتداخل. فيستفاد من تشبيه طي الأمعاء به شدة جوعها, وفرط خلائها من الغذاء والرطوبات, واستيلاء اليبس عليها, فتضمر وتنضم ولا كانضمام الخيوط عند إحكام الفتل.
وأغدو إلى القوت الزهيد كما غداأزل تهاداه التنائف أطحل
القوت: ما يمسك الرمق. والزهيد: القليل والضيق, أو المرغوب عنه, بمعنى المزهود فيه, المحتقر. فهذا يناسب قوله: "وأستف ترب الأرض... البيت" والأزل: الذئب القليل لحم الألية, وخصه لأن ذلك أشد لوثوبه وسرعة سيره. والأطحل: ذو الطحلة-بالضم-وهي لون بين الغبرة والبياض والتنائف, جمع تنوفة وهي المفازة. وهل وزن التنوفة "فعولة" أو "تفعلة"؟ خلاف ذكرناه في "فرائد التبيان في شرح قلائد العقيانوتهاداه": أصله تتهاداه بتاءين مضارع "تهادته" أي أهده بعضها إلى البعض. وهو استعارة لخروجه من بعضها إلى ما يليه في سيره لطلب قوته, وهذه الاستعارة تسمى تبعية لأنها في الفعل, وسميت بذلك لكونها بالتبع لمصدر الفعل, بمعنى أن المصدر محل التشبيه الذي انبنت عليه الاستعارة, فجرى أولا ذلك في المصدر, ثم تبعه في الفعل.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع