تجاوز إلى المحتوى

من «تفريج الكرب في معرفة لامية العرب» لابن زاكور الفاسي (ت ١١٢٠هـ)

تفريج الكرب في معرفة لامية العرب

الصفحة ٢ من ٢

ومعنى البيت: وأسير غدوة مثلا إلى محل القوت المزهود فيه فرارا من الذم سيرا حثيثا شبيها بسير الذئب القليل لحم العجز, المغبر اللون إلى قوته في ذلك الوقت في حال كونه تتهاداه المفاوز, وتتدفعه أولاها إلى ما يليه وهكذا.

وغدو الذئب في طلب قوته بالغ الغاية في الإبعاد والسرعة, لاسيما إذا كان أزل. فتشبيه غدوه بغدو الذئب لبيان حاله في الغدو في طلب القوت الذي ينجيه من المقت المحقق, لشدة اجتنابه من الذم. فمضمون هذا البيت, والذي قبله, الاحتجاج على ما ادعاه فيما قبلهما من اجتناب المذمات وأنفته من الدنيات.

ثم أخذ يشرح أحوال الذئب في سيره على القوت ليتعلم منها حاله هو في الطلب لكونها مثلها, فقال:

غدا طاويا يعارض الريح حافيايخوت بأذناب الشعاب ويعسل

الطاوي: الذي طوى يطوي: أي لم يأكل شيئاً متعمداً لذلك والمعارضة: المباراة. ويخوت-بالخاء المعجمة-يسرع هنا, من خوت البازي والعقاب: أي انقضاضهما, هو أسرع ما يكون. وأذناب الشعاب: أسافلها, وعسلان الذئب, كعسله: خببه في مشيته.

فجملة "غدا" استئنافية لا محل لها - لأجل ذلك - من الإعراب, ويجب فصلها عن التي قبلها المقتضية سؤالا يجاب عنه بالثانية, وبيان ذلك أن قوله: "كما غدا" اقتضى أن يقال: كيف غدا؟ فيقال: غدا طاويا, ولو تحقق السؤال لوجب فصل الجواب عنه, فكذلك يجب فصل الجواب عما يتضمن ذلك السؤال, ويسمى الفصل استئنافياً كالجملة المستأنف بها.

والمعنى: غدا الذئب لطلب القوت في حال كونه جائعا, وهذه الحالة لازمة له, ولذلك يقولون: "رماه الله بداء الذئب", أي الجوع, وغدا أيضاً حالة كونه يباري الريح في السرعة, وفي حال كونه ينحدر في أسافل الشعاب مسرعا كما ينقض البازي, وفي حال كونه يضطرب في مشيته من شدة السرعة. وواحد الشعاب, شعبة: وهي مسيل الماء إلى الوادي.

فلما لواه القوت من حيث أمهدعا فأجابته نظائر نحل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

لويت فلانا: مطلته بحقه وهو هنا استعارة لعدم وجدان الذئب القوت في المحل الذي أمه: أي قصده. ولما لم يجد ذلك عوى من خيبته في مطلبه فأجابته نظائر: أي؟ أشباه له, في حالة من الجوع ومن طلب القوت على الحال الذي وصف, ناحلة مهزولة من أجل ذلك.

مهللة شيب الوجوه كأنهاقداح بكفي ياسر تتقلقل

المهللة: التي تشبه الهلال, وهذا استعمال غريب مخل بفصاحة الكلمة, إذ لم يعهد استعمال "فعل" بالتشديد في التشبيه. ونظير "مهللة" هنا "مسرج" في قول العجاج:

وفاحماً ومرسناً مسرجاً

أي: كالسيف السريجي في الدقة والاستواء, أو كالسراج في البريق واللمعان. والشيب, جمع أشيب: وهو ها هنا المتغير لون الوجه على سبيل الاستعارة. والقداح, جمع قدح بالكسر: وهو السهم قبل أن يراش. وتقلقل القداح: تحريكها واضطرابها, ومن لازم ذلك تصويتها. والياسر: الذي يجيلها ويفرقها, فعله يسر-بالفتح-ييسر بالكسر.

والمعنى على تشبيه الذئاب العاوية الضامرة من الجوع بقداح الميسر المصوتة عند اضطرابها في كف المفيض: وهو الياسر, فقوله: "تقلقل" لا يتم المعنى بدونه. و "مهللة" بالرفع, من صفات النظائر.

أو الخشرم المبعوث حثحث دبرهمحابيض أرساهن سام معسل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

الخشرم-بالخاء والشين المعجمتين-النحل والزنابير, واحدته بهاء والمبعوث: الذي هيج من محله. والدبر-بالفتح-جماعة النحل والزنانبير وبكسر الدال أيضاً فيهما.

والأليق بالنظر إلى الدبر أن يفسر الخشرم بمأوى النحل هنا, أو بأميرها, وهما من معاني الخشرم أيضاً.

وحثحثة الدبر: تحريكه بالمحابيض, بالضاد المعجمة, جمع محبض بزنة "منبر", وهو عمود يشار به العسل ويطرد به الدبر. وإرساء المحابيض: إثباتها. والسامي المعسل: المرتقي لطلب العسل, كالمستعسل ف "الخشرم" معطوف على "قداح".

والمعنى على تشبيه الذئاب النحل في حالة عوائها بأمير النحل الذي حرك دبره بالأعواد المسماة بالمحابيض مريد عسلها, وصوت النحل إذ ذاك متوفر متواتر وتشبيهها بالنحل المبعوث أدل على شدة صوتها من تشبيهها بالقداح المضطربة في كفي الياسر.

مهرتة فوٌه كأن شداقهاشقوق العصي كالحات وبسل

المهرتة الواسعة الأشداق. والفوه, جمه أفواه وفوهاء: للواسع الفم ومن تخرج أسنانه من شفتيه مع طولها. وصفة ذلك: الفوه بالتحريك. والكالحات: المتكشرات في عبوس. والبسل: جمع باسل: وهو الكريه المنظر هنا.

وصف الذئاب بسعة الأشداق, وببروز أنيابها لطولها من شفتيها, وبالعبوس وكراهة المنظر من أجل سعة أفمامها حتى أشبهت أشداقها شقوق العصي في الطول مع التزاق أحد الشقين بالآخر.

فضج وضجت بالبراح كأنهاوإياه نوح فوق علياء ثكل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

الضجيج: صياح الجازع والمغلوب. والبراح: الفضاء. والنوح جمع نائحة. والعلياء: المكان العالي. والثكل, جمع ثاكل: وهي الفاقد لولدها.

ويقول: فصاح الذئب صياح محزون, وصاحت معه النظائر النحل في الفضاء في حال كونها وإياه تشبه نساء فاقدات لأولادهن نائحات عليها فوق مكان مشرف, وهذا الضجيج غير دعائه وإجابتها لأن ذلك إجابة للصوت من بعيد. وهذا بعد الاجتماع, ولذلك رتبه على ما تقدم بالفاء التي تقتضي التسبيب.

فأغضى وأغضت وابتسى وابتست بهمرامل عزاها وعزته مرمل

أغضى-بالغين والضاض المعجمتين- أدنى الجفن من الجفن. وأغضى الشيء: سكت عنه. وابتسى-بالموحدة التحتية قبل المثناة الفوقية-أنس, كبسأ بزنة: "جعل" و "فرح". وهو في الأصل مهموز فسهل الهمزة ألفاً هنا ضرورة. والمرامل: التي نفذ زادها, واحدها مرمل "فمرامل" فاعل "ابتست". "ومرمل" فاعل "عزاها".

يقول: فأغضى الذئب, وأغضت الذئاب: أي سكتت بعد الصياح مدنية لجفونها, وأنس هو بها, وأنست به, مقفرات من الطعام, صبرها مقفر مثلها, وصبرته هي.

ويصح أن يكون "مرامل" خبر مبتدأ محذوف, أي "هي مرامل", وهو أولى لسلامته من وضع الظاهر وضع المضمر, والله أعلم سبحانه.

وأولى من التقديرين أن يكون منصوباً على الحال من فاعل "ابتست" وهو ضمير الذئاب.

شكا وشكت ثم ارعوى بعد وارعوتوللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

الإرعواء: النزوع عن الجهل, وحسن الرجوع عنه.

يقول: شكا الذئب للذئاب عند اجتماعهم ما يجده من الجوع والخيبة في الطلب, وشكت هي له ذلك. ثم نزع عن ذلك بعد, وكفا وكفت هي أيضاً عن الشكوى, صابرة على تلك البلوى, وللصبر أكثر جمال من الشكوى إن لم يكن لها نفع. والمشاركة بين الصبر والشكوى في الجمال بحسب اعتقاد الشاكي على ما يقتضيه الطبع, وإلا فلا جمال للجزع والشكوى بالنسبة للصبر, حتى يكون الصبر زائدا عليه بعد المشاركة, نعم قد يكون الجزع في بعض المواطن هو الجميل دون الصبر كفقد الدين ومن جاء بالدين, خاتم النبيين, وإمام المرسلين ﷺ وعليهم أجمعين, فإنه كما قال شاعره حسان بن ثابت ﵁:

والصبر يحمد في المواطن كلهاإلا عليك فإنه مذموم
وفاء وفاءت بادرات وكلهاعلى نكظٍ مما يكاتم مجمل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

الفيئة: الرجوع. والبادر: الذي بدر غيره على الأمر: سبقه إليه وعاجله. والنكظ-بالنون والكاف والظاء المشالة محركة-الجهد والمشقة هنا والمكاتمة: الكتم والكتمان أي الإخفاء. والإجمال: التؤدة والاعتدال في الطلب من غير إفراط.

و"بادرات" منصوب على الحال من فاعل "فاءت". و "كلها" مبتدأ خبره "مجمل عليها" بسكون الجيم وكسر الميم. و "على نكظ" حال من الضمير المستتر في الخبر. و "على" فيه بمعنى "مع" و "ما" في "مما يكاتم" موصول إسمي و "يكاتم" صلته, والعائد محذوف لأنه منصوب بالفعل.

وتقدير البيت: ثم ارعوى وارعوت ورجع عوده على بدئه, ورجعت هي أيضاً في حال كونها سابقات إلى الفيئة, وكل واحد منها متئد في طلب القوت, معتدل فيه, ليس معه شيء من الإفراط المؤذن بشدة الحرص مع جهد ومشقة كائن من الذي يخفيه من الجوع الشديد الذي لا يشبه الجوع, وقد قدمنا المثل الذي يضرب به في جوع الذئب, وهو قولهم "رماه الله بداء الذئب" ويقولون أيضاً: "هو كالذئب يغبط بذي بطنه وهو جائع". وإذا كان الذئب-وهو حيوان أعجم من أحقر الحيوانات على ما يكابده من التعب المفرط من الجوع والحاجة الشديدة-ليس بشدد الحرص على القوت فينبغي للإنسان وهو فاهم عاقل إلا يكون شرا من الذئب في ذلك.

واشرب أسار القطا الكدر بعدماسرت قربا أحناؤها تتصلصل

الأسآر: البقايا, واحدها سور, والقطا, كالقطوات, جمع قطاة: وهي طائر معروف: وهي ثلاثة أنواع منها الكدر. والكدرة: غبرة في الألوان وقد ذكرنا أنواع القطا مفسرة في "شرح قلائد العقيان" عند قول المعتمد:

بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ...

والقرب بالتحريك: سير الليل لورد الغداة. والأحناء: الأضلاع, والتصلصل: التصويت.

قوله "أشرب" معطوف على قوله "أغدو إلى القوت" والتقدير: وأشرب بقايا الماء الفاضل عن القطا الكدر بعد ورودها, وهو أسبق الطير ورودا. فشربه أسآرها: المراد منه سبقه إليه وتبكيره, وسرعته في السير إليه بحيث لا يسبقه إليه إلا القطا الذي هو أسرع الطير ورودا؛إذ لو سبق غير القطا لكان ما يشربه أسآر الغير, لأن السؤر يضاف إلى الشارب الأخير.

فتبين مما قررنا به شرب أسآر القطا أنه كناية, أريد بها لازم معناه منا لسرعة والسبق إليه مع المعنى أيضاً, وهو سبق القطا إياه إلى الورود, أي يشرب بعد شرب القطا, بعد سراها-أي القطا-قربا: أي سيرها الليل لتصبح الماء في حالة تصويت أحنائها في طيرانها إلى الماء, فقوله: "بعدما سرت" ظرف لما دل عليها القطا من شربها.

والتقدير: ويشرب الفاضل عن شرب القطا الكائن ذلك الشرب بعد سرى القطا قربا, أي سراها سرى قرب.

فقوله "قربا منصوب على المفعولية المطلقة, لأن القرب نوع من السرى باعتبار الحامل عليه. ووقع في هذا البيت تصحيف فيما بيدي من نسخ القصيدة, فكتب:" وتشرب بالتاء الموهمة أن الفعل للذئاب, مع أنه له, وذلك يقتضي أن يكتب بالهمزة, ويدل لها قوله:

هممت وهمت وابتدرنا فأسدلتوشمر مني فارطٌ متمهل

فإنه صريح في أنه أدركها عند المنهل قبل ورودها, فابتدر كل منهما إليه, أي عاجل كل منهما الآخر إلى الورود بعد الهم به الكائن من كل منهما.

فأسدلت هي: أي أرخت أجنحتها لترد الماء بعد الابتدار, وشمر منه هو أي جد فارط: أي سابق متقدم على الواردين إلى الماء, وهو نفس ذلك الفارط, انتزع من نفسه فارطا مبالغة في كونه هو فارطاً تنبيهاً على كمال صفة الفروط فيه, وبلوغها الغاية, حتى ساغ له أن ينتزع منه شخصا موصوفا. بمثل تلك الصفة, وهذا الانتزاع يسمى "تجريدا" في عرف أهل البديع, والمفيد له هنا "من" فهي تجريدية, ولا ينحصر ذلك فيها, بل قد يكون بالباء التجريدية كقولهم: "لقيت فلانا أسداً وبحراً" مثلا, وقد يكون بغير ما ذكر وهو كثير. والمتمهل: المتئد الذي يمشي على مهل, وهذا يدل على تشاركهما في الشرب, واتحادهما في زمانه, فلم تسبقه, فلم يرد سؤرها حينئذ إلا أنيقال: شرب السؤر لا يدل على تقدم المسئر, فإنه قد يتحقق مع الاصطحاب, فإن كلا من المصطحبين في الشرب مبق سؤرا: أي بقية, فعودهما للشرب بعد عود للسؤر, أي: عود كل منهما عود لسؤر الآخر, فهو شارب سؤرها, وهي شاربة سؤره.

وقد يقال: يتمخض له شرب السؤر في زمان الاصطحاب أيضاً لقصر زمان شربها, وطول زمان شربه, فيتأخر عنها وإن لم تتقدم عليه.

على أن قوله-بعد-صريح في تقدمه عليها وهو قوله:

فوليت عنها وهي تكبو لعقرهتباشره منها ذقون حوصل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

إلا أن يريد بقوله: "فوليت عنها" لتشرب قبله, ويريد بذلك أنه لم يزاحمها ولم ينفرها مع قدرته على ذلك عملا على ما تقتضيه مكارم الأخلاق, وهو الأليق بالمقام, لأنه في سياق الافتخار, والتمدح بمحاسن الخلال.

وهذا كله بناء على ما سبق إلى الوهم أن اللفظ "أشرب" بصيغة مضارع المتكلم. وبعد كتبي ما تقدم تبين لي أن اللفظ "وتشربأسآري" بالتاء في "تشرب" وفاعله القطا, و "أسارية" مفعول به, وعليه فلا يحتاج إلى تآويل والله أعلم.

قوله: "تكبو لعقره أي تنكب على وجهها في عقر البئر, أي مقام الشاربة من الحوض, أو مؤخره. ومصدر تكبو: الكبو بالفتح والسكون, والكبو بالضمات وتشديد الواو. والذقون, جمع ذقن بالتحريك: وهو مجتمع اللحيين من أسفلهما, وقد تكسر قافه. وباعتبار ذلك, جمعه على "فعول" وجمعه باعتبار التحريك "أذقان". والحوصل, كالحوصل والحوصلاء.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تفريج الكرب في معرفة لامية العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.