من «تفريج الكرب في معرفة لامية العرب» لابن زاكور الفاسي (ت ١١٢٠هـ)
تفريج الكرب في معرفة لامية العرب (٢)
قال في القاموس: "أسفل البطن إلى العانة من كل شيء" انتهى. وحوصلة الطائر معلومة تجمع على حواصل.
والمعنى أنه أدبر عنها وتركها منكبة على أذقانها في محل قيام الشاربة من الحوض, أو في مؤخره, ومباشرة له بأذقانها وحواصلها.
وجملتا قوله: "تكبو لعقرها" وتباشره منصوبان على الحال من الضمير المجرور ب "عن" أو الثانية حال من فاعل "تكبو" وعلى كل من التقديرين: فالجملة الثانية مفسرة للأولى, لأن الكبو: الإنكباب على الوجه, ولا يتصور بدون مباشرة الأذقان والحواصل الأرض.
كأن وغاها حجرتيه وجالهأضاميم من سفر القبائل نزل
الوغى: الصوت. والحجرة-بضم الحاء وسكون الجيم-ما يمسك الماء من شفة الحوض هنا. والجال بالجيم-جانب البئر, وناحيتها, كالجول بالضم. والأضاميم جمع إضمامة-بكسر الهمزة-وهي الجماعة من الناس. فوزن أضاميم إذا "فعاليل". والسفر: جماعة المسافرين.
يقول: كأن أصوات القطا الواردة الكائنة في الموضعين اللذين يمسكان ماءه المخرج من قعره, وفي جانبه وناحيته, لفظ جماعات كائنات من مسافري قبائل شتى في وقت النزول. ووجه الشبه: الاختلاط, والاختلاف, وعدم التبين مع التواتر.
قوله: "حجرتيه" منصوب على الظرفية المكانية. و "جاله" معطوفة عليه, و "أضاميم" على حذف مضاف أي: "صوت أضاميم" و "نزل" كمن سفر القبائل نعت للأضاميم وفي اعتبار وصف الدال على الحدث, اعتبار لزمان حدوثه, فلذلك ما قلت في التقدير وقت النزول.
توافين من شتى إليه فضمهاكما ضم أذواد الأصاريم منهل
توافوا: تتاموا. والأذواد -بإعجام الأولى وإهمال الثانية- جمع ذود بالفتح, وفي كونه جمعاً لا واحدة له, أو واحدا خلاف. والذود: ثلاثة أبعرة إلى العشرة, أو إلى خمسة عشر, أو عشرين, أو ثلاثين, أو ما بين الثنتين والتسع, أولا يكون إلا من الإناث, أقوال. والأصاريم جمع أصرام, جمع صرم بالكسر: وهو الجماعة, والمنهل: الغدير.
يقول: انتهى -يعني القطى- إلى البئر مجتمعين عنده, فحازها كما حاز منهل إبلا كثيرة لأحياء كثيرة.
وقوله: من شتى: أي من جهات مفترقة متعددة, والمراد كثرة القطا الواردة عند البئر, ككثرة الأذواد الموصوفة عند المنهل.
فعبت غشاشا ثم ولت كأنهامع الصبح ركب من أحاظة مجفل
العب: الجرع. والغشاش-بالغين المعجمة مكسورة وشينين معجمتين بينهما ألف-الشرب القليل أو العجل, أو غير المروي. والركب: جماعة راكبي الإبل, واحدهم راكب. واحاظة-بضم الهمزة وبالواو والمضمومة أيضاً بعدها حاء مهملة مفتوحة فألف فظاء مشالة-مدينة باليمن وأرض ينسب إليها مخلاف. والمجفل: المنهزم.
يقول: فجرعت جرعا قليلا على عجل, أو غير مرو, ثم أدبرت راجعة إلى مفاحصها في حال كونها يشبهها عند الصبح ركب منهزم كائن من أحاظة.
المعنى أنها أدبرت راجعة مسرعة في الطيران, إسراع الركب المنهزم.
والغرض من تشبيهها بالركب المجفل بيان حالها في توليتها ورجوعها, لا بيان مقدار الحال الذي هو السرعة. حتى يقال: إن مقدار الطيران فوق مقدار العدو في السرعة.
وآلف وجه الأرض عند افتراشهابأهدأ تنئيه سناسن قحل
آلفه-بالفتح-مضارع ألفته, كعلمته: حصلت بيني وبينه ألفة: أي ملائمة. وافتراش الأرض: اتخاذها فراشاً, بأن يضجع عليها من غير حائل بينهما. والأهدأ-بالهمز-اسم هدئ كفرح: أي انحنى. يقال: أهدأه الكبر. وتنئيه, مضارع أناته: أي أبعده. ويروى "تثنيه". والسناسن جمع سنسن وسنسنة بالكسر فيهما: حرف فقار الظهر هنا, والقحل: جمع قاحل: وهو اليابس.
وصف نفسه بالارتياض بالمقاسات للمشقات حتى ألفها فلم يجد لها كبير ألم بعد, فأخبر عن نفسه انه يفترش الأرض فيضطجع عليها بمنكب منحني من الكبر أو من مقاساة الأهوال والشدائد. أبعدت ذلك الأهدأ عن الأرض حروف فقار الظهر اليابسة من الكبر, فلا يجد لقسلوة الأرض ألما عندما يفترشها ليبس ما يباشرها من أضلاعه وفقاره التي أبعدت عن الأرض ما يحس بها من منكبه.
قوله: "عند افتراشها" فيه إضافة المصدر إلى المفعول به. و "بأهدأ متعلق" بافتراش. و "تنئيه" نعت "لأهدا".
وتقدير البيت: وآلف وجه الأرض أي لا أتألم به عند افتراشي إياها, أي اضطجاعي عليها, بمكنب أو جنب منحني مبعد عن الأرض بأضلاع يابسة.
وقوله: "وآلف معطوف" على قوله: "وأغدو" كقوله: "أشرب. وكذا قوله:
وأعدل منحوضا كان فصوصهكعاب دحاها لاعب فهي مثله
أعدل-بالكسر-مضارع عدلته بالفتح-أي أقمته والمنحوض: المهزول. وموصوفه محذوف, أي: ذراعاً منحوضاً. والفصوص جمع فص: وهو ملتقى كل عظمين. والكعاب, جمع كعب, وهو عظم ناشز في كل من جانبي القدم, ودحو الكعاب: الرمي بها, لأن في ذلك بسطا لها, الذي هو معنى الدحو, والمثل جمع الماثل أي منتصب.
يقول: وأنصب ذراعا مهزولاً تشبه مواصل عظامه كعابا رما بها على الأرض شخص لاعب بها. فهي لأجل ذلك منتصبة قائمة.
فالغرض من التشبيه هنا بيان مقدار هزال الذراع, فإنه أفاد أن ذلك في الغاية, إنما يعدل المنحوض ليتوسده.
والمعنى: أنه يفترش الأرض, ويتوسد ذراعه المهزول كما قال غيره:
يا رب سار بات ما توسداإلا ذراع العيس أو عظم اليدا
فإن تبتئس بالشنفرى أم قسطلفما اغتبطت بالشنفرى قبل أطول
ابتأس: حزن والشنفرى: لقبه. واسمه عمر بن مالك الأزدي وأم قسط-بالسين والصاد أيضاً-كنية الداهية, وأي داهية أعظم من الحرب, ومن الحرب يتولد الغبار: وهو القسطل. والاغتباط: السرور.
يقول: إنه مسعر حرب, ومنجد للدواهي على قتل الأبطال فإن مات ابتأست به الدواهي والحروب, وحزنت عليه, كما كانت تسربه, على أن زمان اغتباطها به أطول. وقوله هذا تعزية لها, والتعزية في الحقيقة لنفسه.
والمعنى أنه إن قدر موته وابتأس ما ذكر فيه, فلم يكن ذلك إلا بعد أن أمات كثيرا, وأوقد نيران الحروب زمانا طويلا, وفي ذلك اغتباط الدواهي وسرورها, فلم يفته شيء تحب لأجله الحياة, إذ ذاك غاية ما كانوا يطلبون الحياة له, كما قال قطري بن الفجاءة:
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمداعلى الطعان وقصر العاجز الكمد
ولم أقل: لم أساق الموت شاربهفي كأسه والمنايا شرع ورد
طريد جنايات تياسرن لحمهعقيرته لأيها حم أول
الطريد: المطرود: المبعد. وإضافته للجنايات, جمع جناية مجاز. بمعنى أنها سبب طرده. والتياسر: المقارعة بقداح الميسر, وهو مجاز عن الاستحقاق, وإسناده إلى ضمير الجنايات مجاز أيضاً, لأن المتياسر أي المستحق في الحقيقة المجني عليهم, والجنايات سببه, ومع ذلك فهي تمثيلٌ لاستحقاق المجني عليهم دمه على سبيل الاستعارة.
وبيان ذلك أنه شبه حال نفسه من حيث أنه مطلوب الدم, مطلوله [بحال] الجزور المعين للنحر بالمقارعة عليه بالسهام المسمى تياسراً, ثم استعار لفظ المشبه به-وهو مركب- للمشبه. وما كان مثله من المجاز -أي مركباً - سمي تمثيلا على سبيل الاستعارة, إن لوحظ فيه التشبيه كما هنا.
والعقيرة. بمعنى المعقورة. والعقر: الجرح, ويعني بها ذاته. وحم: قدر. وقوله: "طريد جنايات" خبر مبتدأ محذوف, أي: "هو مطرود جنايات" أي مبعد عن عشيرته بسبب جناياته الكثيرة التي هي سبب في استحقاق المجني عليهم -وهم كثيرون- دمه, كاستحقاق الجزور المتياسر ونعليها. فذاته لأجل ذلك أول الذوات عقرا لأي الجنايات قدر.
والمعنى: أنه بمثابة الصيد الذي يعقره من أمكنه عقره من الطالبين له. فالطالبون له من أهل الجنايات كالمتصيدين, فمن ظفر به منهم قتله إن قدر عليه.
وجملة "هو طريد جنايات" مستأنفة لبيان حاله, فلا محل لها من الإعراب.
تنام إذا ما نام يقظى عيونهاحثاثاً إلى مكروه تتغلغل
اليقظى: المنتبهة, وهي أنثى اليقظان. والحثاث. -بالفتح ويكسر-الغمض كالقرار, وحكى مالك بن المرحل في نظم الفصيح خلافاً في الأفصح من الفتح والكسر ونصه:
ومثله الحثاث وهو يفتح
وقيل: إن الكسر فيه أفصح ومكروهه: ما يكرهه. وتغلغل: أسرع.
قوله: "يقظى عيونها" فاعل "تنام" وفاعل "نام" ضمير الشنفرى. و "حثاثا" منصوب على المفعولية المطلقة ل "تنام". و "إلى مكروهه متعلق ب يتغلغل." والمعنى: تنام أعين الجنايات اليقظى غماضاً إذا ما نام هو, أي غفل عنها.
بمعنى أنها لا تغفل عنه لحظة, وما يظن من ذلك غفلة, فهو حيلة ومكر, كمن يغمض عينيه يري الناس أنه نائم, وما به من نوم, يريد انتهاز الفرصة إذا أمكنته. فهي تسرع إلى ما هو مكروه له, وإن رئيت ساكنة, ومن هنا قالوا: "الدم لا ينام".
وقد أفهم قول: "تنام يقظى عيونها حثاثاً": أنها طالبة له, غير غافلة عنه. فجاء قوله: "إلى مكروهه تتغلغل" مؤكدا بذلك ويسمى ذلك تذييلا, وقد شرحناه غير مرة. فالجملة المؤكد مضمونها ما قبلها-منطوقاً أو مفهوماً- لا محل لها من الإعراب.
وإلف هموم لا تزال تعودهعياد الحمي الربع أو هي أثقل
الحمي: فعيل. بمعنى مفعول: هو الذي أصابته الحمى. والربع-بالكسر هنا-الحمى التي تخلى عن صاحبها يومين, ثم تخشاه بعدهما, فيكون يومها رابعا ليومها قبله. "والحمي" مجرور بإضافة "عياد إليه", وهو مصدر عاد المريض يعوده. "والربع" -بالرفع-فاعل المصدر, وروي "بنصب الحمي", وجر "الربع" بإضافة المصدر المفصول من المضاف إليه بالمفعول, فيكون نظير قول الله سبحانه "قتل أولادهم شركائهم" بنصب "أولادهم" ب "قتل" وجر "شركائهم" بإضافته.
ومعنى البيت: هو طريد جنايات ومؤالف هموم لا تغيب عنه غيبة انقطاع, فهي تترد إليه كما تترد حمى الربع إلى المحموم بل الهموم أكثر ثقلا من الحمى المذكورة.
إذا وردت أصدرتها ثم إنهاتثوب فتأتي من تحيتٍ ومن عل
الورود: الحضور بعد الغيبة. والإصدار: الرد.
يقول: إذا حضرتني الهموم ردتها: أي فرجتها عن نفسي, وهونت أمرها علي, ثم إنها تثوب-بالمثلثة-أي تعود, وترجع أعظم مما أصدرتها, فتأتيني من أسفل ومن فوق.
فإما تريني كابنة الرمل ضاحياًعلى رقة أحفى ولا أتنعل
ابنة الرمل: البقرة الوحشية. والضاحي: البارز للشمس. والرقة: خلاف الغلظة, والرقة في القدم: أن يرق أسفله حتى يؤلمه المشي, ويسمى لذلك "حفا" بالقصر, مصدر حفي الحيوان بالكسر, لذلك المعنى. وأما المشي بلا نعل "فحفاء بالمد, وهو أيضاً مصدر حفي بالكسر, و" أحفى مضارعه, أي أمشي بغير نعل. والتنعل: تكلف لبس النعال.
يقول مخاطبا لمؤنث: فإن تريني مثل البقرة أو الظبية في حال كوني بارزا للشمس, وفي حال كوني امشي بغير نعل, مع رقة في قدمي يؤلمني المشي بسببها, ولا أتكلف مع ذلك لبس النعال.
وجواب الشرط في قوله:
فإني لمولى الصبر أجتاب بزهعلى مثل قلب السمع والحزم أفعل
مولى الصبر: وليه وحليفه. واجتياب البز-أي السلاح هنا-: لبسه, كاجتياب القميص. والسمع-بالكسر والعين المدملة-ولد الذئب من الضبع, وهو أخبث حيوان يضرب به المثل في سدة العدو, وفي شدة السمع فبقولون: "أسمع من سنع" و "من السمع الأزل". من الأول قول الشنفرة هذا في مرثية خاله تأبط شرا:
مسبل في الحي أحوى رفلوإذا يغزو فسمع أزل. ﴿الرمل﴾
والحزم: الضبط والأخذ في الأمور بالأحوط, وهو منصوب مفعول مقدم "بأفعل" مضارع "فعلت".
والمعنى: إن تريني كما ذكر فإني لحليف الصبر, أي ملازمه, في حال كوني ألبس سلاحه على قلب مماثل لقلب ولد الذئب الذي أمه ضبع, وناهيك بقوته وجرأته, وافعل الحزم في الأمور, وأحتاط فيها, فلا تفريط عندي ولا إضاعة.
وأعدم أحياناً وأغنى وإنماينال الغنى ذو البعدة المتبدل
الإعدام: الافتقار. وأغنى-بالفتح-مضارع "غني" بالكسر بمعنى: استغنى والبعدة -بالضم كالرحلة-: السفرة. والمتبذل: الذي يتكلف ابتذال نفسه: أي امتهانها.
يقول: أفعل الجزم, وافتقر أزمنة الدهر, واستغني كذلك, وما يدرك الغنى إلا صاحب السفر الذي يتكلف امتهان نفسه بالاغتراب عن الأهل, وقطع المفاوز والقفاز. وفي هذا الحث على استعمال الأسفار والتحذير من ملازمة الفرار, فإنه عين الافتقار.
فلا جزع من خلة متكشفولا مرح تحت الغنى أتخيل
الجزع-بنزة الفرح- الذي جزع بالكسر: أي ذهب صبره, والمصدر "الجزع" بالتحريك. والخلة-بفتح الخاء المعجمة-الحاجة والفقر والمتكشف: المظهر لحاجته. والمتخيل: المظهر الخيلاء.
قوله: "جزع" خبر مبتدأ محذوف, أي: "فلا أنا فاق الصبر من أجل احتياج عرض لي, مظهر لاحتياجي, ولا أنا مرح, أي ذو مرح-بالتحريك-أي بطر. وهو الخروج عما تقتضيه النعم من الشكر عليها لعدم احتمال النفس لذلك.
فقوله: "تحت الغنى أتخيل" منصوب على الحال من "مرح" وهذه من الأحوال الأزمة للمدح.
والمعنى: ولست بمرح في حال كوني مختالا تحت الغنى, أي لأجله, وهذا معنى مطروق جدا.
وحاصله أن الدهر يومان, يوم له, ويوم عليه, فإن كان عليه لم يضجر, وإن كان له لم يبطر, لاعتياده بكل من نعيمه وبؤسه, وسعته وضيقه, وشدته ورخائه, مهذب مجرب كالجذيل المحكك, والعذيق المرجب.
ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرىسؤولاً بأعقاب الأقاويل أنمل
الحلم: الأناة وازدهاؤه: استخفافه. والأجهال: جمع جهل, و "أرى": مبني لما يسم فاعله, أي: لا أوجد وألف. والسؤول: الذي يكثر السؤال, والأقاويل: جمع أقوال, جمع قول. "وأنمل" -بالضم- مضارع "نمل" بالفتح.
ثم يقول: لا تستخف الأجهال علي حلمي, ولا تحرك سكوني, ولا يلفيني أحد مكثرا لسؤال الناس في حال كوني أنم بأعقاب الأقاويل: أي أواخرها. أي أنفلها إلى الغير على وجهة الإفساد بينه وبين من نسبة له. وسميت هذه الأقاويل أعقابا لتأخرها عن الاعتبار, والاعتداد بها عن ذوي الهمم والله أعلم. أو لأن الذي يحفظ وينقل هو أخر ما يقال في الغالب. فباء "بأعقاب" متعلقة ب "أنمل" على ما قررنا.
وليلة نحس يصطلي القوس ربهاوأقطعه اللاتي بها يتنبل
النحس هنا: الشؤم والشدة. والاصطلاء: التسخن بالنار. واصًطلاء القوس: اصطلاء النار التي أوقدت بالقوس. والأقطع: جمع قطع -بالكسر- وهو هنا السهم والتنبل: تكلف الرمي بالنبل, ولا واحد للنبل من لفظه وقيل: واحده نبلة.
والتقدير: ورب ليلة شؤم, وشدة برد, موصوفة بما ذكر من الاصطلاء بالنار الموقدة بأعواد القوس التي لا غنى لصاحبها عنها, لعدم ما يوقد به النار سواها وسوى سهامها التي يتكلف الرمي بها نبالا.
ويصح-وهو الأولى إن شاء الله-أن يكون معنى "يتنبل" يصير نبيلا, صاحب نبل-بالضم-أي ذكاء وحذقا. ولا شك أن إجادة الرمي بالقوس من أمثل ما يدخل به الإنسان في زمرة النبلاء كالفروسة والسباحة.
قوله: "وليلة" مخفوض ب "رب" المقدرة بعد الواو, ومع ذلك فهو مرفوع الموضع بالابتداء, لأن "رب" حرف زائد يدخل على المبتدأ, وجملة "يصطلي" صفة "ليلة". وخبر مبتدأ في قوله:
دعست على غطش وبغش وصحبتيسعار وإرزيز ووجر وأفكل
الدعس هنا: شدة الوطء. والغطش -بالغين المعجمة- الظلام. والبغش -بالغين والشين المعجمتين بعد الموحدة التحتية-: المطر الخفيف. والصحبة-بالضم-الصحابة, الواحد صاحب, والسعار-بالضم-: حر الجوع. والإرزيز-بكسر الهمزة فراء ساكنة فزائين بينهما ياء-: تكمش من البرد. والوجر-بالجيم بين الواو والراء-: الوجل. والأفكل-بفتح الهمزة فسكون الفاء-: الرعدة من خوف أو بردٍ ونحوه.
يقول: ورب ليلة نحس سريت فيها, واطئا الأرض بشدة مع ظلام ومطر. وصحابة- أي الملازمون لي في سراي-جوع شديد, وبرد شديد, وخوف ورعدة منه ومن البرد.
فجملة "وصحبتي" في محل نصب على الحال من الفاعل. و "على" في "على غطش" بمعنى "مع".
فأيمت نسوانا وأيتمت إلدةوعدت كما أبدأت والليل أليل
تأييم النسوة: تصييرهن أيامي, والأيم: التي لا زوج لها. كما أن الأيتام: تصيير الإلدة يتامى. وهمزة الإلدة أصلها واو. والعود: الرجوع, ضد البدء, والإبداء, بدء الشيء وبدأه كابتدائه, فعله: ابتدأ. والليل الأليل: الطويل, كاليوم الأيوم مبالغة في الطول, وهكذا كل وصف لشيء من لفظه.
وقوله: "فأيمت" معطوف على قوله: "دعست" مسبب عنه أي سريت مصاحبا لما ذكر, فتسبب عن ذلك تأييمي نسوانا كثيرة بقتلي أزواجهن. وإيتامي أولادا كثيرين بقتلي آباءهن, ورجعت سالما إلى محلي, عن الحالة التي أبدأت السرى بها, والليل طويل جدا, أي بقي منه بعد عودي كثير.
والمعنى: أنه فعل ما فعل في بعض الليل, وهو وسطه مثلا, وفضل منه عن سراه كثير.
وأصبح عني بالغميصاء جالسافريقان: مسؤول وأخر يسأل
الغميصاء-بالغين المعجمة مصغرا ممدودا-موضع أوقع فيه خالد بن الوليد ﵁ ببني جذيمة إثر فتح مكة. وفريقان: تثنيه فريق, بمعنى مفارق لغيره, وهو اسم أصبح, و "جالسا": خبرها, وأفرده. ولم يقل: "جالسين" ليطابق "فريقان" لفظا, لأن "فريقان" في معنى جمع مختلف. و "مسؤول" خبر مبتدأ محذوف, أي: فريق مسؤول والآخر يسأل, وهذا تفصيل لإجمال "فريقان", وأهل المعاني والبديع يسمي مثل هذا المثنى المفسر باسمين على إثره في أخر الكلام توشيعا, وهو في اللغة: لف القطن المندوف, ووجهه أن المثنى-وهو لفظ واحد-لما كان معناه متعدا, كان كلف القطن بعد ندفه. و "عن" في "عني" معناها التعليل, وليست متعلقة ب "مسؤول" و "يسأل" حتى يكون المعنى: فريق مسؤول عني, وفريق سائل عني, لأن المسؤول عنه مبهم, غير معين, بدليل السياق, وتعلقه به يقتضي أن يكون صورة سؤالهم هكذا: أفعل الشنفرى؟ أوألشنفرى فعل هذا؟ وما أشبه ذلك.
ولا يلزم من كون الجلوس في الغميصاء لأجله أن يكون معينا عندهم حتى يقال هذا أيضاً لازم في جعلها للتعليل, لأنا نقول: قوله: "عني" لأجلي, معناه أن الجلوس سببه فعلته هو وسراه في نفس الأمر, ولم يعلموا به, ولم يطلعوا على ما في نفس الأمر من ذلك, فجلسوا مستكشفين عما كان.
ومعنى البيت: وأصبح لأجل فعلتي المنكرة في الغميصاء جمع مختلف جالسا بعضهم مسؤول وبعضهم يسأله. وحكايتهم ما ظنوه سببا لهرير الكلاب عند سماعه لرؤية ما تكرهه قوله:
فقالوا: لقد هرت بليل كلابنافقلنا: أذئب عس أم عس فرعل
معناه ما قدمناه من حلوسهم للتحدث, والاستخبار عما كان بسبب سراه. أي: فقالوا جميعا, -أو من قال منهم-: لقد هرت كلابنا في الليل هريرا مرددا لم نعلم سببه, فقلنا جميعا-بمعنى أن بعضهم قاله لبعض-فالقائل السائل, والمقول له المسؤول: أذئب عس؟ أي سرى طالبا, أم عس فرعل؟ وهو ولد الضبع. وهذا حكاية لقولهم عند سماعهم الهرير: وهو صوت دون نباح لبرد أو غيره بحسب اعتقادهم, وهو أن سببه أحد أمرين عس الذئب أو الفرعل من غير قطع بأحدهما.
فلم يكن إلا نبأة ثم هومتفقلنا: قطاة ريع أم ريع أجدل
النبأة هنا: صوت الكلاب, أو صوت منبتر لا مادة له, وكذلك أصوات الكلاب. والتهويم: هز الرؤوس من النعاس. وريع: أصابه روع: أي فزع. والأجدل: الصقر.
قوله: "نبأة" يروى بالرفع على أن "يك" تامة, وبالنصب على أنها ناقصة, والاسم حينئذ ضمير الهرير.
والمعنى أنهم قالوا في تمام الحكاية: فلم يك الهرير الذي سمعناه إلا خفيا, أي لم يقو ولم يدم. ثم نامت الكلاب بعده, فتغير اعتقادنا أن سببه ما تقدم, معتقدين خلاف ذلك. فقلنا لما هومت على حسب اعتقادنا أيضاً, وإن لم يكن مطابقا أيضاً-: أقطاة حصل لها روع فطارت؟ أم صقر هو الذي أفزع فطار؟ فهرت الكلاب فانقطع ذلك, فانقطع هريرها, إذ لو كان سببه اعتساس الذئب أو الفرعل لدام, لأن الهرير بحسب موجبه في القوة والضعف, وطيران القطاة والأجدل عند الروع أضعف من حركة الذئب والفرعل في الاعتساس. فالهرير الذي يترتب على الأول أضعف من الذي يترتب على الثاني.
والحاصل أنه يستدل بصفة الهرير عن سببه, ولمل تبين لهم عدم مطابقة اعتقادهم الثاني أيضاً من كون الهرير لقطاة أو أجدل ريع, قالوا ما حكاه هو عنهم بقوله:
فإن يك من جن لأبرح طارقاوإن يك إنساً ما كها الإنس تفعل
"أبرح" فعل ماض فاعله ضمير الطارق المدلول عليه. بما تقدم. ومعنى أبرح: أتى بالبرح -بالسكون-أي الشدة. والطارق: الآتي ليلا, و "كها" جار ومجرور وهو ضمير الفعلة المفهومة من سياق الكلام. وجر الضمير بالكاف شاذ منه قول العجاج:
وأم أوعال كها أو أقربا
قوله: "فإن يك" حرف شرط, وفعله وهو مضارع "كان" الناقصة, واسمه ضمير يعود على الطارق. و "من جن" خبر "يك" و "الأبرح" جواب الشرط. و "طارقا" حال من فاعل "أبرح" وقوله: "ما كها" جواب قوله: "وإن يك إنسا", جرده مما يستحقه من الفاء ضرورة. ونظيره قول حسان ﵁:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ...
وحل البيت: فإن يكن الطارق من جن ومن يحلف به لأتى بأمر عظيم, وداهية دهياء مع قلة زمانه, وخفاء مكانه, بحيث ظن ذئبا أو فرعلا اعتس, ثم ظن قطاة أو أجدل حصل له روع, وإن يكن الطارق أنسا فما مثل هذه الفعلة تفعل الإنس, فقد خرج عن نظائره من الإنس بفعلته المنكرة المقررة. وهذا يدلك على ما قررناه من كون المسؤول عنه منهما مطلوب التصور لا معنيا مشكوكا فيما نسب إليه. ويسمى الأول تصورا, والثاني تصديقا.
هذا و "الإنس" فاعل فعل مقدر دل عليه المؤخر فهو من الاشتغال في المرفوع نظير قوله تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره).
ويوم من الشعرى تذوب لؤابهأفاعيه في رمضائه تتململ
الشعرى: نجم, وهما شعريان, العبور وهي المرادة هنا, سميت بذلك لأنها عبرت نهر المجرة, والأخرى الغميصاء. وكان الشعرى العبور تطلع في شدة الحر. ولؤاب اليوم ولعابه: ما يرى فيه عند الهاجرة متدلياً في الجو كخيوط الحرير, ونسج العنكبوت, وقد يضاف ذلك للشمس أيضاً, فيقال: لعاب الشمس كما قال أبو الطيب:
وأصدى فلا أبدي إلى الماء حاجةوللشمس فوق اليعملات لعاب
وقال الآخر:
وذاب لؤاب الشمس فوق الجماجم
وواحد الأفاعي: أفعى بالتنوين, مصروف, وقد لا يصرف كنظائره وهي "أجدل" و "أخيل". والرمضاء: الأرض التي ترمض فيها أقدام من مشى عليها لاشتداد حرها. والتململ: التقلب ظهرا لبطن من شدة الحر هنا, أومن شدة الوجع.
قوله: "ويوم" مخفوض ب "رب" المقدرة بعد الواو, وما بعده من الجمل وما في معناها صفات له, ومع ذلك فهو مرفوع المحل بالابتداء, خبره في قوله:
نصبت له وجهي ولا كن دونهولا ستر إلا الأتحمي المرعبل
الكن-بالكسر-: الستر والغطاء. والأتحمي: برد منسوب إلى أتحم على ما قيل, وهي بليدة باليمن, وليس هذا في القاموس. والذي فيه: أنه كالأتحمية, والمتحمة -كمكرمة ومعظمة- برد معلوم. وفيه أيضاً: تحم الثوب: وشاه, والتاحم: الحائك. والمرعبل المتخرق.
والمعنى: ورب يوم كائن من أيام الشعرى, ذائب لعابه, فهو يسيل من شدة حره, متقلبة أفاعيه في أرضه الحامية من شدة وهج الشمس, نصبت وجهي لحره أي سرت فيه منكشف الوجه لشعاع الشمس ولا ستر كائن من دون وجهي يقيه من وقع الحر عليه, ولا غطاء إلا البرد المسمى بالأتحمي الذي تخرق وصار رعابيل: أي قطعا, ثم عطف على "الأتحمي" قوله:
وضاف إذا هبت له الريح طيرتلبائد عن أعطافه ما ترجل
الضافي: الشعر الكثير الطويل, وهبوب الريح له: إصابتها إياه عند هبوبها أي هيجانها. وتطييره البائده -جمع لبيدة. بمعنى ملبودة: ما تلبد من الشعر- رفعها إياه عند الهبوب. والأعطاف: الجوانب, واحدها عطف بالكسر. وترجيل الشعر: تسريحه بالمشط بعد الأدهان.
والمعنى: ولا ستر دون الوجه إلا الأتحمي المرعبل, وشعر كثيرطويل, إذا هبت الريح منتهية إليه في هبوبها, رفعت ما تلبد منه لعدم تسريحه وأدهانه, وبعد تفقده. وهذا معنى قوله:
بعيد بمس الدهن والفلي عهدهله عبس عاف من الغسل محول
فهو تذييل, أي مؤكد لمفهوم ما قبله.
قوله: "بعيد" فعيل, بمعنى فاعل وهو خبر مقدم. و "عهده" مبتدأ مؤخر. ويصح أن يرتفع "عهده" على أنه فاعل "بعيد" لاعتماده على المبتدأ المحذوف بناء على أن التقدير "هو بعيد" ولا محل للجملة على التقديرين لأنها تذيلية. وفلي الرأس: استخراج قمله وصؤابه. والصؤاب -بزنة غراب -: بيض القمل, ويجمع على صئبان. والعهد: التعهد, أي التفقد. والعبس- بالعين المهملة والتحريك-ما تعلق بأذناب الإبل من أوضارها, وما يبس على أفخاذها من ثلطها وأبوالها. والعافي: المتروك على حاله حتى عفي: أي أكثر وطال من تراكم بعضه على بعض, وقد يشبه بالقرون كما قال أبو النجم:
كأن في أذنابهن الشول
من عبس الصيف قرون الأيل
والغسل بالكسر: الذي يغسل به الرأس, وهو الطفل. وقيل: آس طيب وماء. والمحول: اسم الذي أحال: أي أتى عليه حول من كل شيء.
قوله: "بمس الدهن" متعلق ب "عهده" وإن كان في معنى المصدر, أي "تعهده" لأن الصحيح جواز تقدم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفا أو جاراً ومجروراً للاتساع في الظروف. وقوله: "عاف" يصح أن يكون وصفا ل "عبس" وعليه ما تقدم فهو حينئذ بمعنى كثير. ومن "الغسل" يتعلق ب "محول" لتضمنه معنى "مغفر", ويصح أن يكون من أوصاف "ضاف". و "من الغسل" حينئذ يتعلق ب "عاف".
والمعنى: هو-أي الشعر الضافي-بعيد تعهده: أي تفقده بمس الدهن, وباستخراج القمل وبيضه منه, له من أجل ذلك وسخ وودح لبد شعره لكثرته وتوفره. أو هو-أي الضافي عاف: أي دارس من الطفل والخطمي أتى عليه عام من عهده بما ذكر من الترجيل والغسل والفلي.
وخرق كظهر الترس قفر قطعةبعاملتين ظهره ليس يعمل
الخرق-بفتح الخاء المعجمة-المكان الذي تخترقه الرياح لإقفاره مما يستر الرياح من بناء وشجر. والترس: المجن الذي يتقى به في الحرب من الطعن والضرب. وقطع القفر: الخروج منه, وتخليفه وراء الظهر بالسير, والعاملتان هنا: قيل الرجلان, وكان الشنفرى-كخاله تأبط شرا - يعدو على رجليه, وهكذا شأن لصوص العرب. و "يعمل" بالبناء للمفعول, أي لا يعمل فيه بالحرث والغرس لكونه لا ينبت.
قوله: "وخرق" مخفوض لفظا برب المحذوفة, مرفوع محلا بالابتداء و "كظهر الترس" و "قفر" من أوصاف الخرق تضمنت الاحتراس مما عسى أن يتوهم من كونه يصح إعماله, ويتأتى, والأولى أن هذا إيغال مفيدا لنكتة يتم أصل المعنى بدونها.
وأصل المعنى هنا قطعة المفازة الخالية التي تشبه ظهر الترس برجليه وهو تام لا يتوقف على ما ختم به البيت الذي أفاد أن المفازة لا يتمكن فيها البقاء لكونها غير معمولة لعدم صلاحيتها لذلك, فليس فيها ساكن لأجل ذلك.
ووجه الشبه بين الخرق والترس قيل: الاستواء, والأولى إن شاء الله كثرة مساربه التي يتحير فيها السالك, وتحمله على الضلال ككثرة آثار ظهر الترس بالضرب والطعن واختلافها وتفاوتها.
فألحقت أولاة بأخراه موفياعلى قنة أقعي مرارا وأمثل
الضميران للخرق. وإلحاق الشيء بغيره: جعله لاحقاً به, وإلحاق أولى الخرق بأخراه كناية عن قطعة بالسير, وجوازه إلى غيره. والموفي: الذي أوفى: أي أشرف والقنة: رأس الجبل الأعلى. والإقعاء بالنسبة للإنسان: جلوسه على أليتيه, ناصبا فخذيه كأنه متساند إلى ما وراءه. وإقعاء الكلب: جلوسه على أليتيه مفترشاً رجليه, ناصبا يديه. ومثل يمثل-بكسر المضارع-انتصب قائما.
قوله: "فألحقت" الفاء للترتيب الذكري, لأن إلحاق أولى الخرق بأخراه نفس قطعه لا غيره, رتب عليه, وعطفه عليه لتفصيله إجمال القطع, لأن في إلحاق الأولى بالأخرى تنصيصا على أنه استوعب بالسير, ولم يترك منه شيئا, والقطع له محتمل لغير ذلك من الاقتصار على معظمه مثلا, والله أعلم سبحانه.
والمعنى أنه فعل ما ذكر من إلحاق إحدى الغايتين بالأخرى في حال كونه مشرفا على رأس جبل, ربيئة, وفي حال كونه يجلس على أليتيه مرارا, وينتصب مرارا أخرى, قائما يقعي إذا خاف أن يفطن له ويعلم بمكانه, وينتصب إذا أمن من ذلك ليشرف على من تحته ليرصده للغارة, إن أمكنته فرصة انتهزها. ومن جملة أحواله في إشرافه على القنة ما قرره بقوله:
ترود الأراوي الصحم حولي كأنهاعذارى عليهن الملاء المذيل
ترود: أي تجيء وتذهب, وتقبل وتدبر في طلب ما تأكله. وواحد الأراوي: أروية وهي الشياه الجبلية. وإملاء, اسم جمع, وهي الريطة والملحفة. والمذيل: المطال. والصحم, جمع أصحم وصمحاء: وهو ما في لونه صحمة-بضم الصاد-أي صفرة تضرب إلى السواد.
والمعنى إن إيفاءه على القنة كما كان في حال إقعائه مرة ومثوله أخرى, كان أيضاً في حال رود شياه الجبل الصحم حوله.
والمقصود انه ارتقى إلى موضع من الجبل ليس فيه إلا الأروية فهي تجي وتذهب, غير مكترثة به لأمنها من أن تؤتى هنالك بمكروه, أو لأنها ألفته وأنست به فهي لذلك لا تنفر منه, وقد شبهها في حالة رودها حوله-بالأبكار اللائي لبست الملاحف المذيلة.
ويدل لما قلن له آنفاً من أن ترددها حوله سببه الإلف والأنس قوله:
ويركدن بلآصال حولي كأننيمن العصم أدفى ينتحي الكيح أعقل
فإنه صريح في ذلك. وركود الروية: ربوضها, أي بروكها ساكنة. والآصال, جمع أصيل: وهو العشي. والعصم, جمع اعصم, وعصماء: وهو ما في معاصمه بياض من الوعول والظباء. والأدفى الذي طال قرناه وانعطفا إلى ظهره حتى كادا يمسان عجزه. والأعقل: الذي تدانت رجلاه, والانتحاء: القصد. والكيح-بالكاف المكسورة فالياء فالحاء المهملة-: سفح الجبل وسنده.
فقوله: "كأنني من العصم" في محل نصب على الحال من الياء في "حولي". و "من العصم" حال من "أدفى", وهو في الصل نعت له, فلما قدم عيه انتصب على الحال كغيره من نعوت النكرة المتقدم عليها. وأعقل ك "ينتحي الكيح" نعتان ل "أدفى".
والمعنى: أن الأروية-من فرط أنسهن بي-يرقدن فيما قرب مني عند العشي حتى أشبهت بمخالطتهن لي, وعدم استيحاشهن بمكاني, وعلا طال قرناه, وانعطفا إلى ناحية أليتيه في حال كونه من الأروية التي ابيضت معاصمها موصوفا بتداني الرجلين, ويقصد سفح الجبل.
جعل الله إليه قصدنا, وحصر في قصده مقاصدنا, آمين, والحمد لله أجل مقصود, وأعظم محمود, على تمام ما قصدنا من شرح "
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع