من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
خلافة أحمد المستعين بالله وهو السادس فخلع وقتل
ثم قام بالأمر بعده ابن عمه أحمد المستعين بالله بن محمد المعتصم. بويع له بالخلافة ليلة الإثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر، وعمره إذ ذاك ثمان وعشرون سنة، وكان كثير الجماع، مغرما يحب النساء وكان له ابنة عم بديعة الحسن والجمال، فطلبها من أبيها فامتنع فأحضر الأصمعي والرقاشي وأبا نواس، وقال: كل من أنشد لي بطبق مرادي في ابنة عمي أعطيته الجائزة العظمى فانشد أبو نواس:
ما روض ريحانكم الزاهروما شذا نشركم العاطر
وحق وجدي والهوى قاهرمذغبتمو لم يبق لي ناظر
والقلب لا سال ولا صابرقالت: ألا لا تلجن دارنا
وكابد الأشواق من أجلناواصبر على مر الجفا والضنا
ولا تمرن على بيتناإن أبانا رجل غائر
فقلت: إني طالب غرةيحظى بها القلب ولو مرة
قالت: بعيد ذاك مت حسرةقلت سأقضي غرتي جهرة
منك وسيفي صارم باترقالت: فإن البحر من بيننا
فابرح ولا تأت إلى حيناواشرب بكأس الموت من هجرنا
قلت ولو كان كثير العنايكفيك إني سابح ماهر
قالت: فإن القصر عالي البناقلت: ولو كان عظيم السنا
أو كان بالجو بلغت المنىقالت: منيع في الورى»
قصرنا
قلت وإني فوقه طائرقالت فعندي لبوة والد
فقلت إني أسد شاردغشمشم مقتنص صائد
قالت: لها شبل بها لا بدقلت: وإني لبثها الكاسر
قالت فعندي إخوة سبعةجمعا إذا ما التقوا عصبة
قلت ولي يوم اللقا وثبةقالت: لهم يوم الوغى سطوة
قلت: إني قاتل قاهرقالت: فإن الله من فوقنا
يعلم ما نبديه من شوقنانمضي إلى الحق غدا كلنا
ونختشي النقمة من ربناقلت: وربي ساتر غافر
قالت فكم أعييتنا حجةتجي بها كاملة بهجة
فيا لها بين الورى خجلةإن كنت ما تمهلنا ساعة
فائت إذا ما هجّع الساهرواسقط علينا كسقوط الندى
إياك أن تظهر حرف الندايستيقظ الواشي ويأتي الردى
وكن كضيف الطيف مسترصداساعة لا ناه ولا آمر
حاججتها عشرا وصافحتهاعلى دنان الخمر صافيتها
رامت مواثيقا فوافيتهاملتحفا سيفي ولاقيتها
آخر ليلى والدجى عاكريا ليلة قضيتها خلوة
مرتشفا من ريقها قهوةتكر من قد يبتغي سكرة
ظننتها من طيبها لحظةيا ليت لا كان لها آخر
فلما أنشد ذلك أبو نواس بحضرة الخليفة، أعجبه ذلك وأمر له بالجائزة العظمى، ووفى بما عهد.
ثم إن المستعين أشهد على نفسه أنه قد خلعها من الخلافة، وأنه قد أحل الناس من بيعته بشروط، وخطب للمعتز بن المتوكل.
فنقل المستعين إلى قصر الحسن بن وهب فاعتقل به تسعة أشهر، ووكل به من يحفظه ثم أحضر به إلى واسط ودس عليه المعتز، سعيدا الحاجب فقتله صبرا في أوّل شهر رمضان سنة إثنتين وخمسين ومائتين وجيء برأسه إلى المعتز، وهو يلعب الشطرنج، فقيل له: هذا رأس المخلوع، فقال: دعوه هناك حتى أفرغ من اللعب. فلما فرغ أحضره ونظره، ثم أمر بدفنه. وكانت خلافته سنتين وتسعة أشهر، وعمره إحدى وثلاثون سنة وكان مربوعا مليح الوجه به أثر جدري، وكان ألثغ يجعل السين ثاء وكان كريما مبذرا للأموال رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع