من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
خلافة أبي بكر عبد الكريم الطائع لله
ثم قام بالأمر بعده، ولده عبد الكريم أبو بكر الطائع لله، بويع له بالخلافة يوم خلع أبوه
نفسه، من الخلافة وعمره سبع وأربعون سنة، ولم يل الخلافة من بني العباس من هو أكبر سنا. قال صاحب رأس مال النديم: إنه لم يتقلد الخلافة من أبوه حي، سوء الطائع لله والصدّيق رضي الله تعالى عنه، وكلاهما إسمه أبو بكر. وهو السادس، فخلع كما سيأتي إن شاء الله تعالى وذلك إذا لم يعد ابن المعتز وإن عد فالمطيع هو السادس، وقد خلع نفسه لما حصل له من الفالج، ولما ولي، أعني الطائع خلع على سبكتكين التركي، وولاه ما وراء بابه.
وفي أيام الطائع استولى الملك عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، على بغداد وملكها، فخلع عليه الطائع لله الخلع السلطانية، وتوجه وطوقه وسوره. وعقد له لواءين، وولاه ما وراء بابه.
وتسلم عضد الدولة الوزير أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة وصلبه، فرثاه أبو الحسن بن الأنباري بمرثيه لم يسمع في مصلوب مثلها فلنأت بها وهي هذه:
علو في الحياة وفي المماتلحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك إذ أقامواوفود نداك أيام الصّلات
كانك قائم فيهم خطيباوكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاءكمدكها إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أنيضم علاك من بعد الممات
أصاروا الجو قبرك واسعاضواعن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعىبحراس وحفاظ ثقات
وتوقد حولك النيران قدماكذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطية من قبل زيدعلاها في السنين الماضيات
وتلك قضية فيها تأستباعد عنك تعيير العداة
ولم أر قبل جذعك قط جذعاتمكن من عناق المكرمات
أسأت إلى النوائب فاشتثارتفأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجيرنا من صرف دهرفعاد مطالبا لك بالترات
وصير دهرك الإحسان فيهإلينا من عظيم السيئات
وكنت لمعشر سعدا فلمامضيت تفرقوا بالمنحسات
غليل باطن لك في فؤاديحقيق بالدموع الجاريات
ولو أني قدرت على قيامبفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافيونحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبر عنك نفسيمخافة أن أعد من الجناة
ومالك تربة فأقول تسقىلأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترىبرحمات غواد رائحات
وتوفي الملك عضد الدولة بن بويه في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وهو ابن تسع وأربعين سنة وأحد عشر شهرا أو كان له ملك العراق وكرمان وعمان وخوزستان والموصل وديار بكر وحران ومنيج. وكانت مدة ملكه ببغداد خمس سنين. وكان ملكا فاضلا، جليلا عظيما، مهيبا صارما، كريما شجاعا بطلا ذكيا، وله في الذكاء أخبار عجيبة ونكت غريبة، ليس هذا موضع ذكره. وهو أول من تسمى بملك في الإسلام. ولما احتضر جعل يقول: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
ويرددها حتى مات، ولما مات كتم موته ودفن بدار المملكة ببغداد. ثم ظهر موته وأخرج من قبره، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فدفن به.
وكان عضد الدولة قد بنى المشهد قبل موته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في لفظ الفهد. ومما يحكى أن عضد الدولة خرج يوما إلى بستان له متنزها فقال: ما أطيب يومنا هذا لو ساعدنا فيه الغيث فجاء المطر في الوقت فقال:
ليس شرب الراح إلا في المطروغناء من جوار في السّجر
ناعمات سالبات للنهىناغمات في تضاعيف الوتر
مبرزات الكأس من مطلعهاساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنهاملك الأملاك غلاب القدر
سهل الله له بغيتهفي ملوك الأرض ما دار القمر
وأراه الخير في أولادهليساس الملك منهم بالغرر
فلم يفلح بعد هذه الأبيات وعوجل بقوله غلاب القدر، ولما مات عضد الدولة قام بتدبير المملكة بعده ولده بهاء الدولة فخلع عليه الطائع لله وقلده ما كان بيد أبيه.
ثم إن بهاء الدولة أمسك الطائع لله واعتقله، ونهب دار الخلافة ثم أشهد على الطائع بخلع نفسه من الخلافة. وذلك في شهر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وأقام مخلوعا معتقلا إلى أن
توفي في ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وكانت خلافته سبع عشرة سنة وتسعة أشهر.
وعمره ثمان وسبعون سنة وكان مربوعا أشقر كبير الأنف شديد القوة في خلقه حدة، كريما شجاعا بطلا جوادا سمحا إلا أن يده كانت قصيرة مع ملوك بني بويه رحمة الله تعالى عليه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع