تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

البقر الأهلي

اسم جنس يقع على الذكر والأنثى وإنما دخلته الهاء للوحدة والجمع

بقرات. قال الله تعالى: سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ

قال المبرد في الكامل: إذا أردت التمييز قلت:

هذا بقرة للذكر وهذه بقرة للأنثى كما تقول: هذا بطة للذكر وهذه بطة للأنثى. والبقير والبقران والباقر جماعة البقر. مع رعاتها. والبيقور الجماعة. قال الشاعر:

أجاعل أنت بيقورا مسلعةذريعة لك بين الله والمطر

وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة. كتب النبي ﷺ إليهم كتاب الصدقة: «في كل ثلاثين باقورة بقرة » واشتق هذا الإسم من بقر إذا شق لأنها تشق الأرض بالحراثة ومنه قيل لمحمد بن علي زين العابدين بن الحسين الباقر، لأنه بقر العلم أي شقه ودخل فيه مدخلا بليغا. وفي الحديث «أنه ﵊ ذكر فتنة كوجوه البقر». أي يشبه بعضها بعضا ذهبوا إلى قوله تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا

وفيه أيضا «رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ».

وروى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن طابت بك حياة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر». وفيه أيضا «بينما رجل يسوق بقرة، إذ تكلمت فقالوا سبحان الله بقرة تتكلم! قال: آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر».

وفي سنن أبي داود الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة ». قال الترمذي: حديث حسن وهو الذي يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفا.

وفي سنن أبي داود من حديث عطاء الخراساني، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ». وفي نهاية الغريب في باب السين المهملة في الحديث: «ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا». والسكة هي التي يحرث بها

الأرض أي إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن الغزو، فيأخذهم السلطان بالمطالبات والجبايات. وقريب من هذا الحديث قوله ﷺ: «العزفي نواصي الخيل والذل في أذناب البقر ». والبقر حيوان شديد القوة كثير المنفعة، خلقه الله ذلولا ولم يخلق له سلاحا شديدا كما للسباع، لأنه في رعاية الإنسان، فالإنسان يدفع عنه ضرر عدوه فلو كان له سلاح لصعب على الإنسان ضبطه. والبقر الأجم يعلم أن سلاحه في رأسه فيستعمله في محل القرن كما يرى في العجاجيل قبل نبات قرونها، تنطح برؤوسها تفعل ذلك طبعا وهي أجناس: فمنها الجواميس وهي أكثرها ألبانا وأعظمها أجساما، قال الجاحظ: الجواميس ضأن البقر وهذا يقتضي أنها أطيب وأفضل من العراب، حتى إنها تكون مقدمة عليها في الأضحية، كما يقدم الضأن فيها على المعز وقال الزمخشري في ربيع الأبرار: أشراف السباع ثلاثة: الأسد والنمر والببر وأشراف البهائم ثلاثة:

الفيل والكركدن والجاموس. ومنها العراب وهي جرد ملس الألوان. ومنها نوع آخر يقال له الدربانة بدال مهملة ثم راء ثم باء موحدة ثم نون وهي التي تنقل عليها الأحمال، وربما كانت لها أسمنة.

والبقر ينزو ذكورها على إناثها، إذا تم لها سنة من عمرها في الغالب. وهي كثيرة المني. وكل الحيوان إناثه أرق صوتا من ذكوره إلا البقر، فإن الأنثى أفخم وأجهر، وهي تقلق إذا ضربها الذكر وتتلوى تحته لا سيما إذا أخطأ المجرى لصلابة ذكره، وهي إذا اشتاقت للذكر، نفرت وأتبعت الرعاة. وبأرض مصر بقر يقال لها بقر الخيس، طوال الرقاب قرونها كالأهلة، وهي كثيرة اللبن.

وقال المسعودي: رأيت بالري بقرا تبرك كما تبرك الإبل، وتثور بحملها كما تثور. وليس لجنس البقر ثنايا عليا فهي تقطع الحشيش بالسفلى.

فائدة في آخر كتاب المجالسة لأحمد بن مروان المالكي الدينوري بإسناده إلى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «مر عيسى ﵇ ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا كلمة الله ادع الله أن يخلصني، فقال: يا خالق النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها فألقت ما في بطنها» قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها هذا.

وأسند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون. قلت: وهذا بعض حديث رواه الطبراني عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا طلبت حاجة وأحببت أن تنجح فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم، لا

إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرّجته، ولا حاجة هي لك رضا إلى قضيتها، برحمتك يا أرحم الراحمين». ومما جرب لعسر الولادة، أن يكتب ويسقى للمطلقة وهو: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس إلى آخرها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ

اللهم يا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس، يا عليم يا قدير، خلص فلانة مما في بطنها من ولدها، خلاصا في عافية إنك أرحم الراحمين.

فائدة أخرى روى صاحب الترغيب والترهيب والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ملكا من الملوك خرج من بلده يسير في مملكته وهو مستخف من الناس، فنزل على رجل له بقرة، فراحت عليه تلك الليلة البقرة، فحلبت مقدار ثلاثين بقرة، فعجب الملك من ذلك، وحدث نفسه بأخذها، فلما كان من الغد غدت البقرة إلى مرعاها، ثم راحت فحلبت نصف ذلك، فدعا الملك صاحبها وقال له: أخبرني عن بقرتك هذه لم نقص حلابها؟ ألم يكن مرعاها اليوم مرعاها بالأمس؟ قال: بلى، ولكن أرى الملك أضمر لبعض رعيته سوءا فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو همّ بظلم ذهبت البركة قال: فعاهد الملك ربه أن لا يأخذها ولا يظلم أحدا. قال: فغدت فرعت ثم راحت فحلبت حلابها في اليوم الأول فاعتبر الملك بذلك وعدل، وقال: إن الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة. لا جرم لأعدلن ولأكونن على أفضل الحالات.

وذكرها ابن الجوزي في كتاب مواعظ الملوك والسلاطين، على غير هذا الوجه، فقال: خرج كسرى في بعض الأيام للصيد فانقطع عن أصحابه وأظلته سحابة فأمطرت مطرا شديدا، حال بينه وبين جنده فمضى لا يدري أين يذهب، فانتهى إلى كوخ فيه عجوز، فنزل عندها وأدخلت العجوز فرسه، فأقبلت ابنتها ببقرة قد رعتها فاحتلبتها، ورأى كسرى لبنها كثيرا فقال: ينبغي أن نجعل على كل بقرة خراجا فهذا حلاب كثير، ثم قامت البنت في آخر الليل لتحلبها، فوجدتها لا لبن فيها، فنادت: يا أماه قد أضمر الملك لرعيته سوءا. قالت أمها: وكيف ذلك؟ قالت: إن البقرة ما تبز بقطرة من لبن، فقالت لها أمها: اسكتي فإن عليك ليلا فأضمر كسرى في نفسه

العدل والرجوع عن ذلك العزم. فلما كان آخر الليل، قالت لها أمها: قومي احلبي، فقامت فوجدت البقرة حافلا، فقالت: يا أماه قد والله ذهب ما في نفس الملك من السوء. فلما ارتفع النهار، جاء أصحاب كسرى فركب وأمر بحمل العجوز وابنتها إليه، فأحسن إليهما، وقال: كيف علمتما ذلك؟ فقالت العجوز: أنا بهذا المكان منذ كذا وكذا ما عمل فينا بعدل إلا أخصبت أرضنا، واتسع عيشنا، وما عمل فينا بجور إلا ضاق عيشنا، وانقطعت مواد النفع عنا. وذكر الإمام الطرطوشي، في سراج الملوك، أنه كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب تمرا ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان، فلم تحمل في ذلك العام ولا تمرة واحدة. قال الطرطوشي: وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة في الغربية تجني عشرة أرادب ستين ويبة، وكان صاحبها يبيع في سني الغلاء كل ويبة بدينار. وذكر ابن خلكان، في ترجمة جلال الدولة ملك شاه السلجوقي، أن واعظا دخل عليه، فكان من جملة ما وعظه به أن بعض الأكاسرة اجتاز منفردا عن عسكره، على باب بستان، فتقدّم إلى الباب وطلب ماء يشربه، فخرجت له صبية بإناء، فيه ماء قصب السكر والثلج، فشربه فاستطابه فقال لها: هذا كيف يعمل؟ فقالت: إن القصب يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء. فقال: ارجعي واعصري شيئا آخر، وكانت الصبية غير عارفة به، فلما ولت قال في نفسه: الصواب أن أعوضهم غير هذا المكان واصطفيه لنفسي، فما كان بأسرع من خروجها باكية وقالت: إن نية سلطاننا قد تغيرت: قال: ومن أين علمت ذلك؟ قالت: كنت آخذ من هذا ما أريد بغير تعب، والآن قد اجتهدت في عصره فلم أستطع، فرجع عن تلك النية، ثم قال لها: ارجعي الآن فإنك تبلغين الغرض، وعقد في نفسه، أن لا يفعل ما نواه. فذهبت ثم جاءت ومعها ما شاءت من ماء القصب، وهي مستبشرة. قال: وكان ملك شاه من أحسن الملوك سيرة، حتى لقب بالملك العادل، وكان قد أبطل المكوس والخفارات في جميع البلاد فكثر الأمن في زمانه، وكان قد ملك ما لم يملكه أحد من ملوك الإسلام. وكان لهجا بالصيد، قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة آلاف، فتصدق بعشرة آلاف دينار وقال: إني خائف من الله تعالى من إزهاق الأرواح لغير مأكله، وكان كلما اصطاد صيدا يتصدق بدينار. وقيل إنه خرج مرة من الكوفة، فاصطاد في طريقه وحشا كثيرا فبنى هناك منارة من حوافر حمر الوحش وقرون الظباء التي صادها في تلك الطريق. قال: يعني ابن خلكان والمنارة باقية إلى الآن تعرف بمنارة القرون.

وكانت وفاته ببغداد سادس عشر شوّال سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ومن عجيب الإتفاق أنه المقتدي بالله كان قد بايع لولده المستظهر بولاية العهد من بعده، فلما دخل ملك شاه بغداد المرة الثالثة ألزم المقتدي أن يعزل ولده المستظهر ويجعل ولده جعفر، الذي رزقه من ابنته ولي العهد ويخرج المقتدي إلى البصرة. فشق ذلك على المقتدي، وبالغ في استنزال ملك شاه عن هذا الرأي فلم يفعل، فسأله المهلة عشرة أيام ليتجهز، فأمهله فجعل المقتدي يصوم ويطوى، وإذا

أفطر جلس على الرماد للإفطار، وهو يدعو على السلطان، ملك شاه فمرض ملك شاه ومات في تلك الأيام، ولم تشهد له جنازة، ولا صلّى عليه أحد في الصورة الظاهرة، وحمل في تابوته إلى أصبهان ودفن بها.

أما البقرة التي أمر الله تعالى بني إسرائيل بذبحها، فقصتها مشهورة وستأتي الإشارة إلى شيء منها في باب العين في لفظ العجل إن شاء الله تعالى، فسبحان من فاوت بين الخلق. قيل لإبراهيم ﵊: اذبح ولدك، فتله للجبين. وقيل لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة فَذَبَحُوها، وَما كادُوا يَفْعَلُونَ

. وخرج أبو بكر الصديق ﵁ من جميع ماله.

وبخل ثعلبة بن حاطب بالزكاة، وجاد حاتم في حضرة وأسفاره. وبخل الحباحب بضوء ناره، وكذلك فاوت بين الفهوم، فسبحان أنطق متكلم، وباقل أعجز من أخرس. وفاوت بين الأماكن فزرود تشكو العطش، والبطائح تشكو الغرق.

غريبة : كانت العرب إذا أرادت الاستسقاء في السنة الأزمة جعلت النيران في أذناب البقر وأطلقوها فتمطر السماء لأن الله تعالى يرحمها بسبب ذلك قال الشاعر في ذلك:

أجاعل أنت بيقورا مسلّعةذريعة لك بين الله والمطر

وقال أمية بن أبي الصلت الثقفي يذكر ذلك:

سنة أزمة تخيل بالنامن ترى للعضاه فيها صريرا
لا على كوكب ينوء ولا ريح جنوب ولا ترى طخرورا
ويسوقون باقرا لسهل للطودمها زيل خشية أن تبورا
عاقدين النيران في هلب الأذناب منها لكي تهيج البحورا
سلع مّا ومثله عشر ماعائل ما وعالت البيقورا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، اقرأ القصيدة

وحكى في الإحياء أن شخصا كانت له بقرة يحلبها ويخلط في لبنها الماء ويبيعه، فجاء سيل فغرق البقرة فقال له بعض أولاده: إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة. وروى الخلال، في المجلس التاسع من مجالسه، عن جابر بن عبد الله

رضي الله تعالى عنهما أن بقرة انفلتت على خمر، فشربت منه فذبحوها. ثم أتوا إلى النبي ﷺ فأخبروه فقال: «كلوها أولا بأس بها».

الحكم يحل أكلها وشرب ألبانها إجماعا. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: «سمن البقر وألبانها شفاء ولحمها داء». ورواه ابن عدي في ترجمة محمد بن زياد الطحان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بمعناه. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ «ضحى عن نسائه بالبقر». وروى الطبراني عن زهير قال: حدثتني امرأة من أهلي، عن مليكة بنت عمرو الزيدية من ولد زيد بن عبد الله بن سعد، قالت: اشتكيت وجعافي حلقي فأتيتها تعني مليكة بنت عمرو فوصفت لي سمن بقر، وقالت: إن رسول الله ﷺ قال:

«ألبانها شفاء وسمنها دواء ولحمها داء». والمرأة التابعية لم تسم وبقية رجاله ثقات. وفي المستدرك من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «عليكم بألبان البقر وأسمانها، وإياكم ولحومها، فإن ألبانها وأسمانها دواء ولحومها داء». ثم قال: صحيح الإسناد. وروى الحاكم أيضا وابن حبان عن ابن مسعود أيضا أن النبي ﷺ قال: «ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء، جهله من جهله، وعلمه من علمه، وفي ألبان البقر شفاء من كل داء، فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر؟ أي تأكل وفي رواية ترتم، وهي بمعناها. ورواه ابن ماجه عن أبي موسى خلا ذكر ألبان البقر ورواه بتمامه البزار وفيه محمد بن جابر بن سيار وهو صدوق عند الأكثرين، وضعيف عند غيرهم وبقية رجاله ثقات. ورواه الحاكم أيضا في تاريخ نيسابور من حديث عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود.

وفي كتاب ابن السني عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لم يستشف الناس بشيء أفضل من السمن وإذا أوصى ببقرة لم يتناول الثور على الأصح. لأن لفظها موضوع للأنثى، والثاني يتناوله والهاء للوحدة. قال الرافعي: وقياس تكميل البقر بالجواميس في الزكاة، دخولها هنا وفي العمدة والكفاية لا تدخل إلا إذا قال من بقري وليس له إلا الجواميس ولو لم يكن إلا بقرات وحش فوجهان كما ذكرنا في الظباء والإيل. وأما زكاتها ففي كل ثلاثين منها سائمة تبيع ابن سنة وفي كل أربعين مسنة لها سنتان. لما روى مالك عن طاوس، أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أخذها كذلك وأتى بما دون ذلك، فلم يأخذ منها شيئا وسمي تبيعا لأنه يتبع أمه في المسرح وقيل لأن قرنه يتبع أذنه ولو أخرج تبيعة أجزأته، بل هي أولى للأنوثة، وسميت مسنة لتكامل سنها.

فلو أخرج عن أربعين تبيعين أجزأه على الصحيح. وقال البغوي: لا، لأن العدد لا يقوم مقام السن.

فائدة في الحلية، ترجمة عكرمة، قال: كانت القضاة في بني إسرائيل، ثلاثة: فمات أحدهم، فولّى غيره مكانه، ثم قضوا ما شاء الله أن يقضوا، ثم بعث الله لهم ملكا يمتحنهم فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء، وخلفها عجلة فدعاها الملك وهو راكب فرسا، فتبعتها العجلة فتخاصما فجاء إلى القاضي الأوّل فدفع إليه الملك درة كانت معه، وقال له: احكم بأن العجلة لي، قال: بماذا أحكم؟ قال ارسل الفرس والبقرة والعجلة فإن تبعت الفرس فهي لي فأرسلها فتبعت الفرس فحكم له بها. وأتيا القاضي الثاني فحكم كذلك. وأخذ درة وأما القاضي الثالث فدفع له الملك درة وقال: احكم بيننا قال: إني حائض. قال الملك سبحان الله أيحيض الذكر؟

قال: سبحان الله أتلد الفرس بقرة؟ وحكم بها لصاحبها. قلت: هؤلاء كما قال نبينا ﷺ:

«قاضيان في النار وقاض في الجنة ».

الأمثال قالوا: «تركت زيدا بملاحس البقر أولادها » أي بحيث تلحس البقر أولادها، يعنون المكان القفر. وقالوا: «الكلاب على البقر ». وسيأتي معناه في باب الكاف إن شاء الله تعالى.

الخواص شحم البقر إذا بخر به البيت مع زرنيخ أحمر طرد العقارب والحيات وسائر الهوام. وإذا طلي به إناء اجتمعت إليه البراغيث. وقرنه إذا سحق وجعل في طعام صاحب حمى الربع زالت عنه. وإذا شرب زاد في الإنعاظ. ودمه يحبس الدم السائل وإذا طلي بمرارتها مع ماء الكراث البواسير نفعها وسكنها وأزال وجعها. وإذا طلي به الآثار السود من البدن قلعها وأزالها.

وإذا خلطت مع العسل واكتحل بها أزالت الظلمة. وإذا طلي بها مع النطرون والعسل وشحم الحنظل المقعد نفعه. وقال أرسطو: مرارة البقر السوداء إذا اكتحل بها أحدّت البصر وقال كيماس:

إذا فقئت عين البقرة، أو قلعت وكتب بمائها على كاغد لم تبن بالنهار وتقرأ بالليل. وشعورها إذا أحرقت وشربت نفعت من وجع الأسنان. وإذا شربت بالسكنجبين، أزالت الطحال. وإن شربت بالعسل أخرجت حب القرع من البطن. وقال يونس: إذا طليت التواكيل بخثى البقر تناثرت وبرئت من وقتها. وإذا طليت به الأورام الصلبة لينها وإن بخربه قرية النمل، قبل ظهورها لم تظهر. وإن وضع على النقرس نفع صاحبه. وإن بخر به الحامل سهل الولادة، وأخرج الجنين حيا وميتا والمشيمة وإن أحرق في بيت طرد هوامه. وإن سحق المحرق منه ونفخ في الأنف حبس الرعاف. وإن طلي به على البدن مرارا وترك حتى يجف أخرج السهم والشوكة منه. وإن طلي به مع الكبريت، على خرقة كتان، وبسطت على جميع البطن نشف الماء الأصفر. وقال هرمس: إذا طليت منخر البقرة بدهن ورد دهشت وشردت.

التعبير البقر في المنام يعبر بالسنين، كما عبرها يوسف الصديق ﷺ، فالسمان خصب، والضعاف جدب، هذا إذا كانت بيضا أو سودا. وإذا كانت صفرا أو حمرا وهي تنطح الشجر بقرونها فتقلعها أو الأبنية فتسقطها، فإنها فتن تحل بذلك المكان الذي دخلته لقوله ﵊: «إن الفتن تكون في آخر الزمان كصياصي البقر وكعيون البقر» والبقرة الصفراء سنة فيها سرور. والغبرة في البقر شدة في أوّل السنة والبلقة في أعجازها شدة في آخر السنة. والنصف من البقرة مصيبة في أخت أو بنت. وكذلك كل سهم ينسب إلى من يرثه كالربع والثمن. ومن حلب بقرة غيره فإنه يخون رجلا في امرأته. ومهما رأى الإنسان ببقرته فذلك عائد إلى زوجته أو بنته.

وحليب البقرة مال حلال جزيل وأصواتها تدل على ناس معروفين بالأدب. وخدشها مرض. ومن وثب عليه بقرة أو ثور ولم يفلته فإنه يموت في تلك السنة، والبقرة في المنام للفلاحين خير وانسب البقر في ألوانها إلى ما تنسب إليه الخيل. ويأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في باب الخاء المعجمة.

ومن رأى بقرة دخلت داره ونطحته فإنه يرى خسرانا في ماله. وقالت النصارى: من أكل لحم بقر في نومه تقدم إلى حاكم. والشحم مال لمن حواه خالص لا يغادره منه شيء وهو بلا تعب. وأما شواء البقر فهو أمن للخائف. ومن كانت له زوجة وهي حامل بشر بولد ذكر.

والشواء بشارة في معيشته فإن كان غير ناضج فهو هم من قبل امرأة. وقيل لحم البقر رزق وخصب لمن أكله مطبوخا أو مشويا. ومن الرؤيا المعبرة قول عائشة رضي الله تعالى عنها: رأيت كأني على تل وحولي بقر ينحر، فقصصتها على مسروق، فقال: إن صدقت رؤياك فإنه يكون حولك ملحمة قتال. فكان كذلك يوم الجمل. ومن رأى بقرة تمص لبن عجلها فإن امرأته تقود على ابنتها. ومن رأى عبدا يحلب بقرة مولاه فإنه يتزوّج امرأة المولى والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.