تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

البقر الوحشي

هذا النوع أربعة أصناف: المها والأيل واليحمور والثيتل. وكلها تشرب الماء في الصيف إذا وجدته، وإذا عدمته صبرت عنه، وقنعت باستنشاق الريح، وفي هذا الوصف يشاركها الذئب والثعلب وابن آوى والحمر الوحشية والغزلان والأرانب. فأما الأيل فتقدم ذكره واليحمور وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الياء آخر الحروف.

والكلام الآن في المها فمن طبعه الشبق والشهوة، فلذلك إذا جملت الأنثى هربت من الذكر خوفا من عبثه بها وهي حامل. ولفرط شهوته يركب الذكر ذكرا آخر، وإذا ركب واحد منها شم الباقي منه رائحة الماء فيثبن عليه. وقرون البقر الوحشي مصمتة بخلاف قرون سائر الحيوانات فإنها مجوّفة كما تقدم والبقر الوحشي أشبه شيء بالمعز الأهلية وقرونها صلاب جدا تمنع بها عن نفسها وأولادها كلاب الصيد والسباع التي تطيف بها.

فائدة : لما أرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل، وهو أكيدر بن

عبد الملك رجل من كندة، كان ملكا عليها، وكان نصرانيا، قال رسول الله ﷺ لخالد: «إنك تجده يصيد بقر الوحش ». فلما وصل إليه كان في ليلة مقمرة، فأذن الله تعالى للبقر الوحشية أن تأتيه من كل جانب، تحك قصره بقرونها، فأشرف عليها وقال: ما رأيت أكثر منها الليلة ولقد كنت أكمن لها اليومين والثلاثة ولا أجدها. ولكن قدر الله وما شاء فعله. ثم أمر بفرسه فأسرج وركب هو وأخوه حسان، وعليه قباء من الديباج المخوص بالذهب. فلما نزل وافته خيل رسول الله ﷺ فأخذته أسيرا وأرسلوه بقبائه إلى رسول الله ﷺ، فتعجب منه بعض أصحابه فقال رسول الله ﷺ: المناديل سعد في الجنة خير من هذا ثم إن النبي ﷺ عرض عليه الإسلام فأبى، فأقره بالجزية في أرضه في شهر رجب سنة تسع من الهجرة. وأشار إلى هذه البقرات الوحشية بجير بن بجرة الطائي بقوله:

تبارك سائق البقرات إنيرأيت الله يهدي كل هادي
فمن يك حائدا عن ذي تبوكفإنا قد أمرنا بالجهاد

وسيأتي مزيد كلام في المها في باب الميم إن شاء الله تعالى.

الحكم يحل أكلها بجميع أنواعها بالإجماع لأنها من الطيبات.

الأمثال قالت العرب: «تتابعي بقر». زعموا أن بشر بن الحارث الأسدي خرج في سنة جهد فيها قومه، فمروا ببقر فنفرت منهم، فقام على رأس جبل فرماها بقوسه، فجعلت تلقي نفسها وهو يقول: «تتابعي بقر» حتى تكسرت ثم رجع إلى قومه، فدعاهم لأكلها. يضرب عند تتابع الأمر وسرعته.

الخواص مخه يطعم لصاحب الفالج، ينفعه نفعا شديدا. ومن استصحب معه شعبة من قرونه نفرت منه السباع وإذا دخن بقرنه أو جلده أو ظلفه في بيت نفرت منه الحيات. ورماده يذر على السن المتأكلة المتألمة يسكن وجعها. وشعره يبخر به البيت يهرب منه الفأر والخنافس. وقرنه يحرق ويجعل في طعام صاحب حمى الربع تزول عنه. ويشرب في شيء من الأشربة يزيد في الباه ويقوي العصب ويزيد في الإنعاظ. وينفخ في أنف الراعف يقطع دمه ويحرق قرناه حتى يصيرا رمادا. ويداف في الخل، ويطلى به موضع البرص مستقبلا به الشمس، فإنه يزول ويسف منه مقدار مثقال فإنه لا يخاصم أحدا إلا غلبه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.