تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الحجل

بالفتح الذكر من القبج الواحدة حجلة واسم جمعه حجلى. ولم يأتي جمع على فعلى بكسر الفاء. الاحرفان حجلى وظربي جمع ظربان وهو دويبة منتنة الريح وستأتي في باب الظاء المشالة إن شاء الله تعالى. والحجل طائر على قدر الحمام، كالقطا أحمر المنقار والرجلين ويسمى دجاج البر، وهو صنفان: نجدي وتهامي، فالنجدي أخضر اللون أحمر الرجلين، والتهامي فيه بياض وخضرة. وفراخ هذا الطائر تخرج كاسية، ومن شأنها إذا لم تلقح أن تتمرغ في التراب، وتصبه على أصول ريشها فتلقح. ويقال إنها تبيض من سماع صوت الذكر أو بريح تهب من قبله، وإذا باضت ميز الذكر الذكور منها، فحضنها وهي تحضن الإناث وهما كذلك في التربية. قال التوحيدي: ويعيش الحجل عشر سنين ويصنع عشين يجلس الذكر على واحد، والأنثى على واحد، ومن طبع الحجل أنه يأتي أعشاش نظرائه، فيأخذ بيضها ويحضنه. فإذا طارت الفراخ لحقت بأمهاتها التي باضتها وفي تركيبه قوّة الطيران حتى إن الإنسان، إذا لم يره يظنه حجرا خرج من مقلاع. والذكر شديد الغيرة على الأنثى، فلذلك إذا اجتمع ذكران اقتتلا على الأنثى فأيهما غلب ذل الآخر. وتبعت الأنثى الغالب منهما. وفي طبع الذكر أن يخدع أمثاله بقرقرته، ولهذا يتخذه الصيادون في أشراكهم ليكثر القرقرة فيجتمع إليه أبناء جنسه فيقعن معه. وهو يفعل ذلك كالحاسد لها والمنتقم منها والأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عش غيرها، وغلبتها على بيضها أو تسرقه وتحضنه.

فائدة ذكر في كتاب النشوان، وتاريخ ابن النجار عن أبي نصر محمد بن مروان الجعدي، أنه أكل بعض مقدمي الأكراد على سماط فيه حجلتان مشويتان، فأخذ الكردي بيده واحدة وضحك، فسأله عن ذلك فقال: قطعت الطريق في عنفوان شبابي على تاجر، فلما أردت قتله تضرع إلي فلم أقبل تضرعه، ولم أفلته فلما رأى الجد مني، التفت إلى حجلتين كانتا في جبل وقال اشهدا لي عليه إنه قاتلي ظلما فقتلته. فلما رأيت هاتين الحجلتين، تذكرت حمقه في استشهادهما علي. فقال ابن مروان لما سمع ذلك منه قد شهدتا والله عليك عند من يفيدك عند من يقيدك بالرجل ثم أمر بضرب عنقه.

الحكم أكلها حلال اتفاقا. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في النحام، في باب النون عن كامل ابن عدي أن الطير المشوي الذي أهدي للنبي ﷺ، كان حجلا. وقيل: كان نحاما. وصح أنه ﷺ كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة. قال الترمذي: المراد بالحجلة هذا الطائر وزرها بيضها قلت: والصواب إنها حجلة السرير واحدة الحجال، وزرها الذي يدخل في عروتها.

وروى البيهقي في دلائل النبوّة عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما شك في موت النبي ﷺ قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه، ثم قالت: توفي رسول الله ﷺ، قد رفع الخاتم من بين كتفيه. فكان هذا هو الذي عرف به موته ﷺ. وأسماء بنت عميس كانت زوجة جعفر بن أبي طالب ثم تزوّجها الصديق، فأولدها محمدا ثم تزوّجها علي بن أبي طالب، بعد وفاة الصديق. وكان محمد بن أبي بكر صغيرا فرباه علي

فهو ربيب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

فائدة أخرى في المستدرك، عن وهب بن منبه، أنه قال: «لم يبعث الله نبيا إلا وقد كان عليه شامة النبوة في يده اليمنى، إلا نبينا محمدا ﷺ فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه». وقال علي رضي الله تعالى عنه: لأهل العراق يا أشباه الرجال ولا رجال، يا عقول ربات الحجال! وقال كثير عزة:

وأنت الذي حببت كل قصيرةإلي فلا تدرك نداك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أردقصار الخطاشر النساء البحاتر
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا رابغ من أهله فالظواهر»

وسيأتي الكلام على خاتم النبوة في باب الكاف في لفظ الكركي.

الأمثال ضرب النبي ﷺ المثل بالحجل فقال: «اللهم إني أدعو قريشا وقد جعلوا طعامي طعام الحجل». يريد أنه يأكل الحبة بعد الحبة لا يجد في الأكل. وقال الأزهري: أراد إنهم غير جادين في إجابتي فلا يدخل منهم في دين الله إلا النادر القليل. وروى الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب، عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «أول ما يحاسب العبد عليه يوم القيامة صلاته فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله». قال وكان يقول: «حاذوا المناكب في الصلاة فإن الشيطان يتخلل الصفوف كما يتخلل الحجل والصف الأيمن خير من الصف الأيسر» قال قوله: حاذوا من الحذاء وهو أن يجعل المنكب بجنب المنكب.

الخواص لحمها معتدل جيد سريع الهضم إذا ابتلع من كبدها وهي حارة قدر نصف مثقال نفع من الفزع، ومرارتها تنفع الغشاوة المظلمة في العين اكتحالا. وإذا سعط بمرارتها إنسان في كل شهر مرة احتد ذهنه، وقل نسيانه، وقوي بصره. وقال المختار بن عبدون: بيض الحجل ألطف من بيض الدجاج، وهو نافع للمترفهين وضار بأصحاب الكد، ويولد غذاء معتدلا، ويوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة، وهو أجود هضما من بيض الدجاج، وأجود ما يعمل أن يلقى في الماء وهو يغلي وفيه ملح أو خل، ويكون الماء متساويا عليه. وكذلك كل بيض، وأما المطجن من كل بيض فرديء جدا يولد حجارة في المثانة، ويحدث غما وقولنجا. والمغلي في الماء أهضم منه وأنفع ومن المقلي في الأدهان أيضا انتهى. وقال غيره: بيض الحجل إذا طبخ في الماء المغلي في الكمون والملح أو بخل اعنصل وأكل نفع من المغص وسائر أوجاع البطن.

وأما رؤيته في المنام فالحجلة تدل على امرأة غير الفة وربما تدل رؤيتها على محبة الأولاد.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.