من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الخرنق
بكسر الخاء المعجمة ولد الأرنب وبه سمي الخرنق الشاعر الذي كان في زمن التابعين. وأرض مخرنقة أي ذات خرانق وقالوا: «ألين من خرنق ». وكان للنبي ﷺ درع يقال لها الخرنق للينها، ودرع أخرى يقال لها البتيراء لقصرها، وأخرى يقال لها ذات الفضول، سميت به لطولها، أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وهذه هي التي رهنها عند اليهودي، فافتكها منه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأخرى يقال لها ذات الوشاح وذات الحواشي، وأخرى يقال لها فضة والسغدية، بالسين المهملة والغين المعجمة. قال الحافظ الدمياطي:
وكانت السغدية درع داود ﵊ التي لبسها حين قتل جالوت وكانت عمله بيده.
قال الكلبي وغيره في قوله تعالى: وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ
يعني صنعة الدروع وكان يصنعها ويبيعها، وكان ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده. وقيل: منطق الطير، وكلام البهائم، وقيل: هو الزبور. وقيل: الصوت الطيب والألحان، فلم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته.
وكان ﵊ إذا قرأ الزبور تدنو منه الوحوش، حتى يأخذ بأعناقها، وتظله الطير مصيخة له، ويركد الماء الجاري وتسكن الريح. روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: إن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة، ورأسها عند صومعته، وقوتها قوة الحديد ولونها لون النار، وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر، مسورة بقضبان اللؤلؤ الرطب، فلا يحدث في الهواء حدث، إلا صلصلت السلسلة، فيعلم داود ذلك الحدث. ولا يمسها ذو عاهة إلا
برأ وكان بنو إسرائيل يتحاكمون إليها بعد داود، فمن تعدى على صاحبه، أو أنكر له حقا أتى إلى السلسلة، فمن كان صادقا مد يده إلى السلسلة فنالها، ومن كان كاذبا لم ينلها، وكانت كذلك إلى إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة. فروي عن غير واحد أن ملكا من ملوك بني إسرائيل، أودع عند رجل جوهرة ثمينة ثم طلبها فأنكر الرجل، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الرجل الذي عنده الجوهرة إلى عكازه فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها. فلما حضر إلى السلسلة قال صاحب الجوهرة:
رد علي وديعتي، فقال صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة، فإن كنت صادقا فتناول السلسلة، فأتاها فتناولها بيده، فقيل للمنكر: قم أنت وتناولها، فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازتي هذه فاحفظها لي حتى أتناول السلسلة، ثم أتاها فتناولها بعد أن قال: أللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة، ثم مد يده فتناولها، فتعجب القوم وشكوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. قال الضحاك والكلبي: ملك داود بعد أن قتل جالوت سبعين سنة، ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود، وجمع الله لداود بين الملك والنبوة، ولم يجتمع ذلك لأحد من قبله، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط، وقبضه الله تعالى وهو ابن مائة سنة ﷺ.
قال الحافظ الدمياطي: ودرعان أصابهما من بني قينقاع، فهذه تسع أدرع. وكان ﷺ قد لبس يوم أحد فضة وذات الفضول، ويوم حنين ذات الفضول والسغدية والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع