تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الدود

جمع دودة وجمع الدود ديدان، والتصغير دويد، وقياسه دويدة وداد الطعام يداد وأداد ودوّد. إذا وقع فيه السوس قال الراجز:

قد أطعمتني دفلا حوليامسوسا مدوّدا حجريا

والدود أيضا صغار الدود. ودويد بن زيد عاش أربعمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام وهو لا يعقل، وارتجز وهو محتضر:

اليوم يبنى لدويد بيتهلو كان للدهر بلى ابليته
للشاعر دويد القضاعي، من قصيدة «اليوم يبنى لدويد بيته»
أو كان قرني واحدا كفيتهيا رب نهب صالح حويته
للشاعر دويد القضاعي، من قصيدة «اليوم يبنى لدويد بيته»
ورب غيل حسن لويتهومعصم مخضب ثنيته

وفي تاريخ ابن خلكان، إنه سعى بأبي الحسن الهادي، بن محمد الجواد، بن علي الرضا إلى المتوكل بأن في منزله سلاحا وكتبا من شيعته، وأنه يطلب الأمر لنفسه، فبعث المتوكل إليه جماعة فهجموا عليه في منزله فوجدوه على الأرض مستقبل القبلة يقرأ القرآن، فحملوه على حاله إلى المتوكل والمتوكل يشرب، فاعظمه وأجله وقال له: أنشدني فقال: إني قليل الرواية للشعر. فقال له المتوكل: لا بد فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهمغلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهموأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبرواأين الأسرة والتيجان والحلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهمتلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوافأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا

فبكى المتوكل والحاضرون. ثم قال له المتوكل: يا أبا الحسن هل عليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف درهم، فأمر له بها وصرفه مكرما. فلما كثرت السعاية به عند المتوكل أحضره المدينة، وأقره بسر من رأى، وتدعى العسكر لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره، فقيل لها:

العسكر، فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، ولهذا قيل له العسكري. وتوفي في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين، وهو أحد الأئمة الأثني عشر على مذهب الإمامية رضي الله تعالى عنه وعن آبائه الكرام. والدود أنواع كثيرة يدخل فيها الأساريع والحلم والأرضة ودود الخل والزبل، ودود الفاكهة ودود القز والدود الأخضر الذي يوجد في شجر الصنوبر، وهو في القوة والفعل كالذراريح، وكله معروف ومنه ما يتولد في جوف الإنسان. وروى ابن عدي بسند فيه عصمة بن محمد بن فضالة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدود ». وقالت الحكماء: شرب الوخشيرق يرمي الدود من البطن، وورق الخوخ إذا ضمدت السرة به قتل ديدان البطن. روى البيهقي في الشعب، عن صدقة بن يسار أنه قال:

دخل داود ﵊ في محرابه، فأبصر دودة صغيرة فتفكر في خلقها، وقال: ما يعبأ الله بخلق هذا الدودة، فأنطقها الله فقالت: يا داود أتعجبك نفسك؟ لأنا على قدر ما أتاني الله، أذكر لله وأشكر له منك، على ما آتاك الله. قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

وأما دود الفاكهة فذكر الزمخشري في تفسير قوله تعالى: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ

الآية أنها بعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري وحليهن، وخمسمائة جارية على زي الغلمان، كلهم على سروج الذهب والخيل المسومة، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت والمسك والعنبر، وحقا فيه درة يتيمة وخرزة مثقوبة معوجة الثقب، وبعثت برجلين من أشراف قومها المنذر بن عمرو وآخر ذي رأي وعقل. وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري، وثقب الدرة ثقبا مستويا، وسلك في الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان، فهو ملك فلا يهولنك أمره، وإن رأيت شيئا لطيفا فهو نبي، فأعلم الله نبيه سليمان بذلك، فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشت في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا، شرفة من ذهب وشرفة من فضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها، عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن، وهم خلق كثير، فاقيموا على اليمين واليسار، ثم قعد على كرسيه، والكراسي عن يمينه ويساره، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والجن صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما دنا القوم، نظروا فرأوا الدواب تروث على لبنات الذهب والفضة، فرموا بما معهم منها، فلما وقفوا بين يديه، نظر إليهم بوجه طلق، ثم قال: أين الحق الذي فيه كذا وكذا؟ فقدموه بين يديه فأمر الأرضة، فأخذت شعرة ونفدت فيها، فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء بفيها الخيط، ونفذت فيها فجعل رزقها في الفواكه، ودعا بالماء، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها، فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم ردا الهدية، وقال للمنذر: ارجع إليهم. فلما رجع وأخبرها الخبر قالت: هو نبي وما

لنا به طاقة فشخصت إليه في أثنى عشر ألف قيل تحت يد كل قبل ألوف.

وأما دود القز فيقال لها الدودة الهندية، وهي من أعجب المخلوقات، وذلك إنه يكون أولا بزرا من قدر حب التين، ثم يخرج من الدود عند فصل الربيع، ويكون عند الخروج أصغر من الذر، وفي لونه ويخرج من الأماكن الدافئة من غير حضن، إذا كان مصرورا مجعولا في حق، وربما تأخر خروجه فتصره النساء وتجعله تحت ثديهن، وإذا خرج أطعم ورق التوت الأبيض، ولا يزال يكبر ويعظم إلى أن يصير في قدر الإصبع، وينتقل من السواد إلى البياض أولا فأولا، وذلك في مدة ستين يوما على الأكثر، ثم يأخذ في النسج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن ينفد ما في جوفه منه. ويكمل عليه ما يبنيه إلى أن يصير كهيئة الجوزة، ويبقى فيه محبوسا قريبا من عشرة أيام، ثم ينقب عن نفسه تلك الجوزة، فيخرج منها فراش أبيض له جناحان، لا يسكنان من الاضطراب، وعند خروجه يهيج إلى السفاد، فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى ويلتحمان مدة، ثم يفترقان، وتبزر الأنثى البزر الذي تقدم ذكره على خرق بيض، تفرش له قصدا إلى أن ينفد ما فيها منه، ثم يموتان هذا إن أريد منهما البزر وإن أريد الحرير ترك في الشمس بعد فراغه من النسج، بعشرة أيام يوما بعض يوم فيموت. وفيه من أسرار الطبيعة أنه يهلك من صوت الرعد، وضرب الطست والهاون ومن شم الخل والدخان ومس الحائض والجنب. ويخشى عليه من الفأر والعصفور والنمل والوزغ وكثرة الحر والبرد وقد ألغز فيه بعض الشعراء فقال:

وبيضة تحضن في يومينحتى إذا دبت على رجلين
واستبدلت بلونها لونينحاكت لها خيسا بلا نيرين
بلا سماء وبلا بابينونقبته بعد ليلتين
فخرجت مكحولة العينينقد صبغت بالنقش حاجبين
قصيرة ضئيلة الجنبينكأنها قد قطعت نصفين
لها جناح سابع النبردينما نبتا إلا لقرب الحين

إن الردى كحل لكل عين

قال الإمام أبو طالب المكي، في كتابه قوت القلوب: وقد مثل بعض الحكماء ابن آدم بدود القز، لا يزال ينسج على نفسه، من جهله حتى لا يكون له مخلص، فيقتل نفسه ويصير القز لغيره، وربما قتلوه إذا فرغ من نسجه، لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج عنه فيشمس، وربما غمز بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز ليخرج القز صحيحا. فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله وتتنعم ورثته بما شقي هو به فإن أطاعوا به، كان أجره لهم، وحسابه عليه، وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها به، فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم إذهابه عمره لغيره، أو نظره إلى ماله في ميزان غيره؟ انتهى. وقد أشار إلى ذلك أبو الفتح البستي بقوله:

ألم تر أن المرء طول حياتهمعنى بأمر لا يزال يعالجه
كدود كدود القز ينسج دائماويهلك غما وسط ما هو ناسجه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «ألم تر المرء طول حياته»

وله أيضا وأجاد:

لا يغرنك أنني لين اللمس فعزمي إذا انتضيت حسام
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لا يغرنك أنني لين اللم»
أنا كالورد فيه راحة قومثم فيه لآخرين زكام
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لا يغرنك أنني لين اللم»

وقال آخر في المعنى:

يفنى الحريص بجمع المال مدتهوللحوادث ما يبقى وما يدع
كدودة القز ما تبنيه يهلكهاوغيرها بالذي تبنيه ينتفع

لما أخذت دودة القز تنسج، أقبل العنكبوت يتشبه بها، وقال: لي نسج ولك نسج. فقالت دودة القز: إن نسجي ملابس الملوك ونسجك ملابس الذباب، وعند مس الحاجة يتبين الفرق ولذلك قيل:

إذا اشتبكت دموع في خدودتبين من بكى ممن تباكى

تتمة شجرة الصنوبر تثمر في كل ثلاثين سنة مرة، وشجرة الدبا تصعد في كل أسبوعين، فتقول لشجرة الصنوبر: إن الطريق التي قد قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين. ويقال:

لك شجرة ولي شجرة، فتقول شجرة الصنوبر لها: مهلا إلى أن تهب رياح الخريف، فحينئذ يتبين لك اغترارك بالإسم. وقال المسعودي في ترجمة الراضي إن دودة بطبرستان، تكون من المثقال إلى ثلاثة مثاقيل، تضيء في الليل كما يضيء الشمع، وتطير بالنهار فترى لها أجنحة، وهي خضراء ملساء لا جناحين لها في الحقيقة، غذاؤها التراب، لم تشبع قط منه خوفا أن تفنى تراب الأرض فتهلك جوعا. قال: وفيها منافع كثيرة وخواص واسعة انتهى. وسيأتي عن الجاحظ قريب من هذا.

الحكم يحرم أكله بجميع أنواعه، لأنه مستخبث إلا ما تولد من مأكول فعندنا فيه ثلاثة أوجه: أصحها جواز أكله معه لا منفردا، والثاني يجب تمييزه ولا يؤكل أصلا، والثالث يؤكل معه ومنفردا. وعلى الأصح ظاهر اطلاقهم أنه لا فرق بين أن يسهل تمييزه أو يشق. ولا يجوز بيع الدود إلا القرمز الذي يصبغ به وهو دود أحمر يوجد في شجر البلوط في بعض البلاد صدفي يشبه الحلزون. تجمعه نساء تلك البلاد بأفواههن. وأما دود القز فيجوز بيعه، ويجب إطعامه ورق الفرصاد، وهو التوت الأبيض، ويجوز تشميسه، وإن هلك لتحصيل فائدته. ويجوز بيع الفيلج وفي باطنه الدود الميت لأن بقاءه فيه من مصلحته، فيجوز بيعه وزنا وجزفا، كما صرح به القاضي

حسين. وقال الإمام: إن باعه جزافا كما صرح به القاضي حسين وقال الإمام إن باعه جزافا جاز، وإن باعه وزنا لم يجز. قلت: وهذا هو الصحيح المعتمد، لأن الدود الذي فيه، يمنع معرفة مقدار ما فيه من المقصود. وهو القز وقد جزم به الشيخان، في آخر كتاب السلم. وجزم به ابن الرفعة وغيره. وفي روثه الخلاف في روث ما لا نفس له سائلة. وفي بزره الوجهان في بيض ما لا يؤكل والأصح الطهارة. وقال الفوراني والمتولي: إن قلنا دود القز طاهر، بعد الموت فبزره طاهر، وإن قلنا إنه نجس فالبزر كالبيض لأن له نماء مثله. وفي فتاوى القفال: إن بزر القز لا مثل له، ولا يجوز السلم فيه، لأن أهل الصنعة لا يعرفون أن هذا البزر يكون نسجه أحمر أو أبيض، فهو كالسلم في الجواهر.

الأمثال قالوا: «أصنع من دود القز». وربما قالوا: «أكثر من الدود وأضعف من الدود». قال ابن رشد، في جامع البيان والتحصيل: سأل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، عن البحر، فقال: خلق قوي يركبه خلق ضعيف، دود على عودان ضاعوا هلكوا، وإن بقوا فرقوا. فقال عمر: لا أحمل فيه أحدا أبدا.

الخواص إذا أخذ دود القز، وخلط بالزيت ولطخ به بدن إنسان نفع من نهش الهوام، وذوات السموم ودودة القز إن أخرجت منه وأكلها الدجاج حصل له سمن كثير، ودود الزبل الأصفر الذي يخلق منه، إذا طبخ في زيت عتيق حتى ينضج ويدهن بذلك الزيت داء الثعلب، فإنه يبرئه، وهو في ذلك عجيب مجرب إذا داوم عليه.

التعبير الدود في المنام عدو من الأهل، ودود القز زبون للتاجر، ورعية للسلطان، فمن أخذ منه شيئا نال منفعة منهم، وربما دلت رؤية الدود على مال حرام. ويعبر أيضا بالضر فمن زال عنه زال ذلك عنه، وربما عبر الدود بالأولاد القصيري الأعمار، وأصحاب التركات السنية، وربما دلت رؤيته على قرب الأجل ونهاية العمر، وربما دلت على الحاكة من الرجال والنساء، والمحاكين للصور والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.