تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

باب الزاي: الزاغ

: من أنواع الغربان، يقال له الزرعي وغراب الزرع، وهو غراب أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين، ويقال له غراب الزيتون، لأنه يأكله. وهو لطيف الشكل حسن المنظر لكن وقع في عجائب المخلوقات، أنه الأسود الكبير وأنه يعيش أكثر من ألف سنة، وهو وهم، والصواب الأول.

عجيبة : رأيت في المنتقى، من انتخاب الحافظ السّلفي، وفي آخر ورقة من عجائب الخلوقات، عن محمد بن اسماعيل السعدي، أنه قال: وجه إلى يحيى بن أكثم، فتوجهت إليه، فلما دخلت عليه، إذا عن يمينه قمطر فأجلسني، وأمر أن يفتح، فإذا شيء خرج منه رأسه كرأس إنسان، ومن أسفله إلى سرّته على هيئة زاغ، وفي صدره وظهره سلعتان، قال: ففزعت منه ويحيى يضحك، فقلت له: ما هذا أصلحك الله؟ فقال لي: سل عنه منه! فقلت له: ما أنت؟

فنهض وأنشد بلسان فصيح:

أنا الزاغ أبو عجوهأنا ابن الليث واللبوه
أحبّ الراح والريحانوالقهوة والنشوه
فلا عدوى يدي تخشىولا يحذر لي سطوه
ولي أشياء تستظرفيوم العرس والدعوه
فمنها سلعة في الظهر لا تسترها الفروه
وأما السّلعة الأخرىفلو كان لها عروه
لما شك جميع الناسفيها أنها ركوه

ثم صاح ومدّ صوته زاغ زاغ، وانطرح في القمطر. فقلت: أعز الله القاضي وعاشق أيضا! فقال:

هو ما ترى لا علم لي بأمره، إلا أنه حمل إلى أمير المؤمنين، مع كتاب مختوم فيه ذكر حاله، لم أقف عليه، انتهى. وهذا الخبر قد رواه لحافظ أبو طاهر السلفي على غير هذه الطريقة، وهو ما أخبر به موسى الرضي قال: قال أبو الحسن علي بن محمد: دخلت على أحمد بن أبي داؤد، وعن يمينه قمطر فقال لي: اكشف وانظر العجب، فكشفت فخرج علي رجل طوله شبر من وسطه إلى أعلاه رجل، ومن وسطه إلى أسفله صورة زاغ ذنبا ورجلا، فقال لي: من أنت؟ فانتسبت له ثم سألته عن اسمه فقال:

أنا الزاغ أبو عجوهحليف الخمر والقهوه
ولي أشياء لا تنكريوم القصف في الدعوه
فمنها سلعة في الظهرلا تسترها الفروه
ومنها سلعة في الصدرلو كان لها عروه
لما شك جميع الناسحقا أنها ركوه

ثم قال أنشدني شيئا في الغزل فأنشدته:

وليل في جوانبه فضولمن الإظلام أطلس غيهبان
كأن نجومه دمع حبيسترقرق بين أجفان الغواني
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

فصاح وا أبي وأمي! ورجع إلى القمطر وستر نفسه، فقال ابن أبي دؤاد: وعاشق أيضا! قال ابن خلكان في ترجمة يحيى بن أكثم: إنه لما ولي البصرة، كان سنه نحو عشرين سنة، فاستصغره أهل البصرة، وقالوا له: كم سن القاضي؟ فعلم أنهم استصغروه، فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي عليه الصلاة قاضيا على مكة يوم الفتح، ومن معاذ بن جبل الذي وجه به النبي ﷺ قاضيا على اليمن، ومن كعب بن سور الذي وجه به عمر رضي الله تعالى عنه قاضيا على البصرة، فجعل جوابه احتجاجا. قيل: لما أراد المأمون أن يولي رجلا القضاء، وصف له يحيى بن أكثم فاستحضره، فرآه دميم الخلق فاستحقره، فعلم يحيى ذلك فقال: يا أمير المؤمنين سلني إن كان القصد علمي لا خلقي. فسأله فأجابه، فقلده القضاء. قال: ولم يعلم أحد غلب على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم وأحمد بن أبي دؤاد المعتزلي وكان حنيفا، ولم يكن على الإمام أحمد رحمه الله تعالى في محنته أشد منه. وسيأتي ذكر طرف من محنته في باب الكاف، في لفظ الكلب إن شاء الله تعالى. قال: وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها، وكان ليحيى يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله، وهو أن المأمون كان في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة ولم يستطع أحد أن يحتج عليه في تحريمها غير يحيى، فقرر عنده تحريم المتعة، فقال المأمون: أستغفر الله تعالى، نادوا بتحريم نكاح المتعة.

وروي أن رجلا قال ليحيى: أيها القاضي كم آكل؟ فقال: فوق الجوع، ودون الشبع.

قال: فكم أضحك؟ قال: حتى يسفر وجهك، ولا يعلو صوتك. قال: فكم أبكي؟ قال: لا تمل من البكاء من خشية الله. قال: فكم أخفي عملي؟ قال: ما استطعت. قال: فكم أظهر منه؟

قال: ما يقتدى بك البر، ويؤمن عليك قول الناس. فقال الرجل: سبحان الله قول وعمل ظاعن. قال: ولم يكن في يحيى ما يعاب به سوى ما كان يتهم به مما هو شائع عنه من محبة الصبيان، وحب العلو. وكان إذا رأى فقيها سأله عن الحديث، أو محدثا سأله عن النحو، أو نحويا سأله عن الكلام ليخجله ويقطعه، فدخل عليه يوما رجل من أهل خراسان، فناظره فرآه متفننا حافظا، فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم. قال: ما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ عن شريك عن أبي اسحاق عن الحارث، أن عليا رضي الله تعالى عنه رجم لوطيا فأمسك ولم يكلمه. وتوفي بالربذة ودفن هناك سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومائتين.

ونقل أنه رؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، إلا أنه وبخني وقال لي: يا يحيى خلطت على نفسك في دار الدنيا. فقلت: يا رب اتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنك قلت إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة مسلما بالنار». فقال: قد عفوت عنك يا يحيى، وصدق نبيي إلا أنك خلطت على نفسك في دار الدنيا.

الذّمامة بالذال المعجمة رداءة الخلق بضم اللام وبالدال المهملة رداءة الخلق بإسكان اللام، وأكثم بالثاء المثلثة، والرّبذة بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة، قرية من قرى المدينة، على طريق الحاج، وهي التي نفى عثمان بن عفان أبا ذر الغفاري رضي الله تعالى عنهما إليها، فأقام بها حتى مات، وقبره ظاهر هناك يزار كما تقدم.

الحكم : يحل أكل الزاغ، وهو الأصح عند الرافعي، وبه قال الحكم وحماد ومحمد بن الحسن، وروى البيهقي في شعبه قال: سألت الحكم عن أكل الغربان قال: أما السود الكبار فأكره أكلها، وأما الصغار التي يقال لها الزاغ فلا بأس بها. والأمثال تأتي إن شاء الله تعالى، في باب الغين المعجمة، في لفظ الغراب.

الخواص : لسان الزاغ يخفف ويأكله العطشان يذهب عطشه، ولو في وسط تموز، وكذلك قلبه إذا جفف وسحق وشربه إنسان لا يعطش في سفره، فإن هذا الطائر لا يشرب ماء في تموز، ومرارته تخلط بمرارة الديك ويكتحل بها تذهب ظلمة العين وتسود الشعر إذا طلي بها سوادا عجيبا وحوصلته تمنع نزول الماء عند مباديه.

التعبير : الزاغ الذي في منقاره حمرة تدل رؤيته على رجل ذي سطوة ولهو وطرب. وقال ارطامدورس: الزاغ في المنام يدل على ناس يحبون المشاركة، وربما دل على أناس فقراء، وقيل: إنه يدل على الولد من الزنا والرجل الممزوج بالخير والشر والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.