تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

السّنّور

بكسر السين المهملة وفتح النون المشددة، واحد السنانير، حيوان متواضع ألوف خلقه الله تعالى لدفع الفأر، وكنيته أبو خداش وأبو غزوان وأبو الهيثم وأبو شماخ، والأنثى أم شماخ. وله أسماء كثيرة.

قيل: إن أعرابيا صاد سنورا فلم يعرفه، فتلقاه رجل فقال: ما هذا السنور؟ ولقي آخر فقال: ما هذا الهر؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا القط؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الضيون؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيدع؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيطل؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الدم؟ فقال الأعرابي: أحمله وأبيعه لعل الله تعالى يجعل لي فيه مالا كثيرا فلما أتى به إلى السوق، قيل له: بكم هذا؟ فقال بمائة فقيل له: إنه يساوي نصف درهم، فرمى به وقال: لعنة الله، ما أكثر أسماءه وأقل ثمنه! وهذه الأسماء للذكر، قاله في الكفاية. وقال ابن قتيبة: يقال في الأنثى سنورة كما يقال في أنثى الضفادع ضفدعة انتهى.

قلت: ولا يمتنع القياس في خيطلة وضيونة وقطة وخيدعة وهرة. روى الحاكم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ «يأتي دار قوم الأنصار، ودونهم دور لا يأتيها».

فشق عليهم ذلك، فكلموه فقال: «إن في داركم كلبا». قالوا: فإن في دارهم سنورا، فقال:

السنور سبع. ثم قال: حديث صحيح.

وروى نعيم بن حماد، في كتاب الفتن، عن أبي شريحة الغفاري، صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: «يحشر رجلان من مزينة، هما آخر الناس حشرا، يقبلان من جبل قد توارى، حتى يأتيا معالم الناس، فيجدا الأرض وحوشا حتى يأتيا المدينة، فإذا بلغا أدنى المدينة قالا: أين الناس فلا يريان أحدا، فيقول أحدهما لصاحبه: الناس في دورهم فيدخلان الدور فإذا ليس فيها أحد، وإذا على الفرش الثعالب والسنانير، فيقول أحدهما لصاحبه: أين الناس فيقول: أراهم في الأسواق قد شغلهم البيع، فيخرجان حتى يأتيا الأسواق فلا يجدا فيها أحدا، فينطلقا حتى يأتيا

باب المدينة فإذا عليها ملكان فيأخذان بأرجلهما ويسحبانهما إلى أرض المحشر، فهما آخر الناس حشرا».

غريبة : قيل: كان لركن الدولة سنور يألف مجلسه، وكان بعض أصحابه، إذا أراد الاجتماع به فيعسر عليه ذلك، كتب حاجته في رقعة وعلقها في عنق السنور، فيراها ركن الدولة فيأخذ الرقعة ويقرؤها، ويكتب جوابها، عليها ثم يشدها في عنق السنور، فيرجع بها إلى صاحبها. وقيل: إن أهل سفينة نوح ﵇ تأذوا من الفأر فمسح نوح ﵇ جبهة الأسد فعطس، فرمى بالسنور فلذلك هو أشبه شيء بالأسد، بحيث لا يمكن أن يصور الهر إلا جاء أسدا، وهو ظريف لطيف يمسح بلعابه وجهه، وإذا تلطخ شيء من بدنه نظفه، وهو في آخر الشتاء تهيج شهوته، فيتألم ألما شديدا من لذع مادة النطفة فلا يزال يصيح حتى يلقي تلك المادة.

وإذا جاعت الأنثى أكلت أولادها، وقيل: إنها تفعل ذلك لشدة محبتها لهم وأنشد الجاحظ:

جاءت مع الاشفين في هودجتزجى إلى النصرة أجنادها
كأنها في فعلها هرةتريد أن تأكل أولادها
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

معنى تزجي تسوق قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً

أي يسوق سحابا.

وإذا بال السنور ستر بوله حتى لا يشم رائحته الفأر فيهرب، فيشمه أولا، فإذا وجد رائحته شديدة، غطاه بحيث يواري الرائحة والجرم، وإلا اكتفى بأيسر التغطية. قالوا: والفأرة تعرف رجيع السنور، وذكر الزمخشري أن الله تعالى ألهم الهرة ذلك، ليتنبه بذلك قاضي الحاجة من الناس فيغطي ما يخرج منه. وإذا ألف السنور منزلا، منع غيره من السنانير الدخول إلى ذلك المنزل، وحاربه أشد محاربة وهو من جنسه، علما منه بأن أربابه ربما استحسنوه وقدموه عليه، أو شاركوا بينه وبينه في المطعم، وإن أخذ شيئا مما يخزنه أصحاب المنزل عنه هرب علما منه بما يناله منهم من الضرب. وإذا طردوه تملقهم وتمسح بهم، علما منه بأنه يخلصه التملق ويحصل له العفو والإحسان. وقد جعل الله تعالى في قلب الفيل الفرق منه، فهو إذا رأى سنورا هرب. وحكي أن جماعة من أهل الهند هزموا بذلك.

والسنور ثلاثة أنواع: أهلي، ووحشي، وسنور الزباد. وكل من الأهلي والوحشي له نفس غضوبة يفترس ويأكل اللحم الحي ويناسب الإنسان في أمور: منها أنه يعطس ويتثاءب ويتمطى ويتناول الشيء بيده، وتحمل الأنثى في السنة مرتين، ومدة حملها خمسون يوما. والوحشي حجمه أكبر من حجم الأهلي قال الجاحظ: قال العلماء: اتخاذ السنور وتربيته مستحبة. وذكر القزويني في الاشكال، عن ابن الفقيه، أن لبعض السنابير أجنحة كأجنحة الخفافيش من أصل الأذن إلى الذنب، فإن صح ذلك فالظاهر أنه كالسنور البري، عملا بالمشاكلة. وقال مجاهد: جاء رجل إلى شريح القاضي، يخاصم آخر في سنور فقال: بينتك؟ قال: ما أجد بينة في سنور ولدته أمه عندنا.

فقال شريح: اذهبا به إلى أمه فإن استقرت واستمرت ودرت، فهو سنورك، وإن هي اقشعرت وازبأرت وهربت فليست بسنورك.

الحكم : الأصح تحريم أكل السنور الأهلي والوحشي، لما روي في الحديث المتقدم، أنه سبع. وروى البيهقي وغيره، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهرة وأكل ثمنها». وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وسنن أبي داود أن النبي ﷺ «نهى عن بيع السنور». فقيل: محمول على الوحشي الذي لا نفع فيه. وقيل:

نهي تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته، كما هو الغالب فإن كان مما ينفع وباعه صح البيع، وكان ثمنه حلالا. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكى ابن المنذر، عن أبي هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد أنه لا يجوز بيعه محتجين بهذا الحديث. وأجاب الجمهور عن الحديث، بأنه محمول على ما ذكرناه، وهذا هو المعتمد. وأما ما ذكره الخطابي وأبو عمر بن عبد البر، أن الحديث ضعيف، فليس كما قالا، بل الحديث صحيح كما تقدم. وقول ابن عبد البر لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة، غلط أيضا، لأن مسلما رواه في صحيحه من رواية معقل عن عبيد الله عن أبي الزبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير، وهو ثقة. ورواه ابن ماجه عن ابن لهيعة عن أبي الزبير ولا يضره ذلك. وسيأتي في باب الهاء، إن شاء الله تعالى الإشارة إلى هذا أيضا، في لفظ الهرة، واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في سنور البر، وأكثر الروايات على تحريمه كالثعلب. وبحله قال الحضرمي من أصحابنا، وهو مذهب مالك وأما الأهلي فحرام عند أبي حنيفة، ومالك وأحمد واختار البوشنجي من أصحابنا الحل والأصح تحريمه كما تقدم.

الأمثال : قالوا «أثقف من سنور». والثقف الأخذ بسرعة. يقال: رجل ثقف لقف، أي سريع الاختطاف. وقالوا: «كأنه سنور عبد الله» يضرب لمن لا يزيد سنا، إلا زاد نقصانا وجهلا وفيه قال بشار بن برد الأعمى:

أبا مخلف مازلت نباح غمرةصغيرا فلما شبت خيمت بالشاطى
كسنور عبد الله بيع بدرهمصغيرا فلما شبّ بيع بقيراط

لكنه مثل مولد ليس من كلام العرب. وقال ابن خلكان: ولقد كشفت عن سنور عبد الله المظان، وسألت عنه أهل المعرفة بهذا الشأن، فما عرفت له خبرا ولا عثرت له على أثر. ثم إني ظفرت بقول الفرزدق:

رأيت الناس يزدادون يومافيوما في الجميل وأنت تنقص
كمثل الهرّ في صغر يغالىبه حتى إذا ما شب يرخص

ومن ههنا أخذ بشار قوله، وليس المراد منه هرا معينا، بل كل هر قيمته في صغره أكثر منها في كبره انتهى.

الخواص : السنور الأهلي، من أكل لحم الأسود منه، لم يعمل فيه السحر. وطحاله، يشد على المستحاضة ينقطع حيضها. وعيناه، إذا جففتا وتبخر بهما إنسان لم يطلب حاجة إلا قضيت.

ومن استصحب نابه لم يفزع بالليل، وقلبه، يشد في قطعة من جلده فمن استصحبه لم تظفر به الأعداء. ومرارته من اكتحل بها يرى في الليل، كما يرى في النهار، وتخلط بملح وكمون كرماني، ويطلى بها على الجروح والقروح الرديئة تبرأ. ودمه، إذا طلي به القضيب عند الجماع فإن المفعول به يحب الفاعل حبا شديدا. وإن سقي منه صاحب الجذام نفعه، وإن شرب منه انسان أحبته النساء. وزبله يسقط المشيمة بخوار. وقال القزويني: مرارة الأسود، ومرارة الدجاجة السوداء، إذا جففتا وسحقتا، واكتحل بهما مع الكحل ظهر له الجن، وخدموه. قال: وهو مجرب. ومرارة الأسود، إذا أخذ منها وزن نصف درهم، وديف بدهن زنبق، وسعط به صاحب اللقوة أبرأه ذلك. وأما البري، فمخه عجيب لوجع الكلى، ولعسر البول، إذا أذيب بماء الجرجير، وسخن بالنار وشرب على الريق في الحمام. ودماغه إذا دخن به أخرج المني من الرحم. قاله القزويني.

ويأتي تعبيره إن شاء الله تعالى، في باب القاف في لفظ القط.

وأما سنور الزباد ، فهو كالسنور الأهلي، لكنه أطول منه ذنبا، وأكبر جثة، ووبره إلى السواد أميل، وربما كان أنمر، ويجلب من بلاد الهند والسند. والزباد فيه شبيه بالوسخ الأسود اللزج، وهو زفر الرائحة يخالطه طيب كطيب المسك، يوجد في ابطيه، وفي باطن أفخاذه، وباطن ذنبه، وحوالي دبره، فيؤخذ من هذه الأماكن بملعقة صغيرة أو بدرهم رقيق. وقد تقدم في باب الزاي الكلام على شيء من هذا.

وحكمه : تحريم الأكل على الصحيح، كالأهلي والوحشي وأما الزباد فهو طاهر، لكن قال الماوردي والروياني في آخر باب الغرر: ان الزباد لبن سنور في البحر يجلب كالمسك ريحا، واللبن بياضا، يستعمله أهل البحر طيبا، وهذا يقتضي كونه حلالا، فإن قلنا بنجاسة لبن ما لا يؤكل لحمه، ففي هذا وجهان: قال النووي: الصواب طهارته وصحة بيعه، لأن الصحيح أن جميع حيوان البحر طاهر يحل لحمه ولبنه، هذا بعد تسليم أنه حيوان بحري. والصواب أنه بري، فعلى هذا هو طاهر بلا خلاف، لكنهم قالوا: إنه يغلب فيه اختلاطه بما تساقط من شعره، فينبغي أن يحترز عما فيه شيء من شعره لأن الأصح نجاسة شعر ما لا يؤكل لحمه، إذا انفصل في حال حياته غير الآدمي.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.