من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الصناجة
قال القزويني في الأشكال: ليس شيء أكبر من هذا الحيوان، وهو يكون بأرض التبت، وهذا الحيوان يتخذ لنفسه بيتا بقدر فرسخ في الأرض، في فرسخ وكل حيوان وقع بصره عليه مات في الحال، وإذا وقع بصر الصناجة عليها ماتت الصناجة، والحيوانات تعرفه فتعرض له مغمضة العين ليقع بصر الصناجة عليها فتموت، وإذا ماتت تبقى طعمة للحيوان مدة طويلة وهذا من عجائب الوجود. قلت: وقد استعمل الحريري لفظة الصناجة، في المقامة السادسة والأربعين، حيث قال: أحسنت يا نغيش، يا صناجة الجيش. قال الشراح لكلامه: النغيش القصير. وفي الحديث أن النبي ﷺ «رأى نغاشيا فخر ساجدا».
وفسروا صناجة الجيش بأنها الطبل المعروف. قلت: ووجه الشبه أنه لما كان يطرب بالصنج كطرب الجماعة الحاضرين به سماه بذلك. فالهاء فيه للمبالغة. والصناجة أيضا ذات الصنج، وهي آلة لهو تتخذ من صفر يضرب أحدهما بالآخر.
قال الحافظ ابن عبد البر وغيره: أول موروث في الإسلام عدي بن نضلة. وأول وارث نعمان بن عدي، كان عدي قد هاجر إلى أرض الحبشة، فمات بها فورثه ابنه نعمان هناك، واستعمله عمر رضي الله تعالى عنه على ميسان ولم يستعمل من قومه غيره وراود امرأته على الخروج معه فأبت فكتب إليها:
من مبلغ الحسناء أن حليلهابميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قريةوصنّاجة تحدو على كلّ منسم
إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقنيولا تسقني بالأصغر المتثلّم
لعلّ أمير المؤمين يسوؤهتنادمنا بالجوسق المتهدم
فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غافِرِ الذَّنْبِ، وَقابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقابِ، ذِي الطَّوْلِ
الآية. أما بعد فقد بلغني قولك:
لعلّ أمير المؤمنين يسوؤهتنادمنا بالجوسق المتهدم
وايم الله لقد ساءني، ثم عزله. فلما قدم عليه سأله فقال: ما كان من هذا شيء وما كان إلا فضل شعر وجدته وما شربتها قط. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا. فنزل البصرة ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات. وشعره فصيح يستشهد به أهل اللغة على أن ندمان بمعنى نديم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع