تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الصيد

مصدر، عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصيد. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ

وقال أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه:

أنا أبو طلحة واسمي زيدوكلّ يوم في سلاحي صيد

وبوب البخاري ﵀، في أول الربع الرابع من كتابه، فقال: باب قول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ

وقال عمر ﵁: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به.

وقال أبو بكر ﵁: الطافي حلال. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: طعامه ميتته إلا ما قدرت عليها، والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله. وقال أبو شريح، صاحب النبي ﷺ:

كل شيء في البحر مذبوح، وقال عطاء: أما الطير فأرى أن يذبحه. وقال ابن جريج: قلت لعطاء:

صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم ثم تلا هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ

وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا.

وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء. وقال الشعبي: لو أن أهلي يأكلون الضفادع لأطعمتهم إياها. ولم ير الحسن بالسلفحاة بأسا.

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل من صيد نصراني أو يهودي أو مجوسي. وقال أبو الدرداء ﵁: في المري ذبح الخمر النينان والشمس انتهى.

قوله قلات السيل، أي ما هلك فيه لقوله «المسافر وما له على قلت»، وقوله في المري إلى آخر ما قال، أشار بذلك إلى صفة مري يعمل في الشأم، تؤخذ الخمر فيجعل فيها الملح والسمك، وتوضع في الشمس فتتغير الخمر إلى طعم المر فتستحيل عن هيئتها، كما تستحيل إلى الخلية.

يقول: كما أن الميتة حرام، والمذبوحة حلال، كذلك هذه الأشياء ذبحت الخمر فحلت فاستعار الذبح للتحليل، والذبح في الأصل الشق.

وأبو شريح اسمه هانىء، وعند الأصيلي ابن شريح، وهو وهم. وفي الاستيعاب للحافظ ابن عبد البر، شريح رجل من الصحابة حجازي، روى عنه أبو الزبير وعمرو بن دينار سمعاه يحدث عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، قال: كل شيء في البحر مذبوح، ذبح الله لكم كل دابة خلقها في البحر. قال أبو الزبير وعمرو بن دينار: وكان شريح هذا قد أدرك النبي ﷺ وقال أبو حاتم: له صحبة. ولفظ الصيد في الآية الأولى عام، ومعناه الخصوص، فيما عدا الحيوان الذي أباح النبي ﷺ قتله في الحرم، ثبت عنه ﷺ أنه قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحداة والفأرة والعقرب والكلب العقور»، فوقف مع ظاهر هذا الحديث، سفيان الثوري والشافعي وابن حنبل وابن راهويه، فلم يبيحوا للمحرم قتل شيء سوى ذلك.

وقاس مالك على الكلب العقور الأسد والنمر والفهد والذئب وكل السباع العادية، فأما الهر والثعلب والضبع، فلا يقتلها المحرم عنده، وإن فعل فدى. وقال أصحاب الرأي، ﵏:

إن بدأ السبع المحرم فله أن يقتله، وإن ابتدأ المحرم فعليه قيمته.

وقال مجاهد والنخعي: لا يقتل المحرم من السباع إلا ما عدا عليه منها، وثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه أمر المحرمين بقتل الحيات وأجمع الناس على إباحة قتلها. وثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضا إباحة قتل الزنبور، لأنه في حكم العقرب.

وقال مالك: يطعم قاتله شيئا، وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوها. وقال أصحاب الرأي: لا شيء على قاتل هذه كلها، وأما سباع الطير فقال مالك: لا يقتلها المحرم، وإن قتلها فدى. وقال ابن عطية: وذوات السموم كلها في حكم الحية كالأفعى والرتيلاء ونحوهما.

تذنيب قال أبو حنيفة: لا يقطع سارق ما كان مباح الأصل من صيد البر والبحر، ولا في جميع الطيور. وقال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور: يقطع سارق ذلك إذا كان محرزا، وقيمته

ربع دينار لعموم الأدلة وإذا ذبح المحرم صيدا حرم عليه في حال الإحرام باتفاق العلماء، وفي تحريمه على غيره قولان: الجديد الصحيح التحريم كذبيحة المجوسي، فعلى هذا يكون ميتة، والقديم الحل ولو كسر المحرم بيض شيد، أو قلاه حرم عليه، وفي تحريمه على غيره طريقان:

أشهرهما أنه على القولين، وأشهر القولين التحريم أيضا، ولو كسره مجوسي أو قلاه حل، ولو حلب محرم لبن صيد، فهو ككسر بيضه.

فرع : لو صاح محرم على صيد، فمات بسبب صياحه، أو صاح حلال على صيد في الحرم فمات به. فوجهان: أحدهما يضمنه لأنه تسبب في إهلاكه، فكان كما لو صاح على صبي فهلك.

قال الإمام النووي: وهذا هو الظاهر. والثاني لا يضمنه، كما لو صاح على بالغ ولو أصاب صيدا، فوقع ذلك الصيد على صيد آخر، أو على فراخه أو بيضه فهلك ضمن جميع ذلك.

فرع

: لو مات للمحرم قريب، في ملكه صيد، ملكه على المذهب ملكا يتصرف فيه كيف شاء، إلا بالقتل والإتلاف.

فرع

: قال الروياني: العمرة التي ليس فيها قتل صيد، قيل: إنها أفضل من حجة فيها قتل صيد. والأصح أن الحجة أفضل.

فرع

: صيد حرم المدينة حرام، لما روى مسلم، من حديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لا بيتها، لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها». واختلفوا في أنه هل يضمن صيدها كصيد مكة؟ فقال الشافعي، في الجديد: إنه لا يضمن، لأنه مكان يجوز دخوله بغير إحرام، فلا يضمن كصيدوج الطائف، ففي سنن البيهقي بإسناد فيه ضعف أن النبي ﷺ قال: «ألا إن صيدوج الطائف وعضاهها حرام محرم». وفي القديم أنه يسلب القاتل لصيد حرم المدينة، والقاطع لشجرها. واختاره النووي من جهة الدليل، وعلى هذا فظاهر إطلاق الأئمة أن السلب لا يتوقف على إتلافه، بل بمجرد الاصطياد وسلبه كسلب قتيل الكفار، عند الأكثرين، وقيل ثيابه فقط، وقيل يترك له ساتر العورة فقط، وهذا هو الصواب في الروضة وشرح المهذب. ثم هو السالب، وقيل لفقراء المدينة كجزاء الصيد، وقيل لبيت المال، ويستثنى من تضمين الصيد ما لو صال عليه فقتله دفعا.

فرع

: إذا عم الجراد الطريق، ولم يجد بدا من وطئه، فلا ضمان عليه في الأظهر. ولو دخل كافر الحرم، وقتل صيدا ضمنه. وقال الشيخ أبو اسحاق في المهذب: يحتمل عندي أنه لا يجب الضمان، قال النووي في شرحه: انفرد الشيخ بهذا الاحتمال عن الأصحاب، وأقامه في البيان وجها انتهى. وهذا نقله ابن كج وجها للأصحاب، وهو متقدم على صاحب المهذب بأعوام، فإنه توفي سنة أربع وأربعمائة.

تنبيهات : اعلم أن الصيد، إذا مات من سببين: مبيح ومحرم فهو حرام، تغليبا لجانب التحريم، ومثال ذلك أن يموت من سهم وبندقة أو يصيب الصيد طرف من النصل، فيجرحه

ويؤثر فيه عرض السهم في مروره فيموت منهما. وكذلك لو أرسل سهما إلى صيد فجرحه، وكان على طرف سطح فسقط منه، أو على جبل فتردى منه، أو تردى في بئر، أو وقع في ماء، أو على شجرة، فانصدم بأغصانها، فهو حرام، لأنه لا يدري من أيهما مات.

ومنها ما لو وقع صيده على محدد، سكين أو غيرها، فهو حرام. ولو أرسل سهما، فأصاب الصيد في الهواء، ثم وقع على الأرض ومات، فهو حلال سواء مات قبل الوصول إلى الأرض أو بعده، أو لم يعلم هل كان موته قبل الوصول أو بعده، لأن الوقوع على الأرض لا بد منه، فيعفى عنه كما يعفى عن الذبح في غير المذبح عند التعذر، وكما أن الصيد لو كان قائما فوقع على جنبه لما أصابه السهم وقال مالك: إن مات بعد وقوعه على الأرض لم يحل، والارتجاف قليلا بعد إصابة السهم لا يضر، لأنه كالوقوع على الأرض، فلو تدحرج من الجبل من جنب إلى جنب لم يضر، لأن ذلك مما لا يؤثر مثله في التلف، فلو رمى بسهم إلى صيد في الهواء فكسر جناحه، ولم يجرحه فوقع فمات، فهو حرام، لأنه لم يصبه جرح يحال الموت عليه، فلو كان الجرح خفيفا لا يؤثر مثله ولكنه عطل جناحيه فوقع فمات فهو حرام، قاله الإمام.

ولو وقع الصيد من الهواء بعدما أصابه السهم وجرحه في بئر نظر فإن كان فيها ماء، فهو حرام، وإن لم يكن فالصيد حلال، لأن قعر البئر كالأرض. ولكن الفرض فيما إذا لم يصادمه جدران البئر. ومنها لو كان الصيد واقفا على شجرة، فأصابه السهم فجرحه، فوقع على الأرض، فهو حلال. وإن وقع على غصن أو أغصان، ثم على الأرض لم يحل. وليس الانصدام بالأغصان أو بأحرف الجبل عند التردي من القلة، كالانصدام بالأرض فإن ذلك الانصدام ليس بلازم ولا غالب، والانصدام بالأرض لا بد منه، وللإمام احتمالان في الصورتين لكثرة وقوع الطيور على الأشجار، والانصدام بأطراف الجبال إذا كان الصيد بالجبل.

ومنها لو رمى إلى طير الماء، نظر إن كان على وجه الماء فأصابه السهم فجرحه فمات فهو حلال، والماء له كالأرض وإن كان خارج الماء ووقع في الماء، بعدما أصابه السهم، ففيه وجهان، مذكوران في الحاوي، أحدهما: أنه حرام، لأن الماء بعد الجرح، يعين على التلف والثاني: أنه حلال، لأن الماء لا يغرقه، لأنه لا يفارق الماء غالبا. ووقوعه في الماء كوقوع غيره على الأرض، وهذا هو الراجح.

وذكر في التهذيب، أن الصيد إذا كان في هواء البحر، نظر إن كان الرامي في البر، لم يحل وإن كان في البحر حل فإن كان الطائر خارج الماء، ووقع فيه بعدما أصابه السهم، ففي حله وجهان. قطع البغوي، في التهذيب، والشيخ أبو محمد في المختصر، بالحل. وجميع ما ذكرنا فيما إذا لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم أو المريء أو غيره، فقد تمت ذكاته، ولا أثر لما يعرض بعد ذلك.

ومنها لو جرح الصيد جرحا لم يقتله، ثم غاب فوجده بعد ذلك ميتا، قيل يحل وقيل لا يحل، والأول أصح، لكن يشترط أن ينتهي الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح ولا أثر لغيبته فإن لم ينته إلى حركة المذبوح، فإن وجد في ماء، أو وجد عليه أثر صدمة، أو جراحة أخرى لم

يحل. وللأصحاب ثلاث طرق: أحدها في حله قولان أشهرهما: عند صاحب التهذيب الحل، والعراقيون وغيرهم إلى ترجيح التحريم أميل، والثاني القطع بالحل، والثالث القطع بالتحريم.

وقال أبو حنيفة: إن اتبعه عقب الرمي، فوجده ميتا حل، وإن تأخر ساعة من اتباعه لم يحل. وروي عن مالك أنه إن وجده في برية حل، وإلا فلا. وصحح النووي والغزالي الحل، للأحاديث الواردة فيه، ومنها لو رمى، وهو لا يرجو صيدا ولا خطر له ولا قصده، بأن رمى سهما في الهواء، أو في فضاء من الأرض، أو إلى هدف واعترض صيد فأصابه فقتله، ففي حله وجهان أصحهما، وهو المنصوص؛ عدم الحل، لأنه لم يقصد الصيد، لا معينا ولا مبهما. ونظير ذلك ما إذا وقع في الشبكة صيد، فعقر بحديدة فيها، ويفرق بينه وبين ما لو ظنه ثوبا بأنه هنا قصد عينا. ولو رمى إلى ما ظنه حجرا، فكان صيدا فقتله فهو حلال. وكذا لو ظنه صيدا غير مأكول، فكان مأكولا لأنه قصد عينه. وقيس ذلك بما إذا كان له شاتان، فذبح إحداهما ظنا أنها الأخرى.

وفي التهذيب وغيره وجه أنه لا يحل، لأنه لم يقصد الصيد، وبه قال مالك. ومنها لو نصب سكينا أو حديدة أو كانت في يده حديدة، فوقعت على حلق شاة فذبحته فهو حرام، لأنه لم يذبح ولم يقصد الذبح، وإنما حصل ما حصل بفعل الشاة أو من غير فعل مختار. وفي التهذيب وغيره، أن عند أبي إسحاق تحل الشاة في صورة وقوع السكين، ولا شك أن الصيد في معناها. وكذا لو كان في يده حديدة يحركها، والشاة أيضا تحك حلقها بها، فحصل انقطاع الحلقوم والمريء بالحركتين، فهو حرام لأن الموت بشركة الذابح والبهيمة. وقال القاضي أبو سعيد الهروي، في اللباب: وإن رمى الأعمى صيدا، بدلالة بصير فالمذهب أنه لا يحل.

فرع : في الازدحام والاشتراك وله أحوال منها أن يتعاقب جرحان من رجلين، فالأول منهما إما أن يكون مذففا أو مزمنا، أو لا مذففا ولا مزمنا، فإن لم يكن مذففا ولا مزمنا لم يحل على امتناعه، فإن كانت الجراحة مذففة أو مزمنة، فالصيد للثاني ولا شيء على الأول بجراحته، فإن كان جرح الأول مذففا فالصيد للأول، وعلى الثاني أرش ما نقص من لحمه وجلده، وإن كان جرح الأول مزمنا ملك الصيد به، وينظر في الثاني فإن ذفف بقطع الحلقوم والمريء، فهو حلال وعلى الثاني ما بين قيمته مذبوحا ومزمنا. قال الإمام: وإنما يظهر التفاوت إذا كان فيه حياة مستقرة فإن كان سالما أو كان بحيث لو لم يذبح لهلك، فما عندي أنه ينقص بالذبح منه شيء وإن ذفف الثاني، ولم يقطع الحلقوم والمري أو لم يذفف، ومات بالجرحين فهو ميتة، ويجب على الثاني قيمة الصيد مذبوحا.

قال في كتاب التهذيب: قيل: هو كما لو جرح عبده وجرحه غيره، ومات منهما وهو بناء على ما إذا جرح أجنبي عبدا قيمته عشرة وجرحه آخر ومات، ففيه أوجه: قال المزني: يجب على كل واحد أرش جراحته وباقي القيمة ينصف بينهما. وقيل: على كل واحد نصف قيمته يوم جرحه، وقال ابن خيران: توزع القيمة على قيمته يوم الجرح الأول، وهي عشرة، وعلى قيمته يوم الجرح الثاني وهي تسعة، فيكون تسعة عشر جزءا: عشرة على الأول وتسعة على الثاني. وقال القفال:

على كل واحد منهما نصف أرش جراحته، وينصف باقي القيمة مجروحا بجرحين. والطريقة الثانية أن الأول إن لم يدركه حيا، وجب على الثاني قيمته مزمنا، وإن أدركه ولم يذبحه، وجب على الثاني

أرش جراحته على وجه، وقيمته مزمنا على وجه، وإن رماه رجلان فأصاباه معا وقتلاه، فهو لهما فإن أزمن أحدهما وأصاب الآخر المذبح، ولم يعرف السابق وادعى كل منهما أنه المزمن أولا، تحالفا ويكون بينهما لاحتمال سبق المزمن وإن كان أحدهما مجهزا، لم يصب المذبح فالصيد حرام انتهى.

فرع : اعلم أن من اصطاد صيدا عليه أثر ملك، فإن كان موسوما أو مقرطا أو مخضوبا أو مقصوص الجناح، لم يملكه لأن هذه آثار تدل على أنه كان مملوكا، وربما أفلت ولا ينظر إلى احتمال أنه اصطاده محرم، وفعل به ذلك ثم أرسله فإنه احتمال بعيد.

فرع

: لو قدّ الصيد نصفين حل الكل، وإن أبان منه عضوا ومات منه بعد ساعة قبل أن يتمكن من ذبحه حل المبان على أحد الوجهين، كما لو مات منه في الحال وإن أدركه حيا فذبحه حل الأصل دون المبان، وإن مات الصيد بثقل الجارحة لم يحرم على أحد القولين بخلاف ثقل السهم.

فرع

: ويملك الصيد بأمور: بإثبات اليد أو الاثخان أو إبطال الطيران أو العدو أو التعلق بالشبكة المنصوبة، فإن وقعت منه الشبكة وتعلق بها صيد فوجهان، وكذلك الشرك والربق المنصوبان والحبالة ونحو ذلك.

فرع

: لو اصطاد سمكة فوجد في بطنها درة مثقوبة، فهي لقطة، وإن كانت غير مثقوبة، فهي له مع السمكة، ولو اشترى سمكة فوجد في بطنها درة غير مثقوبة، فهي له، وإن كانت مثقوبة فهي للبائع، إن ادعاها. هكذا أطلقه في التهذيب. ويشبه أن يقال: إن الدرة تكون لمن اصطاد السمكة، كما في الكنز الذي يوجد في الأرض إنه لمحيي الأرض.

خاتمة : لو أرسل الصيد وخلاه بنفسه، فهل يزول ملكه؟ وجهان: أظهرهما لا يزول، ولا يجوز له أن يفعل ذلك، لأن ذلك من فعل الجاهلية من تسييب السوائب، ومن حقه أن يحترز عنه. وسيأتي إن شاء الله تعالى، الكلام على السائبة، في باب النون. وعلى صيد الكلب والجارحة في باب الكاف.

ولو أفلت الصيد من يده لم يزل ملكه عنه فإن أخذه أحد فعليه رده للأول، ولا فرق بين أن يلتحق بالوحوش في الصحراء، أو يبعد عن البنيان أو يدور في البلد أو حوله. وقال مالك: ما دام في البلد أو حوله لم يزل ملكه عنه، فإن بعد والتحق بالوحوش، زال ملكه ومن أخذه ملكه.

ويروى عنه أنه إن تباعد به العهد زال ملكه عنه، وإن قرب لم يزل. ويروى عنه زوال ملكه بافلاته مطلقا، وعندنا يقاس على إباق العبد وشرود البهيمة.

تتمة : لو توحل صيد بمزرعة، وصار مقدورا عليه، ففيه وجهان: أصحهما عدم التملك، لأنه لم يقصد بسقي الأرض الاصطياد، والقصد مرعى في التملك ولو دخل بستان غيره، واصطاد منه طائرا، ملكه قطعا، ولا يثبت لصاحب البستان حكم المتحجر لأن البستان لا يتضمن حكم الطير والله أعلم. وما أحسن قول بعضهم:

يشقى رجال ويشقى آخرون بهمويسعد الله أقواما بأقوام
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
وليس رزق الفتى من فضل حيلتهلكن حدود بأرزاق وأقسام
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقديرمي فيحرزه من ليس بالرامي
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

فائدة : في تاريخ ابن خلكان، لما قلد الرشيد الفضل بن يحيى خراسان، أقام بها مدة ثم وصل كتاب صاحب البريد ينهى، أن الفضل اشتغل بالصيد وإدمان اللذة، عن النظر في أمور الرعية فقال ليحيى: يا أبت اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه بما يردعه عنه، فكتب إليه يحيى كتابا وكتب في أسفله هذه الأبيات:

انصب نهارا في طلاب العلاواصبر على فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل أتى مقبلاواكتحلت بالغمض عين الرقيب
فبادر الليل بما تشتهيفإنما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناسكايستقبل الليل بأمر عجيب
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
غطى عليه الليل أستارهفبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفةيسعى بها كلّ عدو مريب

فلما ورد الكتاب على الفضل بن يحيى، لم يفارق المسجد نهارا.

قيل دخل الفضل على أبيه يحيى وهو يتبختر في مشيته، فكره يحيى ذلك منه، وقال: قالت الحكماء: البخل والجهل مع التواضع، أزين للرجل من السخاء والعلم مع الكبر، فيا لها من حسنة غطت على سيئتين عظيمتين، ويا لها من سيئة غطت على حسنتين كبيرتين! ولما كان الفضل ويحيى في محبسهما، سمعهما الموكل يوما وهما يضحكان ضحكا مفرطا، فأعلم الرشيد بذلك فبعث مسرورا يستعلم سبب ذلك، فجاءهما فسألهما وقال: يقول لكما أمير المؤمنين: ما هذا الاستخفاف بغضبي؟ فازدادا ضحكا! وقال يحيى: اشتهينا سكباجا فاحتلنا في شراء القدر واللحم والخل وغير ذلك، فلما فرغنا من طبخها وإحكامها، ذهب الفضل ينزلها فسقط قعر القدر، فوقع الضحك والتعجب مما كنا فيه، وما صرنا إليه. فلما أعلم مسرور الرشيد بذلك، بكى وأمر لهما بمائدة في كل يوم، وأذن لرجل مما يأنسان به، أن يدخل عليهما كل يوم، ويتغذى معهما ويحدثهما وينصرف.

ونقل أن الفضل كان كثير البر بأبيه، وكان أبوه يتأذى من استعمال الماء البارد، في زمن الشتاء، فلما كان في السجن، لم يقدرا على تسخين الماء، فكان الفضل يأخذ الابريق النحاس، وفيه الماء، فيضعه على بطنه زمانا لينكسر برده، بحرارة بطنه، حتى يستعمله أبوه بعد ذلك. وتوفي يحيى في السجن سنة ثلاث وتسعين ومائة. ولما بلغ الرشيد وفاته، قال: أمري قريب من أمره، فتوفي بعده بخمسة أشهر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.