من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
العير
الحمار الوحشي والأهلي أيضا والجمع أعيار ومعيوراء وعيور. روى ابن ماجه من حديث عتبة بن عبد الله السلمي أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردا تجرد العيرين» ورواه البزار من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وروى النسائي في عشرة النساء، من حديث عبد الله بن سرجس أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله فليلق على نفسه ثوبا ولا يتجردا تجرد العيرين». وروى
أبو منصور الديلمي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «لا يقعن أحدكم على أهله كما يقع الحمار وليكن بينهما رسول» قالوا: وما الرسول؟ قال: «القبلة والكلام اللين».
وفي الحديث: «إذا أراد الله بعبد سوءا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافيه يوم القيامة كأنه عير». شبه لعظم ذنوبه بالحمار الوحشي، وقيل: أراد الجبل الذي بالمدينة اسمه عير وكان النبي ﷺ يكرهه، فكان يضرب به المثل في المكروهات غالبا. وعير العين جفنها قال الشاعر:
زعموا أن كلّ من ضرب العيرموال لنا وأنّى الولاء
قال أبو عمرو بن العلاء: ذهب من كان يعرف معنى هذا البيت.
فائدة : روي أن خالد بن سنان العبسي، لما حضرته الوفاة، قال لقومه: إذا أنا دفنت فإنه سيجيء عانة من حمير يقدمها عير فيضرب قبري بحافره، فإذا أنتم رأيتم ذلك فانبشوا عني فإني سأخرج فأخبركم بعلم الأولين والآخرين، فلما مات واتفق ما قاله لقومه أرادوا أن يخرجوه، فكره ذلك بعض ولده وقالوا: إنا نخاف أن ينسب إلينا إنا نبشنا قبر أبينا. ولو فعلوا لخرج إليهم وأخبرهم لكن أراد الله غير ذلك. وقد تقدم أن ابنته أتت النبي ﷺ فبسط لها رداءه وقال لها: أهلا ببنت خير نبي أو نحو ذلك. وروي أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فقالت:
كأن أبي يقرأ هذا. وروي أن النبي ﷺ قال: «ذاك نبي أضاعه قومه». وقال الشاعر يهجو رجلا:
لو كنت سيفا كنت غير عضبأو كنت ماء كنت غير عذب
أو كنت لحما كنت لحم كلبأو كنت عيرا كنت غير ندب
أي غير صريع في الحاجات.
الأمثال : قالت العرب: «معيوراء تكادم الأعيار» جمع عير، والتكادم التعارض، يضرب مثلا للسفهاء تتهارش. وقالوا: «نجي عيرا سمنه» قال أبو زيد: زعموا أن حمرا كانت هزالا فهلكت في جدب، ونجا منها حمار، كان سمينا فضرب به المثل في الحزم قبل وقوع الأمر. أي انج قبل أن لا تقدر على ذلك. ويضرب أيضا لمن خلصه ماله من مكروه. وقالت العرب: قد حيل بين العير والنزوان يضرب لمن أيس منه. قال الشاعر:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنزوان
وذكر ابن خلكان في ترجمة أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري من ذلك شيئا ينبغي الوقوف عليه. قال: كان الصاحب بن عباد يود الاجتماع بأبي أحمد العسكري ولا يجد إليه سبيلا، فقال لمخدومه مؤيد الدولة بن بويه: إن عسكر مكرم قد اختلت أحوالها وأحتاج إلى أن أكشفها بنفسي، فأذن له في ذلك فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور فلم يزره فكتب
الصاحب إليه:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتمضعفنا فلم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بعض أرض نزوركموكم منزل بكر لنا وعوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكمبملء جفون لا بملء جفان
وكتب مع هذه الأبيات شيئا من النثر، فجاوبه أبو أحمد عن النثر بنثر مثله وعن هذه الأبيات بالبيت المشهور وهو:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنزوان
فلما وقف الصاحب على الجواب، عجب من اتفاق هذا البيت له، وقال: والله لو علمت أنه يقع له هذا البيت، لما كتبت إليه على هذا الروي. وهذا البيت لصخر أخي الخنساء. وهو من جملة أبيات مشهورة. وكان صخر المذكور قد حضر محاربة بني أسد، فطعنه ربيعة بن ثور الأسدي فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه، وبقي مدة حول في أشد ما يكون من المرض، وأمه وزوجته سليمى يمرضانه. فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة فسألتها عن حاله، فقالت: لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى فسمعها صخر فأنشد:
أرى أم صخر لا تمل عيادتيوملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةعليك ومن يغتر بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائماوأسمعت من كانت له أذنان
وأي امرىء ساوى بأم حليلةفلا عاش إلا شقا وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنزوان
فللموت خير من حياة كأنهامعرس يعسوب برأس سنان
وقالوا: «كل شواء العير جوفان»، قيل: اجتمع فزاري وثعلبي وكلبي في سفر، فاشتووا حمارا وحشيا، فغاب الفزاري في بعض حاجاته، فأكل صاحباه العير، واختبآ له غرموله، فلما جاء قدماه له وقالا: هذا قد اختبأناه لك، فجعل يأكل ولا يسيغه فضحكا منه، فاخترط سيفه وقال:
لأقتلنكما إن لم تأكلاه! فأبى أحدهما، فضربه بالسيف، فأبان رأسه. وكان اسمه مرقمة، فقال صاحبه: طاح مرقمة! فقال الفزاري: وأنت إن لم تلقمه أراد إن لم تلقمها طرحت رأسك. وقد عيرت فزارة بهذا الخبر حتى قال سالم بن دارة في ذلك:
لا تأمنن فزاريا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
لا تأمننه ولا تأمن بوائقهبعد الذي امتل اير العير بالنار
أطعمتم الضيف جوفانا مخاتلةفلا سقاكم إلهي الخالق الباري
وقالوا: «أذل من عير». قيل: المراد به الوتد، لأنه يشج رأسه أبدا. وقيل: المراد به الحمار، وقال الشاعر:
ولا يقيم على خسف يراد بهإلا الاذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمتهوذا يشج فلا يرثى له أحد
وقال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، عند موته: لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ثم ها أنا أموت حتف أنفي كما يموت
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع