تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الفرس

واحد الخيل، والجمع أفراس الذكر والأنثى في ذلك سواء، وأصله التأنيث، وحكى ابن جني والفراء فرسة. وقال الجوهري: هو اسم يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة، وتصغير الفرس فريس، وإن أردت الأنثى خاصة لم تقل إلا فريسه بالهاء، ولفظها مشتق من الافتراس، لأنها تفترس الأرض بسرعة مشيها. وراكب الفرس فارس، وهو مثل لابن وتامر أي صاحب لبن وصاحب تمر، وفارس أي صاحب فرس، ويجمع على فوارس، وهو شاذ لا يقاس عليه. روى أبو داود والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يسمي الأنثى من الخيل فرسا، قال ابن السكيت: يقال لراكب ذي الحافر من فرس أو بغل أو حمار فارس. قال الشاعر:

وإني امرؤ للخيل عندي مزيةعلى فارس البرذون أو فارس البغل

وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: لا أقول لصاحب البغل فارس، ولكن أقول بغّال، ولا أقول لصاحب الحمار فارس، ولكن أقول حمّار. وكنية الفرس: أبو شجاع، وأبو طالب، وأبو مدرك، وأبو مضي، وأبو المضمار، وأبو المنجي. والفرس أشبه الحيوان بالإنسان، لما يوجد فيه من الكرم وشرف النفس، وعلو الهمة. وتزعم العرب أنه كان وحشيا، وأول من ذلله وركبه إسماعيل ﵇. ومن الخيل ما لا يبول ولا يروث، مادام راكبه عليه. ومنها ما يعرف صاحبه، ولا يمكن غيره من الركوب عليه. وكان لسليمان ﵇ خيل ذوات أجنحة.

والخيل نوعان: هجين وعتيق، والفرق بينهما أن عظم البرذون أعظم من عظم الفرس، وعظم الفرس أصلب وأثقل من عظم البرذون، والبرذون أحمل من الفرس، والفرس أسرع من البرذون، والعتيق بمنزلة الغزال والبرذون بمنزلة الشاة، فالعتيق من الخيل ما أبواه عربيان، سمي بذلك لعتقه من العيوب، وسلامته من الطعن فيه بالأمور المنقصة، والعتيق الكريم من كل شيء، والخيار من كل شيء التمر والماء والبازي والشحم. وسميت الكعبة البيت العتيق لسلامتها من عيب الرق، لأنها لم يملكها ملك من الملوك الجبابرة قط. وسمي أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عتيقا لجماله، ويقال لأن النبي ﷺ قال له: «أنت عتيق الرحمن من النار». ولم يزل بعين الرضا من الله. ويقال لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما عاش سمته عتيقا لأنه عتق من الموت.

فائدة : قال الزمخشري، في تفسير سورة الأنفال: وفي الحديث «أن الشيطان لا يقرب صاحب فرس عتيق، ولا دار فيها فرس عتيق». وروى الحافظ شرف الدين الدمياطي، في كتاب الخيل، حديثا عزاه إلى ابن منده في كتاب الصحابة وإلى ابن سعد في الطبقات، وإلى ابن قانع في معجم الصحابة، من حديث عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال:

«إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق» انتهى. وكذلك رواه الحارث بن أبي أسامة، عن المليكي، عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ، ورواه الطبراني في معجمه، وابن عدي في كامله، في ترجمة سعيد بن سنان، ثم ضعفه.

وروى القاضي أبو القاسم علي بن محمد النخعي، في كتاب الخيل، وهو كتاب لطيف نسخته موقوفة بالفاضلية، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا الحسن بن عطية، عن طلحة بن زيد عن الوضين بن عطاء عن سليمان بن يسار، أن النبي ﷺ، قال في هذه الآية وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ

قال: هم الجن لا يدخلون دارا فيها فرس عتيق. وقال مجاهد، في تفسير هذه الآية: هم بنو قريظة. وقال السدي: هم أهل فارس.

وقال الحسن: هم المنافقون. وقيل: هم كفار الجن، كما تقدم. قال ابن عبد البر، في التمهيد:

الفرس العتيق هو الفاره عندنا. وقال صاحب العين: هو السابق.

وفي المستدرك، من حديث معاوية بن حديج، بالحاء المهملة المضمومة، والدال المهملة المفتوحة، وبالجيم في آخره، وهو الذي أحرق محمد بن أبي بكر بمصر رضي الله تعالى عنهما، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من فرس عربي إلا يؤذن له كل يوم بدعوتين: يقول اللهم كما خولتني من خولتني فاجعلني من أحب ماله إليه». ثم قال: صحيح الإسناد.

ولهذا الحديث قصة، ذكرها النسائي، في كتاب الخيل من سننه، فقال: قال أبو عبيدة:

قال معاوية بن حديج: لما افتتحت مصر، كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها دوابهم، فمر معاوية بأبي ذر رضي الله تعالى عنهما، وهو يمرغ فرسا له، فسلم عليه ثم قال: يا أبا ذر ما هذا الفرس؟

فقال: هذا فرس لا أراه إلا مستجاب الدعاء، قال: وهل تدعو الخيل وتجاب؟ قال: نعم، ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه، فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده. فمنها المستجاب، ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجابا. وروى الحاكم عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه مرفوعا، قال: إذا أردت أن تغزو، فاشتر فرسا أدهم محجلا طلق اليمين، فإنك تغنم وتسلم. ثم قال: صحيح على شرط مسلم. والهجين الذي أبوه عربي وأمه عجمية، والمقرف، وهو بضم الميم وإسكان القاف، وبالراء المهملة والفاء في آخره عكسه. وكذلك في بني آدم، وأنشد أبو عبيد القاسم بن سلام لهند ابنة النعمان بن بشير:

وهل هند إلا مهرة عربيةسليلة أفراس تحللها بغل
فإن نتجت مهرا كريما فبالحريوإن يك أقراف فمن قبل الفحل

قال البطليوسي في شرحه: هكذا رويناه: فمن قبل الفحل. والرواية الأخرى:

وإن يك أقراف فما أنجب الفحل

وقال: قد روي هذا الشعر لحميدة بنت النعمان بن بشير، وأنها قالته في الفيض بن عقيل الثقفي. فمن رواه لحميدة روى:

وما أنا إلا مهرة عربية

وكانت حميدة في أول أمرها تحت الحارث بن خالد المخزومي فتركته وقالت فيه:

فقدت الشيوخ وأشياعهموذلك من بعض أقواليه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
ترى زوجة الشيخ مغمومةوتمسي لصحبته قاليه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

فطلقها الحارث وتزوجها روح بن زنباع فتركته وقلته وهجته فقالت فيه:

بكى الخزّ من روح وأنكر جلدهوعجت عجيجا من جذام المطارف
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
وقال العباء نحن كنا ثيابهموأكسية مطروحة وقطائف

فطلقها روح، وقال: ساق الله إليك فتى يسكر ويقيء في حجرك، فتزوجها الفيض بن عقيل الثقفي، فكان يسكر ويقيء في حجرها. فكانت تقول: أجيبت في دعوة بن زنباع، وكانت تهجوه وتقول:

سمّيت فيضا وما شيء تفيض بهإلا بسلحك بين الباب والدار
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
فتلك دعوة روح الخير أعرفهاسقى الإله ثراه الأوطف الساري
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

قال البطليوسي: قد أنكر كثير من الناس رواية بغل بالباء، لأن البغل لا ينتج. قالوا: والصواب نغل بالنون، وهو الخسيس من الدواب.

وفي سنن البيهقي، في كتاب البيوع، وأن عبد الرحمن بن عوف اشترى من عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، فرسا بأربعين ألفا. والفرس الذي اشتراه النبي ﷺ من الأعرابي وشهد له به خزيمة اسمه المرتجز، واسم الأعرابي سواد بن الحارث المحاربي وكان النبي ﷺ ابتاعه منه، فاستتبعه ليقبض ثمنه منه، فأسرع النبي ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي، فساومه رجال لا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه منه، فنادى الأعرابي إن كنت مبتاعا هذا الفرس، وإلا بعته؟ فقال النبي ﷺ:

«أو ليس قد ابتعته منك» ؟ فقال الأعرابي: لا والله. وطفق الأعرابي يقول: هلم بشهيد! فقال خزيمة: أنا أشهد، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: «بم تشهد» قال: بتصديقك يا رسول الله،

فجعل رسول الله ﷺ «شهادة خزيمة بشهادة رجلين». أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم.

وفي رواية في الحديث «هل حضرتنا يا خزيمة» ؟ قال: لا. قال: «فكيف تشهد بذلك» ؟

فقال خزيمة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أصدقك على أخبار السماء، وما يكون في غد ولا أصدقك في ابتياعك هذا الفرس! فقال ﵊: «إنك لذو الشاهدتين يا خزيمة».

وفي رواية صحيحة عند الطبراني أن النبي ﷺ، قال: «من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه». وقال السهيلي: وفي مسند الحارث زيادة، وهي أن النبي ﷺ رد الفرس على ذلك الأعرابي، وقال: «لا بارك الله لك فيها». فأصبحت من الغد شائلة برجليها، أي ماتت.

ومن أغرب ما اتفق لخزيمة رضي الله تعالى عنه، ما رواه الإمام أحمد من عدة طرق، برجال ثقات أنه رأى في النوم أنه سجد على جبهة رسول الله ﷺ، فجاء النبي ﷺ، فذكر له ذلك، فاضطجع له النبي ﷺ فسجد خزيمة على جبهته.

وفي مسند الإمام أحمد، عن روح بن زنباع أنه روى عن تميم الداري رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إن النبي ﷺ قال: «من نقى لفرسه شعيرا ثم جاء حتى يعلفه كتب الله له بكل شعيرة حسنة». ورواه ابن ماجه بمعناه.

وفي كتب الغريب أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ يحب الرجل القوي المبدي المعيد على الفرس». أي المبدي المعيد الذي أبدي في غزوه وأعاد، فغزا مرة بعد مرة، أي جرب الأمور طورا بعد طور. والفرس المبدي المعيد الذي غزا عليه صاحبه مرة بعد أخرى، وقيل: هو الذي قد ريض وأدب وصار طوع راكبه. وفي الصحيح أن النبي ﷺ ركب فرسا معرورا لأبي طلحة، وقال: «إن وجدناه لبحرا». وفي الفائق، أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب ﷺ فرسا مقرفا وركض في آثارهم، فلما رجع قال: «إن وجدناه لبحرا». قال حماد بن سلمة: كان هذا الفرس بطيئا. فلما قال النبي ﷺ هذا القول، صار سابقا لا يلحق.

وروى النسائي والطبراني من حديث عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم بن أبي الجعد، عن جعيل الأشجعي رضي الله تعالى عنه، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، وأنا على فرس عجفاء، فكنت في آخر الناس، فلحقني النبي ﷺ فقال: «سر يا صاحب الفرس»، فقلت: يا رسول الله إنها فرس عجفاء ضعيفة، قال: فرفع ﷺ مخفقة كانت معه فضربها بها، وقال: «اللهم بارك فيها». فلقد رأيتني ما أملك رأسها حتى صرت قدام القوم، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا.

وروي عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها. قال ابن محيريز: كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند البيات والغارات.

وروى البخاري عن سعيد المقبري، أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول:

قال النبي ﷺ: «من احتبس فرسا في سبيل الله تعالى إيمانا بالله ﷿ واحتسابا وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة». يعني حسنات.

وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر»، فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله تعالى، فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين كانت أبوالها وأرواثها له حسنات، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى منه كان ذلك له حسنات، فهي لذلك أجر، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله تعالى في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر.

وسئل ﷺ عن الحمر فقال: «ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

وقد تقدم قريب من ذلك.

وروى ابن حبان، في صحيحه عن أبي عامر الهوزني، عن ابن كبشة الأنماري، واسمه عمرو بن سعد، أنه أتاه فقال: أطرقني فرسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أطرق فرسا فعقب له كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليها في سبيل الله تعالى، وإن لم يعقب كان كأجر فرس حمل عليها في سبيل الله».

وفي طبع الفرس الزهو والخيلاء والسرور، بنفسه والمحبة لصاحبه، ومن أخلاقه الدالة على شرف نفسه وكرمه أنه لا يأكل بقية علف غيره، ومن علو همته أن أشقر مروان كان سائسه، لا يدخل عليه إلا بإذن وهو أن يحرك له المخلاة، فإن حمحم دخل، وإن دخل ولم يحمحم شد عليه، والأنثى من الخيل ذات شبق شديد، ولذلك تطيع الفحل من غير نوعها وجنسها. قال الجاحظ:

والحيض يعرض للإناث منهن لكنه قليل، والذكر ينزو إلى تمام أربعين سنة، وربما عمر إلى تسعين. والفرس يرى المنامات كبني آدم، وفي طبعه أنه لا يشرب الماء إلا كدرا، فإذا رآه صافيا كدره. ويوصف بحدة البصر، وإذا وطىء على أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد يتحرك، ويخرج الدخان من جلده. قال الجوهري: ويقال إن الفرس لا طحال له، وهو مثل لسرعته وحركته. كما يقال: البعير لا مرارة له أي لا جسارة له.

وأفاد الإمام أبو الفرج بن الجوزي أن من واظب على البداءة في لبس النعل باليمين، والخلع باليسار أمن من وجع الطحال. وأفاد غيره أن سورة الممتحنة، إذا كتبت وغسلت أو سقي المطحول ماءها فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. ومما جرب أيضا فوجد نافعا أن تكتب هذه الحروف على

قطعة فروة، وتعلق على الجانب الأيسر وتترك بطول الجمعة وهذه صورة ما يكتب:

اد اح ح هم ما مل ملما محد الى راى صالح صح وصح م له صالح دون مانع من الى ان تنصره ومره ومما جرب للطحال أيضا أن يكتب ويعلق على العضد الأيسر وهو هذا:

ح ح د د صو ع ومما جرب للطحال أيضا، أن يكتب في ورقة ويحرق في ملعقة على الطحال:

وعلم بضميرهم.

ومما جرب أيضا أن يكتب في يوم السبت، قبل طلوع الشمس، ويربط بخيط صوف، ويعلق على الجانب الأيمن مثل تعليق السيف وهو هذا كما ترى:

ح ح هـ د م ص ها اص اح اا ح ماتت الى الابد وروينا في كتاب المجالسة للدينوري المالكي، وفي آخر الجزء العاشر عن إسماعيل بن يونس، قال: سمعت الرياشي يقول عن أبي عبيدة وأبي زيد، أنهما قالا: الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظليم لا مخ له. قال أبو زيد: وكذلك طير الماء، وحيتان البحر لا ألسنة لها، ولا أدمغة. والسمك لا رئة له، ولذلك لا يتنفس وكل ذي رئة يتنفس. وروى الجماعة إلا ابن ماجه، من حديث مالك عن الزهري، عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما ﵃ أن النبي ﷺ قال: «إن يكن الخير في شيء ففي ثلاث: المرأة والدار والفرس». وفي رواية «الشؤم في ثلاث: المرأة والدار والفرس» وفي رواية «الشؤم في أربع: المرأة والدار والفرس والخادم».

قلت: وقد اختلفت العلماء في معنى الحديث، فقيل: معناه على اعتقاد الناس في ذلك لا أنه خبر من النبي ﷺ عن إثبات الشؤم. وروي ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها ففي مسند أبي داود الطيالسي، عنها أنه قيل لها: إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله ﷺ:

«الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس». فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: «قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس». فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله انتهى.

قال البطليوسي: وهذا غير منكر أن يعرض لأنه ﵊ كان يذكر في مجالسة

الأخيار حكاية ويتكلم بما لا يريد به أمرا ولا نهيا، ولا أن يجعله أصلا في دينه، وذلك معلوم من فعله، مشهور من قوله. وهذا نظير ما اتفق في قوله ﷺ «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».

وفي الصحيحين لكن قالت عائشة رضي الله تعالى عنها إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية، وهم يبكون عليها فقال ﵊ «إنهم يبكون وإنها لتعذب ببكاء أهلها عليها». وقال مالك وطائفة: قوله ﷺ «الشؤم في ثلاث» الحديث. على ظاهره، فإن الدار قد يجعل الله سكناها سببا للضرر والهلاك، وكذلك المرأة والفرس والخادم، يجعل الله الهلاك أو الضرر عند وجودهم بقضاء الله وقدره.

وقال ابن القاسم: سئل مالك عن هذا، فقال: كم من دار سكنها قوم فهلكوا، ثم سكنها آخرون فهلكوا. يعني أنه عام على ظاهره. وقال الخطابي: وكثيرون هو في معنى الاستثناء من الطيرة، أي أن الطيرة منهي عنها، إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم يكره إقامتهما، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه، وطلاق المرأة. وقال آخرون: شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها. وقيل: حرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوى خلقه وقلة تعهده لما فرض إليه، وقيل: المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة.

واعترض بعض الملحدة بحديث «لا طيرة» على هذا، وأجاب ابن قتيبة وغيره بأن هذا مخصوص من حديث لا طيرة، أي لا طيرة إلا في هذه الثلاثة. قال الحافظ الدمياطي: ومن أغرب ما وقع لي في تأويله، ما رويناه بالإسناد الصحيح عن يوسف بن موسى القطان، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سالم، عن أبيه رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «البركة في ثلاث: في الفرس والمرأة والدر». قال يوسف: سألت سفيان بن عيينة عن معنى هذا الحديث، فقال سفيان: سألت عنه الزهري، فقال الزهري: سألت عنه سالما، فقال سالم: سألت عنه أبي عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: سألت عنه النبي ﷺ فقال: «إذا كان الفرس ضروبا فهو مشؤوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجا غير زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشؤومة، وإذا كانت الدار بعيدة عن المسجد فلا يسمع فيها الأذان والإقامة فهي مشؤومة، وإذا كن بغير هذه الصفات فهن مباركات». وفي الموطأ أن رجلا أخبر النبي ﷺ أنهم سكنوا دارا وعددهم كثير، ومالهم وافر فقل العدد وذهب المال فقال النبي ﷺ: «دعوها ذميمة». وأمرهم ﷺ بالخروج منها، لاعتقادهم ذلك فيها، وظنهم أن الذهاب للعدد والنفاد للمال، إنما كان منها، وليس كما ظنوا ولكن الباري ﷾ جعل ذلك وقتا لظهور قضائه وقدره، فيجهل الخلق ذلك، فينسبونه إلى الجماد الذي لا ينفع ولا يضر، وهذا كقوله ﵊: «لا عدوى ولا طيرة ولا يورد ممرض على مصح». لأن الله تعالى يخلق الجرب في الصحيح فيعتقد المصح أن ذلك من

الجرب فيتأذى قلبه ودينه. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك، وهذه الدار كانت دار الأسود بن عوف أخي عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وهو السائل.

وفي سنن أبي داود، من حديث فروة بن مسيك رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، أرض عندنا يقال لها أرض أبين، هي أرض ريفنا وميرتنا، وإنها وبيئة، أو قال:

وباؤها شديد، فقال رسول الله ﷺ: «دعها عنك فإن من القرف التلف». قال ابن الأثير: القرف ملابسة الداء ومداناة المرض، والتلف الهلاك وليس هذا من باب العدوى، وإنما هو من باب الطب، فإن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام.

فائدة : قال السهيلي في الكلام على غزوة ذي قرد: في الفرس عشرون عضوا، كلّ عضو منها يسمى باسم طائر، فمنها النسر والنعامة والهامة والباز والسمامة والسعدانة، وهي الحمامة، والقطاة والذباب والعصفور والغراب والصرد والخرب، وهو ذكر الحبارى، والناهض، وهو فرخ العقاب، والخطاف، ذكرها وبقيتها الأصمعي. وروى فيها شعرا لجرير.

تتمة : روى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي الطفيل، أن رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله ﷺ، فأتى به النبي ﷺ فأخذ ﵊ ببشرة جبهته و «دعا له بالبركة»، فنبتت شعرة جبهته كهيئة غرة الفرس، وشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أحبهم، فسقطت الشعرة من جبهته، فأخذه أبوه فقيده وحبسه، مخافة أن يلحق بهم. قال: فدخلنا عليه فوعظناه، وقلنا له: ألم تر إلى بركة دعوة رسول الله ﷺ كيف وقعت من جبهتك؟ فمازلنا به حتى رجع عن رأيهم، فرد الله ﷿ الشعرة بعد في جبهته، وتاب ولم تزل إلى أن مات.

وروى الطبراني عن عائذ بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال: أصابتني رمية وأنا أقاتل مع رسول الله ﷺ يوم خيبر في وجهي فلما سالت الدماء على وجهي ولحيتي وصدري، سلت رسول الله ﷺ الدماء عني، ثم دعا لي فكان ذلك الموضع الذي أصابته يد رسول الله ﷺ في صدري له غرة سائلة كغرة الفرس.

وذكر ابن ظفر، في أعلام النبوة، أن حبرا يهوديا، أوطن مكة فأتى ذات غدوة إلى مجلس فيه ملأ من بني عبد مناف وبني مخزوم، فقال: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ فقالوا: ما نعلمه. فقال:

أما إذا أخطأكم، فاحفظوا ما أقول لكم: ولد الليلة نبي هذه الأمة الآخرة، وآيته أن بين كتفيه شامة صفراء، حولها شعرات متتابعات، كأنهن عرف فرس، يمتنع من الرضاع ليلتين. فتصدع القوم من مجلسهم يتعجبون لقوله، فلما صاروا إلى منازلهم، أخبرهم نساؤهم أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فلما التقوا في ناديهم، تحدثوا بذلك، وجاءهم اليهودي فأخبروه، فقال:

اذهبوا بي إليه حتى أراه، فخرجوا به فدخلوا على آمنة، وقالوا: أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته لهم، فكشفوا عن ظهره فرأوا خاتم النبوة، فأغمي على اليهودي، فلما أفاق سألوه، فقال:

خرجت النبوة من بني إسرائيل. ثم قال: لا تفرحوا به فو الله ليسطون عليكم سطوة، يخرج خبرها إلى المشرق والمغرب.

وذكر الكلبي، في تفسير قوله تعالى: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ

الآية، أن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة، بعدما رفع عيسى ﵊ يصلون إلى القبلة، ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس، وكان قتل جملة من أصحاب عيسى ﵊، فقال يوما لليهود: إن كان الحق مع عيسى فكفرنا به فالنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، ولكن سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار، وكان له فرس يقال له العقاب، يقاتل عليه، فعرقب فرسه وأظهر الندامة، ووضع على رأسه التراب، فقالت له النصارى: من أنت؟ فقال: بولس عدوكم، وقد نوديت من السماء أن ليس لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة، فدخل بيتا فيها، فأقام سنة لا يخرج منه لا ليلا ولا نهارا، حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج، فقال: نوديت أن الله تعالى قد قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه.

ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطور، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال لهم: لم يكن عيسى بإنس ولا بجن ولكنه ابن الله، وعلم ذلك رجلا يقال له يعقوب، ثم دعا رجلا يقال له يعقوب، ثم دعا رجلا يقال له ملكان، وقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتي وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني. وقال لكل واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي فادع الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، وقال:

إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى. فلما كان يوم ثالثة دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة من الناس، فافترقت النصاري ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكية، فاختلفوا واقتتلوا، فقال الله تعالى: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ

الآية. قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا.

وذكر الإمام ابن بليان والغزالي وغيرهما، أن الرشيد لما ولي الخلافة زاره العلماء بأسرهم، إلا سفيان الثوري فإنه لم يأته، وكان بينه وبينه صحبة، فشق عليه ذلك، فكتب إليه الرشيد كتابا يقول فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون أمير المؤمنين، إلى أخيه في الله سفيان بن سعيد الثوري، أما بعد يا أخي، فقد علمت أن الله آخى بين المؤمنين، وقد آخيتك في الله مؤاخاة لم أصرم فيها حبلك، ولم أقطع منها ودك، وإني منطو لك على أفضل المحبة، وأتم الإرادة، ولولا هذه القلادة التي قلدنيها الله تعالى، لأتيتك ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة، وأنه لم يبق أحد من إخواني وإخوانك، إلا زارني وهنأني بما صرت إليه، وقد فتحت بيوت الأموال، وأعطيتهم المواهب السنية ما فرحت به نفسي، وقرت به عيني، وقد استبطأتك، وقد كتبت كتابا

مني إليك، أعلمك بالشوق الشديد إليك، وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل زيارة المؤمن ومواصلته، فإذا ورد عليك كتابي هذا فالعجل العجل. ثم أعطى الكتاب لعباد الطالقاني، وأمره بايصاله إليه وأن يحصي عليه بسمعه وقلبه، دقيق أمره وجليله، ليخبره به.

قال عباد: فانطلقت إلى الكوفة، فوجدت سفيان في مسجده، فلما رآني على بعد، قام وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير، قال: فنزلت عن فرسي بباب المسجد، فقام يصلي ولم يكن وقت صلاة، فدخلت وسلمت فما رفع أحد من جلسائه رأسه إلي، قال: فبقيت واقفا وما منهم أحد يعرض علي الجلوس، وقد علتني من هيبتهم الرعدة، فرميت بالكتاب إليه، فلما رأى الكتاب، ارتعد وتباعد منه، كأنه حية عرضت له في محرابه، فركع وسجد وسلم، وأدخل يده في كمه، وأخذه وقلبه بيده، ورماه إلى من كان خلفه، وقال: ليقرأ بعضكم فإني أستغفر الله أن أمس شيئا مسه ظالم بيده. قال عباد: فمد بعضهم يده إليه، وهو يرتعد كأنه حية تنهشه، ثم قرأه فجعل سفيان يبتسم تبسم المتعجب، فلما فرغ من قراءته، قال: اقلبوه واكتبوا للظالم على ظهره، فقيل له: يا أبا عبد الله إنه خليفة، فلو كتبت إليه في بياض نقي لكان أحسن، فقال: اكتبوا للظالم في ظهر كتابه، فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به، وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به، ولا يبقى شيء مسه ظالم بيده عندنا فيفسد علينا ديننا! فقيل له: ما نكتب إليه؟ قال: اكتبوا له:

بسم الله الرحمن الرحيم، من العبد الميت سفيان، إلى العبد المغرور بالآمال هارون، الذي سلب حلاوة الإيمان، ولذة قراءة القرآن، أما بعد، فإني كتبت إليك أعلمك أني قد صرمت حبلك، وقطعت ودك، وإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك، بما هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه وأنفذته بغير حكمه ولم ترض بما فعلته وأنت ناء عني، حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك، فأما أنا قد شهدت عليك، أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك، وسنؤدي الشهادة غدا بين يدي الله الحكم العدل، يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم، والعاملون عليها في أرض الله، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن، وأهل العلم يعني العاملين، أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل، أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟ فشد يا هارون مئزرك، وأعد للمسألة جوابا، وللبلاء جلبابا، واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فاتق الله في نفسك، إذ سلبت حلاوة العلم والزهد، ولذة قراءة القرآن، ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالما، وللظالمين إماما، يا هارون قعدت على السرير، ولبست الحرير، وأسبلت ستورا دون بابك، وتشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك، يظلمون الناس ولا ينصفون، ويشربون الخمر ويحدون الشارب، ويزنون ويحدون الزاني، ويسرقون ويقطعون السارق، ويقتلون ويقتلون القاتل، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم، قبل أن يحكموا بها على الناس! فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله:

أحشروا الظلمة وأعوانهم!؟ فتقدمت بين يدي الله ويداك مغلولتان إلى عنقك، لا يفكهما إلا عدلك وانصافك، والظالمون حولك وأنت لهم إمام أو سائق إلى النار، وكأني بك يا هارون وقد

أخذت بضيق الخناق ووردت المساق، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيآت غيرك في ميزانك، على سيآتك بلاء على بلاء، وظلمة فوق ظلمة، فاتق الله يا هارون في رعيتك، واحفظ محمدا ﷺ في أمته، واعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا وهو صائر إلى غيرك، وكذلك الدنيا، تفعل بأهلها واحدا بعد واحد، فمنهم من تزود زادا نفعه، ومنهم من خسر دنياه وآخرته، وإياك ثم إياك، أن تكتب إلي بعد هذا فإني لا أجيبك، والسلام.

وألقى الكتاب منشورا من غير طي ولا ختم، فأخذته وأقبلت به إلى سوق الكوفة، وقد وقعت الموعظة بقلبي فناديت يا أهل الكوفة من يشتري رجلا هرب إلى الله؟ فأقبلوا إليّ بالدراهم والدنانير، فقلت: لا حاجة لي بالمال ولكن جبة صوف وعباءة قطوانية، فأتيت بذلك فنزعت ما كان علي من الثياب، التي كنت أجالس بها أمير المؤمنين، وأقبلت أقود الفرس الذي كان معي، إلى أن أتيت باب الرشيد حافيا راجلا، فهزأ بي من كان على الباب، ثم استؤذن لي، فلما رآني على تلك الحالة قام وقعد وجعل يلطم رأسه ووجهه، ويدعو بالويل والحرب، ويقول: انتفع الرسول وخاب المرسل! ما لي وللدنيا والملك يزول عني سريعا! فألقيت الكتاب إليه مثل ما دفع إلي فأقبل يقرؤه ودموعه تتحدر على وجهه، وهو يشهق، فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين قد اجترأ عليك سفيان، فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد وضيقت عليه السجن، فجعلته عبرة لغيره، فقال هارون: اتركوا سفيان وشأنه يا عبيد الدنيا، المغرور من غررتموه، والشقي والله حقا من جالستموه، إن سفيان أمة وحده. ولم يزل كتاب سفيان عند الرشيد يقرؤه دبر كل صلاة ويبكي حتى توفي رحمه الله تعالى.

وذكر ابن السمعاني وغيره أن المنصور كان يبلغه عن سفيان الإنكار عليه في عدم إقامة الحق، فتطلبه المنصور فهرب إلى مكة، فلما حج المنصور بعث بالخشابين أمامه، وقال: حيثما وجدتم سفيان فاصلبوه، فوصل الخشابون ونصبوا الخشب فأتى الخبر بذلك وسفيان نائم، ورأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينه، فقالا له خوفا عليه وشفقة: لا تشمت بنا الأعداء، فقام ومشى إلى الكعبة والتزم أستارها عند الملتزم، ثم قال: ورب هذه البنية لا يدخلها يعني المنصور، فزلقت راحلته في الحجون، فوقع من على ظهرها، فمات لوقته. فخرج سفيان وصلى عليه. وقد تقدمت الإشارة إلى ذكر شيء من مناقبه ووفاته في باب الحاء المهملة، في لفظ الحمار.

الحكم : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ما لزم اسم الخيل من العراب والمقاريف والبراذين، فأكلها حلال، وهو قول القاضي شريح والحسن وابن الزبير وعطاء وسعيد بن جبير وحماد بن زيد والليث بن سعد وابن سيرين والأسود بن يزيد وسفيان الثوري وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن المبارك وأحمد واسحاق وأبي ثور وجماعة من السلف. وقال سعيد بن جبير: ما أكلت أطيب من معرقة برذون، ودليل هذا ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأرخص في لحوم الخيل» وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنها مكروهة، إلا أن كراهتها عند مالك كراهة

تنزيه لا كراهة تحريم. واستدلوا بما في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ «نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير»، لقوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً

وقال صاحب الهداية من الحنفية: فإن قلت الآية خرجت مخرج الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها.

قلت: الجواب أن الآية خرجت مخرج الغالب لأن الغالب في الخيل إنما هو الزينة، والركوب دون الأكل، كما خرج قوله ﷺ: «وليستنج بثلاثة أحجار»، مخرج الغالب لأن الغالب أن الاستنجاء لا يقع إلا بالأحجار انتهى.

وقال الشافعي ومن وافقه: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، وأما الحديث الذي استدل به أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما، فقال الإمام أحمد: ليس له إسناد جيد وفيه رجلان لا يعرفان ولا ندع الأحاديث الصحيحة لهذا الحديث.

وقد روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل». وفي لفظ «أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية». رواه الترمذي وصححه. وفي لفظ «سافرنا، يعني مع النبي ﷺ، فكنا نأكل لحوم الخيل، ونشرب ألبانها».

وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما أنها قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناها. وفي رواية: ونحن بالمدينة. وفي مسند الإمام أحمد: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناها نحن وأهل بيته. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إن الفرس إذا التقت الفئتان تقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ولذلك كان له من الغنيمة سهمان.

وكذلك رواه عبد الله بن عمر بن حفص بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ. ولا يعطى إلا لفرس واحد عربيا كان أو غير عربي، لأن الله ﷾ قال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ

ولم يفرق بين عربي وغيره، ولم يرد في شيء من الأحاديث تفرقة، بل الجمع مثل قوله ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» الأجر والغنيمة. وقال الإمام أحمد: لما سوى العربي سهم وللعربي سهمان لأثر ورد في ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه لكنه لم يصح عنه. ولا يعطى لفرس أعجف وما لا غناء به، لأنه كل على صاحبه.

ويتعهد الإمام الخيل إذا دخل دار الحرب، ولا يدخل إلا فرسا شديدا، ويسهم للفرس المستعار والمستأجر، ويكون ذلك للمستعير والمستأجر. والأصح أنه يسهم للفرس المغصوب لحصول النفع به، والأصح أنه للراكب، وقيل للمالك ولو كان القتال في ماء أو حصن وأحضر فرس أسهم له، لأنه قد يحتاج إليه ولو أحضر اثنان فرسا مشتركا بينهما فقيل: لا يعطيان سهم الفرس، لأنه لم يحضروا واحد منهما بفرس تام.

وقيل يعطى كل واحد منهما سهم فرس لأن معه فرسا قد يركبها، وقيل يعطيان سهم فرس مناصفة ولعل هذا هو الأصح. ولو ركب اثنان فرسا، وشهدا الوقعة، فعن بعض الأصحاب أنهما كفارسين لهما ستة أسهم، وعن بعضهم أنهما كراجلين لتعذر الكر والفر، وقيل لهما أربعة أسهم:

سهمان لهما، وسهمان للفرس. واختار ابن كج وجها رابعا حسنا، وهو أنه إن كان فيه قوة الكر والفر مع ركوبهما فأربعة أسهم، وإلا فسهمان.

فائدة أجنبية

: قال في شرعة الإسلام: إن مقدم العسكر ينبغي له أن يتشبه بأصناف من الخلق فيكون في قلب الأسد، لا يجبن ولا يفر وفي كبر النمر لا يتواضع للعدو، وفي شجاعة الدب يقاتل بجميع جوارحه، وفي الحملة كالخنزير لا يولى دبره إذا حمل، وفي الغارة كالذئب إذا أيس من وجه أغار من وجه، وفي حمل السلاح الثقيل كالنملة تحمل أضعاف وزن بدنها، وفي الثبات كالحجر لا يزول عن مكانه، وفي الصبر كالحمار، إذ أثقله ضرب السيوف، وطعن الرماح، ونصول السهام، وفي الوفاء كالكلب إذا دخل سيده النار تبعه، وفي التماس الفرصة كالديك، وفي الحراسة كالكركي، وفي التعب كاليعر، وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والكد والشقاء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الياء.

فرع : حمار نزا على فرس فأحبلها يكون لبن الفرس حلالا طاهرا ولا حكم للفحل في اللبن في هذا الموضع بخلاف الأناسي لأن لبن الفرس حادث من العلف، فهو تابع للحمها ولم يسر وطء الفحل إلى هذا اللبن، فإنه لا حرمة هناك تنتشر من جهة الفحل، إلا إلى الولد خاصة، فإنه يكون منه ومن الأم فغلب عليه التحريم. وأما اللبن فلم يتكون بوطئه وإنما تكون من العلف لم يكن حراما.

فائدة

: كان للنبي ﷺ أفراس: السكب: اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشرة أواق بالمدينة، وكان أدهم وكان اسمه عند الأعرابي الضرس فسماه النبي ﷺ السكب، وهو من سكب الماء، كأنه سيل، والسكب أيضا شقائق النعمان، وهو أول فرس غزا عليه رسول الله ﷺ.

وسبحة هو الذي سابق عليه ﷺ فسبق ففرح بذلك. والمرتجز الذي تقدم ذكره، سمي بذلك لحسن صهيله. ولزاز، قال السهيلي: ومعناه أنه لا يسابق شيئا إلا لزه أي أثبته. والظرب، واللحيف، قال السهيلي: كأنه يلحف الأرض بجريه، ويقال فيه اللخيف بالخاء المعجمة ذكره البخاري في جامعه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والورد أهداه له تميم الداري فأعطاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فحمل عليه في سبيل الله تعالى وهو الذي وجده يباع برخص هذه السبعة متفق عليها. وقيل: كان له ﷺ غيرها، وهي الأبلق وذو العقال والمرتجل وذو

اللمة والسرحان واليعسوب والبحر وكان كميتا، والأدهم وملاوح والطرف بكسر الطاء المهملة والسحا والمراوح والمقدام ومندوب والضرير ذكره السهيلي في أفراسه ﷺ. فهذه خمسة عشر فرسا مختلف فيها، وقد بسط الكلام عليها الحافظ الدمياطي وغيره.

الأمثال : قال ﷺ: «بعثت أنا والساعة كفرسي رهان، كادت تسبق إحدهما الأخرى بأذنها». وقالوا: هما كفرسي رهان يضرب للإثنين يستويان في الشيء، وهذا التشبيه يقع في الابتداء لا في الانتهاء، لأن النهاية تجلى عن سبق أحدهما لا محالة. وقالوا: «أبصر من فرس» وأطوع وأشد. وقالوا: «فلان كالأشقر إن تقدم نخر وإن تأخر عقر». لأن العرب تتشاءم من الأفراس بالأشقر.

تتمة : ذكر في الإحياء، في الباب الثالث من كتاب أحكام الكسب، روي عن بعض الغزاة في سبيل الله، قال: حملت على فرسي لأقتل علجا فقصر بي فرسي فرجعت، ثم دنا مني العلج فحملت ثانية فقصر بي فرسي، ثم حملت الثالثة فقصر بي فرسي، وكنت لا أعتاد منه ذلك فرجعت حزينا، وجلست منكس الرأس منكسر القلب، لما فاتني من العلج، وما ظهر لي من خلق الفرس، فوضعت رأسي على عمود الفسطاط، وفرسي قائم فرأيت في المنام كأن الفرس يخاطبني، ويقول لي: بالله عليك أردت أن تأخذ العلج على ثلاث مرات، وأنت بالأمس اشتريت لي علفا، ودفعت في ثمنه درهما زائفا لا يكون هذا أبدا. فانتبهت فزعا وذهبت إلى العلاف وأبدلت له ذلك الدرهم اهـ.

تتمة أخرى : روى ابن بشكوال، في كتاب المستغيثين بالله ﷿، عن عبد الله بن المبارك المجمع على دينه وعلمه وورعه، أنه قال: خرجت إلى الجهاد ومعي فرس فبينا أنا في بعض الطريق إذ صرع الفرس، فمر بي رجل حسن الوجه طيب الرائحة، فقال: أتحب أن تركب فرسك؟ قلت: نعم. فوضع يده على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخره، وقال: أقسمت عليك أيتها العلة بعزة عزة الله وبعظمة عظمة الله وبجلال جلال الله وبقدرة قدرة الله وبسلطان سلطان الله وبلا إله إلا الله وبما جرى به القلم من عند الله وبلا حول ولا قوة إلا بالله إلا انصرفت. قال:

فانتفض الفرس وقام، فأخذ الرجل بركابي وقال: اركب فركبت ولحقت بأصحابي، فلما كان من غداة غد وظهرنا على العدو فإذا هو بين أيدينا، فقلت: ألست صاحبي بالأمس؟ قال: بلى. فقلت:

سألتك بالله من أنت؟ فوثب قائما فاهتزت الأرض تحته خضراء، فإذا هو الخضر ﵇. قال ابن المبارك رضي الله تعالى عنه: فما قلت هذه الكلمات على عليل إلا شفي بإذن الله تعالى.

الخواص : إذا علقت سن الفرس العربي على صبي سهل طلوع أسنانه بلا ألم، وإن وضعت سنه تحت رأس من يغط في النوم انقطع غطيطه، ولحمه يطرد الرياح، وعرقه يطلى به عانة الصبي وإبطه فلا ينبت فيهما شعر، وهو سم قاتل للسباع والثعابين جميعا، وإذا أخذت شعرة من

ذنب الفرس، وجعلت على باب بيت ممدودة، لم يدخل ذلك البيت بق مادامت الشعرة كذلك، وإن شربت امرأة دم برذون لم تحبل أبدا. ورماد حافر الفرس إذا خلط بزيت، وجعل على الخنازير أبرأها، وإذا سقيت امرأة لبن فرس، وهي لا تعلم أنه لبن فرس، وجامعها زوجها من ساعتها، حملت منه بإذن الله تعالى، وإن شربته بالعسل صارت مجامعتها لذيذة، وإذا سحق بصل الفأر ومسح به أسنان الفرس الحرون لان وذهبت صعوبته، وزبل الفرس إذا جفف وسحق وذر على الجراحات قطع دمها، وإن كحل به البياض العارض في العين أزاله وإن دخن به أخرج الولد من البطن.

فصل في صبغ البراذين قال صاحب عين الخواص: إذا سخن الماء تسخينا شديدا بحيث يذهب الشعر، وصب على البرذون فإنه يحلق شعره ذلك، وينبت له شعر مخالف لما ذهب عنه من اللون. قال: ومما يصير الأشهب أدهم أن يؤخذ مردارسنج وعفص وزنجار ونورة وزاج الأساكفة وطين خوري بالسوية، يدق الجميع ويعجن بماء حار ويصبغ به الفرس البرذون ويترك يوما وليلة، ثم يغسل من الغد، فيصير أدهم. وإن طلي بعض جسده بذلك وترك بعضه كان أبلق، ومما يصير به الأدهم أبرش الحرض إذا طبخ مع ورق الدفلى، وصفي ماؤه ثم طبخ أيضا مع القلى ومخ جوز سائل ثم يغسل به البراذين فتصير شهباء. ومما يصير الأشهب أدهم أيضا، أن يؤخذ قشور الجوز الرطب وتطبخ مع الآس، ووسخ الحديد ثم يغسل به البرذون غسلا نقيا ويطلى بذلك فيصير أدهم، ويبقى سواده ستة أشهر والله أعلم.

التعبير : الفرس في الرؤيا تعبر بالحامل بولد ذكر فارس، وتعبر برجل وتجارة وشريك وامرأة، فمن رأى فرسا مات في يده فذلك موت من ينسب إليه الفرس من الولد أو المرأة أو الشريك، والفرس الأبلق في الرؤيا أمير مشهور، وقد تقدم ذكره في باب الخاء المعجمة، في لفظ الخيل، والفرس الأسود والأدهم يدلان على المال، والأصفر والمريض يدلان على المرض لمن ركب أحدهما أو كليهما، والأشقر يدل على دين وحزن، وقيل فتنة.

وقال ابن سيرين ﵀: لا أحب الأشقر لشبهه بالدم، والأشهب يعبر برجل صاحب قلم، كذا عبره ابن سيرين وقال: ألا تراه سوادا في بياض؟ والكميت يدل على القوة واللهو وربما دل على الحرب والضرب، ومن ركب فرسا وأجراه حتى عرق فإنه يركب أمرا فيه هوى نفس، وتلف مال لمكان العرق، والعرق أيضا تعب، وأما الركض فإنه ارتكاب هوى لقوله تعالى:

لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ

ومن نزل عن فرسه، ولم يكن له نية في الرجوع، فإنه يعزل إن كان واليا.

والفرس الجموح رجل مجنون، والحرون متهاون بطيء بطر. ومن رأى شعر ذنب فرسه كثيرا زاد ماله وأولاده، وإن كان سلطانا كثر جيشه، ومن قطع ذنب فرسه فإنه لا يخلف ولدا، وإن كان له أولاد فإنهم يموتون وإن كان سلطانا ذهب جيشه، وكذلك إذا كان منتوفا تفرق الجيش الذي يتبع صاحب الفرس، ومن ركب فرسا وكان ممن يليق به ركوب الخيل، نال عزا وجاها ومالا،

لقوله ﵊: «الخيل معقود في نواصيها الخير». وربما صادف رجلا جوادا، وربما سافر لأن السفر مشتق من الفرس، فإذا كان حصانا تحصن من عدوه، وإن كان مهرا رزق ولدا جميلا، وإن كان اكديشا ربما عاش زمانا، وإن كان برذونا توسط حاله وعاش لا يستغني ولا يفتقر، وإن كان الفرس حجرا تزوج إن كان أعزب امرأة ذات جمال ومال ونسل، والأصيل شريف بالنسبة إلى غير الأصيل، وربما دلت الفرس على الدار الحسنة البناء. وقال ابن المقري:

من رأى أنه ركب فرسا أشهب، نال عزا ونصرا على العدا، لأنه من خيل الملائكة. والأدهم هم، والأغر المحجل علم وورع ودين، لقوله ﷺ: «إنكم ستردون على يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء». ومن ركب كميتا ربما شرب خمرا لأنه من أسمائها ومن ركب فرسا لغيره، نال منزلته أو عمل بسنته خصوصا إن كان مركوبا معروفا يليق به انتهى.

ومن رأى أنه يقود فرسا، فإنه يطلب خدمة رجل شريف، ولا خير في ركوب الفرس في غير محل الركوب كالسطح والحائط والحبس، وربما دل الفرس الخصي على خادم واعتبر بكل مركوب ما يليق فالسرج للفرس، والكور للجمل وكذلك المحمل والهودج والمحفة للبغال والبرادع للحمير، فمن ركب حيوانا بما لا يليق به من العدة، تكلف أو كلف غيره ما لا يطيق، والدابة بلا لجام ولا مقود امرأة زانية، لأنها كيفما أرادت مشت. وكذلك الفرس العائز، ومن رأى أنه يأكل لحم فرس نال ثناء حسنا واسما صالحا، وقيل إنه مرض لصفرته، ومن نازعه فرسه خرج عليه عبده وإن كان تاجرا خرج عليه شريكه، ومن الرؤيا المعبرة أن رجلا أتى ابن سيرين رحمة الله تعالى عليه، فقال: رأيت كأني راكب على فرس قوائمه من حديد، فقال له ابن سيرين ﵀: توقع الموت والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.