تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الفيل

معروف وجمعه أفيال وفيول وفيلة، قال ابن السكيت: ولا تقل أفيلة، وصاحبه فيال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل فيل فعل، فكسر من أجل الياء كما قالوا: أبيض وبيض وكنيته أبو الحجاج وأبو الحرمان وأبو غفل وأبو كلثوم وأبو مزاحم، والفيلة أم شبل. وفي ربيع الأبرار كنية فيل ابرهة ملك الحبشة أبو العباس واسمه محمود، وقد ألغز بعضهم في اسمه فقال:

ما اسم شيء تركيبه من ثلاثوهو ذو أربع تعالى الاله
قيل تصحيفه ولكن إذا ماعكسوه يصير لي ثلثاه

والفيلة ضربان: فيل وزندبيل، وهما كالبخاتي والعراب والجواميس والبقر والخيل والبراذين والجرذ والفأر والنمل والذر، وبعضهم يقول: الفيل الذكر، والزندبيل الأنثى، وهذا النوع لا يلاقح إلا في بلاده ومعادنه ومغارس اعراقه، وإن صار أهليا. وهو إذا اغتلم أشبه الجمل في ترك الماء والعلف حتى يتورم رأسه، ولم يكن لسواسه إلا الهرب منه، وربما جهل جهلا شديدا، والذكر ينزو إذا مضى له من العمر خمس سنين، وزمان نزوه الربيع، والأنثى تحمل سنتين، وإذا حملت لا يقربها الذكر ولا يمسها ولا ينزو عليها إذا وضعت إلا بعد ثلاث سنين.

وقال عبد اللطيف البغدادي: إنها تحمل سبع سنين ولا ينزو إلا على فيلة واحدة، وله عليها غيرة شديدة، فإذا تم حملها وأرادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها، لأنها لا تلد إلا وهي قائمة، ولا فواصل لقوائمها فتلد، والذكر عند ذلك يحرسها وولدها من الحيات. ويقال: إن الفيل يحقد كالجمل، فربما قتل سائسه حقدا عليه، وتزعم الهند أن لسان الفيل مقلوب ولولا ذلك لتكلم. ويعظم ناباه وربما بلغ الواحد منهما مائة من، وخرطومه من غضروف وهو أنفه ويده التي يوصل بها الطعام والشراب إلى فيه، ويقاتل بها ويصيح، وليس صياحه على مقدار جثته لأنه كصياح الصبي، وله فيه من القوة بحيث يقلع به الشجرة من منابتها، وفيه من الفهم ما يقبل به التأديب ويفعل ما يأمره به سائسه، من السجود للملوك وغير ذلك من الخير والشر، في حالتي السلم والحرب وفيه من الأخلاق أن يقاتل بعضه بعضا، والمقهور منهما يخضع للقاهر، والهند تعظمه لما اشتمل عليه من الخصال المحمودة، من علو سمكه وعظم صورته، وبديع منظره،

وطول خرطومه، وسعة أذنيه، وثقل حمله، وخفة وطئه، فإنه ربما مر بالإنسان فلا يشعر به لحسن خطوه واستقامته. ويطول عمره، فقد حكى أرسطو أن فيلا ظهر أن عمره أربعمائة سنة، واعتبر ذلك بالوسم. وبينه وبين السنور عداوة طبيعية، حتى إن الفيل يهرب منه، كما أن السبع يهرب من الديك الأبيض، وكما أن العقرب متى أبصرت الوزغة ماتت.

وذكر القزويني أن فرج الفيلة تحت إبطها، فإذا كان وقت الضراب، ارتفع وبرز للفحل، حتى يتمكن من إيتانها، فسبحان من لا يعجزه شيء.

وفي الحلية، في ترجمة أبي عبد الله القلانسي، أنه ركب البحر في بعض سياحاته، فعصفت عليهم الريح، فتضرع أهل السفينة إلى الله تعالى ونذروا النذور، إن نجاهم الله تعالى، وألحوا على أبي عبد الله في النذر، فأجرى الله على لسانه أن قال: إن خلصني الله تعالى مما أنا فيه، لا آكل لحم الفيل. فانكسرت السفينة وأنجاه الله تعالى وجماعة من أهلها إلى الساحل. فأقاموا به أياما من غير زاد، فبينما هم كذلك، إذا هم بفيل صغير فذبحوه وأكلوا لحمه، سوى أبي عبد الله، فلم يأكل منه وفاء بالعهد الذي كان منه. قال: فلما نام القوم، جاءت أم ذلك الفيل تتبع أثره وتشم الرائحة، فكل من وجدت منه رائحة لحمه داسته بيديها ورجليها إلى أن تقتله. قال:

فقتلت الجميع، ثم أتت إلي فلم تجد مني رائحة اللحم، فأشارت إلي أن أركبها، فركبتها فسارت بي سيرا شديدا الليل كله، ثم أصبحت في أرض ذات حرث وزرع، فأشارت إلى أن أنزل، فنزلت عن ظهرها فحملني أولئك القوم إلى ملكهم، فسألني ترجمانه، فأخبرته بالقصة. فقال لي:

إن الفيلة قد سارت بك في هذه الليلة مسيرة ثمانية أيام. قال: فلبثت عندهم إلى أن حملت ورجعت إلى أهلي.

وفي كتاب الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي، قال: حدثني الأصبهاني من حفظه، قال:

قرأت في بعض أخبار الأوائل، أن الاسكندر لما انتهى إلى الصين ونازلها، أتاه حاجبه ذات ليلة وقد مضى من الليل شطره، فقال له: إن رسول ملك الصين بالباب، يستأذن بالدخول عليك، فقال: ائذن له، فلما دخل وقف بين يديه وقبل الأرض ثم قال: إن رأى الملك أن يخليني فليفعل، فأمر الاسكندر من بحضرته بالانصراف، فانصرفوا ولم يبق سوى حاجبه، فقال له الرسول: إن الذي جئت له، لا يحتمل أن يسمعه غير الملك، فأمر الاسكندر بتفتيشه، ففتش فلم يوجد معه شيء من السلاح، فوضع الاسكندر بين يديه سيفا مصلتا، وقال له: قف مكانك. وقل ما شئت، وأمر حاجبه بالانصراف، فلما خلا المكان قال له الرسول: اعلم أني أنا ملك الصين لا رسول له، وقد حضرت بين يديك، لأسألك عما تريد مني، فإن كان مما يمكن الانقياد له، ولو على أصعب الوجوه، أجبت إليه واغتنيت أنا وأنت عن الحرب. فقال له الاسكندر: وما آمنك مني؟

قال: لعلمي بأنك رجل عاقل، وأنه ليس بيننا عداوة متقدمة، ولا مطالبة بدخل، ولعلمي أيضا أنك تعلم أن أهل الصين، متى قتلتني لا يسلمون إليك ملكهم، ولا يمنعهم عدمهم إياي أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري، ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وضد الحزم. فأطرق الاسكندر

مفكرا في مقالته، ثم رفع رأسه إليه، وقد تبين له صدق قوله، وعلم أنه رجل عاقل. فقال له:

أريد منك ارتفاع ملكك ثلاث سنين عاجلا، ونصف ارتفاعه في كل سنة. فقال له ملك الصين:

هل غير هذا شيء؟ قال: لا. قال: قد أجبتك إلى ذلك. قال: فكيف يكون حالك حينئذ؟ قال:

أكون قتيل أول محارب، وأكلة أول مفترس. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنتين، كيف يكون حالك؟ قال: أصلح ما يكون ذلك مذهبا لجميع لذاتي. قال: فإن قنعت منك بالسدس. قال:

يكون السدس موفرا، والباقي للجيش ولأسباب الملك. قال: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره وانصرف. فلما أصبح الصباح وطلعت الشمس، أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض كثرة، وأحاط بجيش الاسكندر، حتى خافوا الهلاك، فتواثبوا إلى خيولهم فركبوها واستعدوا، فبينما هم كذلك، إذ ظهر ملك الصين على فيل عظيم وعليه التاج، فلما رأى الاسكندر، ترجل ومشى إليه، وقبل الأرض بين يديه، فقال الاسكندر: أغدرت؟ قال: لا والله. فقال: ما هذا الجيش؟ قال: أردت أن أعلمك أني لم أطعك من قلة ولا ضعف، وأن ترى هذا الجيش، وما غاب عنك أكثر منه، لكني رأيت العالم الأكبر مقبلا عليك ممكنا لك، ممن هو أقوى مني ومنك، وأكثر عددا، فعلمت أنه من حارب الاله غلب وقهر، فأردت طاعته بطاعتك، والذلة لأمره بالذلة لك. فقال له الاسكندر: ليس ينبغي أن يؤخذ من مثلك شيء، وما رأيت أحدا يستحق التفضيل والوصف بالعقل غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، وأنا منصرف عنك. فقال له ملك الصين: أما إذ فعلت ذلك فإنك لا تخسر، ثم قدم له ملك الصين من الهدايا والتحف والالطاف، أضعاف ما قرره معه، ورحل الاسكندر عنه.

قلت: وقد أذكرتني هذه الحكاية، ما حكاه صاحب ابتلاء الأخبار، عن الاسكندر مع ملكة الصين الأقصى، قال: إن الاسكندر لما سار في الأرض، وفتح البلاد سمعت به ملكة الصين، فأحضرت من أبصر صورة الاسكندر، ممن يعرف التصوير، وأمرتهم أن يصوروا صورته، في جميع الصنائع، خوفا منه، فصوروه في البسط والأواني والرقوم، ثم أمرت بوضع ما صنعوه بين يديها، وصارت تنظر لذلك، حتى أثبتت معرفته، فلما قدم عليها الاسكندر ونازل بلدها، قال الاسكندر للخضر يوما: قد خطر لي شيء أقوله لك، قال: وما هو؟ قال: أريد أن أدخل هذه البلدة متنكرا، وأنظر كيف يعمل فيها؟ قال: افعل ما بدا لك.

فلما دخلها الاسكندر، نظرت إليه الملكة من حصنها، فعرفته بالصور التي عندها، فأمرت باحضاره فلما مثل بين يديها، أمرت به فوضع في مطمورة، لا يعرف الليل فيها من النهار، فبقي فيها ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب، حتى كادت قوته أن تسقط، واختبط عسكره لأجل غيبته، والخضر يسكنهم ويسليهم، فلما كان اليوم الرابع، مدت ملكة الصين سماطا نحو مائة ذراع، ووضعت فيه أواني الذهب والفضة والبلور، وملأت أواني الذهب باللؤلؤ والزبرجد، وأواني الفضة بالدر والياقوت الأحمر والأصفر، وأواني البلور بالذهب والفضة، وما في ذلك شيء يؤكل، إلا أنه مال لا يعلم قدره إلا الله تعالى. وأمرت فوضع في أسفل السماط، صحن فيه رغيف من خبز البر وشربة من الماء، وأمرت باخراج الاسكندر، وأجلسته على رأس السماط، فنظر إليه فأبهره ذلك! وأخذت تلك الجواهر ببصره ولم ير فيه شيئا للأكل، ثم نظر فرأى في أدنى السماط إناء فيه طعام، فقام من مكانه ومشى إليه وجلس عنده، وسمى وأكل، فلما فرغ من أكله، شرب من الماء

كفايته، ثم حمد الله تعالى وقام وجلس مكانه أولا، فخرجت عليه، فقالت له: يا سلطان بعد ثلاثة أيام أما صد عنك هذا الذهب والفضة والجوهر سلطان الجوع؟ وقد أغناك عن هذا كله ما قيمته درهم واحد؟ فمالك والتعرض إلى أموال الناس، وأنت بهذه المثابة؟ فقال لها الاسكندر:

لك بلادك وأموالك، ولا بأس عليك بعد اليوم، فقالت له: أما إذا فعلت هذا فإنك لا تخسر، ثم إنها قدمت له جميع ما كانت قد أحضرته، وكان شيئا يحير الناظر، ويذهل الخاطر، ومن المواشي شيئا كثيرا. فنزل إلى عسكره، وقبل هديتها ورحل عنها. وذكر غيره أنه كان في الهدية ثلاثمائة فيل، وأنه دعاها إلى الله تعالى فآمنت وآمن أهل مملكتها.

غريبة : ذكر صاحب النشوان أن خارجيا خرج على ملك الهند، فأنفذ إليه الجيوش، فطلب الأمان فأمنه فسار الخارجي إلى الملك، فلما قرب من بلد الملك، أمر الملك الجيش بالخروج إلى لقائه، فخرج الجيش بآلات الحرب، وخرجت العامة تنتظر دخوله، فلما أبعدوا في الصحراء، وقف الناس ينتظرون قدوم الرجل، فأقبل وهو راجل في عدة رجال، وعليه ثوب ديباج ومئزر في وسطه، جريا على زي القوم، فتلقوه بالإكرام، ومشوا معه حتى انتهى إلى فيلة عظيمة، قد أخرجت للزينة، وعليها الفيالون، وفيها فيل عظيم يختصه الملك لنفسه، ويركبه في بعض الأوقات، فقال له الفيال لما قرب منه: تنح عن طريق فيل الملك، فلم يبد له جوابا، فأعاد عليه القول، فلم يبد له جوابا، فقال له: يا هذا احذر على نفسك وتنح عن طريق فيل الملك، فقال له الخارجي: قل لفيل الملك يتنحى عن طريقي، فغضب الفيال وأغرى الفيل به بكلام كلمه به، فغضب الفيل وعدا إلى الخارجي، ولف خرطومه عليه، وشاله الفيل شيلا عظيما، والناس يرونه ثم خبط به الأرض، فإذا هو قد وقع منتصبا على قدميه قابضا على خرطوم الفيل، فزاد غضب الفيل فشاله الثانية، أعظم من الأولى، وعدا ثم رمى به الأرض فإذا هو قد حصل مستويا على قدميه، منتصبا قابضا على الخرطوم، ولم ينح يده عنه فشاله الفيل الثالثة، وفعل به مثل ذلك فحصل على الأرض منتصبا قابضا على الخرطوم، وسقط الفيل ميتا، لأن قبضه على الخرطوم تلك المدة منعه من التنفس فقتله. فأخبر الملك بذلك، فأمر بقتله، فقال له بعض وزرائه: يجب أيها الملك أن يستبقى مثل هذا، ولا يقتل فإن فيه جمالا للمملكة، ويقال إن للملك خادما، قتل فيلا بقوته وحيله، من غير سلاح، فعفا عنه واستبقاه.

وذكر الطّرطوشي وغيره أن الفيل دخل دمشق، في زمن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، فخرج أهل الشام لينظروه لأنهم لم يكونوا رأوا الفيل قبل ذلك، وصعد معاوية سطح القصر للفرجة، فلاحت منه التفاتة، فرأى رجلا مع بعض حظاياه في بعض حجر القصر، فنزل مسرعا إلى الحجرة، فطرق بابها فقيل: من؟ قال: أمير المؤمنين، ففتح الباب، إذ لا بد من فتحه طوعا أو كرها، فدخل أمير المؤمنين معاوية فوقف على رأس الرجل وهو منكس رأسه، وقد خاف خوفا عظيما، فقال له معاوية: يا هذا ما الذي حملك على ما صنعت من دخولك قصري،

وجلوسك مع بعض حرمي؟ أما خفت نقمتي؟ أما خشيت سطوتي؟ أخبرني يا ويلك، ما الذي حملك على ذلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، حملني على ذلك حلمك. فقال له معاوية: أرأيت إن عفوت عنك تسترها علي، فلا تخبر بها أحدا؟ قال: نعم. فعفا عنه ووهب له الجارية، وما في حجرتها وكان شيئا له قيمة عظيمة. قال الطرطوشي: فانظر إلى هذا الدهاء العظيم والحلم الواسع كيف طلب الستر من الجاني انتهى.

فائدة : لما كان أول المحرم سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين، وكان النبي ﷺ يومئذ حملا في بطن أمه، حضر أبرهة الأشرم ملك الحبشة يريد هدم الكعبة، وكان قد بنى كنيسة بصنعاء، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة، فقعد فيها ليلا فأغضبه ذلك، وحلف ليهدمن الكعبة، فخرج ومعه جيش عظيم، ومعه فيله محمود، وكان قويا عظيما، واثنا عشر فيلا غيره، وقيل: ثمانية. فلما بلغ المغمس، وهو على ثلثي فرسخ من مكة، مات دليلة أبو رغال هناك، فرجمت العرب قبره. والناس يرجمونه إلى الآن. وروى أبو علي بن السكن، في سننه الصحاح، أن النبي ﷺ كان إذا كان بمكة، وأراد أن يقضي حاجة الإنسان، خرج إلى المغمس.

ثم إن أبرهة بعث خيلا له إلى مكة، فأخذت مائتي بعير لعبد المطلب، فهم أهل الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوه. وبعث أبرهة إلى أهل مكة يقول لهم: إني لم آت لحربكم وإنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تتعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم! فقال عبد المطلب لرسوله: والله لا نريد حربه، وما لنا من حاجة، هذا بيت الله وبيت خليله ابراهيم ﷺ فهو يحميه ممن يريد هدمه.

ثم خرج عبد المطلب إلى أبرهة، وكان عبد المطلب جسيما وسيما ما رآه أحد إلا أحبه، وكان مجاب الدعوة، فقيل لأبرهة: هذا سيد قريش الذي يطعم الناس في السهل، ويطعم الوحش والطير في رؤوس الجبال، فلما رآه أجله وأجلسه معه على سريره. ثم قال لترجمانه: قل له:

سل حاجتك. فقال: حاجتي أن يرد الملك علي مائتي بعير أصابها لي. فلما قال ذلك، قال له أبرهة: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني! أتكلمني في مائتي بعير وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه فلم تكلمني فيه؟ فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه منك. قال أبرهة: ما كان ليمتنع مني. فقال عبد المطلب: أنت وذاك. فرد أبرهة على عبد المطلب إبله، ثم انصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ودعا الله تعالى ثم قال:

لا همّ أن المرء يمنعرحله فامنع حلالك
وانصر على آل الصليبوعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهمومحالهم أبدا محالك
للشاعر عبد المطّلب بن هاشم، اقرأ القصيدة

ثم أرسل حلقة الباب، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال، ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها، فحينئذ جاءت قدرة الواحد الأحد القادر المقتدر، فأصبح أبرهة متهيئا لدخول مكة وهدم البيت، وقدم فيله محمودا أمام جيشه، فلما وجه الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب، كذا في سيرة ابن هشام.

وقال السهيلي: نفيل بن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك، فأخذ بأذن الفيل وقال: ابرك محمودا وارجع راشدا فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل فضربوه بالحديد حتى أدموه ليقوم فأبى! فوجهوه إلى اليمن فقام يهرول، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى مكة فبرك. فعند ذلك أرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فتساقطوا بكل طريق، وهلكوا على كل منهل، وأصيب أبرهة حتى تساقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع قلبه عن صدره، وانفلت وزيره وطائر يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي، فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر، فخر ميتا بين يديه. وإلى هذه القصة أشار النبي ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: «إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين».

وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله تعالى عنهما، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل». الخلاء في الإبل كالحران في الخيل، والمعنى في التمثيل بحبس الفيل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم، وأريق فيه دماء وكان منه الفساد ولعل الله ﷾ قد سبق في علمه، ومضى في قضائه، أنه سيسلم جماعة من أولئك الكفار، وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون، فلو استبيحت مكة لانقطع ذلك النسل وتعطلت تلك العواقب والله أعلم.

قيل: كان أبرهة المذكور جد النجاشي الذي كان في زمن النبي ﷺ، وكان مولد رسول الله ﷺ عام الفيل، بعد هلاك أصحاب الفيل بخمسين يوما، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس بمكة.

وروي أن عبد الملك بن مروان، قال لقباث بن أشيم الكناني: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله ﷺ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أسن منه، ولد ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل وهو أخضر، وأنا أعقله. قال السهيلي: قوله فبرك الفيل، فيه نظر، لأن الفيل لا يبرك، فيحتمل أن يكون فعل فعل البارك، الذي يلزم موضعه، ولا يبرح، فعبر بالبروك عن ذلك. ويحتمل أن يكون بروكه سقوطه إلى الأرض، لما دهمه من أمر الله ﷾.

قال: وقد سمعت من يقول: إن في الفيلة صنفا يبرك كما يبرك الجمل، فإن صح، وإلا فتأويله كما قدمناه. قال: وقول عبد المطلب: لا هم ... الخ. إن العرب تحذف الألف واللام من اللهم وتكتفي بما بقي. والحلال متاع البيت، وأراد به سكان الحرم. ومعنى محالك كيدك وقوتك.

والكنيسة التي بناها أبرهة بصنعاء تسمى القليس، مثل القبيط سميت بذلك لارتفاع بنائها وعلوها، ومنه القلانس لأنها في أعلى الرؤوس، يقال: تقلس الرجل وتقلنس إذا لبس القلنسوة، وتقلس طعاما إذا ارتفع من معدته إلى فيه.

وكان أبرهة قد استذل أهل اليمن في بنائها، وكلفهم فيها أنواعا من السخر وكان ينقل إليها الرخام المجزع، والحجارة المنقوشة بالذهب والفضة، من قصر بلقيس صاحبة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ، ونصب فيها صلبانا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والآبنوس، وكان يشرف منها على عدن.

وكان حكمه في العامل فيها إذا طلعت عليه الشمس، قبل أن يعمل قطع يده، فنام رجل من العمال ذات يوم حتى طلعت الشمس، فجاءت أمه معه، وهي امرأة عجوز، فتضرعت إليه تستشفع لابنها، فأبى إلا قطع يده، فقالت: اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك وغدا لغيرك! فقال: ويحك ما قلت؟ قالت: نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك، فهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك! فأخذته موعظتها، وعفا عن ولدها وأعفى الناس من السخر فيها.

فلما هلك ومزقت الحبشة كل ممزق، أقفر ما حول هذه الكنيسة، وكثر حولها السباع والحيات، وكان كل من أراد أن يأخذ منها شيئا أصابته الجن، فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد والخشب المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير مقنطرة من الأموال إلى زمن أبي العباس السفاح. فذكروا له أمرها وما يتهيب من جنها، فلم يرعه ذلك، وبعث إليها أبا العباس بن الربيع عامله على اليمن، ومعه أهل الحزم والجلادة، فخربها واستأصلها، وحصل منها مالا كثيرا، وباع منها ما أمكن بيعه من رخامها وآلاتها. فخفي بعد ذلك رسمها وانقطع خبرها ودرست آثارها. وكان الذي يصيبهم من الجن، ينسبونه إلى كعيب وامرأته وهما صنمان كانت الكنيسة بنيت عليهما، فلما كسر كعيب وامرأته، أصيب الذي كسرهما بالجذام، فافتتن بذلك رعاع اليمن وطغامهم، وذكر أبو الوليد الأزرقي أن كعيبا كان من خشب وكان طوله ستين ذراعا.

وإلى قصة أبرهة أشرت بقولي في المنظومة في أول كتاب السير:

فجاءهم أبرهة بالفيلهوبجيوش أقبلت محتلفه
وأمهم في عسكر كالليلمستظهرا برجله والخيل
وقد أتى الأسود نحو الحرمواستاق ما كان به من نعم
فأم ذاك الوقت عبد المطلبأبرهة والسعي في الخير طلب
فمذ رأى أبرهة وجها سمامهابة عظمه ربّ السما
انحطّ عن سريره منهبطاوقعدا على بساط بسطا
وقال: سل ما شئت من أمورفقال رد مائتي بعير
قد أخذت من جملة الأموالفقال: قد هونت في السؤال
لو قلت لي لا تهدمن البيتاوارجع وعد من حيثما أتيتا
قابلت ما قلت بالامتثالمن غير إمهال ولا إهمال
فقال: هذي إبلي وهذابيت له خالقه أعاذا
لا أسأل اليوم سواء فيهإن له ربا علا يحميه
ثم أتى شيبة باب الكعبةفقال: إذ يسأل فيه ربه
يا ربّ لا أرجو لهم سواكايا ربّ فامنع عنهم حماك
إنّ عدوّ البيت من عاداكفامنعهم أن يخربوا قراكا
فأجلبوا برجلهم والخيلوأقبلوا كقطع من ليل
محموده من فوقه مذمومبهيمة سواده بهيم
يروم هدم البيت ذي الأركانوقتل ما فيه من السكان
ويستحلّ الجرم المعظماويستبيح البلد المحرما
فقام يدعو الله عبد المطلببدعوات جيشهن ما غلب
في يده حلقته الوثقى التيما خاب من أمسكها في أزمة
فأنجز الله له ما طلبهوأنجح الربّ العظيم مطلبه
وفيلهم محمود ليل داجوكان يكنى بأبي الحجاج
وقال قوم بأبي العباسوكان معروفا بعظم الباس
أمسكه بأذنه نفيلقال له وشاع هذا القيل:
ابرك أو ارجح راشدا محمودفإنّ هذا بلد محمود
فأوجعوه بالحديد ضرباللسير نحو البيت وهو يأبى
وأن يوجه لسواه يبتدرثم عليه أحد لم يقتدر
فأرسل الله على الذي فجرطيرا أبابيل رمت جنس الحجر
مهيئا للقوم من سجّيلفهم كعصف بعدها مأكول
والملك المطاع عضوا عضوامزّق ثم لم ينل مرجوا
وكان عام الفيل عام المولدلأحمد خير الورى محمد

فائدة أخرى : إذا دخل إنسان على من يخاف شره فليقرأ: كهيعص حم عسق، وعدد حروف الكلمتين عشرة، يعقد لكل حرف أصبعا من أصابعه، يبدأ بإبهام يده اليمنى، ويختم بإبهام يده اليسرى، فإذا فرغ عقد جميع الأصابع، قرأ في نفسه سورة الفيل، فإذا وصل إلى قوله تعالى تَرْمِيهِمْ

كرر لفظ ترميهم عشر مرات، يفتح في كل مرة إصبعا من الأصابع المعقودة، فإذا فعل ذلك، أمن شره وهو عجيب مجرب.

ومن الفوائد المجربة : ما أفادنيه بعض أهل الخير والصلاح، أن من قرأ سورة الفيل، ألف مرة، في كل يوم مائة مرة، عشرة أيام متوالية، ويقصد من يريده بالضمائر، وفي اليوم العاشر، يجلس على ماء جار، ويقول: اللهم أنت الحاضر المحيط بمكنونات الضمائر، اللهم عزّ الظالم وقل الناصر، وأنت المطلع العالم، اللهم إنّ فلانا ظلمني وأذاني، ولا يشهد بذلك غيرك، اللهم إنك مالكه فأهلكه، اللهم سربله سربال الهوام، وقمصه قميص الردى، اللهم اقصفه. يكرر هذه اللفظة عشر مرات، ثم يقول: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ

فإن الله يهلكه ويكفيه شره. وهو سر لطيف مجرب.

وروي أن عمرو بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه حمل يوم القادسية على رستم، وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين، فاستقبل عمرو رستم وكان رستم على فيل عظيم، فحذف عمرو قوائمه بضربة، فسقط رستم وسقط الفيل عليه، مع خرج كان عليه، فيه أربعون ألف دينار، فقتل رستم وانهزمت العجم. وهذه الضربة لم يسمع بمثلها في الجاهلية ولا في الإسلام. وروي أن الروم حملت القوائم المذكورة، وعلقوها في كنيسة لهم. فكانوا إذا عيروا بانهزام، يقولون: لقينا قوما هذه ضربتهم، فيترجل أبطال الروم فيرونها، ويتعجبون من ذلك. وذكر أبو العباس المبرد، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال يوما:

من أجود العرب؟ قيل له: حاتم. قال: فمن فارسها؟ قيل: عمرو بن معد يكرب. قال: فمن شاعرها؟ قيل: امرؤ القيس. قال: فأي سيوفها أمضى؟ قيل: صمصامة عمرو بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه.

وأفاد السهيلي أن صمصامة عمرو بن معد يكرب كانت حديدة، وجدت عند الكعبة، من دفن جدهم أو غيره، وأن ذا الفقار سيف رسول الله ﷺ، كان من تلك الحديدة أيضا. قال: وإنما سمي ذا الفقار لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، وكان قبله ﷺ للعاص بن منبه، سلبه منه يوم بدر.

الحكم : يحرم أكل الفيل على المشهور، وعلله في الوسيط، بأنه ذو ناب مكادح أي مغالب مقاتل. وفي وجه شاذ حكاه الرافعي عن أبي عبد الله البوشنجي، وهو من أئمة أصحابنا أنه حلال. وقال الإمام أحمد: ليس الفيل من أطعمة المسلمين، وقال الحسن: وهو منسوخ، وكرهه أبو حنيفة، ورخص في أكله الشعبي، ويصح بيعه لأنه يحمل عليه ويقاتل به وعليه، وراكبه يرضخ له من الفيء أكثر من راكب البغل. ولا يطهر الفيل عندنا بالذبح، ولا يطهر عظمه بالتنقية، سواء أخذ منه بعد ذكاته، أو بعد موته، ولنا وجه شاذ أن عظام الميتة طاهرة، وهو قول أبي حنيفة، ومن وافقه لكن المذهب نجاستها مطلقا.

وعند مالك أن عظمه يطهر بصقله، كما تقدم في باب السين المهملة، في لفظ السلحفاة. ولا

يجوز بيعه ولا يحل ثمنه، وبهذا قال طاوس وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد. وقال ابن المنذر: خص فيه عروة بن الزبير وابن سيرين وابن جريج. وفي الشامل أن جلد الفيل لا يؤثر فيه الدباغ لكثافته.

وفي صحة المسابقة على الفيل وجهان: وقيل قولان أصحهما أنها تصح لما روى الشافعي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان، وصححه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» والسبق بفتح الباء ما يجعل للسابق على سبقه من جعل، وجمعه أسباق، وأما السبق بإسكان الباء، فهو مصدر سبقت الرجل أسبقه، والرواية الصحيحة في هذا الحديث لا سبق بفتح الباء، وأراد به أن الجعل والعطاء لا يستحق إلا في سباق الخيل والإبل والنصال، لأن هذه الأمور عدة في قتال العدو، وفي بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد ولم يذكر الشافعي الفيل، وقال أبو اسحاق: تجوز المسابقة عليه لأنه يلقي عليه العدو كما يلقي على الخيل، ولأنه ذو خف والصورة النادرة تدخل في العموم، على الأصح عند الأصوليين.

ومن الأصحاب من قال: لا تصح المسابقة عليه، وبه قال أحمد وأبو حنيفة، لأنه لا يحصل الكر والفر عليه، فلا معنى للمسابقة عليه، فإن قال قائل: فالإبل كالفيل في هذا المعنى، فالجواب أن العرب تقاتل على الإبل أشد القتال، وذلك لهم عادة غالبة والفيل ليس كذلك. ومن قال بالأول، قال: إنه يسبق الخيل في بلاد الهند والله أعلم.

تذنيب : في سنة تسعين وخمسمائة سار نيارس أكبر ملوك الهند، وقصد بلاد الإسلام فطلبه الأمير شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، فالتقى الجمعان على نهر ماجون، قال ابن الأثير:

وكان مع الهندي سبعمائة فيل ومن العسكر ألف ألف نفس، فصبر الفريقان، وكان النصر لشهاب الدين الغوري، وكثر القتل في الهنود حتى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدين تسعين فيلا، وقتل ملكهم نيارس، وكان قد شد أسنانه بالذهب، فما عرف إلا بذلك. ودخل شهاب الدين بلاد نيارس، وأخذ من خزائنه ألفا وأربعمائة حمل من المال، وعاد إلى غزنة. قال: وكان من جملة الفيلة التي أخذها شهاب الدين الغوري فيل أبيض، حدثني بذلك من رآه انتهى.

الأمثال : قالوا: «آكل من فيل وأشد من فيل وأعجب من خلق فيل». روي أنه كان في مجلس الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، جماعة يأخذون عنه العلم، فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحابه كلهم للنظر إليه إلا يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، فإنه لم يخرج، فقال له مالك: لم لم تخرج لترى هذا الخلق العجيب فإنه لم يكن ببلادك؟ فقال: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجىء لأنظر إلى الفيل. فأعجب به مالك رضي الله تعالى عنه، وسماه عاقل أهل الأندلس، ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس، وانتهت إليه الرياسة بها.

وبه اشتهر مذهب مالك في تلك البلاد، وأشهر روايات الموطأ وأحسنها رواية يحيى وكان معظما

عند الأمراء، وكان مجاب الدعوة. توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقبره بمقبرة ابن عباس بظاهر قرطبة يستسقى به.

ونظير هذه الحكاية ما اتفق لأبي عاصم النبيل، واسمه الضحاك بن مخلد بن الضحاك، فإنه كان بالبصرة فقدمها فيل، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: ما لك لا تخرج تنظر إلى الفيل؟ فقال: لأني لا أجد منك عوضا! فقال له: أنت النبيل. فكان إذا أقبل، يقول ابن جريج: جاء النبيل. قال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: منذ عقلت أن الغيبة حرام، ما اغتبت أحدا قط. وقالوا: «أثقل من فيل». قال الشاعر:

أنت يا هذا ثقيلوثقيل ثقيل
أنت في المنظر إنسانوفي الميزان فيل

الخواص : من سقي من وسخ أذن الفيل ينام سبعة أيام، ومرارته يطلى بها البرص ويترك ثلاثة أيام، فإنه يذهب. وعظمه يعلق على رقاب الصبيان يدفع عنهم الصرع، وإذا علق العاج، الذي هو عظمه، على شجرة لم تثمر تلك السنة. وإذا بخر الكرم والزرع والشجر بعظمه لم يقرب ذلك المكان دود، وإن دخن به في بيت فيه بق مات البق. ومن سقي من نشارة العاج في كل يوم، وزن درهمين بماء وعسل جاد حفظه، وإن شربتها المرأة العاقر سبعة أيام، ثم جومعت بعد ذلك حبلت بإذن الله تعالى. وجلده إذا شد منه قطعة على من به حمى نافض تزول عنه، وإذا نام عليه صاحب التشنج يزول عنه، وإذا أحرق زبله وسحق بعسل وطلي به الأجفان التي سقط شعرها نبت، وإذ شربت المرأة بوله، وهي لا تعلم، ثم جومعت لم تحبل. وزبله إذا علق عليها لم تحبل أيضا، ما دام عليها. ودخان جلده يبرىء البواسير.

التعبير : الفيل في المنام ملك أعجمي مهاب، بليد القلب حامل الأثقال عارف بالحرب والقتال، فمن ركب فيه فيلا أو ملكه أو تحكم عليه، اتصل بسلطان ونال منه منزلة سنية، وعاش عمرا طويلا في عز ورفعة، وقيل: إن الفيل رجل ضخم أعجمي، فمن ركب فيلا وكان ذا طوع له، فإنه يقهر رجلا ضخما أعجميا شحيحا. ومن ركب فيلا في نومه بالنهار فإنه يطلق زوجته، لأنه كان في الزمن المتقدم في بلاد الفيلة من طلق زوجته أركب فيلا، وطيف به حتى يعلم الناس، ومن ركب من الملوك فيلا وهو في حرب فإنه يهلك لقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ

إلى آخر السورة، ومن ركب فيلا بسرج، تزوج بنت رجل ضخم أعجمي، وإن كان تاجرا عظمت تجارته، ومن افترسه فيل نزلت به آفة من سلطان، وإن كان مريضا مات ومن رعى فيلة فإنه يواخي ملوك العجم وينقادون له، ومن حلب فيلة فإنه يمكر برجل أعجمي.

وينال منه مالا، وقالت اليهود: الفيل في المنام ملك كريم لين الجانب ذو مدارة صبور، ومن ضربه فيل بخرطومه نال خيرا، ومن ركبه نال وزارة وولاية، ومن أخذ شيئا من ورثة استغنى.

ويدل أيضا على قوم صالحين. وقيل: من يرى الفيل يرى أمرا شديدا، ثم ينجو منه. وقالت النصارى: من رأى فيلا ولم يركبه أصابه نقصان في بدنه أو خسران في ماله. ومن رأى فيلا

مقتولا في بلدة، مات ملكها، أو يقتل رجل مذكور. ومن قتل فيلا قهر رجلا أعجميا، ومن ألقاه الفيل تحته ولم يفارقه، فإنه يموت، وإذا رؤي الفيل في غير بلاد النوبة، فإنه يدل على فتنة، وذلك لقبح لونه وسماجته. وإن رؤي في البلاد التي يوجد فيها فهو رجل من أشراف الناس. والمرأة إذا رأت الفيل فلا يحمد لها ذلك، على أي صفة رأته. وتعبر الفيلة بالسنين كالبقر، وخروج الفيل من بلد فيه طاعون دليل خير لهم وزوال الطاعون عنهم، وإذا ركب الفيل في بلد فيه بحيرة فهو ركوب سفينة، والله تعالى أعلم.

فصل في فضل العقل وزينه، وقبح الجهل وشينه قال بعض الحكماء: العقل ما عقل به عن السيئات، وحض القلب على الحسنات، والعقل معقل عن الدنيات، ونجاة من المهلكات، والنظر في العواقب قبل حلول المصائب، والوقوف عند مقادير الأشياء، قولا وفعلا، لقوله ﷺ: «أعقلها وتوكل». وقد أجمع الحكماء والعلماء والفقهاء، أن جميع الأمور كلها، قليلها وجليلها، محتاجة إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجربة، وقالوا: العقل سلطان وله جنود، فرأس جنوده التجربة، ثم التمييز ثم الفكر ثم الفهم ثم الحفظ ثم سرور الروح، لأن به ثبات الجسم والروح سراج نوره العقل.

وفي الحديث: «ما قسم الله لعباده خيرا من العقل» وروي أن جبريل ﵊، أتى آدم ﵇ فقال: إني أتيتك بثلاث: فاختر واحدة منها، فقال: وما هي؟

فقال: الحياء والعقل والدين. فقال آدم ﵇: قد اخترت العقل. فخرج جبريل ﵊ إلى الحياء والدين، فقال: ارجعا فقد اختار العقل عليكما. فقالا: إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان. وقال بعضهم: من استرشد إلى طريق الحزم بغير دليل العقل فقد أخطأ منهاج الصواب. والعقل مصباح يكشف به عن الجهالة، ويبصر به الفضل من الضلالة، ولو صور العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صور الجهل لأضاء معه الليل، وما شيء أحسن من عقل زانه أدب، ومن علم زانه ورع، ومن حلم زانه رفق، ومن رفق زانه تقوى.

وروي أن جبريل ﵊ أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أتيتك بمكارم الأخلاق كلها في الدنيا والآخرة. فقال: «وما هي» ؟ فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ

، وهو يا محمد عفوك عمن ظلمك، واعطاء من حرمك، وصلة من قطعك، وإحسانك إلى من أساء إليك، واستغفارك لمن اغتابك، ونصحك لمن غشك، وحلمك عمن أغضبك. فهذه الخصال قد تضمنت مكارم الأخلاق، في الدنيا والآخرة. وأنشد بعضهم في معنى ذلك فقال:

خذ العفو وأمر بعرف كماأمرت وأعرض عن الجاهلين
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «خذ العفو وأمر بعرف كما»
ولن في الكلام لكلّ الأنامفمستحسن من ذوي الجاه لين
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «خذ العفو وأمر بعرف كما»

ومن طرق العقل الحميدة: القناعة وهي كنز لا يفنى، والصدقة وهي عز باق، وتمام عز الرجل استغناؤه عن الناس. ومن طرقه أيضا الحياء، وقد قيل:

إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤهولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

ومن طرقه أيضا حسن الخلق. روي عنه ﷺ أنه قال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا».

وروي أن يحيى بن زكريا ﵉ لقي عيسى ابن مريم ﵉ فتبسم عيسى في وجهه، فقال يحيى: ما لي أراك لاهيا كأنك آمن! فقال عيسى: ما لي أراك عابسا كأنك آيس! فقالا: لا نبرح حتى ينزل علينا وحي. فأوحى الله تعالى إليهما: أحبكما إلي أحسنكما خلقا.

تتمة : ذكر الغزالي وابن بلبان وغيرهما، أن أبا جعفر المنصور حج ونزل في دار الندوة، وكان يخرج سحرا فيطوف بالبيت، فخرج ذات ليلة سحرا فبينما هو يطوف، إذ سمع قائلا يقول:

اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع.

فهرول المنصور في مشيته حتى ملأ مسامعه، ثم رجع لدار الندوة، وقال لصاحب الشرطة: إن بالبيت رجلا يطوف فائتني به. فخرج صاحب الشرطة فوجد رجلا عند الركن اليماني، فقال:

أجب أمير المؤمنين، فلما دخل عليه، قال: ما الذي سمعتك آنفا تشكو إلى الله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع؟ فو الله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني! فقال له: يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله، وامتلأت بلاد الله بذلك بغيا وفسادا أنت! فقال المنصور: ما هذا؟ أو قال: ويحك كيف يدخلني الطمع، والصفراء والبيضاء ببابي، وملك الأرض في قبضتى؟! فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك؟ استرعاك الله أمور المؤمنين وأموالهم، فأهملت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، واتخذت بينك وبين رعيتك حجابا من الجص والآجر، وحجبة معهم السلاح، وأمرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، نفرا استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، ولم تأمر بإيصال المظلوم، ولا الجائع ولا العاري ولا أحد إلا وله في هذا المال حق! فلما رآك هؤلاء الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، تجمع الأموال ولا تقسمها، قالوا:

هذا قد خان الله ورسوله، فما لنا لا نخونه؟ فأجمعوا على أن لا يصل إليك من أمور الناس إلا ما أرادوا، فصار هؤلاء شركاءك في سلطانك، وأنت غافل عنهم، فإذا جاء المظلوم إلى بابك، وجدك قد أوقفت ببابك رجلا ينظر في مظالم الناس، فإن كان الظالم من بطانتك، علل صاحب المظالم بالمظلوم، وسوّف به من وقت إلى وقت، فإذا جهد وظهرت أنت، صرخ بين يديك، فيضرب ضربا شديدا ليكون نكالا لغيره! وأنت ترى ذلك ولا تنكر، ولقد كانت الخلفاء قبلك، من بني أمية، إذا انتهت إليهم الظلامة أزيلت في الحال.

ولقد كنت أسافر الصين يا أمير المؤمنين فقدمته مرة، فوجدت الملك الذي به قد فقد سمعه فبكى، فقال له وزراؤه: ما يبكيك أيها الملك لا أبكى الله لك عينا؟ فقال: والله ما بكيت لمصيبة

نزلت بي، وإنما أبكي لمظلوم يصرخ بالباب، فلا أسمع صوته. ثم قال: إن كان سمعي قد ذهب فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس أحدا ثوبا أحمر إلا مظلوما. وكان يركب الفيل طرفي النهار، ويدور في البلد لعله يجد أحد لابسا ثوبا أحمر، فيعلم أنه مظلوم فينصفه، هذا يا أمير المؤمنين رجل مشرك غلبت رأفته على شح نفسه بالمشركين! فكيف لا تغلب رأفتك على شح نفسك بالمؤمنين وأنت مؤمن بالله وابن عم رسول الله ﷺ؟! يا أمير المؤمنين: إنما تجمع المال لإحدى ثلاث: إن قلت: إنما أجمع المال للولد، فقد أراك الله عبرة فيمن تقدم ممن جمع المال للولد، فلم يغن ذلك عنه، بل ربما مات فقيرا ذليلا حقيرا، إذ قد يسقط الطفل من بطن أمه وليس له مال، ولا على وجه الأرض من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فلم يزل يلطف الله تعالى بذلك الطفل، حتى تعظم رغبة الناس فيه، ويحوي ما حوته تلك اليد الشحيحة، ولست بالذي تعطي، وإنما الله المعطي. وإن قلت: إنما أجمعه لمصيبة تنزل بي، فقد أراك الله ﷾ عبرة في الملوك والقرون الذين خلوا من قبلك، ما أغنى عنهم ما أعدوا من الأموال والرجال والكراع، حين أراد الله بهم ما أراد. وإن قلت: إنما أجمعه لغاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فو الله ما فوق منزلتك إلا منزلة، لا تدرك إلا بالعمل الصالح.

فبكى المنصور بكاء شديدا ثم قال: كيف أعمل والعلماء قد فرت مني، والعباد لم تقرب مني، والصالحون لم يدخلوا علي؟ فقال: يا أمير المؤمنين افتح الباب، وسهل الحجاب، وانتصر للمظلوم، وخذ من المال ما حل وطاب، وأقسمه بالحق والعدل، وأنا ضامن من هرب منك أن يعود إليك! فقال المنصور: نفعل إن شاء الله تعالى. وجاءه المؤذنون فآذنوه بالصلاة، فقام وصلى.

فلما قضى صلاته طلب الرجل فلم يجده. فقال لصاحب الشرطة: علي بالرجل الساعة فخرج يتطلبه، فوجده عند الركن اليماني، فقال له: أجب أمير المؤمنين. فقال له: ليس إلى ذلك سبيل.

فقال: إذا يضرب عنقي! فقال: لا، ولا الى ضرب عنقك من سبيل. ثم أخرج من مزود كان معه رقا مكتوبا، فقال: خذه فإن فيه دعاء الفرج، من دعا به صباحا، ومات من يومه مات شهيدا، ومن دعا به مساء، ومات من ليلته مات شهيدا، وذكر له فضلا عظيما وثوابا جزيلا.

فأخذه صاحب الشرطة، وأتى المنصور فلما رآه قال له: ويلك أو تحسن السحر! قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ثم قص عليه فأمر المنصور بنقله، وأمر له بألف دينار. وهو هذا: اللهم كما لطفت في عظمتك وقدرتك دون اللطفاء، وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمت ما تحت أرضك كعلمك ما فوق عرشك، فكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك، وعلانية القول كالسر في علمك، فانقاد كل شيء لعظمتك، وخضع كل ذي سلطان لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك، اجعل لي من كل غم وهم أصبحت أو أمسيت فيه فرجا ومخرجا، اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك، مما قصرت فيه فصرت أدعوك آمنا، وأسألك مستأنسا، فإنك المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي، فيما بيني وبينك تتودد إلي بالنعم، وأتبغض إليك بالمعاصي، فلم أجد كريما أعطف منك على عبد لئيم مثلي، ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك، فجد اللهم بفضلك وإحسانك علي، إنك أنت الرؤوف الرحيم. وروي أن الرجل المذكور كان الخضر ﵇.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.