تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

القمري

طائر مشهور، كنيته أبو زكرى وأبو طلحة، وهو حسن الصوت والأنثى قمرية والذكر ساق حر، والجمع قماري غير مصروف. قال ابن السمعاني في الأنساب: القمرة بلدة تشبه الجص لبياضها وأظنها بمصر، منها الحجاج بن سليمان بن أفلح القمري مصري روى عن مالك بن أنس والليث بن سعد وغيرهما، مات فجأة سنة ثمان وتسعين ومائة.

وروى عنه محمد بن سلمة المرادي وغيره. قال: والقمري طائر منسوب إلى هذه البلدة.

هكذا ذكره صاحب المجمل. وقال ابن سيده: القمري طائر صغير من الحمام والأنثى قمرية وجمعها قماري وقمر. انتهى.

وكان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، لما طلق زوجته عاتكة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ينشد:

أعاتك لا أنساك ما ذرّ شارقوما ناح قمري الحمام المطوق
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
ولم أر مثلي طلق اليوم مثلهاولا مثلها من غير جرم يطلق
أعاتك قلبي كلّ يوم وليلةإليك بما تخفي النفوس معلق
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
لها خلق جزل ورأي ومنصبوخلق سوي في الحياة ومنطق

فرق له أبوه وأمره أن يراجعها. والقصة في ذلك حسنة طويلة جدا، مذكورة في الاستيعاب والتمهيد وغيرهما.

وقال القزويني: إذا ماتت ذكور القماري لم تتزاوج إناثها بعدها، وتنوح عليها إلى أن تموت، ومن العجب أن بيض القماري يجعل تحت الفواخت، وبيض الفواخت تحت القماري. وذكر أن الهوام تهرب من صوت القماري. روى أبو المظفر بن السمعاني عن والده، قال: أنشدنا سعيد بن المبارك النحوي لنفسه:

أرى الفضل منّاح التأخر أهلهوجهل الفتى يسعى له في التقدم
للشاعر ابن الدهان البغدادي، اقرأ القصيدة
كذاك أرى الخفاش ينجيه قبحهويحتبس القمري حسن الترنم
للشاعر ابن الدهان البغدادي، اقرأ القصيدة

فائدة : كان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه جالسا بين يدي الإمام مالك بن أنس

رضي الله تعالى عنه، فجاء رجل فقال لمالك: إني رجل أبيع القماري، وإني بعت في يومي هذا قمريا فرده علي المشتري، وقال: قمريك لا يصيح، فحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من الصياح، فقال له الإمام مالك: طلقت زوجتك ولا سبيل لك عليها! وكان الإمام الشافعي يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فقال لذلك الرجل: أيما أكثر: صياح قمريك أم سكوته؟ فقال: لا بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك. فعلم بذلك الإمام مالك، فقال: يا غلام من أين لك هذا؟ فقال: لأنك حدثتني عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أن فاطمة بنت قيس قالت: يا رسول الله إن أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال ﷺ: «أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه». وقد علم رسول الله ﷺ أن أبا جهم كان يأكل وينام ويستريح، وقد قال ﷺ: «لا يضع عصاه» على المجاز، والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته، ولما كان صياح قمري هذا أكثر من سكوته، جعلته كصياحه دائما. فتعجب الإمام رضي الله تعالى عنه من احتجاجه، وقال له: أفت فقد آن لك أن تفتي فأفتى من ذلك السن.

غريبة : ذكر ابن خلكان وابن الأثير، في تاريخهما، أن بعض الملوك بقلاع الهند، أهدى للسلطان محمود بن سبكتكين هدايا كثيرة من جملتها طائر على هيئة القمري، من خاصيته أنه إذا حضر الطعام وفيه سم دمعت عيناه وجرى منهما ماء وتحجر، فإذا حك ووضع على الجراحات الواسعة يختمها. ذكر ذلك ابن الأثير في حوادث سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وذكره ابن خلكان، في ترجمة السلطان المذكور. ثم ذكر ابن خلكان في ترجمته، عن إمام الحرمين عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله الجويني، أن السلطان المذكور كان حنفي المذهب، وكان مولعا بعلم الحديث، وكان يسمع عنده الحديث، وكان يسأل عن معناه، فيجد أكثره موافقا لمذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فجمع فقهاء المذهبين، والتمس منهما الكلام في ترجيح أحد المذهبين، فوقع الاتفاق على أن يصلى بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي، ثم على مذهب الإمام أبي حنيفة ركعتان، فنيظر السلطان إلى ذلك، ويختار الأحسن.

فصلى القفال المروزي بطهارة سابغة، وشرائط معتبرة من الطهارة، والسترة، واستقبال القبلة، وأتى بالأركان والهيآت، والسنن والأبعاض والآداب، على وجه الكمال، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها.

ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، فلبس جلد كلب كان مدبوغا، ولطخ بعضه بالنجاسة، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان ذلك في صميم الصيف، فاجتمع عليه الذباب والبعوض وكان وضوؤه منكسا منعكسا، ثم استقبل القبلة، وأحرم بالصلاة من غير نية في

الوضوء، وكبر بالفارسية، ثم قرأ بها دو برك سبز ثم نقر كنقرات الديك، من غير فصل بينها، ومن غير طمأنينة، وتشهد وضرط في آخرهما، وخرج من غير نية السلام، وقال: أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة! فقال السلطان: لو لم تكن هذه صلاة أبي حنيفة لقتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، فأنكرت الحنفية أن تكون هذه الصلاة جائزة عند أبي حنيفة، فطلب القفال كتب أبي حنيفة، فأمر السلطان بإحضارها، وأمر نصرانيا أن يقرأ كتب المذهبين جميعا، فوجدت الصلاة التي صلاها القفال جائزة عند أبي حنيفة، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة، وتمسك بمذهب الشافعي ﵄. وتوفي السلطان بغزنة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وتفسير دو برك سبز ورقتان خضراوتان، وهو معنى قوله تعالى: مُدْهامَّتانِ

قلت:

وقد ذكر أنه أتى بالسنن والأبعاض والآداب والهيآت، فقوله: لا يجوز الشافعي دونها غير مستقيم، والمشهور أنه أتى بما لا تصح الصلاة إلا به.

وحكمه : حل الأكل بالإجماع، كالحمام لأنه نوع منه كما تقدم.

التعبير : القمرية في المنام امرأة دينة، وقيل: القمري رجل قارىء لقصائد الشعر طيب الحنجرة. وقالت اليهود: من رأى قمريا أو بلبلا، أو ما أشبه ذلك، نال خيرا، وإن كان له مسافر قدم عليه، وإن كان في غم فرج الله تعالى عنه، وإن كانت له حاجة بعيدة قربت، ومن رأى هذه الأشياء، في زمن الربيع، قضيت حاجته، وإن رآها في غير زمن الربيع تأخرت حاجته إلى زمن الربيع. وتدل رؤيتها للحامل، على وضع ذكر. والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.