من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
القلوص
من النوق الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء، وجمعها قلص وقلائص مثل قدوم وقدائم قال الراجز:
متى تقول القلص الرواسمايحملن أم قاسم وقاسما
نصب القلص كما ينصب بالظن وهي لغة سليم ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
أما الرحيل فدون بعد غدفمتى تقول الدار تجمعنا
وقال العدوي: القلوص أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني، فإذا أثنت فهي ناقة وقد تقدم في باب العين المهملة في الكلام على العير قول سالم بن دارة:
لا تأمنن فزاريا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
روى ابن المبارك، في الزهد والرقائق، عن القاسم مولى معاوية، قال: أقبل أعرابي إلى النبي ﷺ على قلوص له صعب، فسلم فجعل كلما دنا إلى النبي ﷺ ليسأله: نفر به القلوص، وجعل أصحاب النبي ﷺ يضحكون، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم وقصه فقتله. فقيل: يا رسول الله
إن الأعرابي قتله قلوصه، حين صرعه. فقال ﷺ: «نعم وأفواهكم ملأى من دمه». كذا رواه ابن المبارك مرسلا، وهو في الإحياء في الآفة العاشرة من آفات اللسان.
وفي سنن أبي داوود عن اسحاق بن عبد الله بن الحارث مرسلا، أن النبي ﷺ «اشترى ببضعة وعشرين قلوصا حلة فأهداها إلى ذي يزن».
وفي كامل ابن عدي، في ترجمة عمارة بن زادان الصيدلاني، عن ثابت عن أنس بن مالك أن ذا يزن أهدى النبي ﷺ حلة، قومت بعشرين بعيرا، فلبسها ﷺ ثم كساها عمر رضي الله تعالى عنه، ثم قال: «إياك أن تخدع عنها». وروى الحاكم عن أبي الزبير عن جابر، قال: «استأجرت خديجة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ سفرتين إلى جرش، كل سفرة بقلوص». ثم قال:
صحيح الإسناد.
والمعروف من ذلك ما في طبقات ابن سعد. قال: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة، قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد علينا الزمان، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشأم، وخديجة بنت خوليد تبعث رجالا من قومك في عيرها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها، لأسرعت إليك. وبلغ ذلك خديجة، فأرسلت إليه ﷺ وقالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك. وفي رواية أن أبا طالب أتاها، فقال لها: هل لك أن تستأجرى محمدا، فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين، ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكرات؟ فقالت خديجة ﵂: لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألت لحبيب قريب! فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك.
فخرج ﷺ مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدموا بصرى من الشأم، فنزلا في ظل شجرة فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة إلا نبي، ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي، لبعد العهد بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قبل ذلك. والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل إلا أن تصح رواية من قال في هذا الحديث: لم ينزل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. فتكون الشجرة على هذا مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وذكر أبو عمر بن عبد البر أن نسطورا رآه، وقد أظلته غمامة، فقال: هذا نبي، وهو آخر الأنبياء. ثم باع رسول الله ﷺ سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاح، فقال: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ: «ما حلفت بهما قط وإني لأمر بهما فأعرض عنهما». فقال الرجل:
القول قولك. وكان ميسرة، إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلان رسول الله ﷺ من الشمس! وكان الله تعالى قد ألقى عليه المحبة من ميسرة ﵁، فكان كأنه عبد له، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران تقدم رسول الله ﷺ، وأخبر خديجة رضي الله تعالى عنها بالربح، ثم قدم ميسرة ﵁ فأخبرها
بذلك، وبما شاهده من رسول الله ﷺ، وبما قاله الراهب. فأضعفت لرسول الله ﷺ ما سمت له.
وقد تقدم للقلوص ذكر في لفظ الفلو في قوله ﷺ: «إن الله يربي الصدقة للمتصدق كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه». والقلوص أيضا الأنثى من النعام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع