تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

اللقحة

بالكسر والفتح، لغتان مشهورتان والكسر أشهر، والجمع لقح بكسر اللام وفتح القاف كبركة وبرك، وهي الناقة ذات اللبن، وقيل القريبة العهد من النتاج، وناقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن.

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة، والرجلان يتبايعان الثوب فلا يتبايعانه حتى تقوم الساعة، والرجل يليط حوضه فما يصدر حتى تقوم الساعة». وفيه من حديث النواس

بن سمعان في صفة الدجال: «ويبارك في الرسل يعني اللبن حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس». الفئام الجماعة الكثيرة مأخوذ من الكثرة، والفخذ بالذال المعجمة الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن والبطن دون القبيلة. قال ابن فارس: الفخذ هنا باسكان الخاء المعجمة لا غير بخلاف الفخذ التي هي العضو فإنها تكسر وتسكن.

وكان للنبي ﷺ عشرون لقحة بالغابة وهي على بريد من المدينة بطريق الشأم، كان يراح إليه ﷺ كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن، وكان أبو ذر رضي الله تعالى عنه فيها، وكان ﷺ يفرقها على نسائه وهي التي استاقها العرنيون وقتلوا راعيها يسارا ففعل رسول الله ﷺ بهم ما فعل.

وروى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا أهدى إلى النبي ﷺ لقحة، فأثابه منها ست بكرات فتسخطها، فقال ﷺ: «من يعذرني من فلان؟ أهدى إلي لقحة فأثبته منها ست بكرات فتسخطها لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي» ثم قال: صحيح الإسناد.

وروى هو وأحمد والبيهقي، عن ضرار بن الأزور رضي الله تعالى عنه، قال: أهديت إلى النبي ﷺ لقحة، فأمرني أن أحلبها فحلبتها فجهدت حلبها، فقال ﷺ: «لا تفعل دع داعي اللبن». وروى البزار عن بريرة أن النبي ﷺ أمر بحلاب لقحة، فقام رجل فقال له ﷺ:

«ما اسمك» ؟ فقال: مرة. فقال ﷺ: «اقعد». فقام آخر، فقال له ﷺ: «ما اسمك» ؟ قال:

يعيش. فقال ﷺ له: «احلب».

ورواه مالك عن يحيى بن سعيد أن النبي ﷺ قال للقحة تحلب: «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل، فقال له النبي ﷺ: «ما اسمك» ؟ قال له الرجل: مرة. فقال له رسول الله ﷺ «اجلس».

ثم قال: «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل، فقال له النبي ﷺ: «ما اسمك» ؟ قال: حرب. قال:

«اجلس». ثم قال ﷺ: «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل فقال له ﷺ: «ما اسمك» ؟ قال: يعيش.

فقال له ﷺ: «احلب».

ثم روى عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة. قال ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال بحرة النار. قال: بأيها؟ قال: بذات لظى. فقال له عمر رضي الله تعالى عنه:

أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر رضي الله تعالى عنه.

وفي السيرة أنه ﷺ لما خرج إلى بدر، مر برجلين فسأل عن اسمهما، فقال له أحدهما:

مسلخ والآخر مخذل، فعدل عن طريقهما، وليس هذا من الطيرة التي نهى ﷺ عنها، بل من باب كراهة الاسم القبيح. فقد كان ﷺ يكتب إلى أمرائه: «إذا أبردتم إلي بريدا، فأبردوه حسن

الاسم حسن الوجه». وفي حديث البزار ومالك زيادة، رواها ابن وهب وهي: فقام عمر فقال:

لا أدري أقول أم أسكت؟ فقال له رسول الله ﷺ: «قل» قال: فكيف نهيتنا عن الطيرة وتطيرت؟

فقال ﷺ: «ما تطيرت ولكني آثرت الاسم الحسن».

وروى أبو داود والترمذي والحاكم وقال: صحيح عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الطيرة شرك وما منا إلا من تطير ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل». قال الخطابي: معناه وما منا إلا من يعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه فحذفه اختصارا للكلام، واعتمادا على فهم السامع. قال البخاري: كان سليمان بن حرب ينكر هذا، ويقول:

هذا ليس من قول النبي ﷺ وكأنه من كلام ابن مسعود ﵁.

قال الإمام عبد الصمد: لما رأيت في أطواق الذهب لجار الله العلامة أبي القاسم محمود الزمخشري قوله: رزق مبسوط ومقدر، وشرب صاف ومكدر، ورجل يحسو الماء القراح، وآخر درت له اللقاح، وما أوتي هذا من عجز ووهن، وما أوتي ذاك من فضل وذكاء ذهن، ولكن تقدير من بيده الملكوت، وإليه الكتاب الموقوت، ذكرت هذين البيتين:

لم أوت من طلب ولاجدّ ولا هم شريف
لكنه قدر يزول من القوي إلى الضعيف

وما أحسن قول القائل حيث قال:

أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمتعلى العباد من الرحمن أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا موليةولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.