من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
المقوقس
طائر معروف مطوق سواده في البياض، كالحمام وهو لقب لجريج بن مينا القبطي ملك مصر، وكان من قبل هرقل، ويقال: إن هرقل عزله لما رأى ميله إلى الإسلام. وأهدى لرسول الله ﷺ فرسا يقال له الزاز، وبغلته الدلدل، وحمارا أو غلاما خصيا اسمه مابور. وقد ذكره ابن منده وأبو نعيم في أصحاب رسول الله ﷺ غلطا في ذلك فإنه لم يسلم ومات على نصرانيته. ومنه فتح المسلمون مصر في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. ومابور المذكور كان ابن عم مارية القبطية، وكان يأوي إليها فقال الناس: علج يدخل على علجة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث عليا ليقتله، فقال: يا رسول الله أقتله أم أرى رأيي فيه؟ فقال ﷺ: «بل ترى رأيك فيه» فلما رأى الخصي عليا، ورأى السيف في يده، تكشف فإذا هو مجبوب ممسوح فرجع علي إلى النبي ﷺ، وأخبره بذلك فقال ﷺ: «إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب».
وروى مسلم في آخر باب التوبة، بعد حديث الإفك عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن رجلا كان متهما بأم ولد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لعلي: «اذهب فاضرب عنقه». فأتاه علي فإذا هو على ركى يتبرد فيها، فقال له علي: اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه ثم أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب.
والذي رواه الطبراني، في هذه القصة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ دخل على مارية القبطية أم ولده إبراهيم، وهي حامل به فوجد عندها نسيبا لها، كان قد قدم معها من مصر فأسلم وحسن إسلامه، وكان يدخل عليها وأنه رضي من مكانه من أم ولد رسول الله ﷺ أن يجب نفسه فقطع ما بين رجليه، حتى لم يبق لنفسه قليلا ولا كثيرا، فدخل رسول الله ﷺ يوما على أم ولده إبراهيم، فوجد قريبها عندها، فوقع في نفسه من ذلك شيء كما يقع في أنفس الناس، فرجع متغير اللون، فلقي عمر رضي الله تعالى عنه، فأخبره بما وقع في نفسه من قريب أم إبراهيم، فأخذ عمر رضي الله تعالى عنه السيف، وأقبل يسعى حتى دخل على مارية فوجد قريبها ذلك، عندها فأهوى إليه بالسيف ليقتله، فلما رأى ذلك منه كشف عن نفسه، فلما رأى ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، رجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره، فقال له رسول الله ﷺ: «ألا أخبرك يا عمر أن جبريل أتاني فأخبرني أن الله ﷿ قد برأها وقريبها مما وقع في نفسي، وبشرني أن في بطنها غلاما مني وأنه أشبه الخلق بي، وأمرني أن أسميه إبراهيم، وكناني بأبي إبراهيم، ولولا أني أكره أن أحول كنيتي التي عرفت بها، لتكنيت بأبي إبراهيم كما كناني
جبريل». ثم مات الخصي في زمن عمر فجمع الناس لشهود جنازته وصلى عليه عمر ودفن بالبقيع.
وأهدى المقوقس أيضا للنبي ﷺ قدحا من قوارير، كان ﷺ يشرب فيه، وثيابا من قباطي مصر ومطرفا من مطرفاتهم، وطرفا من طرفهم، وألف مثقال ذهبا وعسلا من عسل بنها. فأعجب النبي ﷺ العسل ودعا في عسلها بالبركة.
ووصلت الهدايا إلى النبي ﷺ سنة سبع وقيل سنة ثمان. وهلك المقوقس في ولاية عمرو بن العاص ودفن في كنيسة أبي يحنس على نصرانيته. وكان الرسول إليه من قبل النبي ﷺ حاطب بن بلتعة رضي الله تعالى عنه الذي شهد له بالإيمان، وكان حاطب عاقلا لبيبا حازما لا يخدع، باع بعض أصحابه بيعة غبن فيها لغيبة حاطب فقال «صفقة لم يحضرها حاطب»، فضرب ذلك مثلا في شراء كل صفقة ربح بائعها.
قال حاطب: لما بعثني النبي ﷺ إلى المقوقس، جئته بكتاب رسول الله ﷺ فأنزلني في منزله، وأقمت عنده ليالي، ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته، فقال: إني سأكلمك بكلام أحب أن تفهمه مني. قال: فقلت: هلم. فقال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيا؟ قال: قلت: بلى.
قال: هو رسول الله؟ قلت: بلى هو رسول الله ﷺ. قال: فما باله، حيث كان هكذا لم يدع على قومه، لما أخرجوه من بلده إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى ابن مريم أتشهد أنه رسول الله؟ قال:
كذا. قلت: فما باله، حيث أخذه قومه، وأرادوا صلبه، لم يدع عليهم بأن يهلكهم الله، بل رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟ قال: أحسنت أنت حكيم من حكيم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع