تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

النمر

بفتح النون وكسر الميم ويجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها كنظائره، ضرب من السباع فيه شبه من الأسد، إلا أنه أصغر منه، وهو منقط الجلد نقطا سودا وبيضا وهو أخبث من الأسد، لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أن يقتل نفسه. والجمع أنمار وأنمر ونمور ونمار. والأنثى نمرة. وكنيته أبو الأبرد وأبو الأسود وأبو جعدة وأبو جهل وأبو خطاف وأبو الصعب وأبو رقاش وأبو سهيل وأبو عمرو وأبو المرسال. والأنثى أم الأبرد وأم رقاش. قال الأصمعي: يقال: تنمر فلان أي تنكر وتغير، لأن النمر لا تلقاه أبدا إلا متنكرا غضبان. قال عمرو بن معد يكرب:

قوم إذا لبسوا الحديدتنمروا حلقا وقدا

يريد تشبهوا بالنمر لاختلاف ألوان القد والحديد. ومزاج النمر كمزاج السبع، وهو صنفان:

صنف عظيم الجثة صغير الذنب وبالعكس. وكله ذو قهر وقوة وسطوات صادقة، ووثبات شديدة وهو أعدى عدو للحيوانات، ولا تروعه سطوة أحد، وهو معجب بنفسه، فإذا شبع نام ثلاثة أيام، ورائحة فيه طيبة بخلاف السبع، وإذا مرض وأكل الفأر زال مرضه.

وذكر الجاحظ أن النمر يحب شرب الخمر، فإذا وضع له في مكان شربه حتى يسكر فعند ذلك يصاد. وزعم قوم أن النمرة لا تضع ولدها إلا مطوقا بحية، وهي تعيش وتنهش إلا أنها لا تقتل. ومنزلته من السباع في الرتبة الثانية من الأسد، وهو ضعيف الحزم شديد الحرص يقظان الحراك. وفي طبعه عداوة الأسد، والظفر بينهما سجال، وهو نهوش خطوف بعيد الوثبة، فربما وثب أربعين ذراعا صعودا، ومتى لم يصد لم يأكل شيئا، ولا يأكل من صيد غيره وينزه نفسه عن أكل الجيف.

روى الطبراني في معجمه الأوسط، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي ﷺ قال: «إن موسى ﵇ قال: يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك، فقال: الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه، والذي يألف عبادي الصالحين كما يألف الصبي الناس، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي كغضب النمر لنفسه، فإن النمر إذا غضب لا يبالي أقل الناس أم كثروا». وفي إسناده محمد بن عبد الله بن يحيى بن عروة، وهو متروك. وقد تقدم في النسر الإشارة إلى بعضه.

الحكم : يحرم أكله لأنه سبع ضار.

روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تصحب الملائكة رفقة

فيها جلد نمر». وفي رواية «وقعة». قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، في الفتاوى: جلد النمر نجس كله قبل الدباغ سواء كان مذكى أم لا، فيمتنع استعماله امتناع نجس العين. ومعنى هذا أنه يحرم استعماله قطعا فيما يجب فيه مجانبة النجاسة من صلاة وغيرها.

وهل يحرم على الاطلاق؟ فيه وجهان: وأما بعد الدباغ فنفس الجلد طاهر، والشعر الذي عليه نجس، تبعا لأصله ولأجل أنه غالب ما يستعمل منه. ورد الحديث بالنهي عنه مطلقا وفي حديث آخر: «لا تركبوا النمور». وفي حديث آخر أنه ﷺ «نهى عن جلود السباع أن تفترش» ولا شك أن النمر من السباع. فهذه الأحاديث قوية معتمدة والتأويل المتطرق إليها غير قوي، وإذا وجد الموفق مثل هذا عن رسول الله ﷺ في مثل هذا المضطرب فهو ضالته ومستروحه لا يرى عنه معدلا.

الأمثال : قالوا: «شمر واتزر والبس جلد النمر». يضرب لمن يؤمر بالجد والاجتهاد.

وقالوا: «لبس فلان لفلان جلد النمر». يضرب في العداوة وكشفها.

الخواص : إذا دفن رأسه في موضع اجتمع فيه من الفأر شيء كثير، ومرارته يكتحل بها تزيد في ضوء البصر، وتمنع نزول الماء في العين، وهي سم قاتل إن سقي منها أحد دانقا لا يتخلص منها إلا أن يشاء الله تعالى، ودماغه إذا أنتن لا يشم أحد من الناس رائحته إلا مات، هكذا حكاه ارسطاطاليس، في كتاب طبائع الحيوان.

وقيل: إن النمر يهرب من جمجمة الإنسان، وشعره إذا بخر به البيت هربت العقارب منه، وشحمه إذا أذيب وجعل في الجراحات العتيقة نظفها وأبرأها. ولحمه من أكل منه خمسة دراهم لا يضره سم الحيات والأفاعي.

وقال القزويني: إن جميع أجزائه تفعل فعل السم القاتل، وخاصة مرارته، وهذا هو الصواب. وقضيبه يطبخ ويشرب من مرقته ينفع من تقطير البول، وأوجاع المثانة. وجلده إذا أدمن الجلوس عليه بلا حائل صاحب البواسير نفعه، ومن حمل معه شيئا من جلده، يصير مهابا عند الناس. ويده وبراثنه إذا دفنت في موضع لا يعيش فيه فأر، وإذا نهش النمر إنسانا طلبه الفأر ليبول عليه، فإن فعل ذلك مات، وينبغي أن يحترس من ذلك ويصان، قاله صاحب عين الخواص. وقال بعضهم: من مسح جلده بشحم الضبع، ودخل على النمر فر النمر منه.

التعبير : النمر في المنام سلطان جائر، أو عدو مجاهر، شديد الشوكة، فمن قتله قتل عدوا بهذه الصفة، ومن أكل من لحمه نال مالا وشرفا، ومن ركبه نال سلطانا عظيما، فإن رأى النمر ركبه ناله ضرر من سلطان أو عدو. ومن نكح نمرة تسلط على امرأة من قوم ظلمة، ومن رأى نمرا في داره هجم على داره رجل فاسق. ومن رأى أنه صاد نمرا أو فهدا نال منفعة بقدر ضرر غضبه.

وقال ارطاميدورس: النمر يدل على رجل ويدل على امرأة. وذلك بسبب تغير لونه، وهو

ذو مكر وخديعة وربما دل على مرض ووجع العينين. ولبنه عداوة تضر شاربه والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.