تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

النوص

بفتح النون الحمار الوحشي.

النون:

الحوت وجمعه نينان وأنوان، كما قالوا: حوت وحيتان وأحوات، وقد تقدم في أول الكتاب في باب الباء الموحدة، في لفظ بالام، ما رواه مسلم والنسائي عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ سأله بعض اليهود عن تحفة أهل الجنة فقال: «زيادة كبد الحوت».

وكان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول: سبحان من يعلم اختلاف النينان في البحار الغامرات. وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: أول شيء خلقه الله

القلم، فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى يوم الساعة. قال: وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء فتفتقت منه السموات، ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه فالأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض.

وقال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها فوسوس إليه، وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوتياء من الأمم والدواب والشجر والجبال وغير ذلك، فلو نفضتهم فألقيتهم عن ظهرك أجمع لاسترحت، فهم لوتياء أن يفعل ذلك، فبعث الله إليه دابة، فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن الله لها فخرجت.

قال كعب: فو الذي نفسي بيده لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت إليه كما كانت.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: اسم الحوت يهموت. قال الراجز:

ما لي أراكم كلّكم سكوتاوالله ربي خالق يهموتا

وفي مسن الدارمي، عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». ثم تلا هذه الآية: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ

ثم قال: «إن الله وملائكته وأهل سمواته وأرضه والنون في البحر، يصلون على الذين يعلمون الناس الخير».

وفي شعب البيهقي، عن خولة بنت قيس، امرأة حمزة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قالا: إن النبي ﷺ قال: «من مشى إلى غريمه لحقه، صلت عليه دواب الأرض، ونون الماء وغرس الله له بكل خطوة شجرة في الجنة، ولا غريم يلوي غريمه وهو قادر، إلا كتب الله عليه في كل يوم إثما».

وروى أبو بكر البزار عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «من مشى إلى غريمه لحقه صلت عليه دواب الأرض، ونون الماء وينبت له بكل خطوة شجرة في الجنة وذنب يغفر».

وروى الدينوري، في المجالسة في أول الجزء السادس، عن الأوزاعي ﵀، أنه قال:

كان عندنا صياد يصطاد النينان، فكان يخرج إلى الصيد، فلا يمنعه مكان الجمعة عن الخروج، فخسف به وببغلته، فخرج الناس وقد ذهبت به بغلته في الأرض، فلم يبقى منها إلا أذناها وذنبها.

وفيها أيضا، في أول الجزء العشرين، عن زيد بن أسلم، قال: جلس إليّ رجل قد ذهبت يمينه من عضده، فجعل يبكي ويقول: من رآني فلا يظلمن أحدا فقلت له: ما حالك قال: بينا أنا أسير على شط البحر، إذ مررت بنبطي قد اصطاد سبعة أنوان، فقلت: أعطني نونا فأبى،

فأخذت منه نونا وهو كاره، فانقلب إليّ النون وهو حي فعض إبهامي عضة يسيرة، فلم أجد لها ألما، فانطلقت به إلى أهلي فصنعوه وأكلنا فوقعت الأكلة في إبهامي، فاتفق الأطباء على أن أقطعها فقطعتها، ثم عالجتها حتى قلت: قد برئت فوقعت الأكلة في كفي، ثم في ساعدي، ثم في عضدي، فمن رآني فلا يظلمن أحدا.

وذو النون لقب نبي الله يونس بن متى ﵊، لأنه ابتلعه الحوت فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص، المجاب الدعوة رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إني لأعلمكم كلمة ما قالها مكروب إلا فرج الله كربه عنه، ولا دعا بها عبد مسلم إلا استجيب له، دعوة أخي يونس لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». وجمعت الظلمات لشدة تكاثفها عليه، فإنها ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر، قيل: وظلمة حوت التقم الحوت الأول.

واختلفوا في مدة مكثه في بطنه، فقيل: سبع ساعات، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، وقيل: أربعة عشر يوما، وقال السهيلي: أقام في بطنه أربعين يوما، يتردد به في ماء الدجلة.

ونقل الإمام أحمد، في كتاب الزهد، أن رجلا قال للشعبي: مكث يونس في بطن الحوت أربعين يوما فقال الشعبي: ما مكث إلا أقل من يوم التقمه ضحى، فلما كان بعد العصر وقاربت الشمس الغروب، تثاءب الحوت فرأى يونس ضوء الشمس، فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قال: فنبذه وصار كأنه فرخ.

فقال رجل للشعبي: أتنكر قدرة الله؟ قال: ما أنكر قدرة الله، ولو أراد الله تعالى أن يجعل في بطنه سوقا لفعل.

وروى البزار، بإسناد جيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لما أراد الله تعالى حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن لا تخدش له لحما، ولا تكسر له عظما، فأخذه ثم أهوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حسا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه، وهو في بطن الحوت، ان هذا تسبيح دواب البحر، فسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: ربنا إننا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، فقال تعالى: ذاك عبدي يونس، حبسته في بطن الحوت، في بطن البحر. فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال ﷿: نعم فشفعوا له عند ذلك، فأمر الله تعالى الحوت فقذفه في الساحل. كما قال الله تعالى:

فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ

وروي أن الحوت مشى به في البحار كلها، حتى ألقاه في نصيبين، من ناحية الموصل، فنبذه الله تعالى في عراء، وهي الأرض الفيحاء التي لا شجر فيها ولا معلم. وهو سقيم كالطفل المنفوس، مضغة لحم إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء، فأنعشه الله في ظل اليقطينة بلبن أروية

تغاديه وتراوحه، وقيل: بل كان يتغذى من اليقطينة، فيجد منها ألوان الطعام وأنواع شهواته.

والحكمة في إنبات الله اليقطينة عليه، أن من خاصية اليقطين أن لا يقربه الذباب، ومن خواصه أن ماء ورقه إذا رش به مكان لا يقربه ذباب أيضا. فأقام ﵊ تحتها إلى أن صح جسده، لأن ورق الفرع أنفع شيء لمن يسلخ جلده عن جسده، كيونس ﵇.

وروي أنه ﵊ كان يوما نائما، فأيبس الله تعالى تلك اليقطينة. وقيل:

أرسل الله تعالى عليها الأرضة، فقطعت عروقها فانتبه ﵇ فوجد حر الشمس، فعز عليه شأنها وجزع، فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس جزعت ليبس يقطينة، ولم تجزع لهلاك مائة ألف أو يزيدون، تابوا فتيب عليهم. وما أحسن قول الجوهري، صاحب الصحاح:

فها أنا يونس في بطن حوتبنيسابور في ظلّ الغمام
فبيتي والفؤاد ويوم دجنظلام في ظلام في ظلام
للشاعر إسماعيل بن حماد الجوهري، من قصيدة «وها أنا يونس في بطن حوت»

وقول الآخر:

مغيث أيوب والكافي لذي النونينيلني فرجا بالكاف والنون

وقول آخر في المعنى:

ربما عالج القوافي رجالفي القوافي فتلتوي وتلين
طاوعتهم عين وعين وعينوعصتهم نون ونون ونون
للشاعر شعراء مجهولون، من قصيدة «ربما عارض القوافي رجال»

قال الشيخ جمال الدين بن الحاجب: معنى قوله: عين وعين وعين، يعني به نحو يد وغد ودد، لأنها عينات مطاوعات في القوافي، مرفوعة كانت أو منصوبة أو مجرورة، لأن وزن يدفع ووزن غدفع ووزن ددفع، وقوله: وعصتهم نون ونون ونون: الحوت يسمى نونا، والدواة تسمى نونا والنون الذي هو الحرف وكلها نونات غير مطاوعة في القوافي، إذ لا يلتئم واحد منها مع الآخر.

فائدة : روى الدينوري في المجالسة، وأبو عمر بن عبد البر في التمهيد، عن أبي العباس محمد بن اسحاق السراج، قال: حدثنا هشيم عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كتب صاحب الروم إلى معاوية رضي الله تعالى عنه يسأله عن أفضل الكلام ما هو؟ وعن الثاني والثالث والرابع والخامس، وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على الله، وعن أكرم الإماء على الله، وعن أربعة من الخلق، فيهم الروح لم يرتكضوا في رحم، ويسأله عن قبر مشى بصاحبه، وعن المجرة وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس، لم تطلع عليه قبل ذلك، ولم تطلع عليه بعده؟

فلما قرأ معاوية الكتاب، قال: أخزاه الله تعالى، وما علمي بما ههنا! فقيل له: اكتب إلى ابن عباس فكتب إليه بذلك، فكتب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:

إن أفضل الكلام لا إله إلا الله كلمة الاخلاص لا يقبل عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده صلاة الحق، والتي تليها الحمد الله كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر، والخامس لا حول ولا قوة إلا بالله.

وأما أكرم الخلق على الله ﷿ فآدم ﵇، خلقه الله بيده، وعلمه الأسماء كلها، وأما أكرم إمائه عليه، فهي مريم التي أحصنت فرجها، فنفخ فيه من روحه.

وأما الأربعة الذين لم يرتكضوا في الرحم، فآدم وحواء وناقة صالح والكبش الذي فدى به اسماعيل ﵊، وقيل: عصا موسى ﵇، حين ألقاها، فصارت ثعبانا مبينا.

وأما القبر الذي سار بصاحبه، فهو الحوت حين التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنه أمان لأهل الأرض من الغرق، بعد قوم نوح. وأما المكان الذي طلعت عليه الشمس، ولم تطلع عليه قبله ولا بعده، فهو المكان الذي انفلق في البحر لبني إسرائيل. فلما قدم عليه الكتاب، أرسل به إلى صاحب الروم فقال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا رجل من بيت النبوة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.