تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الأول من كلام الرّسول ﷺ

- قال النبي ﷺ: يا أيها الناس إنّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إنّ المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار الجنة أو النار.

- وقال ﷺ: لا يكمل عبد الإيمان حتى يكون فيه خمس خصال: التوكّل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضى بقضاء الله، والصبر على بلاء الله، إنه من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان.

- وقال ﷺ: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وأنّى لنا برياض الجنة في الدنيا؟ قال: حلق الذّكر.

- ومن كلامه ﷺ «من انقطع إلى الله كفاه الله كلّ مؤونة وفي لفظ: (ورزقه من حيث لا يحتسب) ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها، ومن حاول أمرا بمعصية الله كان أبعد له مما رجا وأقرب مما اتقى، ومن طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده منهم ذاما، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله إليهم، ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله شرّهم، ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن أحسن سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه.

- ومن كلام له ﵇: إن في القنوع لسعة وإنّ في الاقتصاد لبلغة، وإنّ في الزهد لراحة، ولكلّ عمل أجرا، وكل آت قريب.

- وقال: أكثروا ذكر هادم اللذات، فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسّعه عليكم فرضيتم به وأجرتم، وإن ذكرتموه في غنى بغّضه إليكم فجدتم به

فأثبتم. إن المنايا قاطعات للأعمال، والليالي مدنيات للآجال، وإنّ المرء بين يومين: يوم مضى أحصي فيه عمله فختم عليه، ويوم قد بقي لعلّه لا يصل إليه، إنّ العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف وقلة غناء ما خلّف، ولعله من باطل جمعه ومن حقّ منعه.

- وقال ﷺ: من أحبّ أن يكون أقوى الناس فليتوكّل على الله، ومن أحبّ أن يكون أكرم الناس فليتّق الله، ومن أحبّ أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه. ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من أكل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده، أفأنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: نعم. قال: من يبغض الناس ويبغضونه، أفأنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا. أفأنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه؛ إن عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل خطيبا، فقال: يا بني إسرائيل لا تكلّموا بالحكمة عند الجهّال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تظلموا ظالما فيبطل فضلكم عند ربكم، يا بني إسرائيل: الأمور ثلاثة أمر تبيّن رشده فاتبعوه وأمر تبيّن غيّه

فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فردّوه إلى الله.

قالت عائشة ﵂: كان يمرّ بنا هلال وهلال وما توقد في منزل رسول الله ﷺ نار، فقال عروة بن الزبير: أي خالة، فبأيّ شيء كنتم تعيشون؟ قالت: بالأسودين التمر والماء.

وقالت: قبض رسول الله ﷺ وإنّ درعه لمرهونة بثلاثين صاعا من شعير.

وقالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدموا المدينة من طعام برّ ثلاثة أيام حتى لحق بالله.

وكان ﷺ يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: تفعل ذلك وقد غفر الله لك؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا.

وقال صلّى الله عليه: ما منكم من أحد ينجيه عمله، قالوا:

ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلّا أن يتغمدّني الله برحمة منه وفضل.

قال أنس: خطبنا رسول الله ﷺ على ناقته الجدعاء وليست بالعضباء فقال: أيها الناس كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب، وكأنّ الذين نشيّع من الأموات سفر عمّا قليل إلينا راجعون نبوّئهم أجداثهم ونأكل تراثهم، كأنا مخلّدون بعدهم، قد نسينا كلّ واعظة وأمنّا كلّ جائحة، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال كسبه من غير معصية، ورحم أهل الذلّ والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن أذلّ نفسه وحسّن خليقته، وأصلح سريرته وعزل عن الناس شرّه، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنّة ولم يتعدّها إلى البدعة.

ومن كلامه صلّى الله عليه: أما رأيت المأخوذين على الغرّة والمزعجين بعد الطمأنينة الذين أقاموا على الشبهات وجنحوا إلى الشهوات حتى

أتتهم رسل ربّهم فلا ما كانوا أمّلوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا، قدموا على ما عملوا، وندموا على ما خلّفوا، ولن يغني الندم، وقد جفّ القلم، فرحم الله امرءا قدّم خيرا وأنفق قصدا، وقال صدقا، وملك دواعي شهوته ولم تملكه، وعصى إمرة نفسه فلم تهلكه.

وقال ﷺ: إياكم وفضول المطعم فإنها تصم القلب بالقسوة وتبطىء بالجوارح عن الطاعة وتصمّ الهمم عن سماع الموعظة، وإياكم وفضول النظر فإنه يبذر الهوى ويولّد الغفلة، وإياكم واستشعار الطمع فإنه يشرب القلوب شدّة الحرص ويختم على القلوب بطابع حبّ الدنيا، وهو مفتاح كلّ سيئة وسبب إحباط كلّ حسنة.

ومن كلام له ﷺ: إن روح القدس نفث في روعي أنه لن يموت عبد حتى يستكمل رزقه، فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوا شيئا من فضل الله بمعصيته، فإنه لن ينال ما عند الله إلا بطاعته، ألا وإنّ لكل امرئ رزقا هو يأتيه لا محالة، فمن رضي به بورك له فيه فوسعه، ومن لم يرض به لم يبارك له فيه فلم يسعه، وإنّ الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله.

لما أراد النبي ﷺ أن يبعث معاذا إلى اليمن، ركب معاذ

ورسول الله ﷺ يمشي إلى جانبه فقال: يا معاذ إني أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وترك الخيانة، ورحمة اليتيم، وحفظ الجار، وكظم الغيظ، وخفض الجناح، وبذل السلام، ولين الكلام، ولزوم الايمان، والتفقه في القرآن، وحبّ الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل وحسن العمل. وأنهاك أن تشتم مسلما، أو تكذّب صادقا، أو تصدّق كاذبا، أو تعصي إماما عادلا. يا معاذ: اذكر الله عند كلّ حجر وشجر وأحدث مع كلّ ذنب توبة، السرّ بالسرّ والعلانية بالعلانية (وزيد فيه:

وعد المريض، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء، وجالس الفقراء والمساكين، وأنصف الناس من نفسك، وقل الحقّ ولا تأخذك في الله لومة لائم).

ومن كلامه ﷺ: المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السيئات، والذي نفس محمد بيده لا يدخل الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه.

وقال ﷺ: فضل صلاة الليل على النهار كفضل صدقة السرّ على العلانية.

وقال ﷺ: ما من والي عشرة إلا يأتي يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه، أطلقه عدله أو أوثقه جوره.

وقال صلّى الله عليه واله: أربع من أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا من البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه في نفسه وماله خونا.

وقال ﷺ: افعلوا الخير دهركم وتعرّضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمّن روعاتكم.

ومن كلامه ﷺ:

ملاك الدين الورع.

التحدّث بالنعم شكر.

خشية الله رأس كلّ حكمة.

القناعة مال لا ينفد.

الحياء خير كله.

السعيد من وعظ بغيره.

طلب الحلال جهاد.

مداراة النّاس صدقة.

كثرة الضحك تميت القلب.

المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم.

المؤمنون هينون لينون.

تحفة المؤمن الموت.

اليقين الايمان كله.

فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة.

الويل كلّ الويل لمن ترك عياله بخير وقدم على الله بشرّ.

ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.

ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضى.

من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار لهى عن الشهوات، ومن ترقّب الموت لهى عن اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات. ومن فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه.

ازهد فيما في أيدي الناس يحبّك الناس.

اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك

قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.

عش ما شئت فانك ميت، وأحبب من شئت فانك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به.

ما نزعت الرحمة إلا من شقي.

ما امتلأت دار النعيم حبرة إلا امتلأت عبرة.

ما استرعى الله عبدا رعية فلم يحطها بنصحه إلّا حرّم الله عليه الجنة.

لا تسبّوا الأموات فانهم قد أفضوا إلى ما قدّموا.

إياك وما يعتذر منه.

إنّ هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل فما جلاؤها؟

قال: ذكر الموت وتلاوة القرآن.

كفى بالموت واعظا وبالعبادة شغلا.

ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا.

لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا.

وقال ﷺ: أكثر ذكر الموت يسلك عن الدنيا، وعليك بالشكر فإن الشكر يزيد في النعمة، وأكثر من الدعاء فإنك لا تدري متى يستجاب لك.

إياك والبغي، فإنه من بغي عليه لينصرنه الله، قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ

. (يونس:) وقال ﵇: إياك والمكر فإن الله قد قضى أن لا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

وقال صلّى الله عليه: الأئمة من قريش. إذا حكموا عدلوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك منهم عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل منه صرف ولا عدل.

وقال صلّى الله عليه: من نقله الله من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى أغناه بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس، من خاف الله

أخاف الله منه كلّ شيء، ومن رضي باليسير من الرزق رضي الله منه باليسير من العمل، ومن زهد في الدنيا ثبّت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار القرار.

- وقال ﷺ: من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجا ومخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب.

- وقال عبد الله بن عمر: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي وقال: اعبد الله كأنك تراه وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.

- ودخل رسول الله ﷺ على رجل يعوده، وهو في الموت، فقال كيف تجدك؟ قال: أرجو وأخاف، فقال ﷺ: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلّا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف.

- وقال ﷺ لعائشة، وقد سألت عن قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ

(المؤمنون:) هو الذي يزني ويسرق ويشرب

الخمر وهو في ذلك يخاف الله؟ يا ابنة الصديق، ولكنه الذي يصلّي ويصوم ويتصدق وهو في ذلك يخاف الله.

- وقال صلى الله عليه وعلى آله: شرّ الناس رجل فاجر، يقرأ كتاب الله لا يرعوي عن شيء منه.

- ومن كلام بعض العارفين: العالم الفاجر فتنة لكلّ مفتون.

- ومن كلامه صلى الله عليه وعلى آله: الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه أوشك أن يواقع ما استبان، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه.

- ومن كلامه ﵇: إنّ أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظّ من صلاة، أحسن من عبادة ربه وأطاعه في السرّ، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، عجّلت منيته وقلّ تراثه وقلّت بواكيه.

- قال عمر ﵀: ما اجتمع عند النبي ﷺ أدمان إلا أكل أحدهما وتصدّق بالآخر.

- قال رسول الله ﷺ: إياكم وخشوع النّفاق، قالت عائشة:

وما خشوع النفاق؟ قال: يخشع البدن ولا يخشع القلب.

- وقال ﷺ: مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقارض من نار، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ فقال: خطباء أمتك الذين يقولون الشيء ولا يعملون به.

- وقال ﷺ: إن أخوف ما أخاف على أمتي كلّ منافق عليم اللسان.

- وقال رسول الله ﷺ: لا تزال يد الله عليها رفرف بالرحمة والرزق والنصر، ما لم يرفق خيارهم بشرارهم، وما لم يعظّم أمراؤهم فجّارهم، وما لم يمل قرّاؤهم إلى أمرائهم، فإذا فعلوا ذلك فلينتظروا من الله النكال، يضربهم الله بالفقر والحاجة والذلّ.

- وقال ﷺ: إنّ الله يغضب إذا مدح الفاسق.

- وقال ﷺ: إذا مدح الفاسق اهتزّ لذلك العرش وغضب له الربّ تعالى.

- ومما يروى عنه ﷺ: من آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه بثلاث:

همّ لا يفارق قلبه أبدا، وفقر لا يستغني معه أبدا، وحرص لا يشبع أبدا.

- ومن مواعظه ﵇: أيّها الناس إنّ هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، ألا وإنّ الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي، وإنها لسريعة الذهاب وشيكة الانقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى خرابها، ولا تواصلوها وقد أراد منكم اجتنابها، فتكونوا لسخطه متعرّضين، ولعقوبته مستحقّين.

- وقال ﷺ لرجل يوصيه: أقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر، وأقلل من الذنوب يسهل عليك الموت، وقدّم مالك أمامك يسرّك اللحاق به، واقنع بما أوتيته يخفّ عليك الحساب، ولا تتشاغل عمّا فرض الله عليك بما ضمن لك، إنه ليس بفائتك ما قسم لك ولست بلاحق ما زوي عنك، فلا تك جاهدا فيما يصبح نافدا، واسع لملك لا زوال له في منزل لا انتقال عنه.

- وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت نائمة مع النبيّ ﷺ ليلة النصف من شعبان ثم انتبهت فإذا النبيّ ﷺ ليس عندي، فأدركني ما يدرك النساء من الغيره فلففت مرطي، أما والله ما كان خزّا ولا قزا ولا قطنا ولا كتانا، قيل: فما كان يا أم المؤمنين ؟ قالت: كان سداوته من

شعر، ولحمته من أوبار الإبل، قالت: فحبوت إليه أطلبه، فألفيته كالثوب الساقط على وجهه من الأرض وهو يقول: سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، وهذه يدي وما جنيت بها على نفسي، أنت عظيم ترجى لكل عظيم، فاغفر الذنب العظيم، فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، إنك لفي شأن وإني لفي شأن، فرفع رأسه ثم عاد ساجدا فقال: أعوذ بوجهك الذي أضاءت له السموات السبع والأرضون السبع من فجأة نقمتك، وتحويل عافيتك، ومن شرّ كتاب قد سبق، وأعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

فلما انصرف من صلاته تقدمت أمامه حتى دخلت البيت ولي نفس عال، فقال: مالك يا عائشة؟ فأخبرته الخبر، فقال: ويح هاتين الركبتين ماذا لقيتا هذه الليلة ومسح عليهما، ثم قال: أتدرين أيّ ليلة هذه يا عائشة؟ قلت:

الله ورسوله أعلم، قال: هذه ليلة النصف من شعبان فيها تراقب الآجال وتثبت الأعمال.

- وقال ﷺ: كلمة من الخير يسمعها المؤمن ويعمل بها ويعلّمها خير من عبادة سنة.

- وقال ﷺ: استأنسوا بالوحدة عن جلساء السّوء.

- وقال: لا تدعوا حظكم من العزلة فإن العزلة عبادة.

- وقال ﷺ: ما أسرّ امرؤ سريرة إلّا ألبسه الله رداءها، إن خيرا

فخيرا وإن شرّا فشرّا.

- وعنه ﷺ: إن المؤمن ليذنب الذنب فيدخله الجنّة، قالوا يا رسول الله: كيف يدخله الجنة؟ قال: يكون نصب عينيه تائبا عنه مستغفرا حتى يدخل الجنة.

- وقال ﷺ: أعجب الناس إليّ منزلة رجل يؤمن بالله ورسوله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعمر ماله، ويحفظ دينه، ويعتزل الناس.

- روى زيد بن أرقم عنه ﷺ أنه قال: من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة، ثم قال: إخلاصها أن تخرجه مما حرّم الله.

- وروى أنس عنه ﷺ: سبعة تجري للعبد بعد موته، من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو بنى مسجدا أو أورث مصحفا أو ترك ولدا صالحا أو ترك صدقة تجري له بعد موته.

- وعنه قال قال لي رسول الله ﷺ: يا بني لا تغفل عن قراءة القرآن إذا أمسيت، فإنّ القرآن يحيي القلب الميت وينهى عن الفحشاء والمنكر.

- وقال صلى الله عليه: إنه ما سكن حبّ الدنيا قلب عبد إلا

التاط منها بثلاث: شغل لا ينفد عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا يدرك منتهاه. إن الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعنقه. ألا وإنّ السعيد السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها على فانية لا ينفد عذابها، وقدّم لما يقدم عليه مما هو الآن في يديه أن يخلّفه لمن يسعد بانفاقه وقد شقي بجمعه واحتكاره.

- وقال ﷺ: من لم يتعزّ بعزاء الله ﷿ تقطّعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير أن لله ﷿ عنده نعمة إلا في مطعم أو مشرب قلّ علمه وكثر جهله، ومن نظر إلى ما في أيدي الناس طال حزنه ولم يشف غيظه.

- وقال ﷺ: إن الله ﷿ يبغض البخيل في حياته والسخيّ عند موته.

- وقال صلّى الله عليه: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.

- وقال ﷺ لعلي كرّم الله وجهه: يا عليّ إنّ من اليقين ألا ترضي بسخط الله أحدا، ولا تحمد أحدا على ما آتاك الله، ولا تذمّ أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يجرّه حرص حريص ولا تصرفه كراهة كاره، يا

علي: لا فقر أشدّ من الجهل، ولا وحشة أشدّ من العجب.

- قال الحسن بن علي سمعت رسول الله صلّى الله عليه يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الحق طمأنينة والكذب ريبة، ولن تجد فقد شيء تركته لله تعالى.

- وقال ﷺ: من أذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي.

- قال سلمان الفارسي ﵁: جاءت المؤلّفة قلوبهم إلى رسول الله ﷺ: عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس التميمي وذووهما، فقالوا: يا رسول الله إنك لو جلست في صدر المجلس ونحّيت عنّا هؤلاء لأرواح جبابهم- يعنون أبا ذرّ وسليمان وفقراء المسلمين، وكان عليهم الجباب الصوف لم يكن لهم غيرها- جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً، وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ

حتى بلغ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها

(الكهف:) يتهددهم بالنار، فقام نبيّ الله ﷺ يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد

يذكرون الله تعالى فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات.

- قال ابن عباس لهند بن أبي هالة وكان ربيبا لرسول الله ﷺ:

صف لنا رسول الله فلعلك أن تكون أثبتنا معرفة به، قال: كان بأبي وأمي طويل الصمت، دائم الفكرة، متواتر الأحزان، إذا تكلم تكلّم بجوامع الكلم، [لا فضول] ولا تقصير، إذا حدّث أعاد وإذا خولف أعرض وأشاح، يتروّح إلى حديث أصحابه، يعظّم النعمة وإن دقّت، ولا يذمّ ذواقا، [ولا يمدحه] ويبسم عن مثل حبّ الغمام.

- قال عيسى بن مريم صلى الله عليه: إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، وإلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم، وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم.

- ورأوه صلّى الله عليه يخرج من بيت مومسة فقالوا: يا مسيح الله

ما تصنع عند هذه؟ فقال: إنما يأتي الطبيب المرضى.

- وكان ﵇ يقول: يا معاشر العلماء مثلكم مثل الدّفلى يعجب ورده من نظر إليه، ويقتل طعمه من أكله، كلامكم دواء يبرىء الداء، وأعمالكم داء لا يقبل الدواء، الحكم تخرج من أفواهكم وليس بينها وبين آذانكم إلا أربع أصابع ثم لا تعيها قلوبكم، معاشر العلماء: إن الله إنما بسط لكم الدنيا لتعملوا، ولم يبسطها لكم لتطغوا، معشر العلماء كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ولا يطلبه ليعمل به، العلم فوق رؤوسكم والعمل تحت أقدامكم، فلا أحرار كرام ولا عبيد أتقياء.

- وقال ﵇: حبّ الدنيا راس كل خطيئة، والمال فيه داء كثير، قيل: يا روح الله ما داؤه؟ قال: لا يؤدّى حقّه، قيل: فإن أدّي حقه؟ قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء، قيل: فإن سلم؟ قال: يشغل استصلاحه عن ذكر الله.

- ومن كلامه الشريف المحيي: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب، متى بعد أحدكم عن أحدهما قرب من الآخر، ومتى قرب من أحدهما بعد من الآخر.

- وقال ﷺ: تقرّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي والتمسوا رضوانه بالتباعد منهم، قالوا: فمن نجالس؟ قال: من تذكركم بالله تعالى رؤيته، ويزيد في فهمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله.

- قال داود لابنه سليمان ﵉: يا بنيّ إنما يستدلّ على تقوى الرجل بثلاثة أشياء: بحسن توكّله على الله فيما يأتيه، وبحسن رضاه فيما آتاه، وبحسن صبره فيما فاته.

- قيل: لما ابتلى الله ﷿ أيوب ﵇ بذهاب المال والولد والأهل، فلم يبق له شيء أحسن من الذكر والحمد لله رب العالمين، ثم قال: أحمدك رب الأرباب الذي أحسنت إليّ؛ قد أعطيتني المال والولد فلم يبق من قلبي شعبة إلّا قد دخله ذلك، فأخذت كله وفرّغت قلبي فليس يحول بيني وبينك شيء، فمن ذا تعطيه المال والولد فلا يشغله حبّ المال والولد عن ذكرك، لو يعلم إبليس بالذي صنعت إليّ حسدني، قال: فلقي إبليس من هذا شيئا منكرا.

- ومما روي عن السيد المسيح ﵇ قوله: البرّ ثلاثة:

المنطق والنظر والصمت، فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها.

- وقيل ليوسف ﵇: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟

فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.

- مرّ المسيح ﵇ بقوم يبكون على ذنوبهم فقال: اتركوها تغفر لكم.

- روي أن موسى ﵇ سأل ربه تعالى فقال: ربّ ما أحكم الحكم، وما أغنى الغنى، وما أفضل الشكر؟ فقال جلّ ثناؤه:

أحكم الحكم أن تحكم على الناس بما تحكم به على نفسك، وأغنى الغنى أن يرضى العبد بما قسم له، وأفضل الشكر ذكر الله تعالى.

- وكان السيد المسيح يقول: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند الله رجس، انظروا إلى طير

السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن زعمتم أنكم أكبر بطونا من الطير، فهذه الوحوش من البقر والحمير تغدو وتروح وليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها.

- في الخبر أن لقمان نودي: إني أجعلك خليفة في الأرض، فقال: إن اختارني ربي فسمعا وطاعة، وإن خيّرني اخترت العافية، فأولاه الله الحكمة وصرفت الخلافة إلى داود ﵇، فكان إذا رآه داود يقول:

وقيت الفتنة يا لقمان.

- وقال ابن عباس: خيّر سليمان بن داود بين العلم والمال والملك، فاختار العلم، فأعطي المال والملك معه.

الفصل الثاني كلام القرابة ﵃ وآدابهم وآثارهم ومواعظهم

- قد اختلفت الرواة فيما جاء من مثل هذه الآداب والمواعظ اختلافا شديدا، ونسبوا الكلمة منها إلى جماعة من القرابة والصحابة، وكثيرا ما نسبوا فقرا يتداولها الناس تارة إلى رسول الله وتارة إلى أهله وأصحابه رضوان الله عليهم، حتى أن الرضي أبا الحسن الموسوي ﵀ كان مع شدة توقيه ومعرفته بكلام أبيه، في نهج البلاغة وهو الذي حققه من كلام علي ﵇ واختاره، كثيرا ما تحقق أصحاب الحديث أنه كلام النبيّ ﷺ، وكذلك غيره فعل، نسب شطرا من كلامه إلى أولاده ﵃، ولعلّ أحدهم كان يذكر الكلمة رواية أو تمثلا عن آبائه فيغفل الراوي الاسناد، وقد يقع التوارد في الكلمة كما يتفق الإيطاء في الشعر.

وروي أن عليا ﵇ سئل عن سبب اختلاف الناس في الحديث فقال: الناس أربعة: رجل منافق كذب على رسول الله متعمدا، فلو علم أنه منافق ما صدّق ولا أخذ عنه، ورجل سمع رسول الله ﷺ يقول قولا أو رآه يفعل فعلا ثم غاب ونسخ ذلك من قوله وفعله، فلو علم أنه نسخ ما حدّث ولا عمل به، ولو علم الناس أنه نسخ ما قبلوا منه ولا أخذوا عنه، ورجل

سمع رسول الله ﷺ يقول قولا فوهم فيه، فلو علم أنه وهم ما حدّث ولا عمل به، ورجل لم يكذب ولم يهم وشهد ولم يغب، وإنما دلّ بهذا على نفسه.

وكلهم ينزعون إلى غاية ويستقون من قليب واحد ولأيّهم كان الكلام فبنور النبوة أشرق ضياؤه ومن شجرتها المباركة اقتبست ناره. فإن حقق قارىء هذا الكتاب نقلا يخالف في بعض الكلمات، فالعهدة فيه على الرواة، وأنا لم آل في بذل الاجتهاد مع شدة تناقض أرباب الاسناد، وليس ذلك بقادح فيه، إذ المقصود المذاكرة بمعانيه، لا نسبته إلى قائليه.

- قال علي بن أبي طالب ﵇: أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدا السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه علمه ولم يضرّه أمله، ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضرّه أمله، ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها، ألا وإنه من لم ينفعه الحقّ ضرّه الباطل، ومن لم يستقم به الهدى يجر به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظّعن ودللتم على الزاد، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.

- وخطب ﵇ فقال: اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، واحذروا الموت الذي إن أقمتم أخذكم، وإن هربتم أدرككم.

- ومرّ في منصرفه من صفين بمقابر فقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحالّ المقفرة من المؤمنين والمؤمنات، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبع وإنا بكم عما قليل لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنّا وعنهم، الحمد لله الذي منها خلقنا، وعليها ممشانا، وفيها معاشنا، طوبى لمن ذكر المعاد وأعدّ للحساب وقنع بالكفاف.

- وقال لابنه الحسن: يا بنيّ لا تخلّفنّ وراءك شيئا من الدنيا، فإنك تخلّفه لأحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله ﷿ فسعد بما شقيت به، وإما رجل عمل بمعصية الله فكنت عونا له على ذلك، وليس أحد هذين بحقيق أن تؤثره على نفسك.

- ومن كلامه ﵇: من العبادة الصمت وانتظار الفرج.

- ومنه: أما بعد فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته: ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا، وليكن همّك فيما بعد الموت.

- ورؤي عليه إزار مرقوع فقيل له في ذلك فقال: يخشع له القلب وتذلّ له النفس ويقتدي به المؤمنون بعدي.

- وقال ﵇ لسلمان الفارسي رحمة الله عليه: إنّ مثل الدنيا مثل الحية ليّن مسّها قاتل سمها، فأعرض عما يعجبك منها، فإن المرء العاقل كلّما صار منها إلى سرور أشخصه منها إلى مكروه، ودع عنك همومها إن أيقنت بفراقها.

- قال كميل بن زياد النخعي: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ فأخرجني إلى الجبانة، فلما أصحر تنفّس الصعداء ثم قال: يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك: إنّ الناس ثلاثة عالم ربانيّ، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل: العلم خير من المال فالمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق. يا كميل: معرفة العلم دين يدان به، يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. يا كميل بن زياد: هلك خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، ها إنّ ها هنا لعلما جما- وأشار إلى صدره- لو أصبت له حملة؛ بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقادا بجملة الحق لا بصيرة له في إجابة، ينقدح الشكّ في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك، أو منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والادّخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب

[شيء] شبها بهما الأنعام السائمة؛ كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته. ولم ذا وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلّون عددا، الأعظمون قدرا، بهم يحفظ الله حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم العلم بهم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعر المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى. أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقا إليهم، انصرف إذا شئت.

- ومن كلام له ﵇: أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار، فخذوا من دار ممرّكم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل ان تخرج منها أبدانكم؛ ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم، إنّ المرء إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟ لله آباؤكم، فقدّموا بعضا يكن لكم، ولا تخلّفوا كلّا فيكون عليكم.

- قال مجاهد: خرج علينا علي ﵇ يوما معتجرا فقال:

جعت مرة بالمدينة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا

أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظنتها تريد بلّه فأتيتها فقاطعتها كلّ ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يداي، ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفّي هكذا بين يديها فعدّت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي صلى الله عليه فأخبرته، فأكل معي منها. قوله: مجلت أي تنفّطت.

- ودخل عليه بعض أصحابه بالخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفة، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟! فقال: والله ما أرزأكم من مالكم شيئا، وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي، أو قال: من المدينة.

- وقسم ﵇ ما في بيت المال على سبعة أسباع، ثم وجد رغيفا فكسره سبع كسر، ثم دعا أمراء الأجناد فأقرع بينهم.

- قال الأحنف: دخلت على معاوية فقدّم إليّ من الحلو والحامض ما كثر تعجبي منه، ثم قدّم لونا ما أدري ما هو، فقلت ما هذا؟ قال:

مصارين البطّ محشوة بالمخّ قد قلي بدهن الفستق وذرّ عليه الطبرزد، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: ذكرت عليا، بينا أنا عنده فحضر وقت إفطاره، فسألني المقام إذ دعا بجراب مختوم، قلت: ما في الجراب؟ قال: سويق شعير، قلت: خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به؟ قال: لا ولا أحدهما ولكني خفت أن يلتّه الحسن والحسين بسمن أو زيت. قلت: محرّم هو يا أمير

المؤمنين؟ قال: لا ولكن يجب على أئمة الحقّ أن يعتدّوا أنفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغي الفقير فقره، قال معاوية: ذكرت من لا ينكر فضله.

- واشترى علي ﵇ بالكوفة تمرا فحمله في طرف ردائه، فتبادره الناس وقالوا: يا أمير المؤمنين نحمله عنك، فقال: رب العيال أحقّ بحمله.

- وروي أنه ﵇ ملك أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلا وبآخر نهارا وبدرهم سرا وبآخر علانية فأنزل الله ﷿: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ

(البقرة:).

- ومن كلامه ﵇: يا ابن آدم إذا رأيت ربّك سبحانه يتابع نعمه عليك فاحذره.

- وقال: من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب.

- ومن كلامه: أفضل الزهد إخفاء الزهد. إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى. من أطال الأمل أساء العمل. لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض. سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك.

- وقال ﵇: الدهر يخلق الأبدان ويجدّد الآمال ويقرّب المنية ويباعد الأمنية، من ظفر به نصب، ومن فاته تعب.

- وقال: أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل كانت لذلك أهلا، لا يرجونّ أحد منكم إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحيينّ أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ولا يستحيين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه، وعليكم بالصبر فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه.

- وقال ﵇: عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار.

- وقال: كان في الأرض أمانان فرفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به، أما الأمان الذي رفع في الدنيا فهو رسول الله ﷺ، وأما الأمان الآخر فالاستغفار، قال الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

(الأنفال:).

- وقال ﵇: من اصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ.

- وقال وقد سمع رجلا من الحرورية يتهجّد ويقرأ: نوم على يقين خير من صلاة في شكّ.

- وقال ﵇: لا يترك الناس شيئا من دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضرّ منه.

- وقال ﵇: كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه.

- وقال: شتّان بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره.

- وقال ﵇ وقد سمع رجلا يذمّ الدنيا: أيها الذامّ للدنيا المغتر بغرورها، بم تذمّها؟ أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك؟ متى استهوتك أم متى غرّتك؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم علّلت بكفيك، وكم مرّضت بيديك، تبغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك، ولم تدفع عنه بقوتك، قد مثّلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك.

إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، ودار موعظة لمن اتّعظ بها: مسجد أحبّاء الله، ومصلّى ملائكته، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وتربحوا فيها الجنة؛ فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، فمثّلت لهم ببلائها البلاء، وشوقتهم بسرورها إلى السرور؟ راحت بعافية، وابتكرت بفجيعة، ترغيبا وترهيبا، وتخويفا وتحذيرا، فذمّها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون، ذكّرتهم فذكروا، وحدّثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا.

- وقال ﵇: استنزلوا الرزق بالصدقة، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية.

- وقال: لكلّ أمر عاقبة حلوة أو مرة. لكلّ مقبل إدبار وما أدبر كأن لم يكن. الرحيل وشيك. من ابدى صفحته للحقّ هلك.

- وقال ﵇: من أعطي أربعا لم يحرم أربعا: من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة، ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول، ومن أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

(المؤمن:). ثم قال في الاستغفار: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً

(النساء:). وقال في الشكر: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

(ابراهيم:). وقال في التوبة: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً

(النساء:).

- وقال ﵇ لرجل سأله أن يعظه: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجىء التوبة لطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة على ما أولي، ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحبّ الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظلّ نادما، وإن صحّ أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترّا، تغلبه نفسه على ما يظنّ، ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله؛ إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصّر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل؛ أسلف المعصية وسوّف بالتوبة، يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتّعظ، فهو بالقول مدلّ، ومن العمل مقلّ؛ ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى؛ يرى الغنم مغرما والغرم مغنما؛ يخشى الموت ولا يبادر الفوت؛ يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن؛ اللغو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذّكر

مع الفقراء؛ يحكم على غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره؛ يرشد غيره ويغوي نفسه.

- وقال له رجل أوصني قال: لا تحدّث نفسك بفقر ولا طول عمر.

- وقال: الأمل على الظنّ آفة العمل على اليقين.

- وسئل عن الإيمان فقال: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.

- وقال ﵇: من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء الله ساخطا، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربّه، ومن أتى غنيا فتواضع لغناه ذهب ثلثا دينه.

- وقال ﵇: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.

- وقال: يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم.

- وقال: احذروا نفار النعم فما كلّ شارد بمردود.

- وقال: أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه.

- وقال ﵇: لو لم يتوعّد الله على معصية لكان يجب أن لا يعصى شكرا لنعمته.

- وقال: ما أكثر العبر وأقلّ الاعتبار.

- وقال: ما المبتلى الذي قد استبدّ به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.

- وقال: أقلّ ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه.

- وقال ﵇ في صفة المؤمن: المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدرا، وأذلّ نفسا، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلّته، سهل الخليقة، ليّن العريكة، نفسه أصلب من الصّلد، وهو أذلّ من العبد.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.