تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الثالث كلام الصّحابة ﵃ ومأثور أخبارهم وسيرهم

- كان أبو بكر ﵁ إذا مدح يقول: اللهم أنت أعلم مني بنفسي وأنا أعلم منهم بنفسي، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.

- وقيل له في مرضه: لو أرسلت إلى الطبيب، قال، قد رآني، قيل: فما قال لك؟ قال: إني أفعل ما أشاء.

- ولما استخلف قال للناس: إنكم قد شغلتموني عن تجارتي فافرضوا لي، ففرضوا له كلّ يوم درهمين.

- وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: دخلت عليه في علته

التي مات فيها، فقلت، أراك بارئا يا خليفة رسول الله فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، وما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي، إني ولّيت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذنّ نضائد الديباج ولتألمنّ النوم على الصوف الأذربيّ كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان. والذي نفسي بيده لأن يقدّم أحدكم فتضرب عنقه بغير حلّ خير له من أن يخوض غمرات الدنيا. يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البجر. فقلت: اخفض عليك يا خليفة رسول الله، فإنّ هذا يهيضك إلى ما بك، فو الله ما زلت صالحا مصلحا، لا تأسى على شيء فاتك من أمر الدنيا، ولقد تحليت الأمر وحدك فما رأيت إلّا خيرا.

- وقال رجل لأبي بكر ﵁ والله لا شتمنك شتما يدخل معك قبرك قال: معك والله يدخل لا معي.

توفي رسول الله ﷺ ارتدّت العرب ومنعت شاتها وبعيرها، فاجتمع رأينا كلّنا أصحاب محمد أن قلنا: يا خليفة رسول الله إنّ رسول الله ﷺ كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمدّه الله تعالى بهم، وقد انقطع ذلك اليوم، فالزم بيتك ومسجدك فإنه لا طاقة لك بالعرب، فقال أبو بكر: أوكلّكم رأيه هذا؟

فقلنا: نعم فقال: والله لأن أخرّ من السماء فتخطّفني الطير أحبّ إليّ من أن يكون هذا رأيي.

ثمّ صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه وكبّره وصلّى على النبيّ ﵇، ثمّ أقبل على الناس فقال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله تعالى فإنّ الله حيّ لا يموت، أيها الناس إن كثر اعداؤكم وقلّ عددكم ركب الشيطان منكم هذا المركب؟! والله ليظهرنّ هذا الدين على الأديان كلّها ولو كره المشركون، وقوله الحقّ ووعده الصدق: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ

(الأنبياء:). وكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

(البقرة:)، أيها الناس، لو أفردت من جمعكم لجاهدتهم في الله حقّ جهاده حتى أبلغ من نفسي عذرا أو أقتل مقبلا، والله أيها الناس لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه، واستعنت بالله خير معين. ثم نزل فجاهد في الله حقّ جهاده، حتّى أذعنت العرب بالحقّ.

وهذا الخبر يدلّ على قوّة اليقين والإيمان والتشمير في ذات الله ﷿ على ما يوجب له التقديم والتسليم.

- ومن كلامه في خطبته يوم الجمعة: الوحى الوحى النجاء

النجاء؛ وراءكم طالب حثيث، مرّه سريع، ففكّروا عباد الله فيمن كانوا قبلكم، أين كانوا أمس وأين هم اليوم، أين الشباب الوضأة المعجبون بشبابهم؟ صاروا كلا شيء، أين الملوك الذين بنوا الحوائط واتخذوا العجائب؟

تلك بيوتهم خاوية، وهم في ظلمات القبور، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً

(مريم:) أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ تضعضع بهم الدهر فصاروا رميما، أين من كنتم تعرفون من آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وقراباتكم؟ وردوا على ما قدّموا وحلّوا بالشقاوة والسعادة فيما بعد الموت. اعلموا عباد الله أن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه خيرا، ولا يدفع به عنه سوءا إلّا بطاعته واتباع أمره، فإن أحببتم أن تسلم دنياكم وآخرتكم فاسمعوا وأطيعوا ولا تفرّقوا فتفرّق بكم السّبل، وكونوا إخوانا بما أمركم الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

- وقال في خطبة له: تعلمون أنّ أكيس الكيس التّقى وانّ أعجز العجز الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتّى أعطيه حقّه، وأن أضعفكم عندي القويّ حتّى آخذ منه الحقّ، أيها الناس إنما أنا متّبع ولست بمبتدع، فإذا أحسنت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني.

- وقال: أربع من كنّ فيه كان خيار عباد الله: من فرح

للتائب، واستغفر للمذنب، ودعا للمدين، وأعان المحسن على إحسانه:

- وروي أنّه قال لعمر ﵄: إني مستخلفك من بعدي، وموصيك بتقوى الله. فإن لله تعالى عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنّه لا يقبل نافلة حتّى تؤدّى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحقّ في الدنيا وثقله عليهم، وحقّ الميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلّا الباطل أن يكون خفيفا. إن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم أقول إني لأرجو أن أكون من هؤلاء، وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ولم ينكر حسناتهم، فإذا ذكرتهم، قلت: إنّي لأخاف أن أكون من هؤلاء، وذكر العدل مع آية الرحمة، ليكون العبد [راغبا] راهبا ولا يتمنّى على الله تعالى غير الحقّ، ولا يلقي بيده إلى التّهلكة. فإن قبلت وصيّتي فلا يكوننّ غائب أحبّ إليك من الموت، وهو آتيك، وإن أضعت وصيّتي فلا يكوننّ غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجز الله تعالى.

- قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه في خطبة له: إنما الدنيا

أمل مخترم، وأجل منتقص، وبلاغ إلى دار غيرها، وسيّر إلى الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله امرءا فكّر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربّه، واستقال ذنبه.

- وقال له المغيرة: إنا بخير ما أبقاك الله. فقال عمر: أنت بخير ما اتقيت الله.

- وخطب فقال: إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مؤدّية إلى السّقم، وعليكم بالقصد في قوتكم فهو أبعد من السّرف وأصحّ للبدن وأقوى على العبادة، وإنّ العبد لن يهلك حتّى يؤثر شهوته على دينه.

- وقال على المنبر: اقرءوا القرآن تعرفوا به، واعلموا به تكونوا من أهله. إنه لن يبلغ من حقّ ذي حق أن يطاع في معصية الله ﷿. إني أنزلت نفسي من مال الله ﷿ بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت عففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرّم البهمة الأعرابيّة: القضم لا الخضم.

- وكتب إلى ابنه عبد الله: أما بعد فإنه من اتّقى الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، فعليك بتقوى الله فإنّه لا ثواب لمن لا نيّة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له.

- ومن كتاب إلى أبي موسى: فإيّاك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرّت بواد خصب، فلم يكن لها همّ إلّا السّمن وإنما حتفها في السمن.

- وحضر باب عمر ﵀ جماعة منهم سهيل بن عمرو، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، فخرج الآذن فقال: أين صهيب؟

أين عمار؟ أين سلمان؟ فتغيّرت وجوه القوم. فقال سهيل: لم تتغيّر وجوهكم؟ دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطانا، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ لهم من الآخرة أكثر.

- وسأله عبد الرحمن أن يلين للناس فقال: الناس لا يصلح لهم

إلّا هذا، ولو علموا ما لهم عندي لأخذوا ثوبي من عاتقي.

- ومرّ عمر ﵁ بشابّ فاستسقاه، فخاض له عسلا فلم يشرب وقال: إني سمعت الله ﷾ يقول: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا

(الأحقاف:). فقال الفتى: إنها ليست لك، اقرأ ما قبلها: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ

(الاحقاف:). أفنحن منهم؟ فشربها وقال: كلّ الناس أفقه من عمر.

- وكان يحمل الدقيق على ظهره إلى الفقراء فقال له بعضهم:

دعني أحمله عنك، فقال: ومن يحمل عني ذنوبي؟

- وكتب إلى عبيدة: أما بعد فإنه لم يقم أمر الله ﷾ في الناس إلا حصيف العقدة بعيد الغرّة، لا يحنق في الحقّ على جرّة، ولا يطّلع للناس على عورة، ولا تأخذه في الله لومة لائم.

- وخطب فقال: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلّوهم، ولا تمنعوهم [حقوقهم] فتكفّروهم، ولا تجمّروهم فتفتنوهم.

- وطلى بعيرا من الصدقة بالقطران، فقال له رجل: لو أمرت

عبدا من عبيد الصدقة كفا كه، فضرب صدره وقال: عبد أعبد مني؟! - وقال: كلّ عمل كرهت من أجله الموت فاتركه ثم لا يضرّك متى مت.

- وقال: من زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقيت به رعيته.

- وقال: الناس طالبان: فطالب يطلب الدنيا فارفضوها في نحره، فإنه ربما أدرك الذي طلب منها فهلك بما أصاب منها، وربما فاته الذي طلب منها فهلك بما فاته منها، وطالب يطلب الآخرة، فإذا رأيتم طالب الآخرة فنافسوه.

- وقال: استغزروا العيون بالتذكر.

- وقال أيضا: أيها الناس إنه أتى عليّ حين وأنا احسب أنه من

قرأ القرآن إنما يريد به الله تعالى وما عنده، ألا وقد خيّل إليّ أخيرا أن أقواما يقرأون القرآن يريدون به ما عند الناس، ألا فأريدوا الله بقراءتكم وأريدوا الله بأعمالكم، فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل وإذ النبيّ بين أظهرنا، فقد رفع الوحي وذهب النبيّ ﷺ وأنا أعرفكم بما أقول لكم، ألا فمن أظهر لنا خيرا ظننّا به خيرا وأثنينا عليه، ومن أظهر لنا شرّا ظننّا به شرّا وأبغضناه عليه، اقدعوا هذه النفوس عن شهواتها فإنها طلّاعة تنزع إلى شرّ غاية، إن هذا الحق ثقيل مريء، وإن الباطل خفيف وبيء، وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة، وربّ نظرة زرعت شهوة، وربّ شهوة ساعة أورثت حزنا دائما.

- بعث إلى عمر ﵁ بحلل فقسمها، فأصاب كلّ رجل ثوب، ثم صعد المنبر وعليه حلّة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان الفارسي ﵀: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ فقال: إنك قسمت علينا ثوبا ثوبا وعليك حلة فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله؛ ثمّ نادى يا عبد الله، فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: نشدتك الله، الثوب الذي اتزرت به أهو ثوبك؟ قال: نعم، فقال سلمان: أما الآن فقل نسمع.

- قال عمر ﵁: لو ماتت سخلة على شاطىء الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها.

- وقال: السلطان أربعة أمراء: فأمير قويّ ظلف نفسه وعمّاله فذلك المجاهد في سبيل الله، يد الله باسطة عليه بالرحمة؛ وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع عماله بضعفه فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله، وأمير ظلف عمّاله وأرتع نفسه فذلك الحطمة الذي قال [فيه] رسول الله صلّى الله عليه وآله: شرّ الرّعاء الحطمة، فهو الهالك وحده، وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكا جميعا.

- وقال عمر: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يديّ على من كان الحقّ من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين.

- وقال عمر ﵁ لعبد الله بن أرقم: اقسم بيت المال في كلّ شهر لا بل في كل جمعة؛ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، لو حبست شيئا بعده، عسى أن يأتيك أمر تحتاج إليه، فلو تركت عدة لنائبة ان نابت المسلمين، فقال عمر: كلمة ألقاها الشيطان على لسانك لقّاني الله حجّتها ووقاني فتنتها، لتكوننّ فتنة لقوم بعدي، أعصي الله العام مخافة عام قابل؟ أعدّ لهم ما أعدّ رسول الله ﵇، يقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ

(الطلاق:،).

- ومن كلامه: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله

فيه. (وقد ورد هذا الكلام عن أبي ذر ﵁، ويرد فيما بعد) ضع أمر أخيك على أحسنه. لا تظنّ بكلمة خرجت من مسلم شرّا وأنت تجد لها في الخير محملا. لا تهاونوا بالحلف بالله فيهينكم الله. لا تعترض فيما لا يعنيك. لا تسأل عما لم يكن فإن فيما كان شغلا. اعتزل عدوّك، واحذر صديقك إلا الأمين، والأمين من خشي الله. تخشّع عند القبور، وذلّ عند الطاعة، واستغفر عند المعصية، واستشر في أمورك الذين يخشون الله.

- لما حضر معاذ بن جبل الموت قال: انظروا أصبحنا؟ فأتي فقيل له: لم تصبح، فقال: انظروا أصبحنا؟ فأتي فقيل له: لم تصبح، حتى أتي في بعض ذلك فقيل له: قد أصبحت، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار؛ مرحبا بالموت، مرحبا بزائر مغبّ حبيب جاء على فاقة.

اللهم إني قد كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحبّ الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالرّكب عند حلق الذكر.

- قالت أم ذر: لما حضرت أبا ذرّ الوفاة بكيت، فقال: ما

يبكيك؟ قلت: أبكي أنه لا بدّ لي من تكفينك وليس لي ثوب من ثيابي يسعك كفنا، قال: فلا تبكي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد مات في قرية وجماعة من المسلمين، وأنا الذي أموت بفلاة، والله ما كذبت ولا كذبت، فانظري الطريق، فقلت: أنّى وقد انقطع الحجّاج؟ فكانت تشتد الى كثيب تقوم عليه ثم تنظر، ثم ترجع إليه فتمرّضه، ثم ترجع إلى الكثيب، فبينا هي كذلك إذا بنفر تخبّ بهم رواحلهم كأنّهم عليها الرّخم، فألاحت بثوبها فأقبلوا حتى وقفوا عليها، فقالوا: ما لك؟

قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفّنونه، قالوا: من هو؟ قالت: أبو ذر، ففدّوه بآبائهم ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إليه حتى جاءوه، فقال:

أبشروا، فحدّثهم وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ وذكر الخبر، وإنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفّن إلا في ثوب لي أو لها، أنتم تسمعون إليّ، إني أنشدكم الله والإسلام أنّ يكفّنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو نقيبا أو بريدا، فليس أحد من القوم إلا قارف بعض ما قال، إلا فتى من الأنصار، فقال: يا عمّ أنا أكفّنك، لم أصب مما ذكرت شيئا، أكفّنك في ردائي هذا الذي عليّ وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي حاكتهما لي، قال: أنت فكفّني، فكفّنه الأنصاريّ في النفر الذين شهدوه، ومنهم حجر بن الأدبر ومالك الأشتر في نفر كلهم يمان.

- ولما حضرت سلمان الفارسيّ الوفاة عرف منه بعض الجزع،

فقالوا: ما يجزعك أبا عبد الله، وقد كان لك سابقة في الخير، شهدت مع رسول الله ﷺ مغازي حسنة وفتوحا عظاما؟ فقال: يحزنني أنّ حبيبي محمدا عهد إلينا حين فارقنا، فقال: ليكف المؤمن كزاد الراكب، فهذا الذي حزنني؛ فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر دينارا.

[ ب]- وعنه ﵀ أنه أكره على طعام يأكله، فقال: حسبي حسبي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أكثر الناس جمعا في الدنيا أكثرهم جزعا في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر.

- كتب أبو الدرداء إلى أخ له: أما بعد فلست في شيء من أمر الدنيا إلّا وقد كان له أهل قبلك، وهو صائر له أهل بعدك، وليس لك منه إلا ما قدّمت لنفسك، فآثرها على المصلح من ولدك، فإنك تقدم على من لا يعذرك، وتجمع لمن لا يحمدك. وإنما تجمع لواحد من اثنين: إما عامل فيه بطاعة الله يسعد بما شقيت له، وإما عامل فيه بمعصية الله فيشقى بما جمعت له، وليس والله أحد منهما بأهل أن تبرد له على ظهرك، ولا تؤثره على نفسك.

ارج لمن مضى منهم رحمة الله، وثق بمن بقي منهم رزق الله، والسلام.

- قال عبد الله بن مسعود: إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة.

- ومن كلام كان يقوله ابن مسعود: أيها الناس، إنكم مجموعون لصعيد واحد يسمعكم الداعي ويفقدكم البصر؛ إنّ أصدق الحديث كلام الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وأحسن القصص هذا القرآن، وأحسن السنن سنة محمد ﷺ، وأشرف الحديث ذكر الله، وخير الأمور عزائمها، وشرّ الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعزّ الضلالة ضلالة بعد الهدى، وخير العمل ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشرّ العمى عمى القلب، وما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، وشرّ الندامة ندامة يوم القيامة، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما ألقي في القلب اليقين، والريب من الكفر، والغلول من جمر جهنم، والكبر كيّ من النار، والشعر مزامير إبليس، والخمر جامع الإثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشرّ المكاسب أكل الربا والأمر بأخذه، وأملك العمل به خواتمه، وشرّ الروايا روايا الكذب، وسباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألّ على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر الله له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزايا يعقبه الله، ومن يتبع السّمعة يسمّع الله به، ومن يثق بالدنيا تعجزه، ومن يطع الشيطان يعص الله، ومن يعص الله يعذّبه.

- وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل سعيد بن

عامر بن خذيم الجمحي على حمص، فلما قدم عمر حمص قال: كيف وجدتم عاملكم؟ قال: وكان يقال لحمص الكويفة الصغرى لشكايتهم العمّال، قالوا: نشكو أربعا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها، وماذا؟ قالوا: لا يجيب أحدا بليل، قال: عظيمة، وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج إلينا، قال: عظيمة، وماذا؟ قالوا: يغنظ الغنظ بين الأيام حتى تأخذه موتة، قال: فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم لا تفيّل رأيي فيه اليوم؛ ما تشكون منه؟ قالوا لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال:

والله إن كنت لأكره ذكره، ليس لأهلي خادم فأعجن عجيني ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج اليهم، قال عمر: وما تشكون منه؟

قالوا: لا يجيب أحدا بليل، [قال: ما تقول؟] قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم وجعلت الليل لله؛ قال: وما تشكون منه؟

قالوا: إن له يوما في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: ليس لي خادم تغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجف ثم أدكلها، ثم أخرج إليهم في آخر النهار. قال: وما تشكون منه؟ قالوا يغنظ الغنظ بين الأيام، قال:

شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة، فقالوا له: أتحبّ أن محمدا مكانك، فقال: والله ما أحبّ أني في أهلي ومالي وولدي وأنّ محمدا شيك بشوكة، ثم نادى يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم، إلا ظننت أنّ الله لا يغفر لي بذلك الذنب أبدا، فيصيبني تلك الغنظة. فقال عمر ﵁: الحمد لله الذي لم يفيّل فراستي، فبعث إليه بألف دينار وقال: استعن بها على أمرك، فقالت امرأته: الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك، فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ ندفعها إلى من يأتينا بها

أحوج ما نكون إليها. قالت: نعم، فدعا رجلا من أهل بيته يثق به، فصرّها صررا ثم قال: انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان وإلى يتيم آل فلان، وإلى مسكين آل فلان، وإلى مبتلى آل فلان. فبقيت ذهيبة، فقال: أنفقي هذه، ثم عاد إلى عمله، فقالت: ألا تشتري لنا خادما؟ ما فعل ذلك المال؟ قال:

سيأتيك أحوج ما تكونين.

- وروي أن عمر ﵁ بعث عمير بن سعد الأنصاري عاملا على حمص، فمكث حولا لا يأتيه خبره، فقال عمر لكاتبه: اكتب إلى عمير، فو الله ما أراه إلا خائنا: إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل بما جبيت من فيء مال المسلمين حين تنظر في كتابي هذا. قال: فأخذ عمير جرابه فجعل فيه زاده وقصعته وعلّق إداوته وأخذ عنزته، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة، فقدم وقد شحب لونه واغبّر وجهه وطال شعره، فدخل على عمر وسلّم عليه، فقال عمر: ما شأنك؟ فقال؟ عمير: ما ترى من شأني، ألست تراني صحيح البدن ظاهر الدم، معي الدنيا أجرّها بقرنيها؟

قال: وما معك؟ - وظنّ عمر أنه قد جاء بمال- فقال: معي جرابي أجعل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي، وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، وعنزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا إن عرض لي، فو الله ما الدنيا إلّا تبع لمتاعي، قال عمر: فجئت تمشي؟ قال: نعم. قال: ما كان أحد يتبرّع لك بدابة تركبها؟ قال: ما فعلوا وما سألتهم ذلك؛ فقال عمر:

بئس المسلمون خرجت من عندهم، فقال عمير: اتقّ الله يا عمر، قد نهاك

الله عن الغيبة، وقد رأيتهم يصلّون صلاة الغداة، قال عمر: فأين بعثتك وأي شيء صنعت؟ قال: وما سؤالك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: سبحان الله، فقال عمير: لولا أني أخشى أن أغمك ما أخبرتك، بعثتني حتى أتيت البلدة فجمعت صلحاء أهلها فولّيتهم جباية فيئهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه، ولو نالك منه شيء لأتيتك به، قال فما جئتنا بشيء؟ قال: لا، قال:

جددوا لعمير عهدا، قال: إن ذلك لشيء، لا عملت لك ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت، بلى لم أسلم، لقد قلت لنصراني: أي أخزاك الله، فهذا ما عرّضتني له، ورجع إلى منزله، قال: وبينه وبين المدينة أميال، فقال عمر حين انصرف عمير: ما أراه الّا قد خاننا، فبعث رجلا يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار وقال: انطلق إلى عمير حتى تنزل به كأنك ضيف، فإن رأيت أثر شيء فأقبل، وإن رأيت حالا شديدا فادفع إليه هذه المائة دينار.

فانطلق الحارث فإذا هو بعمير جالس يفلي قميصه إلى جنب الحائط، فسلّم عليه، فقال له عمير: انزل رحمك الله، فنزل ثم سأله فقال: من أين جئت؟ قال: من المدينة، قال: فكيف تركت أمير المؤمنين؟ فقال:

صالحا، قال: فكيف تركت المسلمين؟ قال: صالحين، قال: ليس يقيم الحدود؟ قال: بلى ضرب ابنا له على أن أتى فاحشة فمات من ضربه. فقال عمير: اللهم أعن عمر فإني لا أعلمه إلّا شديدا حبّه لك، قال: فنزل به ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصّونه بها ويطوون، حتى علم أن قد أتاهم الجهد، فقال له عمير: إنك قد أجعتنا فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل، قال: فأخرج إليه الدنانير فدفعها إليه وقال: بعث بها أمير المؤمنين إليك فاستعن بها، فصاح وقال: لا حاجة لي فيها ردّها، فقالت له امرأته:

إن احتجت إليه وإلا فضعها موضعها، فقال عمير: والله مالي شيء أجعلها فيه، فشقّت المرأة أسفل درعها، فأعطته خرقة فجعلها فيها، ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء، ثم رجع والرسول يظنّه يعطيه منها شيئا، فقال له

عمير: اقرأ السلام مني أمير المؤمنين، فرجع الحارث إلى عمر، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنين حالا شديدا، قال: فما صنع بالدنانير؟

قال: لا أدري، فكتب إليه عمر: إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل، فدخل على عمر فقال له: ما صنعت بالدنانير؟ قال: صنعت ما صنعت، وما سؤالك عنها؟ فقال: أقسم بالله لتخبرنّي ما صنعت بها، قال:

قدّمتها لنفسي. قال: رحمك الله، وأمر له بوسق من طعام وثوبين، فقال:

أما الطعام فلا حاجة لي فيه، قد تركت في المنزل صاعين [من] شعير، إلى أن آكل ذلك قد جاء الله بالرزق، ولم يأخذ الطعام، وأما الثوبان فنعم، إن أمّ فلان عارية، فأخذهما ورجع إلى منزله، ولم يلبث أن هلك ﵀.

- قال الشعبي: مرّ رجل في مراد على أويس القرنيّ فقال:

كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أحمد الله، قال: كيف الزمان عليك؟

قال: كيف الزمان على رجل إن أصبح ظنّ أنه لا يمسي، وإن أمسى ظنّ أنه لا يصبح، فمبشر بالجنة أو مبشر بالنار. يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يترك لمؤمن فرحا، وإنّ علمه بحقوق الله لم يترك في ماله فضة ولا ذهبا، وإن قيامه بالحقّ لم يترك له صديقا.

وأويس وإن لم يكن صحب النبي ﷺ، فإنه ذكره ﵇ ونبّه عليه بما شرف محله، فلهذا أضفته إلى ما جاء عن الصحابة ﵃ أجمعين.

- وقال عبد الله بن مسعود: إذا رأيتم أخاكم قارف ذنبا فلا تكونوا أعوان الشيطان عليه، تقولوا: اللهم أخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا

الله العافية فانا أصحاب محمد كنّا لا نقول في أحد شيئا حتى نعلم على ما يموت، فإن ختم له بخير علمنا أنه قد أصاب خيرا، وإن ختم له بشرّ خفنا عليه.

- لقي هرم بن حيان أويسا القرني فقال: السلام عليك يا أويس ابن عامر، فقال: وعليك [السلام] يا هرم بن حيان، قال: أما أنا فعرفتك بالصفة فكيف عرفتني؟ قال: عرفت روحي روحك، لأن أرواح المؤمنين تشامّ كما تشامّ الخيل، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. قال: إني أحبك في الله، قال: ما ظننت أن أحدا يحبّ في غير الله؛ قال: إني أريد أن أستأنس بك، قال: ما ظننت أنّ أحدا يستوحش مع الله. قال:

أوصني، قال: عليك بالأسياف، يعني ساحل البحر، قال: فمن أين المعاش؟ قال: أفّ أف، خالط الشكّ الموعظة، تفرّ إلى الله بدينك وتتهمه في رزقك؟! - قال رجل لأم الدرداء: إني لأجد في قلبي داء لا أجد له دواء، وأجد قسوة شديدة، وأملا بعيدا. قالت: اطّلع في القبور واشهد الموتى.

قال أبو بكر بن حفص: جاءت عائشة إلى أبيها ﵄

فرأته يعالج الموت، فتمثلت بهذا البيت:.

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فنظر إليها كهيئة الغضبان، وقال: يا بنيّة ليس كذلك، ولكن:

جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ

(ق:) وهو في قراءة ابن مسعود هكذا، قال: أي بنية إني كنت آثرتك بحائط، وإنه كان في نفسي منه شيء فرديّه، قالت: فرددته، قال: يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لهم درهما ولا دينارا، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا أنا متّ فابعثي بهنّ إلى عمر. فجاءه الرسول وعنده عبد الرحمن ابن عوف، فبكى عمر ﵁ حتى سالت دموعه على الأرض وقال:

يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، ارفعهنّ يا غلام، فقال عبد الرحمن بن عوف: سبحان الله يا أمير المؤمنين تسلب عيال أبي بكر عبدا حبشيا وبعيرا ناضحا وجرد قطيفة ثمنه خمس دراهم، قال: فما تأمر؟ قال: آمر بردهنّ على عياله، فقال: يخرج أبو بكر منهنّ عند الموت وأردهنّ أنا على عياله؟ لا يكون والله ذلك أبدا، الموت أسرع من ذلك.

- وكتب سلمان الفارسي ﵀ إلى أبي هريرة: إنك لن

تكون عالما حتى تكون متعلما، ولن تكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا.

- وكتب إليه أيضا: إن نافرت الناس نافروك، وإن تركتهم تركوك، فأقرضهم من عرضك ليوم فقرك، وكفى بك ظالما ألا تراك مخاصما.

- واشترى رجل بالمدائن شيئا فمرّ بسلمان، وهو أميرها، فلم يعرفه فقال: احمل هذا يا علج، فحمله، فكان من يتلقّاه يقول ادفعه إليّ أيها الأمير، والرجل يعتذر وهو يقول: لا والله ما يحمله إلا العلج، حتى بلغ منزله.

- وكان أبو ذر ﵁ يقول: إنما مالك لك أو للجائحة أو للوارث، فلا تكن أعجز الثلاثة.

- وشتمه رجل فقال له أبو ذر: يا هذا لا تغرق في سبّنا ودع للصلح موضعا، فانا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.

- وقال أبو ذر: ما تقدر قريش أن تعمل بي؟ والله للذلّ أحبّ

إليّ من العزّ، ولبطن الأرض أحبّ إليّ من ظهرها.

- ولما بنى معاوية خضراء دمشق أدخلها أبا ذرّ، فقال له:

كيف ترى ما هاهنا؟ قال: إن كنت بنيتها من مال الله ﷿ فأنت من الخائنين، وإن كنت بنيتها من مالك فأنت من المسرفين.

- قال أبو الدرداء: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: أضحكني مؤمّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه. ولا يدري أساخط عليه ربه تعالى، أم راض عنه؛ وأبكاني: هول المطّلع، وانقطاع الأمل، وموقفي بين يدي الله ﷾ لا أدري أيأمر بي إلى الجنة أم إلى النار.

- سأل رجل بلالا وقد أقبل من الحلبة فقال: من سبق؟ قال المقربون. قال: إنما أسألك عن الخيل؟ قال: وأنا أجيبك عن الخير.

- وقال رجل لعمار بن ياسر ﵀: أيها العبد الأجدع، وكانت أذنه قد أصيبت في سبيل الله، فقال: عيّر تموني بأحبّ أذني إليّ.

- كان بين سعد بن أبي وقاص وبين خالد بن الوليد كلام،

فذهب رجل ليقع في خالد عند سعد، فقال: مه إنّ ما بيننا لم يبلغ ديننا.

- قال عمر في كلام له: العلم بالله يوجب الخشوع والخوف، وعدم الخوف دليل على تعطيل القلب من المعرفة، والخوف ثمرة العلم، والرجاء ثمرة اليقين، ومن طمع في الجنة اجتهد في طلبها، ومن خاف من النار اجتهد في الهرب منها، وللحبّ علامات وللبغض علامات، فمن وجدناه يعمل عمل أهل الجنة استدللنا بعمله على يقينه، ومن وجدناه يعمل عمل أهل النار استدللنا بعمله على شكه، ولو وجدنا رجلا يستدبر مكّة ذاهبا ثم زعم أنه يريد الحج لم نصدّقه، ولو وجدناه يؤمّها ثم زعم أنه لا يريدها لم نصدقه.

- ومرّ عمر على معاذ بن جبل وهو قاعد عند قبر النبي ﷺ يبكي فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ لعلك ذكرت أخاك، إن ذكرته إنه لذلك أهل، قال: لا ولكن أبكاني شيء سمعته منه في مجلسي هذا، أو مكاني هذا. يقول ﷺ: يسير الرياء شرك. إن الله يحبّ الأتقياء الأخفياء الأبرار، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كلّ سوداء مظلمة.

- ومن كلام لقمان لابنه: يا بنيّ إنك حين سقطت من بطن أمك استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، فأنت لما استقبلت أقرب منك لما استدبرت.

- وقال: يا بني كيف يذهل الناس عما يوعدون وهم كلّ يوم سراع إلى الوعد يذهبون.

- قال هرم بن حيان لأويس: أوصني، فقال له أويس: ادع

الله أن يصلح لك ذنبك وقلبك فما تجد شيئا أشدّ عليك منهما، بينما قلبك مقبول إذا هو مدبر، وبينما هو مدبر إذا هو مقبل، ولا تنظر في صغر الخطيئة، ولكن انظر عظم من عصيت فإنك إن عظمتها فقد عظّمت الله، وإن صغّرتها فقد صغرتها أمره.

- وقال له هرم: صلنا بالزيارة، فقال له أويس: قد وصلتك بما هو خير من الزيارة، الدعاء بظهر الغيب، إن الزيارة قد يعرض فيها الرياء والتزيّن.

- كان معيقيب على بيت مال عمر، فكسح بيت المال يوما فوجد فيه درهما فدفعه إلى ابن لعمر، قال معيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاء يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده فقال: ويحك يا معيقيب أوجدت في نفسك عليّ شيئا أو مالي ولك؟ قلت: وما ذاك؟ قال:

أردت أن تخاصمني أمّة محمد في هذا الدرهم يوم القيامة.

- كتب عمر إلى أبي موسى: إذا جاءك كتابي هذا فأعط الناس أعطياتهم، واحمل إليّ ما بقي مع زياد، ففعل؛ فلما كان عثمان، كتب إلى أبي موسى بمثل ذلك ففعل، فجاء زياد بما معه فوضعه بين يدي عثمان، فجاء ابن لعثمان فأخذ استيدانة من فضة فمضى بها، فبكى زياد، فقال له عثمان: ما يبكيك؟ قال: أتيت أمير المؤمنين عمر بمثل ما أتيتك، فجاء ابن له وأخذ درهما فأمر به فانتزع منه حتى بكى الغلام، وإن ابنك جاء فأخذ هذا فلم أر أحدا قال له شيئا، فقال عثمان: إن عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه

الله، وأنا أعطي أهلي وقرابتي ابتغاء وجه الله، ولن تلقى مثل عمر ولن تلقى مثل عمر، ثلاثا.

- حدث زيد بن أسلم عن أبيه قال: خرجت مع عمر ذات ليلة حتى أشرفنا على واقم فإذا نار تؤرّث بضرام، فقال يا أسلم: إني أحسب هؤلاء ركبا يضربهم الليل والبرد، انطلق بنا إليهم، قال: فخرجنا نهرول حتى أتينا إليهم، فإذا امرأة توقد تحت قدر ومعها صبيان يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم أصحاب الضوء، وكره أن يقول أصحاب «النار»، أدنو؟ فقالت:

ادن بخير أو دع، قال: ما بالكم؟ قالت: يضربنا البرد والليل، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: فما هذه القدر؟ قالت:

ماء أسكتهم به، الله بيننا وبين عمر، قال: وما يدري عمر؟ قالت: يتولّى أمرنا ثم يغفل عنّا، فأقبل عليّ فقال: انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا من دقيق فيه كبّة من شحم، فقال: أتحمله علي، قلت: أنا أحمله عنك قال: احمله علي، قلت: أنا أحمله عنك. قال:

أنت تحمل وزري عني يوم القيامة؟ لا أمّ لك، احمله عليّ، فحملته عليه، فخرجنا نهرول حتى ألقينا ذلك العدل عندها، ثم أخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول للمرأة ذرّي عليّ وأنا أحركه، يعني أسوطه، وجعل ينفخ تحت القدر، وكان ذا لحية عظيمة، فجعلت أنظر إلى الدخان يخرج من خلل لحيته حتى أنضج فأخذ من الشحم فأدمها به، ثم قال: ابغيني شيئا، فجاءته بصحفة

فأفرغ القدر فيها، ثم جعل يقول لها أطعميهم، وأنا أسطح لك، يعني أبرّده لك، حتى أكلوا وشبعوا، ثم خلّى عندها فضل ذلك، فقالت له: جزاك الله خيرا أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين قال: قولي خيرا، إنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك، ثم تنحّى قريبا وربض مربض السبع، فقلت: إنّ لك شأنا غير هذا؛ فلم يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ويضحكون ثم ناموا، فقام وهو يحمد الله ثم أقبل عليّ فقال: يا أسلم إني رأيت الجوع أبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى منهم مثل الذي رأيت.

- اغتاظت عائشة على خادمها، فقالت: لله درّ التقوى ما ترك لذي غيظ شفاء.

- لما بنى سعد بن أبي وقاص منزله بالعقيق قيل له تركت مجالس إخوانك، وأسواق الناس ونزلت العقيق، فقال: رأيت أسواقهم لاغية، ومجالسهم لاهية، فوجدت الاعتزال فيما هناك عافية.

- قال خارجة بن مصعب: ختم القرآن في الكعبة في ركعة أربعة من الأئمة عثمان بن عفان ﵁ وتميم الداري وسعيد بن جبير وأبو حنيفة.

- قال عمر ﵁: جالسوا التوابين فإنهم أرقّ أفئدة.

- وقال أيضا: يا ابن آدم لا يلهك الناس عن نفسك، فإنّ الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع النهار سادرا فإنه محفوظ عليك ما عملت، وإذا أسأت فأحسن فإني لم أر شيئا أشدّ طلبا ولا أسرع دركا من حسنة حديثة لذنب قديم.

- قال أبو ذر لغلامه: لم أرسلت الشاة على علف الفرس؟

قال: أردت أن أغيظك، قال: لأجمعن مع الغيظ أجرا، أنت حرّ لوجه الله.

- قال الحسن: كان عطاء سلمان الفارسي خمسة آلاف، وكان أميرا على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين، وكان يخطب في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها، فإذا خرج عطاؤه تصدّق به وأكل من سفيف يده.

- كان أبو بكر ﵁ يقول إذا حضرت الصلاة: قوموا إلى ناركم التي أوقدتموها فأطفئوها.

- وجّه عمر ﵁ إلى ملك الروم بريدا فاشترت امرأة عمر، أمّ كلثوم بنت عليّ، طيبا بدينار وجعلته في قارورتين وأهدته إلى امرأة ملك الروم، فرجع البريد بملء القارورتين من الجواهر، فدخل عليها عمر وقد صبّته في حجرها فقال: من أين لك هذا؟ فأخبرته فقبض عليه وقال: هذا للمسلمين، فقالت: كيف وهو عوض من هديتي، قال: بيني وبينك أبوك، فقال عليّ: لك منه بقيمة دينارك والباقي للمسلمين لأن بريد المسلمين حمله.

- مرّ عمر براع مملوك فاستباعه شاة، فقال: ليست لي، فقال: أين الغلل؟ فقال: أين الله؟ فاشتراه وعتقه، فقال: اللهم قد رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر.

- قال الفضيل: ما ينبغي لك أن تتكلم بفمك كلّه، تدري من كان يتكلم بفمه كله؟ عمر بن الخطاب، كان يطعمهم الطّيب ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللّين ويلبس الخشن، ويعطيهم الحقّ ويزيدهم، وأعطى رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم وزاده ألفا فقيل له: ألا تزيد ابنك كما تزيد هذا؟ فقال: إن هذا ثبت أبوه يوم أحد ولم يثبت أبو هذا.

- قال الحسن: أتى عمر ﵁ مال كثير فأتته حفصة

فقالت: يا أمير المؤمنين حق أقربيك، فقد أوصى الله بالأقربين، فقال: يا حفصة إنما حقّ أقربائي من مالي، فأما مال المسلمين فلا، يا حفصة نصحت قومك وغششت أباك، فقامت تجرّ ذيلها.

- قال أبو الدرداء: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، فمن لم يصدّقني فإنّ الله تعالى يقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ

(آل عمران:)، وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ

(آل عمران:).

- قال ابن عمر: تضرّعت إلى ربي سنة أن يريني أبي في النوم، حتى رأيته وهو يمسح العرق عن جبينه فسألته فقال: لولا رحمة الله هلك أبوك، إنه سألني عن عقال بعير الصدقة، وعن حياض الإبل، فسمع بذلك عمر بن عبد العزيز فصاح وضرب بيده على رأسه، وقال: فعل هذا بالتقيّ الطاهر، فكيف بابن المترف عمر بن عبد العزيز؟!

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.