تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الباب الحادي والثلاثون في المكاتبات والرسائل (٢)

الرسائل والمكاتبات أبسط من الشّعر مقالا، وأفسح مجالا، وإن كان أربابها أقلّ عددا فإنّهم أشرف محلا ومحتدا، وقد ذكر الصابي الفرق بين المترسّل والشاعر فأجاد، وحكم فأنصف، وسأذكر رسالته هذه في أثناء الباب.

وقد اقتصرت على ما تضمن معنى بديعا، ولفظا فصيحا، أو سيرة معربة، أو قضية معجبة، وتجنّبت الإكثار إذ كان استقصاء فنونها واستغراق فصولها يحتاج إلى كتاب مفرد، ويكون وإن أطيل مختصرا. وكانت القدماء توجز المكاتبات وتختصرها، وتقنع من الألفاظ بمبلغها، وترى الإطالة عجزا والإيجاز إعجازا، ولذلك قال يحيى بن خالد لأولاده: إن استطعتم أن تكون كتبكم كلّها توقيعات فافعلوا. وعدل الناس الآن إلى الإسهاب، واعتاضوا عن البلاغة بالتفريع في الألفاظ، فمن البليغ الموجز ما قال الله ﷿ حكاية عن كتاب سليمان ﵇: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ

(النمل:).

- وكانت كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك وغيرهم كلّها مختصرة، وهو ﷺ الذي لا خلاف في فصاحته عند المقرّ والجاحد، بلسانه نزل القرآن بلسان عربيّ مبين.

كتب إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغسانيّ، صاحب دمشق: سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله، فإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك.

وكتب إلى أبرويز بن هرمز ملك فارس: من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلى الناس كافّة لينذر من كان حيّا، أسلم تسلم، وإن أبيت فعليك إثم المجوس.

فهذا ونحوه ما كان يكتب عنه ﷺ، ومكاتبات الصدر الأوّل على هذا النمط كانت، إلا ما يتضمن بلاغا أو حجاجا، فيكون الإسهاب فيه أنجع وأوقع، وقد مضى في هذا الكتاب من كتبهم المختصرة وفقرهم ما تجده متفرّقا في أماكنه اللائقة به.

وقد كتب بعضهم إلى متلوّم مترجّح بين الطاعة والمعصية:

أما بعد، فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فاعتمد على أيتهما شئت.

فهذا غاية الإيجاز مع قوة الإعذار في الإنذار.

- وكتب عبد الحميد بن يحيى عن مروان بن محمد إلى أبي مسلم كتابا يدعوه إلى الطاعة ويخوّفه عاقبة الفتن يحمل على جمل من حجمه، وضمن إن قرأه وسمعه من يطيف به أنه يعود إلى الطاعة أو تتفرّق كلمتهم، وهذا عكس الأوّل في الإطناب والإطالة. واعتمد أبو مسلم على إحدى الرّجلين وبالغ في الإيجاز، فلم يقرأ الكتاب وأعاده وكتب عليه:

محا السيف أسطار البلاغة وانتحتعليك ليوث الغاب من كل جانب
فإن تقبلوا نعمل سيوفا شحيذةيهون عليها العتب من كلّ عاتب

كتب معاوية إلى أبي موسى بعد الحكومة وهو بمكة عائذ بها من علي ﵇، وأراد بذلك أن يضمّه إلى أهل الشام:

أما بعد، فإنه لو كانت النيّة تدفع خطأ لنجا المجتهد وأعذر الطالب، ولكنّ الحقّ لمن قصد له فأصابه، ليس لمن عارضه فأخطأه، وقد كان الحكمان إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما، وقد اختار القوم عليك، فاكره منهم ما كرهوه منك، وأقبل إلى الشام فهي أوسع لك.

فكتب إليه أبو موسى: أما بعد فإنّي لم أقل في عليّ إلا ما قال صاحبك فيك، إلا أنّني أردت ما عند الله تعالى، وأراد عمرو ما عندك، وقد كان بيننا للمحكوم عليه الخيار، فإنما ذلك في الشاة والبعير، فأما في أمر هذه الأمّة فليس أحد آخذا لها بزمام ما كرهوا، وليس يذهب الحقّ بعجز عاجز ولا مكيدة كايد، فأما دعاؤك إيّاي إلى الشام، فليست بي عن حرم إبراهيم ﵇ رغبة، والسلام.

- قيل ثلاثة تدلّ على عقول أصحابها: الكتاب والهدية والرسول.

قال زياد: ما قرأت كتاب رجل قطّ إلا عرفت عقله فيه، وما رأيت مثل الرّبيع بن زياد رجلا: ما كتب إليّ كتابا قطّ إلا جرّ منفعة أو دفع مضرّة، ولا سألته عن شيء قطّ إلا وجدت عنده منه علما، ولا ناظرته في شيء إلا وجدته قد سبق الناس فيه، ولا سايرني قطّ فمست ركبته ركبتي.

- ومن رسالة لعبد الحميد بن يحيى في الفتنة:

ففي طاعة الأئمة في الإسلام ومناصحتهم على أمورهم، والتّسليم لما أمروا به، حفظ كلّ نعمة فاضلة، وكرامة باقية، وعافية مجلّلة، وسلامة ظاهرة وباطنة، وقوة بإذن الله مانعة، وفي الخلاف عليهم والمعصية لهم ذهاب كلّ نعمة، وتفرّق كلّ كرامة، ومحق كلّ عصمة، وهلاك كلّ سلامة وألفة، وموت كلّ عزّ وقوّة، والدعاء لكلّ بليّة، ومقارفة كلّ ضلالة، واتباع كلّ جهالة، وإحياء كلّ بدعة، وإماتة كلّ سنّة، واجتلاب كلّ ضرر على الأمة، وإدبار كلّ منفعة، والعمل بكلّ جور وباطل، وإفناء كلّ حقّ.

وبمعصية خليفة الله لا يزال رجل من المسلمين يضرب بسيفه الذي في يديه سيف أخيه الذي كان يعتمد عليه، ويوهن عضده، ويهدم حصنه، ويقلّ عدده، ويهلك ثروته، وينفرد من ناصره، ويعطب من يدعوه ويفزع إليه، ويكثر بمكانه، ويحرسه من غفلته عن الأعداء إذا غفل، ويكون عينا له من خلفه فلا يزال بالمعصية منهم والاختلاف دم يهراق بغير حقّه، وطفل من أبناء المسلمين قد يتّم من أبيه، ومذلّة قد دخلت عليه، ونعمة قد زالت عنه، ووحشة حدثت، وضغائن في القلوب قد نشبت، وشحناء قد ظهرت، وأوتار

قد بقيت، وعداوة في الأنفس قد استقرّت، وخوف قد ظهر، وسبل قد قطعت، وامرأة قد أرملت، وصبيّة قد يتّمت، وبلاد عامرة قد خربت، وعدد قد نقص، وبلايا قد عمّت وشملت، وعدوّ قد شمت، ومنافق قد رفع إلى ما كان يؤمّل رأسه، وعدوّ من المشركين قد طمع، وقوي بعد ضعف، وعزّ بعد مذلّة، ورعيّة قد ضاعت، وناعبة قد ولولت، وحميم قد قتل حميمه، ومودة قد صارت عداوة، واجتماع من الأهواء قد عاد إلى فرقة، وأرحام قد تقطّعت.

فانظروا يا معشر المسلمين ماذا تفعل الفتنة والمعصية، وكيف يدبّ الشيطان لها، ويسعى فيها، ويحتال بخديعته ومكره ولطيف مسالكه، حتى يلهبها ويشعلها، ويرفعها من قلّتها إلى الكثرة، ومن صغرها إلى كبرها، فإنه إنما يبدأ بالطعن على الولاة، ثم يترامى إلى الشّكاة والسخط والغضب، وزيّن لهم القتال، فبلغ الهلاك الأعظم والشرّ الأكبر، بطرف أمر صغير الخطر في الظاهر عظيم البليّة في الباطن، فلا يزال الرجل ينظر منهم إلى قاتل أبيه وأخيه وحميمه وذوي قرابته وأهل مودته، والنافع- كان- له، ثم يحمل العداوة في قلبه، والحقد في نفسه، والضغينة العظيمة عليه، ويستعدّ للنقمة منه، وطلب الذّحل عنده، فتثبت تلك الضغائن في الأبناء بعد الآباء. فانظروا يا أهل الإسلام من أين دبّ الشيطان بلطيف مسالكه، وعلى أيّ شيء ورد، وإلى أيّ أمر ترامى حتى عمّ بالمعصية أهل الإسلام عامة.

- ومن كلامه- يعني عبد الحميد- في الطاعة: أما بعد، فإنّ الله تباركت أسماؤه، وجلّ ثناؤه، وتعالى ذكره، اختار لنفسه من الأديان والملل كلّها الإسلام، ثم جعل أهله الذين أكرمهم به، واصطفاهم له، خيرته من عباده

وأهل صفوته، وبعث به إليهم نبيّه ﷺ، وسمّاهم المسلمين، وهو الذي شرع لساكني سماواته من ملائكته، ولأهل الأرض من أنبيائه، ثم بعثهم به فقال:

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى

(الشورى:) إلى آخر الآية. فبلّغ رسول الله ﷺ رسالات ربّه ونصح لأمّته، ومضى لأمره، وجاهد على حقّه من خالفه وعاداه وابتغى سبيلا غير سبيله، ثم آمن به وصدّقه وعزّزه ونصره، واتّبع النور الذي أنزل معه، وهم يومئذ قليل مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطّفهم الناس كما وصفهم الله ﵎ في كتابه، أمرا رضيه لنفسه ونبيّه، ابتعثه له حتى أتمّ الله الإسلام وكمّله وفضّله وجعله دينه، وأعلم حقّه من شاء من عباده وخلقه، وبيّن لهم أنّه إلههم وربّهم، أمرهم بطاعته، والاعتصام بحبله، والتمسّك بعهده، ثم توكّل لهم بالحفظ والدّفع والنصر والقهر، والظهور على من خالفهم، وابتغى غير سبيلهم، ما حفظوا أمره، وتمسّكوا بطاعته، ووفوا بعهده، والله وليّ الإسلام، والناصر له على عدوّه، ووليّ إعزازه وإظهاره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، قضاء منه بتّا لا مردّ له، وموعدا لا خلف له، وسنّة ماضية في الذين خلوا من قبل وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا

(الأحزاب:، الفتح:

). فإنّ الله بعهده ونعمته لم يزل يصنع لهذا الدّين، ويغلب له بالفئة القليلة من أهله الفئة الكثيرة من عدوّه، قضاء منه أوجبه على نفسه، لم يجعل فيه مثنويّة، تصغي إليه أفئدة أهل الرّيبة والشّكّ في أمره، ولكن حتمه على نفسه، وأوجبه لهم في كتابه، وأعلمهم فيه معالم طاعته ومسالك معصيته، ليهلك من هلك عن بيّنة، وإنّ الله لسميع عليم. فدين الله الذي خصّ به أولياءه أوّلهم وآخرهم، تامّ على ما بعث به نبيّه ﷺ، فإنّ الله ختم به الأنبياء، وقفّى به الرسل، وجعل أمّته خير أمّة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وجعل الله نظام الدّين الذي اختاره لنفسه، وشرعه لمن أكرم من خلقه، فارتضى لتنزيل وحيه من ملائكته، وتبليغ رسالاته من أنبيائه، إلى عباده. وقوامه وعصمته الطاعة التي

جمع الله فيها شعب الخير وأنواع البرّ ومناقب الفضل، وجعلها واصلة بالإسلام سببا إلى كلّ هدى وفضيلة، واختيارا لكلّ سعادة وكرامة، في عاجل وآجل، مع ما توكّل به من حفظها ومنعها، والذبّ عن حرمتها، والنصر لمن جاهد عليها، والإعلاء لمن أوجبها له من ولاة الحقّ وأنصار الدّين، والإظهار لهم على من خالفهم ونكّب عن سبيلهم، وأراد المفارقة لحقّهم، إلى ما كان أعدّ لحزبها وأوليائها الذين نصرهم الله وأحلّهم- بما لزموا منها وحدبوا عليها من التمسّك بها- في رضوان الله والنعيم المقيم لا تغيير له ولا انقطاع ولا زوال، عطاء من ربك غير مجذوذ. وجعل المعصية شقاء وخسارا وتبارا، وسببا لكل نقص وذلّ وهوان وحسرة، فمن اعتصم بها، وأقام عليها، ودعا إليها، كان من إخوانها والغواة فيها، مع ما يريهم الله في عاجل أمرهم: من إدحاض حجّتهم، وسوء مصارعهم، وقطع مددهم، وتفريق نظامهم، وإزهاق باطلهم، وإظهار أهل الطاعة عليهم، وإمكانه منهم في كلّ مجمع يجمع الله منهم جماعة، إلى ما أعدّ الله لهم من أليم العقاب، وسوء الحساب، وشديد العذاب، لا يفتر عنهم، ولا هم فيه مبلسون. فمن أراد الله إسعاده وتوفيقه وتبصيره حظّه لزم الطاعة وعرف حقّها، وما جعل الله فيها من السعة والعصمة والمخرج، وآثرها وواظب عليها، وكان من أهلها، وأدّى الحقّ الذي أوجبه الله عليه لوليّها إليه، فأحرز بذلك نفسه، وسلّم به دينه، واستكمل به أفضل ما يرغب به من ثواب ربّه، ولم يكن متخوفا للغير في دنياه، متوقّعا للنّقم، متوكّفا للقوارع أحلّت بأهل المعصية والخلاف والمفارقة للحقّ وأهله، وكان من ذلك في أمن ونجاة وسلامة وعافية.

ومن أراد الله به غير ذلك، لما يعلم من ضميره ودفينه، تخلّى منه، وأسلمه إلى قرينه وما يسوّل له من غروره، ويمنّيه من أباطيله، فاستشعروا ركوبها ودخلوا مع الغواة فيها، ودعوا إليها، فكانوا خائفين، ولائذين مترقبين للدوائر التي يخافون أن تحلّ بهم، وتأتي عليهم. فإنّ الله تعالى يقول: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَ

اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ

(الرعد:).

وأمير المؤمنين يسأله أن يلهمه الرأفة والرحمة برعيّته، والإصلاح إليهم، والمعدلة فيهم، وأن يلهم رعيّته الطاعة والوفاء والمناصحة، ويزيد المحسن منهم إحسانا، ويقبل توبة التائب، ويراجع المسيء إلى محبّته، وأن يلهمه وإيّاكم خالص الشكر وصالح العمل.

- أمر المأمون أحمد بن يوسف أن يكتب في الآفاق بتعليق المصابيح في المساجد في شهر رمضان، قال: فأخذت القرطاس لأكتب فاستعجم عليّ، ففكرت طويلا ثم غشيتني نعسة فرأيت في النوم قائلا يقول لي: اكتب فإنّ في كثرة المصابيح إضاءة للمتهجدين، وأنسا للسّابلة، ونفيا لمكامن الرّيب، وتنزيها لبيوت الله ﷿ عن وحشة الظّلم.

- قال حمدون بن إسماعيل: دخلت على المأمون يوما وهو في بعض صحون بساتينه يمشي حافيا، وفي يده كتاب يصعّد بصره فيه ويصوبه، فالتفت إليّ وقال: أحسبك راعك ما رأيته، قلت: وأي شيء أروع لي من نظري إلى سيدي يمشي حافيا ويقرأ كتابا قد شغله وأذهله، فقال لي: إني سمعت الرشيد يقول شيئا لم أتوهّمه ينسبك على حقيقته، وهو أنه قيل لبعض البلغاء: ما البلاغة؟ قال: التقرّب من المعنى البعيد، والتباعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير؛ وهذا كتاب عمرو بن مسعدة، قد أتى في حرفين بما كان يأتي به غيره في طومار، وصف حال الجند وطاعتهم. ثم دفعه إليّ، فإذا فيه:

كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قوّاده وأجناده، من الانقياد للطاعة على أحسن ما تكون طاعة جند تأخّرت أرزاقهم واختلّت أحوالهم، والسلام.

ثم قال: أشهد أنّي قد قضيت حقّ هذا الكلام وكتبت إلى جندي بأعطياتهم، وتركتهم لا يتمنّون موتي، وأمرت بالزيادة في أرزاقهم.

كتب أحمد بن سعد الكاتب: وقديما غرّقت الفتن أبناءها، وأسكنتهم ربعها، وأرضعتهم درّها، وألحفتهم ظلّها، وأسحبتهم ذيلها، ونقّلتهم في مراتع الغرور، وأرتهم الثّقة بدوام السّرور، والأمن لعوارض المحذور وعواقب المقدور، فتمادوا في منهج الضّلال، وتراموا في مسلك الفساد، وتشعّبوا في طريق الغيّ، حتى إذا تمّ الرّضاع، ونجم الفطام، وآن لحكم الله أن يمضي، ولبأسه أن ينزل، سلّط الله عليهم سيوف الحقّ، فصاروا لأهله جزرا، وللباطل وأهله عبرا، وللمواعظ السالفة نتيجة، وللمواعد المحدودة حقيقة، ولبصيرة ذوي البصائر قوّة، ولثقة أهل العصمة مادّة، ولسوط العذاب منصبا، ولنار الجحيم حطبا، وما الله بظلّام للعبيد.

ب- فصل: من معقل إلى عقّال، ومن أجل إلى آجال.

- عبد الحميد في ذكر الفتنة: فإنّ الفتنة تستشرف بأهلها، متشوّفة بآنق منظر، وأزين ملبس، تجرّر لهم أذيالها، وتضرّيهم وتعدهم تتابع درّاتها حتى ترمي بهم في حدرات أمواجها مسلمة لهم، تعدهم الكذب وتمنّيهم الخدع، فإذا لزمهم عضاضها، ونفر بهم شماسها، تخلّت عنهم خاذلة لهم، وتبرّأت منهم معرضة عنهم، قد سلبوا أجمل لباس دينهم، واستنزلوا عن حصن دنياهم، الغني البهيّ منظره، الجميل أثره، حتى تطرحهم في فضائح أعمالهم إلى الإيجاف في التّعب وسوء المنقلب، فمن آثر دينه على دنياه، تمسّك بطاعة ولاته، وتحرّز بالدخول إلى مرضاته في الجماعة، تاركا لأثقل الأمرين وأوبل الحالين.

ب- فصل: [فزرعوا] الضغائن في قلوبكم، وغرسوا أشجار الإحن في صدوركم، وأوقدوا نيران الأحقاد بينكم، الله الله في ذكر الحميّة وفخر الجاهلية، وملاقح الشّنآن، ومنافح الشيطان.

ج- فصل: حتى أعنقوا في حنادس ظلم جهالته، ومهاوي سبل ضلالته، ذللا على سياقه، وسلسا في قياده، إلى نزل من حميم، وتصلية جحيم، سوى ما ألقحت الحفيظة في نفسه من عوائد الحسد، وقدحت الحميّة في نفسه من نار الغضب، ونفخ الشيطان في سحره من ريح الكبر، مضادّة لله تعالى بالمناصبة، ومبارزة لأمير المؤمنين بالمحاربة، ومجاهرة للمسلمين بالمخالفة.

فصل من كتاب للمأمون، وقد ولّى عبد الله بن طاهر في فتنة: ممتدّة إلى الفتن أعناقهم، متطلعة إليها أنفسهم، مرتاحة لها قلوبهم، مصيخة إلى دعواها أسماعهم، فلم تذك للفتنة نار إلا منهم ساعر يشبّ ضرامها، إما موجفا ركابه، مبديا صفحته في مباشرتها، وإمّا مورّيا عن نفسه يدبّ الخمر، ويستتر تحت الشّبه، ليحسب أنّه بمعزل عنها، ونافذ كيده يسري في تسهلها.

أحمد بن سعد من كتاب فتح: الحمد لله العظيم شانه، العليّ مكانه، المنير برهانه، القويّ سلطانه، الذي ابتدع الخلق بحكمته، وأنشأهم بقدرته، وأجرى الأمور على مشيئته، وصرفها على إرادته، وحكم لأوليائه وأهل طاعته، الذائدين عن حريمه، المانعين لحوزته بالإعلاء والتمكين، والنصر والتأييد، وعلى أعدائه الغامطين لنعمته، الناهكين لحرمته، السّاعين بالفساد في بلاده، والعدوان على عباده، بالخذلان والتشريد، والنكال المبيد.

ومن رسالة له في السّلم: فاكتفوا في المعرفة به ﷻ بخبر

العقول وشهادة الأفهام، ثم استظهر لهم في التبصرة، وعليهم في الحجة، برسل أرسلهم، وآيات بيّنها، ومعالم أوضحها، ومنارات بمسالك الحقّ رفعها، وشرع لهم الإسلام دينا، وارتضاه واصطفاه، وفضّله وأسناه، وشرّفه وأعلاه، وجعله مهيمنا على الدين كلّه ولو كره المشركون، وقرن العزّ بحزبه وأهله، فقال عزّ من قائل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ

(التوبة:، الصف:)، وأيّده بأنبيائه الدّاعين إليه، والناهجين لطرقه، والهادين لفرائضه، والمخبرين عن شرائعه، قرنا بعد قرن، وأمّة بعد أمّة، في فترة بعد فترة، وفئة بعد فئة، حتى انتهى بقدره جلّ ذكره إلى مبعث النبيّ الأميّ، الفاضل الزكيّ، الذي قفّى به على الرسل، ونسخ بشريعته شرائع الملل، وبدينه أديان الأمم، على حين فترة وترامي حيرة، فأباخ به نيران الفتن، بعد اضطرامها، وأضاء به سبل الرّشاد بعد إظلامها، على علم منه تعالى ذكره، بما وجد عنده من النهوض بأعباء الرسالة، والقيام بأداء الأمانة، فأزاح بذلك العلّة وقطع المعذرة، ولم يدع للشّاكّ موضع شبهة، ولا للمعاند دعوى مموّهة، حتى مضى حميدا فقيدا، تشهد له آثاره، وخلّف في أمّته ما أصارهم به إلى عطف الله ورحمته، والنجاة من عقابه وسخطته، إلّا من شقي بسوء اختياره، وحرم الرّشد بخذلانه، صلّى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة وأعمّها، وأوفاها وأتمّها.

والحمد لله الذي خصّ سيّدنا الأمير بالتوفيق، وتوجّه له بالإرشاد والتسديد، في جميع أنحائه ومواقع آرائه، وجعل همّته- إذ كانت الهمم إلى خدع الدنيا صادفة، وزخارفها التي تتجلى بها لأبنائها وتدعو إلى نفسها- مقصورة إلى ما يجمع له رضى ربه، وسلامة دينه، واستقامة أمور مملكته، وصلاح أحوال رعيّته، وأيّده في هذه الحال العارضة، والشبهة الواقعة، التي تحار في مثلها الآراء، وتضطرب الأهواء، وتتنازع خواطر النفوس، وتعتلج وساوس الصّدور، ويخفى موضع الصواب، ويشكل منهج الصلاح، بما

اختاره له من السّلم والموادعة والصلح والموافقة التي أخبر الله عن فضله، والخير الذي في ضمنه يقوله بقوله: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ

(النساء:) وقوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها

(الأنفال:). فأصبح السيف مغمودا، ورواق الأمن ممدودا، والأهواء متّفقة، والكلمة مجتمعة، ونيران الفتن والضّلالة خامدة، وظنون بغاتها الساعين لها كاذبة، وطبقات الأولياء والرعيّة بما أعيد إليهم من الأمنة بعقب الخيفة، والأنسة بعد الوحشة، مستبشرين، وإلى الله في إطالة بقاء الأمير راغبين، وفي مسألته مخلصين. ولو لم يكن السّلم في كتاب الله مأمورا به، والصلح مخبرا عن الخير الذي فيه، لكان فيما ينتظم من حقن الدّماء وسكون الدّهماء، ويجمع من الخلال المحمودة والفضائل المعدودة المقدّم ذكرها، ما حدا عليه، ومثّل للعقول السليمة والآراء الصحيحة موضع الخيرة فيه، وحسن العائدة على الخاصّ والعامّ، فيما ينجلي للعيون من مشتبهات الظنون، إذ الريب واقع، والشكّ خالج بين المحقّ والمبطل، والحقّ والباطل، والجائر والمقسط، وقد قال الله ﷿: لَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ

(الفتح:)، ناظرا للمسلمين من معرّة أو مضرّة تلحق بعضهم بغير علم، ومؤثرا تطهيرهم من ظنن العدوان، مع رفعه عنهم فرطات النّسيان، وكافّا أيدي المسلمين عن المشركين، كما كفّ أيديهم عن المسلمين، تحسّنا على بريّته، وإبقاء على أهل معصيته، إلى أن تتمّ لهم المحنة للذي ارتآه، والأمر الذي ارتضاه، وموقع الحمد في عاقبته، والسلامة في خاتمته، وبلّغه من غايات البقاء أمدها، ومن مواقع العيش أرغدها، مقصّرا أيدي النوائب عما خوّله، ومغضوضيا أعين الحوادث عما نوّله، إنه جوّاد ماجد.

وفي مثل ذلك: الحمد لله ذي النعمة السابغة، والحكمة البالغة، والبلاء الجميل، والعطاء الجزيل، الذي جعل بعد عسر يسرا، وبعد ضنك رحبا،

وبعد تناء تدانيا، وبعد تعاد تصافيا وحبّا، وأعقب افتراقا من المتشاحنين اعترافا، واختلافا ائتلافا، وتدابرا تناصرا، وتخاذلا تظاهرا، نظرا لخلقه وعائدة عليهم، واعتمادا لما فيه مصالح آخرتهم ودنياهم، ومدح الصّلح وحدا عليه، وحمد السلم إذا جنح الخصم إليه، فقال عزّ من قائل: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ

(النساء:) وقال: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها

(الأنفال:) وألّف بين القلوب في سبيله، ولأمها في نصرة رسوله، وقال: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

(الأنفال:) وصان المسلمين- عند الفتح العامّ للبلد الحرام، وإظهار الإسلام على الدّين كلّه، والإدالة من الكفر وأهله- عمّا يلحق من في دارهم من مسلم أو مسلمة- غمرتها الجملة وأخفت من موضعها الشبهة- من مضرّة، وسمّاها للمسلمين معرّة، وجعلها واصلة إليهم إذا وصلت إلى أولئك منهم، فقال جلّ ذكره: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ

(الفتح:) فحماهم من يسير الإثم، وإن كان ساقطا بعد العلم؛ واختار لهم الخلوص من الشّوائب في الدّين، وجعل هذه الخلال الرضيّة والخصال الحميدة لهم أدبا، ولمصالحهم سببا، فندبهم لها، وأرشدهم إلى سوابق نعمه، ونفائس قسمه، التي بدأ بها قبل الاستيجاب، وأوجب على شكرها حسن الثّواب، حمدا يرتفع إليه، ويزكو لديه، ويمضي ما فرض في تحميده، ويوجب ما يأذن به من مزيده، وصلّى الله على محمد عبده وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، والمبعوث لإحياء دينه ونصرة حقّه، وعلى الطيبين من آله وسلّم تسليما.

وفي مثل ذلك ... الحمد لله مقلّب القلوب وعالم الغيوب، الجاعل بعد عسر يسرا، وبعد عداوة ودادا، وبعد تحارب اجتماعا، وبعد تباين

اقترابا، رأفة منه بعباده ولطفا، وتحنّنا عليهم وعطفا، لئلا يستمرّ بهم التّتايع في التدابر والتقاطع، وليكونوا بررة إخوانا، وعلى الحقّ أعوانا، لا يتنكّبون له منهجا، ولا يركبون من الشبهة ثبجا، بغير دليل يهديهم قصد المسالك، ولا مرشد يذودهم عن ورود المهالك؛ أحمده على نعمه التي لا يحصي الواصفون إحصاءها، ومننه التي لا يؤدّي الشاكرون جزاءها، وأياديه التي لا يحمل الخلق أعباءها، حمدا يتجدّد على مرّ الأزمان والدّهور، ويزيد على فناء الأحقاب والعصور، ويقع بمحابّه في جميع الأمور، فإنّ أحقّ ما استعمله الغالون، ونطق به التالون، وآثره المؤمنون، وتعاطاه بينهم المسلمون، فيما ساء وسرّ، ونفع وضرّ، ما أصبح به الشّمل ملتئما، والأمر منتظما، والفتق مرتتقا، والصلح متّسقا، والسيف مغمودا، ورواق الأمن ممدودا، فحقنت به الدّماء، وسكنت به الدّهماء، وانقمع له الأعداء، واتّصل به السرور، وأمنت معه الشّرور، وليس شيء بذلك أولى، وإلى إحراز الثّواب به أدنى، من الصّلح الذي أمر الله ﵎ به، ورغّب فيه وندب إليه، فقال وقوله الحقّ:

لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ

(فصلت:) فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ

(الحجرات:).

- كتب سهل بن هارون إلى ذي الرياستين: إنّ للأزمة فرجا، فكن من ولاة فرجها، ولأيامها دولا، فخذ بحظّك من دولتك منها، ولدولها امتدادا فتروّد قبل أوان تصرّمها، فإن تعاظمك ما أنبأتك عنه فانظر في جوانبها تأخذك الموعظة من جميع نواحيها، واعتبر بذلك الاعتبار على أنّك مسلم ما سلّم إليك منها. فكتب عهده على فارس.

- كتب عمرو بن مسعدة: وأنا أحبّ أن يتقرّر عندك أنّ أملي فيك أبعد من أن أختلس الأمور اختلاس من يرى في عاجلك عوضا من آجلك، وفي الذّاهب من يومك بدلا من المأمول في غدك.

- قال المبرد: كانت في الحسن بن رجاء شراسة، وفي كفّه ضيق، فكتبت إليه: النّاس- أعزّ الله الأمير- رجلان: حرّ وعبد، فثمن الحرّ الإكرام، وثمن العبد الإنعام، فأصلحه هذا القول لي ولغيري مدّة ثم رجع إلى طبعه.

كاتب: الحمد لله الذي جعل محنته عطفا وأدبا، ولم يجعلها هلكة ولا عطبا، وجعل أوائلها ناطقة على صواب أواخرها، وبواديها مخبرة عن حميد عواقبها، ومواردها مبشّرة بالسلامة في مصادرها.

إبراهيم بن العباس في ذكر خليفة:

الحمد لله الذي يجتبي إليه من يشاء باصطفائه، ويهدي إليه من ينيب باجتبائه، ويرفع درجات من يشاء بقدرته، ويختار لهم بلطفه، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، ويودع منائح نعمته، ويولي مقاسم فضله، ويكسو عزّ سلطانه، مصطفي آل إبراهيم بالكتاب والحكمة، ومختصّهم بالملك والعظمة، ومؤتيهم الحكمة في الذّكر القديم، فقال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً

(النساء).

والحمد لله الذي جعل الخلافة عقيب الرّسالة، فأحيا بها أيّامها، ووطّد بها أعلامها، وأنفذ فيها أحكامها، وانتخب لها من أهل الوراثة ولاة راشدين، وهداة مهديّين، أساة للعالمين ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

(آل عمران:). فأنار بهم معالم دينه الّذي اصطفاه، وأوضح دلائل الحقّ الذي أعلاه، وظاهر بهم فضله الذي أولاه، وخصّهم من إظهاره وإظفاره، بما يأذن

لأوليائه وأنصاره. والحمد لله الذي أكرم أمير المؤمنين بما قاد إليه من الخلافة، وأصار إليه من الوراثة، ووطّأ له من الأمانة على مشارف بنيانه، وأرسى قواعد أركانه، وحمى حريم سلطانه، وجعل أيّامه أيّام نضارة وغضارة، وأمن وسلامة، وهدوء واستقامة، بما أسند إليه من مراعاة صلاح عباده، وإضافة العدل في بلاده، والاجتهاد في تلافي كلّ فاسد، وضمّ كلّ ناشر، واستعادة كلّ نافر، حتى اعتدلت قناة الملك في يده، وشرف منار الحقّ في دولته، وزهق الباطل في دعوته، وسارعت الرّفاهة في إيالته، واتصلت السّعادة بسياسته، فأصبحت الدهماء ساكنة، والثغور مسدّدة.

فصل من كتاب عن أجناد طرف يذكر طاعتهم:

قد أعدّ الله منّا لأمير المؤمنين في نصرة الدولة، وحماية البيضة، ودفع الخطوب الملمّة، وكفاية الأمور المهمّة، عزائم ماضية، وأيديا على الحقّ متناصرة، وأعوانا على الخير متوازرة، لا يتخوّنهم وهن في الأيد، ولا ضعف في الكيد، ولا انتقاص في العدد، ولا انقطاع في المدد، باغين عند الله الحسنى بجميل بلائهم، وعند أمير المؤمنين الزّلفى بصادق ولائهم.

فصل في وصف وال:

نعمه عامّة لجميع المسلمين، عائدة بعمارة الدّين، منتظمة بعزّ الدولة، وحماية البيضة، وصيانة المملكة، بعد شمول البلاء، واضطراب الدّهماء، وتشعّب الأهواء، وتطلّع أقاصي الأعداء، وانتهاء الفساد إلى حيث يعيي حسمه، والفتق إلى حيث يعجز رتقه. فإنّ سيّدنا نهض من هذا الخطب العظيم الذي لم يمرّ بالإسلام مثله، ولا حملت الكواهل بعض ثقله، فساسه بصائب رائه، وشفاه من معضل دائه، بما قد أعيا قدما أنصار الدولة والملوك الذين جملت السّير بذكرهم، وأثر ما بان من فضلهم.

فصل في ولاية خليفة:

ولم يزل الله منذ اضطرب حبل المملكة، وظهر أعداء الدّولة، يصرّف مشيئته، وينقل إرادته، مختارا لموضع إمامته، ومرتادا لمحلّ خلافته، وإن كان قد تقدّم علمه بمواقع الاختيار، لكنه ﷻ تجري عادته في الأناة تأديبا للخليقة، وزجرا لذوي العجلة عن تورّد الأمور المشكلة، وتقحّم أثباجها قبل إعمال الرّويّة، حتى وقف اصطفاءه وقصر اجتباءه على أمير المؤمنين، فأقرّها منه في موطنها، وثبّتها في معدنها؛ ووجده لمّا اصطفاه بها ناهضا، وفيها قائما بحقّها، راتقا لفتقها، صادفا عن الدّنيا ورائعات زبرجها، ومونقات زخرفها، لا تثنيه دواعي لذاتها، ولا تطّبيه عوارض شهواتها، عن طلب ما عند الله، وابتغاء الزلفة بين يديه، والقربة إليه، في عمارة الدّين، وحياطة المسلمين، وإقامة معالم الحقّ، وإحياء سنن العدل، طاويا كشحه على صفاء نيّته، ونقاء سريرته، وصارفا همّه إلى ما فيه المزيّة والمعدلة في البريّة، وساميا بهمّته إلى تأييد المملكة وتأكيد أسبابها، وتعديل أحوالها، بعد مشارفتها الإصفار من بهجتها، والإخفاق من زينتها، والإخلاق من جديدها، والتشعّث من نضرتها، حتى استقامت على أفضل سبلها، وخلصت من شوائب الآفات المكتنفة لها، وثاب إلى الدّين عزّه، وإلى الإسلام نوره، واستودعت الأمانة من أدّاها، وسيقت الإيالة إلى من يقوم بحكم الله فيها، وحاط من الزّيغ حواشيها، ونهد للأعداء الممتدّة أعناقهم، المنطلقة أطماعهم، برأي يفلّ السّيف الحسام، وعزم يكلّ الجحفل اللهام، فثنى من غربهم، وهوّن من خطبهم، وأصبح بنعمة من الله لزمانه قريعا، وللخلق غياثا وربيعا، وللمسلمين وزرا وحصنا منيعا، وقام فيما ناطه الله به، وطوّقه إيّاه، مقام السالفين من آبائه الطاهرين،

والأئمّة الراشدين، سابقا لشأوهم بمهله، وموفيا عليهم بصالح عمله، وإن كانوا في الفضل على تشابه في المقاييس، وتصاقب في المنازل، غير أنّ الله تعالى فاوت بين الأنبياء في الدّرجات، وإن كان قد انتظمهم في مجامع الخيرات.

كتب المعتصم إلى المأمون في كتاب فتح تولّاه له: وكتابي هذا كتاب منه لخبر، لا معتدّ بأثر.

- كتب أبو الفضل ابن العميد- وهو محمد بن الحسين بن محمد، وأبوه أبو عبد الله الحسين، وكان وزيرا كاتبا بخراسان وأصله من قم- إلى ملكان ونداد خرشيد عند استعصائه على ركن الدولة أبي علي: كتابي وأنا مترجّح بين طمع فيك، ويأس منك، وإقبال عليك، وإعراض عنك، فإنك تدلّ بسابق حرمة، وتمتّ بسالف خدمة، أيسرهما يوجب رعاية، ويقتضي محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية، وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويمحق كلّ ما يرعى لك. لا جرم أني وقفت بين ميل إليك، وميل عنك، أقدّم رجلا لصمدك، وأؤخّر أخرى عن قصدك، وأبسط يدا لاصطلامك واجتياحك، وأثني ثانية نحو استبقائك واستصلاحك، وأتوقّف عن امتثال بعض المأمور فيك، ضنّا بالنعمة عندك، ومنافسة في الصّنيعة لديك، وتأميلا لفيئتك وانصرافك، ورجاء لمراجعتك وانعطافك، فقد يغرب العقل ثم يؤوب، ويعزب اللّبّ ثم يثوب، ويذهب الحزم ثم يعود، ويفسد العزم ثم يصلح، ويضاع الرأي ثم يستدرك، ويسكر المرء ثم يصحو، ويكدر الماء ثم يصفو؛ وكلّ ضيقة فإلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء. وكما أنك أتيت من

إساءتك بما لم تحتسبه أولياؤك، فلا تدع أن تأتي من إحسانك بما لا يرتقبه أعداؤك. وكما استمرّت بك الغفلة حتى ركبت ما ركبت، واخترت ما اخترت، فلا عجب أن تنتبه انتباهة تبصر فيها قبح ما صنعت، وسوء ما آثرت، وسأقيم على رسمي في الإبقاء والمماطلة ما صلح، وعلى الاستيناء والمطاولة ما أمكن، طمعا في إيناسك، وتحكيما لحسن الظنّ بك. فلست أعدم فيما أظاهره من إعذار، وأرادفه من إنذار، احتجاجا عليك، واستدراجا لك، فإن يشأ الله يرشدك، ويأخذ بك إلى حظّك ويسدّدك، فإنه على كل شيء قدير.

فصل منها: وزعمت أنّك في طرف من الطاعة بعد أن كنت متوسّطها، فإذا كنت كذاك فقد عرفت حاليها، وحلبت شطريها، فنشدتك الله لما صدقت عما سألتك عنه: كيف وجدت ما زلت عنه؟ وكيف وجدت ما صرت إليه؟ ألم تكن من الأوّلين في ظلّ ظليل، ونسيم عليل، وريح بليل، وهواء عذي، وماء رويّ، ومهاد وطيّ، وكنّ كنين، ومكان مكين، وحصن حصين، يقيك المتالف، ويؤمّنك المخاوف، ويكفيك من نوائب الزّمان، ويحفظك من طوارق الحدثان، عززت به بعد الذّلّة، وكثرت بعد القلّة، وارتفعت بعد الضّعة، وأيسرت بعد العسرة، وأثريت بعد المتربة، واتّسعت بعد الضّيقة، وأطافت بك الولاة وخفقت فوقك الرّايات، ووطىء عقبك الرّجال، وتعلّقت بك الآمال، وصرت تكاثر ويكاثر بك، وتشير ويشار إليك، ويذكر على المنابر اسمك، وفي المحاضر ذكرك؟ ففيم الآن أنت من الأمر وما

العوض مما عدّدت؟ والخلف مما وصفت؟ وما استعددت حين أخرجت من الطاعة نفسك، ونفّضت منها كمّك، وغمست في خلافها يدك؟ وما الذي أظلّك بعد انحسار ظلها عنك؟ أظلّ ذو ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب؟.

ومنها: تأمّل حالك، وقد بلغت هذا الفصل من كتابي مستكرها، والمس جسدك، وانظر هل يحسّ؟ وأجسس عرقك هل ينبض؟ وفتّش ما حنيت عليه أضلاعك، هل تجد في عرضها قلبك؟ وهل حلا بصدرك أن تظفر بموت سريح، أو بفوت مريح؟ ثم قس غائب أمرك بشاهده، وآخر شأنك بأوّله.

حكي عن ملكان- وكان آدب أمثاله- أنه كان يقول: والله ما كانت حالي عند قراءة هذا الفصل إلا كما أشار إليه الأستاذ الرئيس، ولقد ناب كتابه عن الكتائب في عرك أديمي واستصلاحي، وردّي إلى طاعة صاحبه.

- ومن كتاب إلى عضد الدولة: وقد يعدّ أهل التّحصيل في أسباب انقراض العلوم وانتقاص مددها، وانتقاض مررها، والأحوال الداعية إلى ارتفاع جلّ الموجود منها، وعدم الزّيادة فيها: الطوفان بالماء والنار، والموتان العارض من عموم الأوباء، وتسلّط المخالفين في المذاهب والآراء، فإنّ كلّ ذلك يخترم العلوم اختراما، وينتهكها انتهاكا، ويجتثّ أصولها اجتثاثا. وليس- عندي-

الخطب في جميع ذلك يقارب ما يولده [تسلّط ملك جاهل تطول مدته، وتتسع قدرته، فإن] البلاء به لا يعدله بلاء. وبحسب عظم المحنة بمن هذه صفته، والبلوى بمن هذه صورته، تعظم النّعمة في تملّك سلطان عالم عامل كالأمير الجليل الذي أحلّه الله من الفضائل بملتقى طرقها، ومجتمع فرقها، فهي نور نوافر ممن لاقت حتى تصير إليه، وشرّد نوازع حيث حلّت حتى تقع عليه، تتلفّت إليه تلفّت الوامق، وتتشوّف نحوه تشوّف الصبّ العاشق، قد ملكتها وحشة المضاع، وحيرة المرتاع:

فإن تغش قوما بعدهم أو تزورهمفكالوحش يدنيها من الأنس المحل

- فصل من كلام الصابي في تقليد المطيع ابنه الطائع ما كان إليه من الخلافة:

ولما صار في السّنّ العليا والعلّة العظمى، بحيث يحرج أن يقيم معه على إمامة قد كلّ عن تحمّل كلّها، وضعف عن النّهوض بعبئها، خلع ذلك السّربال على أمير المؤمنين الطائع لله خلع الناصّ عليه، المسلّم إليه، خارجا إلى ربّ العالمين وجماعة المسلمين من الحقّ في حسن إيالتهم وسياستهم، مما استقلّ واضطلع، وفي حسن الاختيار والارتياد لهم، حين حسر وظلع.

- ومن كلامه: للنّعم شرط من الشّكر لا تريم ما وجدته، ولا تقيم إذا فقدته، وكثيرا ما تسكر الواردين حياضها، ويغشي عيون المقتبسين

إيماضها، فيذهلون عن امتراء درّتها، ويعمهون عن الاستمتاع بنضرتها، ويكونون كمن أطار طائرها لما وقع، ونفّر وحشيّها حين أنس، فلا يلبثون أن يتعرّوا من جلبابها، وينسلخوا من إهابها، ويتعوّضوا منها الحسرة والغليل، والأسف الطويل.

- ولما نقل بختيار ابنته المزوّجة بأبي تغلب ابن حمدان كتب عنه الصابي في معناها فصلا، وهو: قد توجّه أبو النجم بدر الحرمي- وهو الأمين على ما يلحظه، والوفيّ بما يحفظه- نحوك يا سيّدي ومولاي بالوديعة، وإنما نقلت من وطن إلى سكن، ومن مغرس إلى معرّس، ومن مأوى برّ وانعطاف، إلى مثوى كرامة وألطاف، ومن منبت درّت لها نعماؤه، إلى منشإ تجود عليها سماؤه، وهي بضعة مني انفصلت إليك، وثمرة من جنى قلبي حصلت لديك، وما بان عني من وصلت حبله بحبلك، وتخيّرت له باهر فضلك، وبّوأته المنزل الرّحب من جميل خلائقك، وأسكنته الكنف الفسيح من كريم شيمتك وطرائقك، ولا ضياع على ما تضمّنته أمانتك، ويشتمل عليه حفظك ورعايتك.

وأرجو أن يقرن الله موردها بالطائر السعيد، والأمر الرّشيد، والعزّ الزائد والجدّ الصاعد، والنّماء في الائتلاف، والعصمة من الفرقة والخلاف، حتى تكون عوائد البركة بأحوالها منوطة، ومن عوادي الأيّام وغيرها محوطة.

- ب- ولما قرىء هذا الفصل بحضرة أبي تغلب، اعتمد للجواب عنه أبو الفرج الببغا فأجاب عنه بما نسخته:

وأما أبو النجم بدر الحرميّ المستوجب للارتضاء والإحماد، الموفي بمناصحته

على كلّ مراد، فقد أدّى الأمانة إلى متحمّلها، وسلّم الذخيرة الجليلة إلى متقبّلها، فحلّت من محلّ العزّ في وطنها، وأوت من حمى السّؤدد إلى مستقرّها وسكنها، منتقلة عن عطف الفضل والكمال، إلى كنف السعادة والإقبال، وصادرة عن أنبل ولادة ونسب، إلى أشرف اتّصال وأنبه سبب، وفي اليسير من لوازم فروضها وواجبات حقوقها، ما صان رعايتي عن الوصاة بها، ونزّه وفائي عن الاستزادة لها. وكيف يوصى الناظر بنوره؟ أم كيف يحضّ القلب على حفظ سروره؟ وإنّ سببا قرن بإحماد أمير المؤمنين ذكري، ووصل بحبل السيّد العمّ ركن الدولة حبلي، ومنح عزّ الدولة مكنون ودّي، واختصّ الإخوة من ولد أبيه السعيد- ﵀ وأيّدهم- بوثيق عهدي، إلى أن صرت بفضل الجماعة قائلا، ودونها بالنّيّة والفعل مناضلا، وبمحاسنها المجموعة لي ناطقا، وبما لي عندها من المساهمة والمشاركة واثقا، لحقيق بالتباهي في الإعظام، وخليق بالمبالغة في الإيجاب والإكرام. والله تعالى يعين على ما أعتقده من ذلك وأنويه، ويوفّقني لما يوفي على المحبة والبغية فيه، بمنّه وقدرته، وحوله وقوّته.

- ج- وإنما ألمّ الصابي في تسميته إياها بالوديعة بما كتبه جعفر بن ثوابة عن المعتضد إلى ابن طولون في ذكر ابنته قطر النّدى المنقولة إليه. وهو:

وأمّا الوديعة- أعزّك الله- فهي بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمينك، عناية بها، وحياطة لها، ورعاية لولائك فيها.

فلما عرضه على الوزير أبي القاسم عبيد الله بن سليمان استحسنه جدا وقال له:

تسميتك إياها الوديعة نصف البلاغة، ووقّع له بالزيادة في إقطاعه ومشاهرته.

- من كتاب لأبي القاسم عبد العزيز بن يوسف الى اهل الشام: قد

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.