من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
بداية الباب الخامس والأربعون (٢)
ب- وقال حمّاد بن إسحاق بن إبراهيم: قال لي أبي: نظرت إلى ما صار إلى جدّك من الأموال والصّلات وثمن ما باعه من جواريه فوجدته أربعة وعشرين ألف ألف درهم سوى أرزاقه الجارية وهي عشرة آلاف درهم في كلّ شهر، وسوى غلّات ضياعه، وسوى الصلات النزرة التي لم يحفظها؛ ولا والله ما رأيت أكمل مروءة منه، كان له طعام معدّ في كلّ وقت. فقلت لأبي: كيف كان يمكنه ذلك؟ قال: كان له في كلّ يوم ثلاث شياه: واحدة مقطّعة في القدور، فإذا فرغت قطّعت الشاة المعلّقة ونصبت القدور، وذبحت الحيّة فعلّقت، وأتي بأخرى فجعلت وهي حيّة في المطبخ، وكانت وظيفته لطعامه وطيبه وما يتّخذ له في كلّ شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته. ولقد اتفق عندنا مرّة من الجواري الودائع لإخوانه ثمانون جارية ما منهن واحدة إلا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطّيب مثل ما يجري لأخصّ جواريه، فإذا ردّت الواحدة منهن إلى مولاها وصلها وكساها. ومات وما في ملكه إلا ثلاثة آلاف دينار وعليه من الدّين سبعمائة دينار قضيت منها.
- قال داود المكّي: كنّا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا وعنده جماعة فيهم عبد الله بن المبارك وعدّة من العراقين، إذ مرّ به ابن تيزن المغنّي [قال حماد: ويقال ابن بيرن] وقد ائتزر بمئزر على صدره، وهي إزرة الشطّار عندنا، فدعاه ابن جريج فقال: أحبّ أن تسمعني، قال: إني مستعجل، فألحّ عليه، فقال: امرأته طالق إن غنّاك أكثر من ثلاثة أصوات، قال له: ويحك، ما أعجلك إلى اليمين، عليّ بالصوت الذي غنّاه ابن سريج في اليوم الثاني من أيام منى على جمرة العقبة فقطع طريق الذاهب والجائي حتّى تكسّرت المحامل، فغنّاه:
عوجي عليّ فسلّمي جبرماذا الوقوف وأنتم سفر
ما نلتقي إلا ثلاث منىحتّى يفرّق بيننا النّفر
الحول بعد الحول يتبعهما الدّهر إلا الحول والشّهر
فقال له ابن جريج: أحسنت والله! ثلاث مرّات، ويحك أعده، قال: من الثلاثة، فأعاده فأقام، ومضى وقال: لولا مكان هؤلاء الثقلاء عندك لأطلت معك حتى تقضي وطرك. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: لعلّكم أنكرتم ما فعلت؟ فقالوا: إنا لننكره عندنا بالعراق ونكرهه، قال: فما تقولون في الرّجز؟ يعني الحداء، قالوا: لا بأس به عندنا، قال: فما الفرق بينه وبين الغناء.
- روي أنّ إبراهيم الموصليّ غنّى الرشيد يوما في شعر هلال بن الأسعر
المازني:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربازدت الفؤاد على علّاته وصبا
فأعجب الرشيد وطرب، فقال له الموصليّ: يا أمير المؤمنين، فكيف لو سمعته من عبدك مخارق فإنّه أخذه عني وهو يفضل فيه الخلق جميعا ويفضلني؟ فأمر بإحضار مخارق فأحضر فقال له: غنّني:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا
فغنّاه إيّاه، فبكى وقال: سل حاجتك. قال مخارق: فقلت: يعتقني أمير المؤمنين من الرّقّ ويشرفني بولائه، أعتقك الله من النار. قال: فأنت حرّ لوجه الله، أعد الصّوت فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك، فقلت: حاجتي يا أمير المؤمنين ضيعة تقيمني غلّتها فقال: قد أمرت لك بها، أعد الصّوت، فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك، فقلت: يأمر لي أمير المؤمنين بمنزل وفرش وما يصلحه وخادم فيه، قال: ذلك لك، أعده، فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك، فقلت: حاجتي يا أمير المؤمنين أن يطيل الله بقاءك ويديم عزّك، ويجعلني من كلّ سوء فداءك. فكان إبراهيم سبب عتقه بهذا الصّوت. وكان مخارق يقول: أنا عتيق هذا الصوت.
- كان عطرّد المغنّي من أهل الهيئة والمروءة، فقيها قارئا. وقصد آل سليمان بن عليّ بالبصرة فأقام معهم، وولي سلمة بن عبّاد القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عبّاد عطرّدا، فأتى بابه ليلا فدقّ عليه الباب ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج إليه عطرّد فلما رآه ومن معه فزع، فقال: لا ترع:
إنّي قصدت إليك من أهليفي حاجة يأتي لها مثلي
فقال: ما هي أصلحك الله؟ فقال:
لا طالبا إليك سوى«حيّ الحمول بجانب العزل»
فقال: انزلوا على بركة الله. فلم يزل يغنّيهم بهذا الصوت وغيره حتى أصبحوا.
وهذا الشعر يقوله امرؤ القيس بن عابس الكنديّ، وهو:
حيّ الحمول بجانب العزلإذ لا يلائم شكلها شكلي
الله أنجح ما سألت بهوالبرّ خير حقيبة الرّحل
إنّي بحبلك واصل حبليوبريش نبلك رائش نبلي
وشمائلي ما قد علمت ومانبحت كلابك طارقا مثلي
- كان أحمد بن أبي دواد ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا. وكان أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ ﵀ صديقه، وهو من القوّاد الأكابر، ومحلّه من الشجاعة مشهور، وكان جيّد الغناء وله صنعة متقنة. فأعلمه المعتصم أنّه يغنّي فقال ابن أبي دواد: ما أراه مع عقله يفعل ذلك. فستر المعتصم أحمد بن أبي دواد في موضع، وأحضر أبا دلف وأمره أن يغنّي ففعل ذلك وأطال. ثم أخرج أحمد بن أبي دواد عليه من موضعه والكراهة ظاهرة في وجهه، فلما رآه أحمد قال:
سوأة لهذا من فعل! أبعد السّنّ وهذا المحلّ تضع نفسك كما أرى! فخجل أبو دلف وتشوّر وقال: إنّهم أكرهوني على ذلك. قال: هبهم أكرهوك على الغناء، أفأكرهوك على الإحسان فيه والإصابة؟! - قال معبد: أتيت جميلة يوما وكان لي موعد، ظننت أني قد سبقت الناس إليها، وإذا منزلها غاصّ، فسألتها أن تعلّمني شيئا، فقالت: إنّ غيرك قد
سبقك، ولا يجمل تقديمك على من سواك. فقلت: جعلت فداك! إلى متى تفرغين ممّن سبقني؟ قالت: هو ذاك، الحقّ يسعك ويسعهم. فبينا نحن في ذاك إذ أقبل عبد الله بن جعفر- فإنّه لأوّل يوم رأيته وآخره وكنت صغيرا كيّسا، وكانت جميلة شديدة الفرح بي- فقامت وقام الناس فلقيته وقبّلت يديه، وجلس في صدر المجلس على كرسيّ لها، وتحوّق أصحابه حوله، وأشارت إلى من عندها بالانصراف فتفرّق الناس، وغمزتني ألا أبرح فأقمت، وقالت: يا سيّدي وسيّد آبائي ومواليّ، كيف نشطت أن تنقل قدميك إلى أمتك؟ قال: يا جميلة، قد علمت ما آليت أن لا تغنّي أحدا إلا في منزلك، وأحببت الاستماع، وكان ذلك طريقا مادّا فسيحا. قالت: جعلت فداءك! فأنا أصير إليك وأكفّر، فقال: لا أكلّفك ذلك، وبلغني أنك تغنّين بيتين لامرىء القيس تجيدين الغناء فيهما، وكان الله ﷿ أنقذ بهما جماعة من المسلمين من الموت. قالت: يا سيّدي نعم، فاندفعت فغنّت بعودها، فما سمعت منها قبل ذلك اليوم ولا بعده إلى أن ماتت مثل ذلك الصوت، ولا مثل ذلك الغناء، فسبّح عبد الله بن جعفر والقوم معه، وهما:
ولمّا رأت أنّ الشريعة همّهاوأنّ البياض من فرائصها دامي
تيمّمت العين التي عند ضارجيفيء عليها الظلّ عرمضها طامي
فلما فرغت جميلة قالت: يا سيّدي أزيدك؟ قال: حسبي. فقال بعض من كان معه: أي جعلت فداك! وكيف أنقذ الله بهذين البيتين جماعة من المسلمين؟
قال: نعم، أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبيّ ﷺ، فضلّوا الطريق ووقعوا على غيرها، ومكثوا مليّا لا يقدرون على الماء، وجعل الرجل منهم يستذري بفيء السمر والطّلح، فأيسوا من الحياة، إذا أقبل رجل على بعير، فأنشد بعض القوم هذين البيتين، قال الراكب: من يقول هذا؟ قال: امرؤ القيس، قال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار لهم إليه. فحبوا على الرّكب، فإذا ماء
عدّ، وإذا عليه العرمض والظلّ يفيء عليه. فشربوا منه ربّهم وحملوا منه ما اكتفوا به حتى بلغوا الماء. فأتوا النبيّ ﷺ وأخبروه وقالوا: يا رسول الله، أحيانا الله ﷿ ببيتين من شعر امرىء القيس وأنشدوه الشّعر، فقال ﷺ: ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسيّ في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار.
»
- لمّا قدم عثمان بن حيّان المرّي إلى المدينة واليا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنّك قد وليت المدينة على كثرة من الفساد، فإن كنت تريد أن تصلح فطهّرها من الغناء والزّنا. فصاح في ذلك، وأجّل أهله ثلاثا يخرجون فيها من المدينة. وكان ابن أبي عتيق غائبا، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح. فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم، فقال: لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القسّ، فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلّم عليكم، قالوا: ما أغفلك عن أمرنا! وأخبروه الخبر. فقال: اصبروا إلى الليلة التي آتيه، قالوا: نخاف أن لا يمكنك شيء، قال: إن خفتم شيئا، فاخرجوا في السّحر. ثم خرج، فاستأذن على عثمان بن حيّان، فأذن له، فسلّم عليه وذكر غيبته، وذكر أنه جاءه ليقضي حقّه، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزنا، وقال: أرجو أن تكون عملت عملا هو خير لك من ذلك، فقال عثمان: قد فعلت ذلك وأشار به عليّ أصحابك. فقال: قد أصبت، ولكن ما تقول- أمتع الله بك- في امرأة هذه صناعتها، وكانت تكره على ذلك، ثم تركته وأقبلت على الصلاة والصيام والخير، وأنا رسولها إليك تقول: أتوجّه إليك وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول الله ﷺ ومسجده؛ قال: إنّي أدعها لك ولكلامك. قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك وتسمع كلامها وتنظر إليها، فإن رأيت أنّ مثلها ينبغي أن يترك تركتها، قال: نعم.
فجاءه بها وقال لها: احملي معك سبحة وتخشّعي، ففعلت. فلما دخلت على عثمان حدّثته، فإذا هي أعلم الناس بأمور الناس، فأعجب بها، وحدّثته عن آبائه وأمورهم، ففكه لذلك. فقال لها ابن أبي عتيق: إقرئي للأمير، فقرأت له، فقال لها: أحدي له، ففعلت، وكثر عجبه منها. فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها؟ فلم يزل ينزله شيئا فشيئا حتى أمرها بالغناء، فقال لها ابن أبي عتيق:
غنّي:
سددن خصاص الخيم لمّا دخلنهبكلّ لبان واضح وجبين
فغنّته، فقام عثمان من مجلسه فقعد بين يديها ثم قال: لا والله، ما مثل هذه يخرج! قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس؛ يقولون: أقرّ سلامة وأخرج غيرها، قال: فدعوهم جميعا، فتركوهم جميعا، وأصبح الناس يقولون: كلّم ابن أبي عتيق الأمير في سلامة القسّ فتركوا جميعا.
- قال علّويه الأعسر المغنّي: أمرنا المأمون أن نباكر لنصطبح، فلقيني عبد الله بن إسماعيل المراكبيّ مولى عريب، فقال: يا أيّها الظالم المعتدي، ألا ترحم ولا ترقّ؟ عريب هائمة من الشّوق إليك، تدعو وتستحكم، وتحلم بك في نومها في كلّ ليلة ثلاث مرّات. قال علّويه: فقلت له: أمّ الخليفة زانية، ومضيت معه، فحين دخلت قلت: استوثق من الباب فأنا أعرف الناس بفضول الحجّاب، وإذا عريب على كرسيّ تطبخ ثلاث قدور من دجاج. فلمّا رأتني قامت فعانقتني وقبّلتني وقالت: أيّ شيء تشتهي؟ فقلت: قدرا من هذه القدور. فأفرغت قدرا بيني وبينها. فأكلنا، ودعت بالنبيذ فصبّت رطلا وشربت نصفه، فما زلت أشرب حتى كدت أسكر، ثم قالت: يا أبا الحسن، غنّيت البارحة في شعر لأبي العتاهية
فأعجبني، فتسمعه وأصلحه، فغنّت:
عذيري من الإنسان لا إن جفوتهصفا لي ولا إن صرت طوع يديه
وإني لمشتاق إلى ظلّ صاحبيروق ويصفو إن كدرت عليه
فصيّرناه مجلسنا، وقالت: قد بقي فيه شيء، فلم أزل أنا وهي حتى أصلحناه، ثم قالت: أحبّ أن تغنّي أنت أيضا فيه لحنا، ففعلت. وجعلنا نشرب على اللحنين مليّا، ثم جاء الحجّاب فكسروا الباب واستخرجوني. فدخلت إلى المأمون، فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان، وأصفّق وأغنّي الصّوت، فسمع المأمون وندماؤه ما لم يعرفوه فاستظرفوه، فقال المأمون: يا علّويه، ادن وردّده، فردّدته عليه سبع مرّات، فقال لي في آخرها عند قولي:
يروق ويصفو إن كدرت عليه
يا علّويه، خذ الخلافة وأعطني هذه الصاحب.
قال المدائنيّ: اصطحب قوم في سفر ومعهم شيخ عليه أثر النّسك والعبادة، ومعهم مغنّ، وكانوا يشتهون أن يغنّيهم ويستحيون من الشيخ إلى أن بلغوا صخيرات الثّمام، فقال المغنّي: أيها الشيخ، إنّ عليّ يمينا أن أنشد شعرا إذا انتهيت إلى هذا الموضع، وإني أهابك وأستحي منك، فإن رأيت أن تأذن لي في الإنشاد أو تتقدّم حتى أوفي بيميني ثم ألحق بك فافعل. قال: ما عليّ من إنشادك! أنشد ما بدا لك، فاندفع يغنّي:
وقالوا صخيرات الثّمام وقدّمواأوائلهم من آخر الليل في الثّقل
فجعل الشيخ يبكي أحرّ بكاء وأشجاه، فقالوا: ما لك يا عمّ تبكي؟ فقال: لا جزيتم خيرا عنّي! هذا معكم طول الطريق وأنتم تبخلون عليّ أن أتفرّج به، ويقطع عني طريقي، وأتذكّر أيام شبابي! فقالوا: لا والله ما كان يمنعنا غير
هيبتك، قال: فأنتم إذا معذورون. ثم أقبل عليهم فلم يزل يغنّيهم طول سفرهم حتى افترقوا.
- وقيل: حضر أبو السائب مجلسا فيه بصبص جارية ابن نفيس، فغنّت:
قلبي حبيس عليك موقوفوالعين عبرى والدّمع مذروف
والنّفس في حسرة بغصّتهاقد سفّ أرجاءها التساويف
إن كنت بالحسن قد وصفت لنافإنّني بالهوى لموصوف
يا حسرتا حسرة أموت بهاإن لم يكن لي لديك معروف
قال: فطرب أبو السائب ونعر وقال: لا عرف الله قدر من لا يعرف لك معروفك!، ثم أخذ قناعها عن رأسها فوضعه على رأسه وجعل يلطم ويبكي ويقول لها: بأبي أنت وأمي! والله إني لأرجو أن تكوني عند الله أفضل من الشهداء لما تولينا من السرور، وجعل يصيح: وجعل يصيح: واغوثاه! يالله ما يلقى العاشقون! - قال ابن أبي مليكة: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والفقه، وكان يغشى عبد الله بن جعفر، فسمع جارية تغنّي:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا
وكانت الجارية مغنّية لبعض النخّاسين، فاستهتر بها الناسك وهام، وترك ما كان عليه حتى مشى إليه عطاء وطاوس فلاماه، فكان جوابه لهما أن تمثّل قول الشاعر:
يلومني فيك أقوام أجالسهمفما أبالي أطار اللوم أم وقعا
وبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إلى النخّاس، فاعترض الجارية وسمع غناءها بهذا الصوت، فقال لها: ممّن أخذته؟ قالت: من عزّة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل، فسأله عن خبرها، فأعطاه إيّاه وصدقه عنه، فقال: أتحبّ أن تسمع هذا الصوت ممّن أخذته عنه تلك الجارية؟ قال: نعم، فدعا بعزّة الميلاء فقال: غنّيه إيّاه، فغنّته، فصعق الرجل مغشيّا عليه. فقال ابن جعفر: أثمنا فيه! الماء! فنضح على وجهه، فلما أفاق قال له: أكلّ هذا بلغ بك من عشقها؟ قال: وما خفي عنك أكثر؛ قال: أفتحبّ أن تسمعه منها؟
قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها وأنا لا أحبّها، فكيف يكون حالي إن سمعته منها وأنا لا أقدر على ملكها؟ قال: أفتعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها! فأمر بها فأخرجت، قال: خذها فهي لك، والله ما نظرت إليها إلا عن عرض. فقبّل الرجل يديه ورجليه وقال: أنمت عيني وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إليّ عقلي. ودعا له دعاء كثيرا، فقال له: ما أرضى أن أعطيكها هكذا؛ يا غلام احمل معه مثل ثمنها لكيلا تهتمّ به ويهتمّ بها.
- قال إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ وقد حضره جماعة من جلسائه والأماثل والمغنّين. فلمّا جلسوا للشّرب جعل الغلمان يسقون من حضر، وجاءني غلام قبيح الوجه بقدح فيه نبيذ، فلم آخذه من يده، فرآني إسحاق فقال: لم لا تشرب؟ فقلت في الحال:
إصبح نديمك أقداحا يسلسلهامن الشّمول وأتبعها بأقداح
من كفّ ريم مليح الدّلّ ريقتهبعد الهجوع كمسك أو كتفّاح
لا أشرب الراح إلا من يدي رشأتقبيل راحته أشهى من الراح
قال: فضحك ثم قال: صدقت والله، ثم دعا بوصيفة تامّة الحسن في زيّ غلام
عليها قباء ومنطقة، فقال لها: تولّي سقي أبي محمد. فما زالت تسقيني حتى سكرت، ثم أمر بتوجيهها وكلّ ما في داره إليّ فانصرفت بها.
- عاتب مسلمة بن عبد الملك أخاه يزيد وقال: يا أمير المؤمنين، ببابك وفود الناس ويقف به أشراف العرب، ولا تجلس لهم، وأنت قريب عهد بعمر ابن عبد العزيز، وقد أقبلت على هؤلاء الإماء! قال: إني لأرجو أن لا تعاتبني على هذا بعد اليوم. فلما خرج مسلمة من عنده استلقى على فراشه، وجاءت جاريته حبابة فلم يكلّمها، فقالت: ما دهاك عني؟ فأخبرها بما قال مسلمة وقال:
تنحّي حتى أفرغ للناس. قالت: فأمتعني منك يوما واحدا ثم اصنع ما بدا لك؛ قال: نعم، فقالت لمعبد: كيف الحيلة؟ قال: يقول الأحوص أبياتا وتغنّي فيها؛ قالت: نعم. فقال الأحوص:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدافقد غلب المحزون أن يتجلّدا
إذا كنت عزهاة عن اللهو والصّبافكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
فما العيش إلا ما تحبّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
فغنّى فيه معبد وقال: مررت البارحة بدير نصارى وهم يقرؤن بصوت شجيّ فحكيته في هذا الصوت، فلمّا غنّته حبابة قال يزيد: لعن الله مسلمة! قد صدقت والله لا أطيعهم أبدا.
- قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: أقام المأمون بعد قدومه بغداد عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الأغاني؛ ثم قال: كان أوّل من تغنّى بحضرته أخوه أبو عيسى بن الرشيد، ثم واظب على السماع مستترا متشبّها بالرشيد في أوّل أمره. فأقام المأمون كذلك أربع حجج، ثم ظهر للندماء والمغنّين.
وكان حين أحبّ المأمون السماع سأل عني، فخرجت بحضرته وقال الطاعن عليّ: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلفاء؟ فقال: ما أبقى هذا من التّيه شيئا إلا استعمله. فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلني لسوء رأيه الذي ظهر فيّ فأضرّ ذلك بي، حتى جاءني علّويه يوما فقال لي:
أتأذن لي في ذكرك، فإنا قد دعينا اليوم؟ فقلت: لا، ولكن غنّه بهذا الشّعر، فإنه يبعثه على أن يسألك: لمن هذا؟ فإذا سألك انفتح لك باب ما تريد، وكان الجواب أسهل عليك من الابتداء. فقال: هات، فألقيت عليه لحني في شعر عمر:
يا سرحة الماء قد سدّت مواردهأما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام حتى لا حياة لهمحلّأ عن زلال الماء مطرود
قال فمضى علّويه، فلما استقرّ به المجلس غنّاه بالشعر، فقال: ويلك يا علّويه! لمن هذا الشعر؟ قال: يا سيّدي، لعبد من عبيدك، جفوته واطّرحته من غير ذنب، فقال: إسحاق تعني؟ قال: نعم، قال: تحضره الساعة.
فجاءني رسوله، فصرت إليه، فلما دخلت عليه قال: ادن، فدنوت منه فرفع يديه مادّهما، فأكببت عليه فاحتضنني بيديه، وأظهر من برّي وإكرامي ما لو أظهره صديق مؤانس لصديق لسرّه.
- أبو نواس:
جريت مع الصبّا طلق الجموحوهان عليّ مأثور القبيح
جدت ألذّ عارية اللياليقران النّعم بالوتر الفصيح
ومسمعة إذا ما شئت غنّتمتى كان الخيام بذي طلوح
تمتّع من شباب ليس يبقىوصل بعرى الغبوق عرى الصبّوح
وخذها من معتّقة كميتتنزّل درّة الرجل الشّحيح
تخيّرها لكسرى رائداهلها حظّان من طعم وريح
ألم ترني أبحت الراح عرضيوعض مراشف الظّبي المليح
وأنّي عالم أن سوف تنأىمسافة بين جثماني وروحي
- وله:
لا أرحل الراح إلا أن يكون لهاحاد بمنتخل الأشعار غرّيد
فاستنطق العود قد طال السكوت بهلا ينطق اللهو حتى ينطق العود
قال المأمون: الطعام لون واحد، فإذا استطبته فاشبع منه، والنّدمان واحد فإذا رضيته فلا تفارقه ما لم يفارقك الرضا به، والغناء صوت واحد، فإذا استطبته فاستزده حتى تقضي وطرك منه.
- قال أبو محمد التميمي: سألت الشريف أبا علي محمد بن أحمد بن موسى الهاشميّ عن السماع؟ فقال: لا أدري ما أقول فيه، غير أني حضرت دار شيخنا عبد العزيز بن الحارث التميمي رحمه الله تعالى سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين وأبو القاسم الداركي شيخ الشافعيين وأبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث، وأبو الحسين بن سمعون شيخ الوعّاظ والزهّاد، وأبو عبد الله ابن مجاهد شيخ المتكلّمين وصاحب أبي بكر بن الباقلانيّ في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ
الحنابلة. قال أبو علي: لو سقط السّقف عليهم لم يبق للعراق من يفتي في حادثة يشبه واحدا منهم، ومعهم أبو عبد الله غلام، وربما كان هذا يقرأ القرآن بصوت حسن وربّما قال شيئا، فقيل له: قل لنا شيئا، فقال وهم يسمعون:
خطّت أناملها في بطن قرطاسرسالة بعبير لا بأنقاس
أنظر فديتك لي من غير محتشمفإنّ حبّك لي قد شاع في الناس
وكان قولي لمن أدّى رسالتهاقف لي لأمشي على العينين والراس
قال أبو علي: فبعد ما رأيت هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بشيء من حظر أو إباحة.
- ومن أكابر المغنّين ومقدّميهم يحيى بن مرزوق المكيّ مولى بني أمية.
وكان يكتم ولاءه لخدمته خلفاء بني العباس، فإذا سئل عن ولائه انتهى إلى قريش. وعمّر مائة وعشرين سنة، ومات وهو صحيح العقل والسّمع والبصر، وقدم مع الحجازيين الذين قدموا على المهدي في أول خلافته، فخرج أكثرهم وبقي يحيى بالعراق. وولده يخدمون الخلفاء، وآخرهم أحمد بن يحيى كان يخدم المعتمد.
وليحيى صنعة عجيبة نادرة. وله كتاب في «الأغاني» كبير جليل مشهور، إلا أنّه خلط في نسبه فاطّرح. وكان ابن جامع، وإبراهيم الموصليّ، وفليح بن [أبي] العوراء يفزعون إليه في الغناء القديم، فيأخذون عنه ويعايي بعضهم بعضا بما يأخذه منه، ويغرب به على أصحابه، فإذا خرجت الجوائز أخذها.
- قال محمد بن أحمد بن يحيى المكّي: عمل جدّي كتابا في الأغاني وأهداه إلى عبد الله بن طاهر وهو يومئذ شابّ حديث السّنّ، فاستحسنه وسرّ به، ثم عرضه على إسحاق، فعرّفه عوارا كثيرا في نسبه لأنّ جدّي كان لا يصحّح لأحد نسبة صوت ألبتّة، وكان ينسب صنعته إلى المتقدّمين، وينحل بعضهم صنعة بعض ضنّا بذلك عن غيره، فسقط من عين عبد الله، وبقي في خزانته. ثم وقع إلى محمد بن عبد الله، فدعا بأبي- وكان إليه محسنا وعليه مفضلا- فعرضه عليه فقال له: إنّ في هذا النسب تخليطا كثيرا خلطه لضنّه بهذا الشأن على الناس، ولكن أعمل لك كتابا أصحّح هذا وغيره فيه. فعمل له كتابا فيه اثنا عشر ألف صوت وأهداه إليه، فوصله محمد بثلاثين ألف درهم، وصحّح له الكتاب الأوّل أيضا، فهو الذي في أيدي الناس.
- وكان إسحاق يقدّم يحيى المكيّ تقديما كثيرا ويفضّله ويناضل أباه وابن جامع فيه ويقول: ليس يخلو يحيى فيما يرويه من الغناء الذي لا يعرفه واحد منكم من أحد أمرين: إمّا أن يكون محقّا فيه كما يقول فقد علم ما جهلتم، أو يكون من صنعته وقد نحله المتقدّمين كما تقولون، فهو أوضح لتقدّمه عليكم.
- قال محمد بن الحسن الكاتب: كان يحيى يخلّط في نسب الغناء تخليطا كثيرا، ولا يزال يصنع الصّوت بعد الصوت، يتشبّه فيه بالغريض مرّة، وبمعبد أخرى، وبابن سريج وبابن محرز، ويجتهد في إحكامه وإتقانه حتى يشتبه على سامعه. فإذا حضر مجالس الخلفاء غنّى ما أحدث فيه من ذلك، فيأتي بأحسن صنعة وأتقنها، وليس أحد يعرفها، فيسأل عن ذلك، فيقول: أخذته عن فلان، وأخذه فلان عن يونس أو نظرائه من رواة الأوائل، فلا يشكّ في
قوله، ولا يثبت لمباراته أحد، ولا يقوم لمعارضته ولا يفي بها، حتى نشأ إسحاق وضبط الغناء وأخذه من مظانّه ودوّنه، وكشف عوار يحيى في منحولاته وبيّنها للناس.
- قال أحمد بن سعيد المالكي- وكان مغنّيا منقطعا إلى طاهر وولده- وكان من القوّاد: حضرت يحيى المكيّ يوما وقد غنّى صوتا فسئل عنه، فقال: هذا لمالك، ثم غنّى لحنا لمالك، فسئل عنه فقال: هذا لي، فقال له إسحاق الموصليّ:
قلت ماذا؟ فديتك! وتضاحك به. فسئل عن صانعه، فأخبر به وغنّى الصوت، فخجل يحيى، وأمسك عنه ثم غنّى بعد ساعة في الثقيل الأوّل، واللّحن له:
إنّ الخليط أجدّ فاحتملاوأراد غيظك بالذي فعلا
فسئل عنه، فنسبه إلى الغريض، فقال له إسحاق: يا أبا سليمان ليس هذا من نمط الغريض، ولا تفنّنه في الغناء، فلو شئت لأخذت ما لك، وتركت للغريض ما له، ولم تتعب، فاستحيى يحيى ولم ينتفع بنفسه بقيّة يومه. فلما انصرف بعث إلى إسحاق بلطائف كثيرة وبرّ واسع وكتب إليه يعاتبه ويستكفّ شرّه ويقول له: لست من أقرانك فتضادّ لي، ولا ممّن يتصدّى لمباغضتك ومباراتك فتكايدني، وأنت إلى أن أفيدك وأعطيك ما تعلم أنّك لا تجده إلا عندي فتسمو به على أكفائك أحوج منك إلى أن تباغضني فأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له، وأنت وما تختاره. فعرف إسحاق صدق يحيى فكتب إليه يعتذر وردّ الألطاف التي حملها إليه، وحلف أن لا يعارضه بعدها، وشرط عليه الوفاء بما وعده به من الفوائد، فوفّى له بها، وأخذ منه كلّ ما أراد من غناء المتقدّمين.
وكان إذا حزبه أمر في شيء منها فزع إليه فأعاده وعاونه ونصحه، وما عاود
إسحاق معارضته بعد ذلك، وحذره يحيى؛ فكان إذا سئل عن شيء بحضرته صدق فيه، وإذا غاب إسحاق خلّط فيما يسأل عنه.
قال: وكان يحيى إذا صار إليه إسحاق يطلب شيئا أعطاه إيّاه، ثم يقول لابنه أحمد: تعال حتى تأخذ مع أبي محمد ما الله يعلم أني أبخل به عليك فضلا عن غيرك، فيأخذه أحمد مع إسحاق عن أبيه.
- وقال إسحاق يوما للرشيد قبل أن تصلح الحال بينه وبين يحيى المكّي: أتحبّ يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟
قال: نعم؛ قال: أعطني أيّ شعر شئت حتى أصنع فيه لحنا، وسلني بحضرته عن نسبه، فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، وسل يحيى عنه إذا غنّيته، فإنه لا يمتنع من أن يدّعي معرفته. فأعطاه شعرا وصنع فيه لحنا وغنّاه الرشيد، ثم قال له: يسألني أمير المؤمنين عن نسبه بين يديه. فلمّا حضر يحيى غنّاه إسحاق، فسأله الرشيد: لمن هذا اللحن؟ فقال له إسحاق: لغناديس المدني، فقال له يحيى: نعم قد لقيته وأخذت عنه صوتين، ثم غنّى صوتا وقال: هذا أحدهما.
فلما خرج يحيى حلف إسحاق بالطلاق ثلاثا وعتق جواريه أنّ الله تعالى ما خلق أحدا اسمه غناديس ولا سمع به في المغّنين ولا غيرهم، وأنه وضع ذلك الاسم في وقته ليكشف أمره.
- قال علي بن المارقيّ: قال لي إبراهيم بن المهديّ: ويلك يا مارقيّ! إنّ يحيى المكيّ غنّى البارحة بحضرة أمير المؤمنين صوتا فيه ذكر زينب، وقد كان النبيذ أخذ منّي، فأنسيت شعره، فاستعدته إيّاه فلم يعده، فاحتل لي عليه حتى تأخذه منه، ولك عليّ سبق. قال زرزور مولاه: فقال لي المارقيّ وأنا يومئذ غلام: إذهب إليه فقل له إني أسأله أن يكون اليوم عندي. فمضيت إليه فحيّيته، التذكرة الحمدونية
فلما تغدّوا وضع النبيذ فقال له المارقيّ: إني سمعتك تغنّي صوتا فيه ذكر زينب، وأنا أحبّ أن آخذه منك، وكان يحيى يوفي هذا الشأن حقّه من الاستقصاء، فلا يخرج إلا بحذر، ولا يدع الطلب والمسألة، ولا يلقي صوتا إلا بعوض، فقال له يحيى: وأيّ شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت؟ قال: ما تريد؟ قال:
هذه الزّلّيّة الأرمنيّة، أما آن لك أن تملّها؟ قال: بلى، هي لك، قال: وهذه الطنافس الخرّميّة، أنا مكيّ لا أنت وأنا أولى بها منك، قال: هي لك، وأمر بحملها معه، فلما حصلت له قال له المارقيّ: يا غلام، هات العود، قال يحيى:
والميزان والدراهم؛ وكان يحيى لا يغنّي أو يأخذ خمسين درهما، فأعطاه إيّاه، فألقى عليه:
بزينب ألمم قبل أن يظعن الرّكب
فلم يشكّ المارقيّ في أنه قد أدرك حاجته، فبكّر إلى إبراهيم فقال له: قد جئت بالحاجة، فدعا بالعود فغنّاه إيّاه، فقال له: لا والله ما هو هذا، وقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. قال زرزور: فبعثني إليه وبعث معي خمسين درهما، فلما دخل عليه وأكلا وشربا قال له يحيى: قد واليت بين دعواتك ولم تكن برّا وصولا، فما هذا؟ قال: لا شيء والله إلا محبّتي للأخذ عنك والاقتباس منك.
فقال له: برّك الله! تذكّرت الصوت الذي سألتك إيّاه فإذا هو غير الذي ألقيته عليّ، فقال: تريد ماذا؟ قال: تذكّر الصوت، فغنّاه:
ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا
فقال له: نعم فديتك يا أبا عثمان هذا هو فألقه عليّ، قال: العوض؛ قال: قل؛ قال: هذا المطرف الأسود، قال: هو لك، فأخذه وألقى عليه هذا الصوت حتى استوى له، وبكّر إلى إبراهيم فقال له: ما وراءك؟ قال: قد قضيت حاجتك، ودعا بالعود فغنّاه إيّاه، فقال: خدعك والله وليس هذا هو، فأعد الاحتيال عليه، وكلّ ما تعطيه إيّاه فألزمني به.
فلما كان اليوم الثالث بعث إليه وفعل مثل فعله بالأمس، فقال له يحيى:
ما لك أيضا؟ قال: يا أبا عثمان، ليس هذا هو الصوت الذي أردت، فقال له: لست أعلم ما في نفسك فاذكره وأنا عليّ أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى عندي زينب ألبتّة إلا أحضرتها، قال: هات على اسم الله تعالى. قال: اذكر العوض؛ قال: ما شئت، قال: هذه الدرّاعة الوشي التي عليك، فأخذها، قال: والخمسين الدرهم؟ فأحضرها وألقى عليه:
لزينب طيف تعتريني طوارقههدوّا إذا النجم ارجحنّت لواحقه
فأخذه منه ومضى إلى إبراهيم فصادفه يشرب مع الحرم، فقال له حاجبه: هو يتشاغل؛ فقال له: قل له قد جئتك بحاجتك؛ فقال: يدخل فيغنّيه في الدار وهو قائم، فإن كان هو، وإلا فليخرج. فدخل فغنّاه، فقال لا والله ما هذا هو، فعاود الاحتيال ففعل مثل ذلك، فقال له يحيى وهو يضحك: ما ظفرت بزينبك بعد؟ فقال: لا والله يا أبا عثمان، وما أشكّ بأنّك تتعمّدني بالمنع فيما أريده وقد أخذت كلّ شيء عندي مغابنة، فضحك يحيى ثم قال: قد استحييت منك الآن، وأنا أناصحك على شريطة، قال: نعم، قل الشريطة؛ قال: لا تلمني أن أغابنك، لأنّك أخذت في مغابنتي، والمطلوب إليه أقدر من الطالب، فلا تعاود أن تحتال عليّ، فإنّك لا تظفر منّي بما تريد، إنّما دسّك إبراهيم بن المهديّ عليّ ليأخذ صوتا غنّيته وسألني إعادته فمنعته بخلا عليه، لأنّه لا يلحقني منه خير ولا بركة، يريد أن يأخذ غنائي باطلا، وطمع بموضعك أن تأخذ الصوت بلا ثمن ولا حمد، لا والله إلا بأوفر الأثمان، وبعد اعترافك؛ وإلا فلا تطمع في الصوت فقال: أما إذا فطنت، فالأمر والله على ما قلت، فتغنّيه الآن بعينه على شرط وإن كان هو وإلا فعليك اعادته بعينه، ولو غنيتني في كلّ شيء تعرفه ولم أحتسب لك إلا به؛ قال: اشتره، فتساوما طويلا وماكسه المارقيّ حتى بلغ ألف
درهم، فدفعها إليه فألقاه عليه. والصوت:
طرقتك زينب والمزار بعيدبمنى ونحن معرّسون هجود
قال: وهو صوت كثير العمل، حلو النّغم، محكم الصنّعة، صحيح القسمة، حسن المقاطع. فأخذه وبكّر إلى إبراهيم بن المهديّ فقال له: قد أفقرني هذا الصوت وأغرى بي وبلاني بوجه يحيى المكيّ وشحذه وطلبه وشرهه. وحدّثه بالقصّة، فضحك إبراهيم وغنّاه إيّاه فقال: هذا وأبيك هو بعينه. فألقاه عليه حتى أخذه، وأخلف كلّ شيء أخذه منه يحيى وزاده خمسة آلاف درهم، وحمله على برذون أشهب فاره بسرجه ولجامه، فقال له: يا سيّدي، فغلامك زرزور المسكين قد تردّد إليه حتى ظلع، هب له شيئا. فأمر له بألف درهم.
- روي أن إسحاق الموصليّ لمّا صنع صوته:
قل لمن ظلّ عاتباونأى عنك جانبا
اتّصل خبره بإبراهيم بن المهديّ فكتب إليه يسأله عنه، فكتب إليه شعره وبسيطه ومجراه واصبعه وتجزئته وأقسامه ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أدواره وأوزانه، فغنّاه إبراهيم ثم قال إسحاق: ثم لقيني فغنّى فيه ففضلني بحسن صوته.
وقال هبة الله بن إبراهيم بن المهديّ: كان يخاطبنا من داره بدجلة في الجانب الشرقيّ ونحن بالجانب الغربيّ بأمره ونهيه، فنسمعه وبيننا عرض دجلة، وما أجهد نفسه.
أ- وقيل إن إبراهيم بن المهديّ غنّى عند الأمين وهو مشرف على حائر الوحش، فكانت الوحوش تصغي إليه وتمدّ أعناقها، ولا تزال تدنو حتى تضع رؤوسها على الدكان الذي كانوا عليه، فإذا سكت نفرت وبعدت، وكان الأمين
يعجب بذلك ويعجّب أصحابه.
- حدّث أحمد بن يزيد عن أبيه قال: كنّا عند المنتصر فغنّاه بنان:
يا ربّة المنزل بالبركوربّة السلطان والملك
تحرّجي بالله من قتلنالسنا من الدّيلم والتّرك
فضحكت، فقال: ممّ ضحكت؟ قلت: من شرف قائل هذا الشعر وشرف من عمل اللّحن فيه وشرف مستمعه، قال: وما ذاك؟ قلت: الشعر فيه للرشيد، والغناء لعليّة بنت المهدي، وأمير المؤمنين مستمعه، فأعجبه ذلك وما زال يستعيده.
أ- قال إسحاق الموصليّ: عملت في أيّام الرشيد لحنا في هذا الشّعر، وهو:
سقيا لأرض إذا ما شئت نبّهنيبعد الهدوّ بها قرع النواقيس
كأن سوسنها في كلّ شارفةعلى الميادين أذناب الطواويس
فأعجبني، وعملت على أن أباكر به الرشيد، فلقيني في طريقي خادم لعليّة فقال:
مولاتي تأمرك بدخول الدّهليز لنسمع من بعض جواريها غناء أخذته عن أبيك وشكّت فيه الآن، فدخلت معه إلى حجرة وقد أفردت لي كأنّها كانت معدّة، وقدّم لي طعام وشراب فنلت حاجتي منهما. ثم خرج إليّ خادم فقال: تقول لك مولاتي: أنا أعلم أنّك قد غدوت على أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث فأسمعنيه، ولك جائزة سنيّة تتعجّلها، ثم ما يأمر به لك أمير المؤمنين بين يديك، ولعلّه لا يأمر لك بشيء، أو لا يقع الصوت منه بحيث توخّيت، فيذهب سعيك
باطلا. فاندفعت فغنّيت هذا الصوت، ولم تزل تستعيده مرارا، ثم قالت: اسمعه الآن منّي، فغنّته غناء ما خرق سمعي مثله، ثم قالت: كيف تراه؟ قلت: أرى والله ما لم أر مثله، ثم قالت: يا فلانة، أحضري ما عندك، فأحضرت عشرين ألفا وعشرين ثوبا، فقالت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين، ولن أبدأه بغناء غيره، وأخبره أنه من صنعتي، وأعطي الله عهدا لئن نطقت بأنّ لك فيه صنعة لأقتلنّك، هذا إن نجوت منه إن علم بمصيرك إليّ. فخرجت من عندها، وو الله إني لأكره جائزتها أسفا على الصوت، فما جسرت والله بعد ذلك أن أتنغّم به في نفسي فضلا عن أن أظهره حتى ماتت. فدخلت على المأمون في أوّل مجلس جلسه للهو بعدها، فبدأت به في أوّل ما غنّيت، فتغيّر لون المأمون وقال: من أين لك هذا؟ قلت: ولي الأمان على الصّدق؟ قال: ذلك لك.
فحدّثته الحديث، قال: يا بغيض! فما كان في هذا من النفاسة حتى شهرته وذكرت هذا منه مع الذي أخذت من العوض؟ فهجنتني والله منه هجنة وددت معها أني لم أذكره، فآليت أن لا أغنّيه بعدها أبدا.
- قالت عريب: أحسن يوم رأيته في الدنيا وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهديّ عند أخته عليّة وعندهما يعقوب، وكان من أحذق الناس بالزّمر، فبدأت عليّه فغنّت من صنعتها، وأخوها يعقوب يزمر عليها:
تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحبّوكم من بعيد الدار مستوجب القرب
تبصّر فإنّ حدّثت أن أخا الهوىنجا سالما فارج النجاة من الحبّ
ذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضىفأين حلاوات الرسائل والكتب
وغنّى إبراهيم في صنعته وزمر عليه يعقوب:
لم ينسنيك سرور لا ولا حزنوكيف لا كيف ينسى وجهك الحسن
قالت: فما سمعت مثل ما سمعت منهما قطّ، وأعلم أني لا أسمع مثله أبدا.
- قال محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد: سمعت أبي جعفرا وأنا صغير يحدّث يحيى بن خالد جدّي في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع هارون الرشيد قال: يا أبت، أخذ بيدي أمير المؤمنين وأقبل في حجر يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده ودخلنا جميعا، وأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس، فنقر الباب بيده نقرات، فسمعنا حسّا، ثم أعاد النّقر ثانية فسمعنا صوت عود، ثم أعاد النّقر ثالثة، فغنّت جارية ما ظننت والله أن الله ﷿ خلق مثلها في حسن الغناء وجودة الضرّب. فقال لها أمير المؤمنين بعد أن غنّت أصواتا: غنّي صوتي، فغنّت:
ومخنّث شهد الزفاف وقبلهغنّى الجواري [حاسرا] ومنقّبا
لبس الدّلال وقام ينقر دفّهنقرا أقرّ به العيون فأطربا
إنّ الجوار رأينه فعشقنهفشكون شدّة ما بهنّ فأكذبا
قال: فطربت والله طربا هممت والله أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال: غنّي:
طال تكذيبي وتصديقي
فغنّت:
طال تكذيبي وتصديقيلم أجد عهدا لمخلوق
إنّ ناسا في الهوى غدرواورأوا نقض المواثيق
قال: فرقص الرشيد ورقصت معه، ثم قال: امض بنا فإني أخاف أن يبدو منّا ما هو أكثر من هذا. فلما صرنا إلى الدّهليز قال وهو قابض على يدي: هل عرفت هذه المرأة؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: هذه عليّة بنت المهدي، والله لئن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنّك. قال: فسمعت جدّي يقول له: فقد والله لفظت به بين يدي أحد، وو الله ليقتلنّك! فاصنع ما أنت صانع.
- قال بعض البصريين: كنّا لمّة نجتمع ولا يفارق بعضنا بعضا. فكنّا على عدد أيام الجمعة كلّ يوم عند أحدنا، فضجرنا من المقام في المنازل، فقال بعضنا: لو عزمتم فخرجنا إلى بعض البساتين. فخرجنا إلى بستان قريب منّا، فبينا نحن فيه إذ سمعنا ضجة راعتنا، فقلت للبستانيّ: ما هذا؟ فقال: هؤلاء نسوة لهنّ قصّة، فقلت له أنا دون أصحابي: وما هي؟ قال: العيان أكبر من الخبر، فقم حتى أريك وحدك. فقلت لأصحابي: أقسمت عليكم ألا يبرح أحد منكم حتى أعود. فنهضت وحدي فصعدت إلى موضع أشرف عليهنّ وأراهنّ ولا يرينني؛ فرأيت نسوة أربعا أحسن ما يكون من النساء وأشكلهنّ، ومعهن خدّام لهنّ وأشياء قد أصلحت من طعام وشراب وآلة. فلما اطمأنّ بهنّ المجلس جاء الخادم لهنّ معه خمسة أجزاء، فدفع إلى كلّ واحدة منهن جزءا، ووضع الجزء الخامس بينهنّ. فقرأن أحسن قراءة، ثم أخذن الجزء الخامس فقرأت كلّ واحدة منهن ربع الجزء، ثم أخرجن صورة معهنّ في ثوب دبيقي، فبسطنها بينهنّ، فبكين عليها ودعون لها، ثم أخذن في النّوح، فقالت الأولى:
خلس الزمان أعزّ مختلسويد الزمان كثيرة الخلس
لله هالكة فجعت بهاما كان أبعدها من الدّنس
أتت البشارة والنعيّ معايا قرب مأتمها من العرس
ثم قالت الثانية:
ذهب الزمان بأنس نفسي عنوةوبقيت فردا ليس لي من مؤنس
أودى بملك لو تفادى نفسهالفديتها ممّن أعزّ بأنفس
ظلّت تكلّمني كلاما مطمعالم أسترب منه بشيء مؤيس
حتى إذ فتر اللسان وأصبحتللموت قد ذبلت ذبول النّرجس
وتسهّلت منها محاسن وجههاوعلا الأنين تحثّه بتنفّس
جعل الرجاء مطامعي يأسا كماقطع الرجاء صحيفة المتلمّس
ثم قالت الثلاثة:
جرت على عهدها اللياليوأحدثت بعدها أمور
فاعتضت بالناس منك صبرافاعتدل اليأس والسرور
فلست أرجو ولست أخشىما أحدثت بعدك الدهور
فليبلغ الدهر في مساتيفما عسى جهده يضير
ثم قالت الرابعة:
علق نفيس من الدنيا فجعت بهأفضى إليه الردى في حومة القدر
ويح المنايا أما تنفكّ أسهمهامعلّقات بصدر القوس والوتر
يبلى الجديدان والأيام باليةوالدهر يبلى وتبلى جدّة الحجر
ثم قمن فقلن بصوت واحد:
كنّا من المساعدهكمثل نفس واحده
فمات نصف نفسيحتى ثوى في الرّمس
فما بقائي بعدهوشطر نفسي عنده
فهل سمعتم قبليفيمن مضى بمثلي
عاش بنصف روحفي بدن صحيح
ثم تنحّين وقلن لبعض الخدم: كم عندك منهم؟ قال: أربعة، قلن: ائت بهم. فلم ألبث إلا قليلا حتى طلع بقفص فيه أربعة غربان مكتّفين، فوضع القفص بين أيديهنّ، ودعون بعيدانهنّ، فأخذت كلّ واحدة منهنّ عودا وغنّت الأولى:
لعمري لقد صاح الغراب ببينهمفأوجع قلبي بالحديث الذي يبدي
فقلت له أفصحت لا طرت بعدهابريش فهل للقلب ويحك من ردّ
ثم أخذن واحدا من الغربان فنتفن ريشه حتى تركنه كأن لم يكن عليه ريش قطّ، ثم ضربنه بقضبان معهنّ لا أدري ما هي حتى قتلنه، ثم غنّت الثانية:
أعانك والليل ملقي الجرانغراب ينوح على غصن بان
أحصّ الجناح شديد الصياحيبكّي بعينين ما تهملان
وفي نعبات الغراب اغترابوفي البان بين بعيد التداني
ثم أخذن الثاني فشددن في رجليه خيطين وباعدن بينهما ثم جعلن يقلن له:
أتبكي بلا دمع، وتفرّق بين الأحباب والألاف، فمن أحقّ منكنّ بالقتل؟ ثم فعلن به مثل ما فعلن بصاحبه، ثم غنّت الثالثة:
ألا يا غراب البين لونك شاحبوأنت بلوعات الفراق جدير
فبيّن لنا ما قلت إذ أنت واقعوبيّن لنا ما قلت حين تطير
فإن يك حقّا ما تقول فأصبحتهمومك شتّى والجناح قصير
ولا زلت مطرودا عديما لناصركما ليس لي من ظالميّ نصير
ثم قالت له: أمّا الدعوة فقد استجيبت، ثم كسرت جناحيه وأمرت ففعل به مثل ذلك، ثم غنّت الرابعة:
عشيّة ما لي حيلة غير أنّنيبلقط الحصى والخطّ في الدار مولع
أخطّ وأمحو كلّ ما قد خططتهبدمعي والغربان في الدار وقّع
ثم قالت لأخواتها: أيّ قتلة أقتله؟ فقلن لها: علّقيه برجليه وشدّي في رأسه شيئا ثقيلا حتى يموت. ففعلت به ذلك، ثم وضعن عيدانهنّ ودعون بالغداء، فأكلن ودعون بالشراب فشربن، وجعلن كلّما شربن قدحا شربن للصورة مثله، وأخذن عيدانهنّ يغنّين، فغنّت الأولى كأنّها تودّع به:
أبكى فراقهم عيني وأرّقهاإنّ المحبّ على الأحباب بكّاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهمحتّى تفانوا وريب الدهر عدّاء
ثم غنّت الثانية:
أما والذي أبكى وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرىأليفين منها لا يروعهما الذّعر
ثم غنّت الثالثة:
سأبكي على ما فات منك صبابةوأندب أيام السّرور الذواهب
أحين دنا من كنت أرجو دنوّهرمتني عيون الناس من كلّ جانب
فأصبحت مرحوما وكنت محسّدافصبرا على مكروه مرّ العواقب
ثم غنّت الرابعة:
سأفني بك الأيام حتى يسرّنيبك الدهر أو تفنى حياتي مع الدّهر
عزاء وصبرا أسعداني على الهوىوأحمد ما جرّبت عاقبة الصّبر
ثم أخذت الصورة فعانقتها وبكت، وبكين ثم شكون إليها جميع ما كنّ فيه، ثم أمرن بالصورة فطويت، ففرقت أن يتفرّقن قبل أن أكلّمهن، فرفعت رأسي إليهنّ، فقلت:
لقد ظلمتنّ الغربان! فقالت إحداهنّ: لو قضيت حقّ السلام، وجعلته سببا للكلام، لأخبرناك بقصّة الغربان. قال قلت: إنّما أخبرتكنّ بالحقّ، قلن: وما الحقّ في هذا؟ وكيف ظلمناهنّ؟ قلت: إن الشاعر يقول:
نعب الغراب برؤية الأحبابفلذاك صرت أحبّ كلّ غراب
قالت: صحّفت وأحلت المعنى؛ إنّما قال:
[نعب الغراب] بفرقة الأحبابفلذاك صرت عدوّ كلّ غراب
فقلت لهنّ: بالذي خصّكنّ بهذه المحاسن، وبحقّ صاحبة الصورة لما أخبرتنني بخبركنّ. قلن: لولا أنّك أقسمت علينا بحقّ من يجب علينا حقّه لما أخبرناك: كنّا صواحب مجتمعات على الألفة، لا تشرب واحدة منّا البارد دون صاحبتها، فاخترمت صاحبة الصورة من بيننا، فنحن نصنع في كلّ موضع نجتمع فيه مثل الذي رأيت، فأقسمنا أن نقتل في كلّ يوم نجتمع فيه ما وجدنا من الغربان لعلّة كانت. قلت: وما تلك العلّة؟ قلن: فرّقن بينها وبين آنس كان لها، ففارقت الحياة، وكانت تذمّهنّ عندنا وتأمر بقتلهنّ، فأقلّ ما لها عندنا أن نمتثل ما أمرت به، ولو كان فيك شيء من السواد لفعلنا بك فعلنا بالغربان، ثم نهضن. ورجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما رأيت ثم طلبتهنّ بعد ذلك فما وقعت لهنّ على خبر ولا رأيت لهنّ أثرا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع