تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

وفاة رسول الله ﷺ

عن جابر بن عبد الله وابن عباس قالا: لما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ

(النصر:) إلى آخر السورة، قال رسول الله ﷺ: يا جبريل، نفسي قد نعيت، قال جبريل: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى

(الضحى:،). فأمر رسول الله ﷺ بلالا أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون والأنصار إلى مسجد رسول الله ﷺ، فصلى بالناس، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم خطب خطبة وجلت منها القلوب، وبكت منها العيون، ثم قال: أيها الناس، أيّ نبيّ كنت لكم؟ فقالوا: جزاك الله من نبيّ خيرا، فلقد كنت لنا كالأب الرحيم، وكالأخ الناصح المشفق؛ أدّيت رسالات الله، وأبلغتنا وحيه، ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، فجزاك الله عنا أفضل ما جازى نبيّا عن أمّته. فقال لهم: معاشر المسلمين، أنا أنشدكم الله وبحقّي عليكم، من كان منكم له قبلي مظلمة، فليقم فليقتصّ مني، فلم يقم إليه أحد، فناشدهم الثانية، فلم يقم إليه أحد، فناشدهم الثالثة: معاشر المسلمين، من كانت له قبلي مظلمة، فليقم فليقتصّ مني قبل القصاص يوم القيامة. فقام من بين المسلمين شيخ كبير يقال له: عكاشة، فتخطّى المسلمين حتى وقف بين يدي النبيّ ﷺ فقال: فداك أبي وأمّي، لولا أنّك ناشدتنا مرّة بعد أخرى، ما كنت بالذي أتقدّم على شيء منك؛ كنت معك في غزاة، فلما فتح الله علينا، ونصر نبيّه ﷺ، [وأردت] الانصراف، حاذت ناقتي ناقتك، فنزلت عن الناقة، ودنوت منك لأقبّل فخذك، فرفعت القضيب فضربت خاصرتي، فلا أدري أكان عمدا منك أم أردت ضرب الناقة؟

فقال رسول الله ﷺ: يا عكاشة، أعيذك بجلال الله أن يتعمّدك رسول الله بالضرب؛ يا بلال، انطلق إلى منزل فاطمة فأتني بالقضيب الممشوق، فخرج

بلال من المسجد ويده على أمّ رأسه وهو ينادي: هذا رسول الله يعطي القصاص من نفسه، فقرع الباب على فاطمة، فقال: يا ابنة رسول الله، ناوليني القضيب الممشوق، فقالت فاطمة: يا بلال، وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا يوم حجّ ولا [ ...] ؟ فقال: يا فاطمة، ما أغفلك عمّا فيه أبوك؟! إنّ رسول الله ﷺ يودع الدين ويفارق الدنيا، ويعطي القصاص من نفسه، فقالت فاطمة ﵍: يا بلال، ومن تطيب نفسه أن يقتصّ من رسول الله ﷺ؟ يا بلال، أدن وقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل فيقتصّ منهما، ولا يدعانه يقتصّ من رسول الله.

ودخل بلال المسجد، ودفع القضيب إلى عكاشة. فلما نظر أبو بكر وعمر إلى ذلك قاما فقالا: يا عكاشة، هذا نحن بين يديك، فاقتصّ منا ولا تقتصّ من رسول الله. فقال لهما النبيّ ﷺ: امض أنت يا أبابكر، وأنت يا عمر فامض، فقد عرف الله مكانكما ومقامكما؛ وقام عليّ بن أبي طالب فقال: يا عكاشة، أنا في الحياة بين يدي رسول الله ﷺ، ولا تطيب نفسي أن تضرب رسول الله، فهذا ظهري وبطني، اقتصّ مني بيدك واجلدني، ولا تقتصّ من رسول الله.

فقال النبيّ ﷺ: يا عليّ، اقعد، فقد عرف الله مقامك ونيّتك.

وقام الحسن والحسين فقالا: يا عكاشة، ألست تعلم أنّا سبطا رسول الله ﷺ، والقصاص [منّا] كالقصاص من رسول الله؟ فقال لهما النبيّ ﷺ:

اقعدا يا قرّة عيني، لا نسي الله لكما هذا المقام، ثم قال ﵊: يا عكاشة، اضرب إن كنت ضاربا، فقال: يا رسول الله، ضربتني وأنا حاسر عن بطني. فكشف عن بطنه ﷺ، وصاح المسلمون وقالوا: أترى عكاشة ضاربا بطن رسول الله ﷺ؟! فلما نظر عكاشة إلى بياض بطنه ﷺ كأنّه القباطيّ، لم يملك أن أكبّ عليه، فقبّل بطنه وهو يقول: فداك أبي وأمي، ومن تطيق نفسه أن يقتصّ منك؟! فقال له النبيّ ﷺ: إمّا أن تضرب، وإمّا أن تعفو. فقال: قد عفوت عنك رجاء أن يعفو الله عني في القيامة. فقال النبيّ ﷺ: من أراد أن

ينظر إلى رفيقي في الجنة، فلينظر إلى هذا الشّيخ، فقام المسلمون فجعلوا يقبّلون ما بين عينيه ويقولون: طوباك! طوباك! نلت درجات العلى، ومرافقة رسول الله ﷺ.

فمرض رسول الله من يومه، فكان مريضا ثمانية عشر يوما يعوده الناس.

وكان ﷺ ولد يوم الاثنين، فلما كان يوم الأحد ثقل في مرضه، فأذّن بلال بالأذان، ثم وقف بالباب فنادى: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، الصلاة رحمك الله. فسمع رسول الله ﷺ صوت بلال، فقالت فاطمة: يا بلال إن رسول الله مشغول بنفسه. فدخل بلال المسجد، فلما أسفر الصبح قال: والله لا أقيمها حتى أستأذن سيدي رسول الله. فرجع وقام بالباب ونادى: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، الصلاة رحمك الله. فسمع رسول الله ﷺ صوته فقال: ادخل يا بلال، إنّ رسول الله مشغول بنفسه، مر أبا بكر يصلّي بالناس، فخرج ويده على أمّ رأسه، وهو يقول: يا غوثاه! يا لله وانقطاع رجائي وانقصام ظهري! ليتني لم تلدني أمي، وإذ ولدتني لم أشهد من رسول الله هذا اليوم، ثم قال: يا أبا بكر، ألا إنّ رسول الله يأمرك أن تصلّي بالناس. فتقدّم أبو بكر للناس، وكان رجلا رقيقا، فلما نظر إلى خلوّ المكان من رسول الله لم يتمالك أن خرّ مغشيّا عليه، وصاح المسلمون بالبكاء. فسمع رسول الله ﷺ ضجيج الناس، فقال: ما هذه الضجّة؟ قالوا: ضجيج المسلمين لفقدك يا رسول [الله]. فدعا عليّ بن أبي طالب والعباس فاتّكأ عليهما، فخرج إلى المسجد، فصلّى بالناس ركعتين خفيفتين، ثم أقبل بوجهه المليح عليهم، فقال: معشر المسلمين، عليكم باتّقاء الله وحفظ طاعته من بعدي، فإني مفارق الدنيا؛ هذا أوّل يوم من الآخرة، وآخر يوم من الدنيا. فلما كان في يوم الاثنين اشتدّ به الأمر، وأوحى الله تعالى إلى ملك الموت: أن اهبط إلى حبيبي وصفيّي محمد في أحسن صورة، وارفق به في قبض روحه. فهبط ملك الموت فوقف بالباب شبه أعرابيّ، ثم قال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف

الملائكة، أأدخل؟ فقالت عائشة لفاطمة: أجيبي الرجل، فقالت فاطمة: آجرك الله في ممشاك يا عبد الله، إنّ رسول الله مشغول بنفسه؛ فنادى الثانية، فقالت عائشة: يا فاطمة، أجيبي الرجل، فقالت مثل المقالة الأولى، ثم دعا الثالثة مثل الأولى والثانية: أأدخل فلا بدّ من الدخول. فسمع رسول الله ﷺ صوت ملك الموت ﵇، فقال: يا فاطمة، من بالباب؟ قالت: يا رسول الله، إنّ رجلا بالباب يستأذن في الدخول فأجبناه مرّة بعد أخرى، فنادى في الثالثة صوتا اقشعرّ منه جلدي وارتعدت فرائصي، فقال لها النبيّ ﷺ: يا فاطمة، أتدرين من بالباب؟ هذا هادم اللذات، ومفرّق الجماعات؛ هذا مرمّل الأزواج، ومؤتم الأولاد؛ هذا مخرّب الدور، وعامر القبور، هذا ملك الموت؛ ادخل رحمك الله، يا ملك الموت، جئتني زائرا أم قابضا؟ قال: جئتك زائرا وقابضا، وأمرني الله أن لا أدخل عليك إلا بإذنك، ولا أقبض روحك إلا بإذنك، فإن أذنت، وإلا رجعت إلى ربّي. فقال رسول الله ﷺ: يا ملك الموت، أين خلّفت حبيبي جبريل؟ قال: خلّفته في السماء الدنيا والملائكة يعزّونه فيك. فما كان بأسرع من أن أتاه جبريل ﵇، فقعد عند رأسه، فقال رسول الله: يا جبريل، هذا الرحيل من الدنيا، فبشّرني، ما لي عند الله؟ قال: أبشّرك يا حبيب الله أني تركت أبواب السماء قد فتحت، والملائكة قد قاموا صفوفا صفوفا بالتحيّة والرّيحان، يحيّون روحك يا محمد. فقال: لوجه ربّي الحمد، فبشّرني يا جبريل، قال: أنت أوّل شافع وأوّل مشفّع في القيامة. قال: لوجه ربّي الحمد، فبشّرني يا جبريل، قال جبريل: عمّ تسألني؟ قال: أسألك عن غمّي وهمّي؛ من لقرّاء القرآن من بعدي؟ من لصوّام شهر رمضان من بعدي؟ من لحجّاج بيت الله الحرام من بعدي؟ من لأمّتي المصطفاة من بعدي؟ قال: أبشر يا حبيب الله، فإنّ الله تعالى يقول: قد حرّمت الجنّة على جميع الأنبياء حتى تدخلها أنت وأمّتك يا محمد. قال: الآن طابت نفسي، ادن يا ملك الموت فانته إلى ما أمرت به. فقال عليّ ﵇: يا رسول الله، إذا أنت قبضت فمن

يغسلك، وفيما نكفّنك، ومن يصلّي عليك ومن يدخلك القبر؟ فقال النبيّ ﵊: أما الغسل، فاغسلني أنت، وابن عباس يصبّ عليك الماء، وجبريل ثالثكما، فإذا أنتم فرغتم من غسلي، فكفّنوني في ثلاثة أثواب جدد، وجبريل يأتيني بحنوط من الجنّة، فإذا أنتم وضعتموني على السرير، فضعوني في المسجد واخرجوا عني؛ فإنّ أوّل من يصلّي عليّ الربّ من فوق عرشه، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم الملائكة زمرا زمرا، ثم ادخلوا فقوموا صفوفا صفوفا لا يتقدّم عليّ أحد. فقالت فاطمة: اليوم الفراق، فمتى ألقاك؟

فقال لها: يا بنيّة، تلقينني يوم القيامة عند الحوض وأنا أسقي من يرد عليّ الحوض من أمتي، قالت: فإن لم ألقك يا رسول الله؟ قال: تلقينني عند الميزان وأنا أشفع لأمّتي. قالت: فإن لم ألقك يا رسول الله؟ قال: تلقينني عند الصراط وأنا أنادي: ربّ سلّم أمّتي من النار. فدنا ملك الموت فعالج قبض روح رسول الله ﷺ، فلما بلغ الروح إلى الركبتين، قال النبيّ ﵊: أوّه! فلما بلغ الروح إلى [ ...] النبي ﵇: واكرباه! فقالت فاطمة: واكرباه! لكربك يا أبتاه. فلما بلغ الروح إلى الثّندوة، قال النبيّ ﷺ: يا جبريل ما أشدّ مرارة الموت! فولّى جبريل وجهه عن رسول الله ﷺ، فقال: كرهت النّظر إليّ يا جبريل! فقال جبريل: يا حبيبي، ومن تطيق نفسه أن ينظر إليك وأنت تعالج سكرات الموت؟

فقبض ﷺ، فغسله عليّ، وابن عباس يصبّ الماء عليه، وجبريل معهما، فكفّن بثلاثة أثواب جدد، وحمل على السرير، ثم أدخلوه المسجد، ووضعوه في المسجد، وخرج [ ...]. فأوّل من صلّى عليه الربّ من فوق عرشه، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم الملائكة زمرا زمرا.

قال عليّ ﵇: لقد سمعنا في المسجد همهمة ولم نر لهم شخصا، فسمعنا هاتفا يهتف وهو يقول: ادخلوا- يرحمكم الله- فصلّوا على نبيّكم.

فدخلنا فقمنا صفوفا كما أمرنا رسول الله ﷺ، فكبّرنا بتكبير جبريل، وصلّينا على رسول الله ﷺ بصلاة جبريل ما تقدّم منا أحد على رسول الله.

ودخل القبر عليّ بن أبي طالب وابن عباس وأبو بكر، ودفن رسولت الله، فلما انصرف الناس قالت فاطمة لعليّ: يا أبا الحسن، [ ...] رسول الله ﷺ؟ قال:

نعم، قالت: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟ أما كان في صدوركم لرسول الله الرحمة؟ أما كان معكم الخير؟ قال: بلى يا فاطمة، ولكنّ أمر الله الذي لا مردّ له، فجعلت تندب وتبكي وهي تقول: يا أبتاه! الآن انقطع عنا جبريل، وكان جبريل يأتينا بالوحي من السماء.

- عن رقيقة بنت أبي صيفي، وكانت لدة عبد المطلب بن هاشم:

تتابعت على قريش سنون جدب، أقحلت الضرّع، وأرقّت العظم، فبينا أنا راقدة اللهمّ [أو مهوّمة] ومعي صنوي، إذا أنا بهاتف صيّت يصرخ بصوت صحل يقول: يا معشر قريش، إنّ هذا النبيّ المبعوث فيكم قد أظلّتكم أيّامه، وهذا إبّان نجومه، فحيّهلا بالحياة والخصب، ألا فانظروا منكم رجيلا وسيطا، عظاما، جساما، أبيض بضّا، أوطف الأهداب، سهل الخدّين، أشمّ العرنين، له فخر يكظم عليه، وسنة تهدى إليه، ألا فليخلص هو وولده، وليدلف إليه من كلّ بطن رجل، ألا فليشنّوا عليهم من الماء، وليمسّوا من الطيب، وليطوفوا بالبيت سبعا، ألا وفيهم الطيّب الطاهر لذاته، ألا فليستسق الرجل، وليؤمّن القوم، ألا فغثتم إذن ما شئتم وعشتم.

قالت: [فأصبحت مفؤودة] مذعورة، قد قفّ جلدي، ودله عقلي، فقصصت رؤياي، فذهب في شعاب مكة، فو الحرمة والحرم إن بقي أبطحيّ إلا قال: هذا شيبة الحمد. فتنامت إليه رجالات قريش، وانفضّ إليه من كلّ بطن رجل فشنّوا ومشوا واستلموا واطوّفوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدفّون حوله ما إن يدرك سعيهم مهله حتى قرّوا بذروة الجبل واستكفّوا جانبيه.

فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمّدا، فرفعه على عاتقه، وهو يومئذ غلام قد

أيفع أو كرب، ثم قال: اللهمّ سادّ الخلّة، وكاشف الكربة، [أنت عالم] غير معلّم، مسؤول غير مبخّل، وهذه [عبدّاؤك] وإماؤك بعذرات حرمك، يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخفّ والظّلف، فاسمعنّ اللهمّ وأمطرنّ علينا غيثا مغدقا مريعا. فوالكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها، واكتظّ الوادي بثجيجه، فسمعت شيخان قريش ورجلتها: عبد الله بن جدعان، وحرب ابن أمية، وهشام بن المغيرة، يقولون: هنيئا لك أبا البطحاء.

عن هند بنت الجون: نزل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم خيمة خالتها أمّ معبد، فقام من رقدته، فدعا بماء فغسل يده، ثم تمضمضص ومجّ في عوسجة إلى الخيمة، فأصبحت وهي كأعظم [ ...] بثمر كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشّهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برىء، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا درّ لبنها، فكنا نسمّيها المباركة، وينتابنا من البوادي من يستسقي بها، ويتزوّد منها، حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها، وصغر ورقها، ففزعنا، فما راعنا إلا نعي رسول الله ﷺ، ثم إنّها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك من أولها إلى آخرها، وتساقط ثمرها، وذهبت نضرتها، فما شعرنا إلا [.....] عليّ ﵁، فما أثمرت بعد ذلك؛ وكنّا ننتفع بورقها، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط، وقد ذبل ورقها؛ فبينا نحن فزعين مهمومين إذ أتانا خبر مقتل الحسين، ويبست الشجرة على إثر ذلك وذهبت.

وهذا خبر غريب، ولم يشتهر خبر الشجرة كما شهر أمر الشاة في خبر أمّ معبد، وقد تقدّم في أول هذا الباب، وهو من أعلام السّير.

- لمّا تلا رسول الله ﷺ: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى

(النجم:)،

قال عتبة بن أبي لهب: كفرت بربّ النّجم، فقال ﷺ: اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك. فخرج مع أصحابه في عير إلى الشام [فلما] كانوا بمكان يقال له الزرقاء، زأر الأسد، فجعلت فرائص عتبة ترعد، فقالوا: من أيّ شيء ترعد فرائصك، فو الله ما نحن وأنت إلا سواء؟ فقال: إنّ محمّدا دعا عليّ، ولا والله ما أظلّت السماء من ذي لهجة أصدق من محمد، ثم وضعوا العشاء، فلم يدخل يده فيه؛ ثم جاء النوم فحاطوا أنفسهم بمتاعهم ووسّطوه بينهم وناموا. فجاء الأسد يهمس [؟] يستنشي رؤوسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة كانت إيّاها، فسمع وهو بآخر رمق يقول: ألم أقل لكم إنّ محمّدا أصدق الناس؟! - جابر بن عبد الله ﵁: بعثنا رسول الله ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقّى عيرا لقريش، وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة نمصّها كما يمصّ الصبيّ، ثم نشرب عليها من الماء، فيكفينا يومنا إلى الليل، وكنا يضرب بعضنا الخبط ثم نبلّه بالماء فنأكله. فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا كهيئة الكثيب الضّخم، فأتيناه فإذا دابّة تدعى العنبر، فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدّهن، ونقتطع منه الفدرة كالثّور، ولقد أخذ منّا أبو عبيدة [ثلاثة عشر] رجلا فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير منّا، فمرّ من تحتها، وتزوّدنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إليه ﷺ فأكله.

- قال خريم بن أوس: هاجرت إلى رسول الله ﷺ منصرفه من

تبوك وسمعته يقول: هذه الحيرة البيضاء قد رفعت لي، وهذه الشيماء بنت بقيلة على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فقلت: [يا رسول الله]، إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها بما تصف، فهي لي، فقال: هي لك. ثم كانت الرّدّة فدخلناها، فكان أوّل من لقينا الشيماء كما قال ﷺ على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلّقت بها وقلت: هذه وهبها لي رسول الله ﷺ، فدعا خالد بالبيّنة، فشهد لي محمد بن سلمة ومحمد بن بشير الأنصاري، فدفعها إليّ؛ وجاء أخوها عبد المسيح فقال لي: بعنيها، فقلت: لا أنقصها والله من عشر مئات شيئا، فأعطاني ألف درهم، فقال لي: لو قلت مائة ألف لدفعتها إليك، فقلت: ما كنت أحسب عددا أكثر من عشر مئات.

- قال شيبة بن [عثمان بن] طلحة: ما كان أحد أبغض إليّ من رسول الله ﷺ؛ وكيف لا يكون ذلك وقد قتل منا ثمانية، كلّ منهم يحمل اللواء. فلما فتح مكّة أيست ممّا كنت أتمنّاه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخلت العرب في دينه فمتى أدرك ثأري منه؟ فلما اجتمعت هوازن لحنين قصدتهم لأجد منهم غرّة فأقتله، ودبّرت في نفسي كيف أصنع؛ فلما انهزم الناس وبقي رسول الله ﷺ مع النفر الذين بقوا معه، جئت من ورائه، ورفعت السّيف حتى إذا كدت أحطّه غشّي فؤادي فلم أطق ذلك [وعرفت أنه] ممنوع.

وروي أنه قال: فرفع لي شواظ من نار حتى كاد أن يمحشني، ثم التفت إليّ وقال لي: أدن يا شيب فقاتل، ووضع يده في صدري، فصار أحبّ الناس إليّ، وتقدّمت فقاتلت بين يديه، ولو عرض لي أبي لقتلته في نصرة رسول الله ﷺ، فلما انقضى القتال دخلت على رسول الله ﷺ فقال لي: الذي أراد الله بك خير ممّا أردته بنفسك، وحدّثني بجميع ما زوّرته في نفسي، فقلت: ما اطّلع على هذا أحد إلا الله، وأسلمت.

- لمّا حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، قال عيينة بن حصن لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلّمهم، فأذن له رسول الله ﷺ، فجاءهم فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن فقال: ادن. فدخل عليهم الحصن فقال: فداكم أبي وأمي، والله ما لاقى محمد مثلكم، ولقد ملّ المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإنّ حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، ونبلكم حاضرة، وطعامكم كثير، وماءكم واتن لا تخافون قطعه. فلمّا خرج قالت ثقيف لأبي محجن: فإنّا كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل [إن رآه] في حصننا. فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به، ليس منا أحد أشدّ على محمد منه وإن كان معه. فلما رجع إلى رسول الله ﷺ قال: ما قلت لهم؟ قال: قلت: ادخلوا في الإسلام، فو الله ما يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم أمانا، فخذّلتهم ما استطعت.

فقال له رسول الله ﷺ: كذبت، قلت لهم كذا وكذا. وعاتبه أبو بكر على ذلك، فقال: أستغفر الله يا أبا بكر، وأتوب إليه، ولا أعود إليه أبدا.

- لمّا رجع المشركون من بدر إلى مكّة أقبل عمير بن وهب الجمحيّ في الحجر، فقال صفوان بن أمية: قبّح الله العيش بعد قتلى بدر! قال عمير: أجل والله ما في العيش خير، ولولا دين عليّ لا أجد له قضاء، وعيال لا أدع لهم شيئا، لرحلت إلى محمد حتى أقتله إن ملأت عيني منه، فقد بلغني أنه يطوف في الأسواق، وإنّ لي عندهم علّة، أقول: قدمت على ابني هذا الأسير.

ففرح صفوان بقوله، فقال: يا أبا أميّة، وهل تراك فاعلا؟ قال: إي وربّ هذه البنيّة. قال صفوان: فعليّ دينك، وعيالك أسوة عيالي، فأنت والله تعلم أنه ليس

بمكّة أشدّ توسّعا على عياله مني، فقال عمير: قد عرفت بذلك يا أبا وهب، قال صفوان: علي بعيره [ ...]، وأجرى على عياله ما أجرى على عيال نفسه، وأمر عمير بسيفه فشحذ وسمّ، ثم خرج إلى المدينة وقال لصفوان: أكتم عليّ أيّاما حتى أقدمها، فلم يذكرها صفوان.

وقدم عمير فنزل على باب المسجد وعقل راحلته، وأخذ السيف فتقلّده، ثم عمد نحو رسول الله ﷺ، فنظر عمر ﵁ وهو في نفر من أصحابه يتحدّثون ويذكرون نعمة الله عليهم في بدر، ورأى عميرا وعليه السيف، فقال عمر لأصحابه: دونكم هذا عدوّ الله، ودخل على رسول الله ﷺ وآله وصحبه فقال: يا رسول الله، هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد ومعه السيف! فقال النبيّ ﷺ: أدخله عليّ. فخرج عمر فأخذ بحمالة سيفه، فقبض بيده عليها وأخذ بيده الأخرى قائم السّيف، ثم أدخله على رسول الله ﷺ، فلما رآه قال: يا عمر، تأخّر عنه، فلما دنا عمير من رسول الله ﷺ قال له: ما أقدمك يا عمير؟ قال:

قدمت في أسيري عندكم، تفادوننا وتحسنون إلينا فيه فإنكم العشيرة والأهل. قال النبيّ ﷺ: فما بال السيف؟ قال: قبّحها الله من سيوف! وهل أغنت من شيء؟

وإنما نسيته حين نزلت وهو في رقبتي، فقال رسول الله ﷺ: فما شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ففزع عمير وقال: ماذا شرطت له؟ قال: تحمّلت له بقتلي على أن يقضي دينك ويعول عيالك، والله حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأنّك صادق، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنّا يا رسول الله نكذّبك بالوحي بما يأتيك من السماء، وإنّ هذا الحديث كان شيئا بيني وبين صفوان كما قلت لم يطّلع عليه أحد غيري وغيره، وقد أمرته أن يكتم عليّ أيّاما، فأطلعك الله عليه، فآمنت بالله ورسوله، وشهدت أنّ ما جئت به حق.

قال عمر: والله لخنزير كان أحبّ إليّ منه حين طلع، و [هو] في هذه الساعة أحبّ إليّ من بعض ولدي. فقال النبيّ ﷺ: علّموا أخاكم القرآن وأطلقوا له أسيره. فقال عمير: إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، وقد هداني الله، فله

الحمد، فائذن لي فألحق بقريش فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام. فأذن له، فلحق بمكّة. وكان صفوان يسأل عن عمير، فقيل له: إنه قد أسلم، فلعنه أهل مكّة، وحلف صفوان أن لا يكلّمه أبدا ولا ينفعه، واطّرح عياله.

وقدم عمير فدعاهم إلى الله وأخبرهم بصدق رسوله، فأسلم معه بشر كثير.

- حدّث عبد الله بن عباس قال: حدّثني أبو سفيان بن حرب من فيه، قال: كنّا قوما تجارا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة- هدنة الحديبية- بيننا وبين رسول الله ﷺ، خرجت في نفر من قريش إلى الشام، وكان وجه متجرنا غزّة، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان في بلاده من الفرس، فأخرجهم منها، وردّ عليه صليبه الأعظم، وقد كانوا استلبوه إيّاه؛ فلما بلغه ذلك، وكان منزله بحمص من أهل الشام، خرج منها يمشي متنكّرا إلى بيت المقدس يصلّي فيه، تبسط له البسط وتطرح له الرياحين حتى انتهى إلى إيلياء، فصلّى بها؛ فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلّب طرفه إلى السماء، فقالت بطارقته: أيّها الملك، لقد أصبحت مهموما؟ فقال: أجل، فقالوا: وما ذاك؟ فقال: أريت في هذه الليلة أنّ ملك الختان ظاهر، قالوا: فو الله ما نعلم أنّ أمّة من الأمم تختتن إلا يهود، وهم تحت يديك وسلطانك، فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم، فابعث في مملكتك كلّها ولا يبقى يهوديّ إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا المهمّ؛ فإنّهم في ذلك من رأيهم يديرونه إذ [أتى] رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيّها الملك، هذا رجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدّثك عن حدث كان ببلاده، فسله عنه. فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سله، ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله، فقال: رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنّه نبيّ، وقد اتّبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم

في مواطن، فخرجت من بلادي وهم على ذلك. فلما أخبره الخبر قال:

جرّدوه، فإذا هو مختون. فقال: هذا والله الذي أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه، وانطلق لشأنك. ثم دعا صاحب شرطته فقال: قلّب لي الشام ظهرا وبطنا حتى [تأتيني] برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فو الله إني لبغزّة إذ هجم علينا، فسألنا: من أنتم؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا، فلما انتهينا إليه- قال أبو سفيان: فو الله ما رأيت من رجل قطّ أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأقلف- يريد هرقل- فلما انتهينا إليه قال: أيّكم أمسّ رحما به؟ فقلت: أنا، فقال:

أدنوه مني؛ فأجلسني بين يديه، ثم أمر أصحابي فأجلسهم خلفي وقال: إن كذب، فردّوا عليه. فقال أبو سفيان: لقد عرفت أن لو كذبت ما ردّوا عليّ، ولكني كنت امرءا سيّدا أتكرّم [عن أن] أكذب، وعرفت أنّ أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عليّ، ثم يتحدّثوا عني بمكّة، فلم أكذبه. فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم؛ فزهّدت له شأنه، وصغّرت له أمره، فو الله ما التفت إلى ذلك منّي وقال: أخبرني عمّا أسألك عنه من أمره. فقلت: سلني عمّا بدا لك. فقال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: محضا من أوسطنا نسبا.

قال: فأخبرني، هل كان في أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبّه به؟

فقلت: لا، قال: فأخبرني، هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟ فقلت: لا. قال: فأخبرني عن أتباعه، من هم؟

فقلت: الأحداث والضعفاء والمساكين، فأما أشراف قومه وذوو الأسنان منهم فلا. قال: فأخبرني عمّن يصحبه، أيلزمه أم يقليه ويفارقه؟ قلت: قلّ ما صحبه رجل ففارقه. قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه؟ فقلت: سجال؛ يدال علينا ويدال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر؟ فلم أجد شيئا أغمز فيه إلا هي، فقلت: لا، ونحن منه في هدنة مدّة، ولا نأمن غدره، فو الله ما التفت إليها منّي. فأعاد عليّ الحديث، فقال: زعمت أنّه من أمحضكم [نسبا] وكذاك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه فلا يأخذه إلا من أوسط قومه.

وسألتك: هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبّه به، فقلت: لا.

وسألتك: هل كان له ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه، فقلت: لا.

وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الأحداث والمساكين والضّعفاء، وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان.

وسألتك عمّن يتبعه، أيحبّه ويلزمه، أم يقليه ويفارقه؟ فزعمت أنّه قلّ من يصحبه فيفارقه، وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه.

وسألتك عن الحرب بينكم، فزعمت أنّها سجال، يدال عليكم وتدالون عليه، وكذلك حرب الأنبياء، ولهم تكون العاقبة.

وسألتك: هل يغدر؟ فلئن صدقتني ليغلبنّي على ما تحت قدميّ هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. إلحق بشأنك. فقمت وأنا أضرب بإحدى يديّ على الأخرى وأقول: عباد الله، لقد أمر أمر ابن أبي كبشة! أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه على سلطانهم.

وقال العباس بن عبد المطلب ﵀: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فكنت أصنع يوما طعاما [وأدعو] بأبي سفيان وبالنّفر، ويصنع أبو سفيان يوما فيفعل مثل ذلك. فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إليّ بغدائك؟ فقلت: نعم. فانصرفت أنا والنّفر إلى بيته، وأرسلت إليه الغداء. فلما تغدّى القوم قاموا، واحتبسني فقال: هل علمت يا أبا الفضل أنّ ابن أخيك يزعم أنّه رسول الله؟ قلت: فأيّ بني أخي؟ قال أبو سفيان: إيّاي تكتم!؟ وأيّ بني أخيك ينبغي له أن يقول هذا إلا رجل واحد؟ قلت: وأيّهم على ذلك؟ قال: هو محمد بن عبد الله،

قلت: ما فعل! قال: بلى قد فعل. ثم أخرج إليّ كتابا من ابنه حنظلة [بن أبي] سفيان: إنّي أخبرك أنّ محمدا قام بالأبطح غدوة فقال: أنا رسول الله، أدعوكم إلى الله. قال قلت: يا أبا حنظلة، لعلّه صادق، قال: مهلا يا أبا الفضل، فو الله ما أحبّ أن تقول مثل هذا، إني لأخشى أن تكون قد كنت على صير من هذا الأمر، ويروى على بصيرة من هذا الحديث. ثم قال: يا بني عبد المطّلب، إنّه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم يمنة وشؤمة، كلّ واحدة منهما عامّة، فنشدتك الله يا أبا الفضل، هل سمعت ذلك؟ قلت:

نعم، قال: فهذه والله إذن شؤمتكم، قلت: ولعلّها يمنتنا. فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة السّهميّ بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن، فتحدّث به فيها.

وكان أبو سفيان يجلس إلى خبر من أحبار اليهود، فقال له اليهوديّ: ما هذا الخبر الذي بلغني؟ قال: هو ما سمعت، قال: بلغني أنّ فيكم عمّ هذا الرجل، قال أبو سفيان: صدقوا وأنا عمّه، قال اليهودي: أخو أبيه؟ قال:

نعم، قال: حدّثني عنه، قال: ما كنت أحسب أن يدّعي هذا الأمر أبدا، وما أحبّ أن أعتبه، وغيره خير منه. فقال اليهوديّ: فليس به إذن، ولا بأس على يهود وتوراة موسى.

قال العباس: فتمادى إليّ الخبر، فجئت فخرجت حتى أجلس [ذلك] المجلس من غد، وفيه أبو سفيان والحبر. فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمّي هذا عن رجل منّا يزعم أنّه رسول الله، وأخبرك أنّه عمّه، وليس بعمّه، ولكنه ابن عمّه، وأنا عمّه أخو أبيه. فأقبل على أبي سفيان فقال:

أصدق؟ قال: نعم، قال فقلت: سلني عنه، إن كذبت فليردد عليّ. قال:

فأقبل عليّ فقال: نشدتك الله هل فشت له فيكم سفهة أو سوأة؟ قال قلت:

لا وإله عبد المطّلب ولا كذبة، وإن كان اسمه عند قريش الأمين، قال: فهل كتب بيده؟ [قال] العباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه: فظننت أنّه خير له

أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان، وأنّه مكذّبي ورادّ علي، فقلت: لا يكتب. فوثب الحبر وترك رداءه وجعل يصيح: ذبحت يهود! ذبحت يهود! قال العباس رضي الله تعالى عنه: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إنّ اليهوديّ ليفزع من ابن أخيك! قال قلت: قد رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقّا، كنت قد سبقت، وإن كان باطلا، تبعك غيرك من أكفائك؟ قال: لا والله لا أو من به حتى أرى الخيل من كداء، وهو جبل بمكّة. قال قلت: ما تقول؟ قال: كلمة والله جاءت على فمي ما ألقيت لها بالا، [وأنا] أعلم أنّ الله لا يترك خيلا تطلع من كداء. [قال] العباس: فلما فتح رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه مكّة، ونظرنا إلى الخيل قد طلعت من كداء، قلت: يا أبا سفيان، أتذكر الكلمة؟ قال: أي والله، إني لذاكرها، فالحمد لله الذي هداني للإسلام.

- وروي عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا عزم على فتح مكّة، خرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد أفطر، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل مرّ الظّهران في عشرة آلاف من المسلمين، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ، ولا يدرون ما هو فاعل. فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسّسون [الأخبار] وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعونه.

قال العباس: قلت: واصباح قريش! لئن دخل رسول الله ﷺ مكّة عنوة قبل أن يستأمنوا إليه إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدّهر. قال: فركبت بغلة رسول

الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، أقول: لعلّي ألقى بعض الحطّابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة، فيأتيهم فيخبر بمكان رسول الله ﷺ، ليخرجوا إليه. قال: فو الله إني لأسير عليها ألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما [يتراجعان] وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا! قال: فعرفت صوت أبي سفيان فقلت: يا أبا حنظلة، قال: فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما وراءك، فداك أبي وأمّي؟! قلت:

ويلك، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش! فقال: ما تأمرني؟

قلت: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله ﷺ، فو الله لئن ظفر بك، ليضربنّ عنقك. فردفني، فخرجت به أركض بغلة رسول الله ﷺ.

فكلما مررت بنيران من نيران المسلمين قالوا: عمّ رسول الله ﷺ على بغلة رسول الله، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: أبو سفيان! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد. ثم اشتدّ نحو النبيّ ﷺ، وركضت البغلة حتى اقتحمت على باب القبّة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة الرجل البطيء.

فدخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ، فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر، فو الله ما تصنع هذا إلا أنّه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عديّ بن كعب ما قلت هذا؛ قال: مهلا يا عباس! فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ فقال رسول الله ﷺ: اذهب فقد أمّنّاه حتى تغدو به عليّ.

[قال]، قال: فرجعت به إلى منزلي، فلما أصبح غدا به على عهد رسول الله ﷺ، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟

قال: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! والله لقد ظننت أنّه لو

كان مع الله ﷿ غيره لقد أغنى عنّي شيئا. فقال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! أما هذه فإنّ في النّفس منها شيئا. قال العباس: فقلت له: ويحك! تشهد شهادة الحقّ قبل أن تضرب عنقك! قال: فتشهّد. فقال رسول الله ﷺ للعباس [بعد أن] تشهّد أبو سفيان: انصرف يا عباس، فأجلسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمرّ عليه جنود الله ﷿. فقلت له: يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر، فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال:

نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. فمررت حتى أجلسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي، فمرّت عليه القبائل، فجعل يقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم؟ فتمرّ به قبيلة أخرى، فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: أسلم، فيقول: ما لي ولأسلم؟ وتمرّ عليه جهينة، فيقول: ما لي ولجهينة؟ حتى مرّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء من المهاجرين في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما! فقلت: ويحك، إنّها النبوّة. فقال: نعم إذن. فقلت: إلحق الآن بقومك فحذّرهم. فخرج سريعا حتى أتى مكّة فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، قالوا: فمه؟ قال: من دخل داري فهو آمن، قالوا: ويحك وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.

- قال عبد الله بن الزبير: لمّا كان يوم اليرموك خلفني أبي فأخذت فرسا، [ ...]، فرأيت جماعة من الطلقاء فيهم أبو سفيان بن حرب، فوقفت معهم، فكانت الروم إذا هزمت المسلمين قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر، فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان:

وبنو الأصفر الكرام ملوك الرروم لم يبق منهم مذكور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

فلما فتح الله على المسلمين حدّثت أبي، فقال: قاتله الله! أبى إلا نفاقا، أفلسنا خيرا له من بني الأصفر!؟ ثم كان يأخذ بيدي فيطوف بي على أصحاب رسول الله ﷺ ويقول: حدّثهم، فأحدّثهم فيعجبون من نفاقه.

وروي أنّ أبا سفيان دخل على عثمان [ ...] فقال: هل علينا من عين؟ فقال له عثمان: لا، فقال: يا عثمان، إنّ الأمر أمر عالمية [؟]، والملك ملك جاهلية، فاجعل أوتاد الأرض بني أميّة.

وروي أنه دخل عليه فقال له: إنّ الخلافة صارت في تيم وعديّ حتى طمعت فيها، وقد صارت إليكم فتلقّفوها تلقّف الكرة، فو الله ما من جنّة ولا نار، هذا أو نحوه. فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل.

- حدّث أبو عبيدة أنّ معاوية وجّه جيشا إلى [بلاد] الروم ليغزو الصائفة، فأصابهم جدريّ فمات أكثر المسلمين، وكان ابنه يزيد مصطبحا بدير مرّان مع زوجته أمّ كلثوم، فبلغه خبرهم فقال:

إذا ارتفقت على الأنماط مصطبحابدير مرّان عندي أمّ كلثوم
فما أبالي بما لاقت جموعهمبالقرقدونة من حمّى ومن موم

فبلغ شعره أباه فقال: أم والله ليلحقنّ بهم، فليصيبنّه ما أصابهم، فخرج حتى لحق بهم، وغزا حتى لحق إلى القسطنطينية، فنظر إلى [ ...] الديباج، فإذا كانت الحملة للمسلمين، ارتفع من إحداهما أصوات الطبول والدّفوف، وإذا

كانت الحملة للروم، ارتفع من الأخرى. فسأل يزيد عنهما، فقيل: هذه ابنة ملك الروم، وتلك ابنة جبلة بن الأيهم، وكلّ واحدة تظهر السرور بما تفعله عشيرتها. فقال: أم والله لأسرّنّهما. ثم كفّ العسكر، وحمل حتى هزم الروم فأحجرهم في المدينة، وضرب باب القسطنطينية بعمود حديد كان في يده، فهشمه حتى انخرق، فضرب عليه لوح من ذهب، فهو عليه إلى اليوم.

قال ميمون بن هارون: رأى الرشيد فيما يرى النائم [امرأة تحمل] كفّ تراب ثم قالت له: هذه [التربة التي تدفن فيها] فأصبح فزعا، فقصّ رؤياه، فقال له أصحابه: وما في هذا؟ قد يرى النائم أكثر من هذا وأغلظ، ثم لا يضرّ. فركب وقال: إني لأرى الأمر قريبا، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شبّاك حديد تنظر إليه، فقال: هذه والله المرأة التي رأيتها، ولو رأيتها بين ألف امرأة ما خفيت عليّ، ثم أمرها أن تأخذ كفّ تراب فتدفعه إليه، فضربت بيدها الأرض التي كانت عليها فأعطته منها كفّ تراب، فبكى وقال: هذه والله التربة التي رأيتها [في منامي وهذه الكف بعينها، فمات] بعد مدّة، فدفن في ذلك الموضع بعينه، اشتري له ودفن فيه.

- كان المأمون قد أطلق لأصحابه الكلام والمناظرة في مجلسه، فناظر يوما بين يديه محمد بن العباس الصّولي عليّ بن الهيثم في الإمامة، فتقلّدها أحدهما ودفعه الآخر، فلجّت المناظرة بينهما إلى أن نبّط محمد عليّا، فقال له عليّ: إنما تكلّمت بلسان غيرك، ولو كنت في غير هذا المجلس لسمعت أكثر ممّا قلت.

فغضب المأمون وأنكر على محمد ما قال، وما كان منه من سوء الأدب بحضرته، ونهض عن فرشه، ونهض الجلساء فخرجوا. فأراد محمد أن ينصرف، [فمنعه صاحب المصلى وقال علي بن صالح]: أفعلت ما فعلت بحضرة أمير المؤمنين ونهض على الحال التي رأيت، ثم تنصرف بغير إذن منه؟ اجلس حتى نعرف رأيه فيك، وأمر بأن يحبس. ومكث المأمون ساعة ثم خرج، فجلس على سريره، وأمر بالجلساء فردّوا إليه، فدخل إليه عليّ بن صالح، فعرّفه ما كان من قول محمد والانصراف، وما كان من منعه إيّاه، فقال: دعه ينصرف إلى لعنة الله. فانصرف.

وقال المأمون لجلسائه: أتدرون لم دخلت إلى النساء في هذا الوقت؟ قالوا:

لا، قال: إنّه لمّا كان من أمر هذا الجاهل ما [كان لم آمن فلتات الغضب وله بنا حرمة] فدخلت إلى النساء فعابثتهنّ حتى سكن غضبي.

ومضى محمد من وجهه إلى طاهر بن الحسين، فسأله الركوب إلى المأمون وأن يستوهبه جرمه، فقال له طاهر: ليس هذا من أوقاتي، وقد كتب إليّ خليفتي في الدار أنّه قد دعا بالجلساء. فقال محمد: أكره أن أبيت ليلة وأمير المؤمنين عليّ ساخط. فلم يزل به حتى ركب طاهر معه، فأذن له فدخل ومجير الخادم واقف على يمين المأمون. فلما بصر المأمون بطاهر أخذ منديلا كان بين يديه، فمسح بين عينيه مرّتين أو ثلاثا إلى أن وصل إليه [وحرك شفتيه بشيء أنكره طاهر، ثم دنا] فسلّم، فردّ السلام وأمره بالجلوس، فجلس في موضعه، فسأله عن مجيئه في غير وقته، فعرّفه الخبر واستوهبه ذنب محمد، فوهبه له. فانصرف، وعرّف محمّدا ذلك، ثم دعا بهارون بن جعونه، وكان شيخا خراسانيّا داهية ثقة عنده، فذكر له فعل المأمون، وقال له: الق كاتب مجير الخادم، والطف به، وتضمن له عشرة آلاف درهم على

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.