تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

وفاة رسول الله ﷺ (٦)

ما لك يا سعيد؟ قلت: خيرا أيها الأمير! قال: فاقترح عليها صوتا كنت أعلمته أني سمعته منها وأني استحسنته من غنائها، فغنّته، فقال لي: هل تعرف هذا الصوت؟

قلت: إي والله أيها الأمير! وكما تكون المعرفة، وقد كنت أطمع في صاحبته، فأما الآن فقد يئست منها، وكنت كالقاتل نفسه بيده، والجالب الحتف إلى حياته.

فقال: والله يا سعيد ما اشتريتها إلا لك، ويعلم الله أني ما رأيت لها وجها إلا ساعة أدخلت إليّ وقد استراحت من تعب السفر واستراحت من شحوب التّبذّل، فهي لك. فدعوت له بما أمكنني من الدعاء، وشكره عني من حضره من الجلساء؛ وأمر بها فهيّئت، فردّت إليّ حياتي بعد أن أشرفت على الهلكة.

- حدّث محمد بن صالح العلويّ قال: حدثني نمير بن قحيف

الهلاليّ وكان حسن الوجه نجيبا، قلّما رأيت في الفتيان مثله، قال: كان منّا فتى يقال له بشر بن عبد الله يعرف بالأشتر، وكان سيّد فتيان بني هلال، أحسنهم وجها، وأسخاهم نفسا، وأطولهم لمّة، وكان معجبا بجارية من قومه يقال لها: جيداء، وكانت بارعة الجمال جدّا. فلما شهر أمره وأمرها، وظهر خبره وخبرها، وقع الشرّ بين أهل بيته وأهل بيتها في سببها حتى قتلوا بينهم القتلى، وقطّعت بينهم الأيدي والأرجل، وافترقوا فريقين لا يحل واحد منهما مع الآخر. قال نمير: فلما طال على الأشتر البلاء والهجر جاءني يوما، فقال: يا نمير، [هل] فيك خير؟ [قلت]: عندي كلّ ما أحببت. قال:

أسعدني على زيارة جيداء، قلت: نعم بالحب والكرامة، فانهض إذا شئت.

قال: فركب وركبت معه، فسرنا يومنا وليلتنا والغد، حتى كان أصيل العشيّ، ثم نظر إلى أدنى سرب أهلها، فأنخنا رواحلنا في شعب خفيّ، وقعد عندها وقال: يا نمير اذهب- رضي الله عنك- فتأنّس للناس واذكر لمن لقيك أنك طالب ضالة، ولا تعرّض بذكري بين شفة ولا لسان إلا أن تلقى جاريتها فلانة راعية ضأنهم فتقرؤها السلام وتسألها الخبر وتعلمها بمكاني.

قال: فخرجت لا أعدو ما أمرني حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة وأعلمتها مكانه، وسألتها عن الخبر، فقالت: هي والله مشدّد عليها محتفظ بها، وعلى ذاك فموعد كما أولئك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت مع صلاة العشاء. قال: فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم نهضت أنا وهو نقود راحلتينا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا فيه. فلم نلبث إلا قليلا إذا جيداء تمشي حتى دنت منا فوثب الأشتر فصافحها وسلّم عليها.

فوثبت مولّيا عنهما، فقالا: نقسم عليك إلا رجعت! فو الله ما بيننا ريبة ولا قبيح نخلو به دونك، فانصرفت راجعا إليهما حتى جلست معهما. فقال لها الأشتر: أما فيك حيلة يا جيداء فنتعلّل الليلة؟ قالت: لا والله ما لي إلى ذلك سبيل إلا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشرّ. فقال لها: لا بد من ذاك

وإن وقعت السماء على الأرض. قالت: فهل في صاحبك هذا خير؟ قالت:

يا فتى هل فيك خير؟ قلت: سلي ما بدا لك فإني منته إلى رأيك ولو كان في ذلك ذهاب نفسي.

قال: فجعلت عليّ ثيابها فلبستها وجعلت عليها ثيابي فلبستها، ثم قالت لي:

اذهب إلى بيتي وادخل في ستري، فإن زوجي سيأتيك مع العتمة فيطلب منك القدح ليحلب فيه الإبل فلا تعطه إياه من يدك، فكذاك كنت أفعل به، فسيذهب فيحلب ثم يأتيك عند [فراغه من] الحلب [والقدح] ملآن لبنا، فيقول: هاك غبوقك؛ فلا تأخذه منه حتى تطيل نكدك عليه ثم خذه أو دعه حتى يضعه؛ ثم لست تراه حتى تصبح إن شاء الله.

قال: فذهبت ففعلت كما أمرتني، حتى إذا جاء بالقدح فيه اللبن أمرني أن آخذه فلم آخذه حتى أطلت نكدي عليه، ثم أهويت آخذه وأهوى يضعه، فاختلفت يدي ويده فانكفأ القدح واندفق ما فيه من اللّبن، فقال: إن هذا لطماح مفرط وضرب بيده إلى مقدّم البيت فاستخرج سوطا ملويّا كمثل الثعبان المطوّق؛ ثم دخل عليّ فهتك السّتر عني وقبض بشعري، وضربني بذلك السّوط ثلاثين إن زادت فقليلا وإن نقصت فقليلا، ثم جاءت أمّه وإخوته وأخت له فانتزعوني من يده؛ ولا والله ما فعلوا ذلك حتى زايلتني روحي، وهممت أن أجأه بالسكين، وإن كان فيها الموت؛ فلما خرجوا عني وهو معهم شددت ستري وقعدت كما كنت، فلم ألبث إلا قليلا وإذا أمّ جيداء قد دخلت عليّ، فكلمتني وهي تحسبني بنتها، فاتّقيتها بالسّكات والبكاء، وتغطيت بثوبي دونها فقالت: يا بنية! اتقي الله ربّك ولا تعرّضي للمكروه من زوجك فذاك أولى بك، فأما الأشتر فلك آخر الدهر.

ثم خرجت من عندي وقالت: سأرسل إليك أختك تؤنسك وتبيت الليلة

عندك. فلبثت غير ما كثير ثم إذا جارية قد جاءتني وجعلت تبكي وتدعو على من ضربني، وجعلت لا أكلّمها. ثم اضطجعت إلى جنبي فلما استمكنت منها شددت يدي على فمها وقلت: يا هذه تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري الليلة بسببها، وأنت أولى بالسّتر عليها، فاختاري لنفسك ولها، فو الله لئن تكلّمت بكلمة لأصيحنّ بجهدي حتى تكون الفضيحة شاملة؛ ثم رفعت يدي عن فمها فاهتزّت مثل القصبة من الزرع، وبات معي منها أصلح رفيق رافقته قطّ. فلم تزل تتحدث وتضحك منّي ومما بليت به حتى برق لي النور، ثم إذا جيداء تدخل عليّ من آخر البيت فلما رأتنا ارتاعت منا، وقالت: ويلك من هذا عندك؟ قلت: أختك. قالت: وما السبب؟ قلت: هي تخبرك، فلعمر الله إنها لعالمة.

وأخذت ثيابي ومضيت إلى صاحبي، فركبت أنا وهو خائفين، وخبّرته ما أصابني وكشفت له عن ظهري، فإذا فيه كلّ ضربة تخرج الدّم وحدها. فلما رأى ذلك قال: لقد عظمت صنيعتك وأوجبت علينا شكرك، وخاطرت بنفسك فلا حرمنا الله مكافأتك.

- حدث محمد بن الفضل الجرجرائي في وزارته للمعتصم قال: كنت أتولّى ضياع عجيف بكسكر فرفع عليّ أنني خنته وأخرجت الناحية. فأنفذ إليّ من قيدني، فأدخلت عليه في داره بسرّ من رأى على تلك الحال، فإذا هو يطوف على ضياع فيها، فلما نظر إلي شتمني وقال: أخربت الضياع ونهبت الارتفاع؛ والله لأقتلنّك! هاتم السّياط، فأحضرت ونحّيت للضرب؛ فلما رأيت ذلك ذهب عليّ أمري وبلت في ثيابي. ونظر كاتبه إليّ فقال لعجيف: أعزّ الله الأمير! أنت مشغول القلب بهذا البناء، وضرب هذا الليلة في أيدينا ليس يفوت، فتأمر بحبسه وتنظر في أمره، فإن كانت الرفيعة صحيحة فليس يفوتك عقابه، وإن

كانت باطلة لم نتعجّل الإثم والاشتغال عما أنت بسبيله. فأمر بي إلى الحبس فمكثت فيه أياما. وغزا أمير المؤمنين عمورية وقتل عجيفا في نوبة العباس بن المأمون، واتّصل الخبر بكاتبه فأطلقني، وخرجت فلم أهتد إلى حبّة فضة فما فوقها. فقصدت صاحب الديوان بسرّ من رأى لصداقة كانت بيني وبينه، فلما رآني سرّ بإطلاقي، وتوجّع من سوء حالي، وعرض عليّ ماله، فقلت: تتفضل بتصريفي في شيء أستر بجاريه. فقلّدني عملا بنواحي ديار ربيعة، واقترضت من التجار لما سمعوا بخبر ولايتي ما تحمّلت به إلى العمل، وخرجت. وكان في ضياع العمل ضيعة تعرف بعراثا، فنزلتها في بعض طرفي العمل ونزلت دارا منها. فلما كان السحر وجدت المستحمّ ضيّقا غير نظيف، فخرجت إلى ظاهر الدار، وإذا بتلّ، فجلست أبول عليه. وخرج صاحب الدار فقال: أتدري على أي شيء بلت؟ قلت: على تلّ تراب. فضحك وقال: هذا رجل يعرف بعجيف من قوّاد السلطان، كان سخط عليه وحمله مقيّدا، فلما صار إلى ههنا قتل وطرح في هذا المكان تحت حائط، فلما انصرف العسكر طرحنا الحائط عليه لنواريه من الكلاب، فهو تحت على هذا التلّ التراب. قال: فعجبت من بولي خوفا منه ومن بولي على قبره عليه.

- وأورد التنوخي في كتاب «الفرج بعد الشدة» ما هو بالأحداث الغريبة والاتفاقات العجيبة أليق، وبهذا المكان أشبه. قال: غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم، فسبى سبيا كثيرا، وأقام في بعض المنازل، فعرض السبي على السيف، فقتل خلقا، حتى عرض عليه شيخ ضعيف، فأمر بقتله؛ فقال له: ما حاجتك إلى قتل شيخ ضعيف مثلي؟ إن تركتني جئتك بأسيرين من المسلمين شابّين. قال: ومن لي بذلك؟ قال: إني إذا وعدت وفيت. قال: لست أثق بك. قال: فتدعني أطوف في عسكرك لعلي أعرف من يكفل بي إلى أن أمضي

فأجيء بالأسيرين. فوكل به من أمره بالطواف معه في عسكره والاحتفاظ به.

فما زال الشيخ يطوف ويتصفح الوجوه حتى مرّ برجل من بني كلاب قائما يحسّ فرسا له، فقال له: يا فتى اضمنّي للأمير، وقصّ عليه القصة؛ قال:

أفعل. وجاء به معه إلى مسلمة وضمنه فأطلقه. فلما مضى قال: أتعرفه؟ قال:

لا والله! قال: فلم ضمنته، قال: رأيته يتصفّح الوجوه فاختارني من بينهم، فكرهت أن أخلف ظنّه. فلما كان من الغد عاد الشيخ ومعه أسيران من المسلمين شابان، فدفعهما إلى مسلمة، وقال: يأذن الأمير أن يصير معي إلى حصني لأكافئه على فعله بي، فقال مسلمة للفتى الكلابي: إن شئت فامض معه.

فلما صار إلى حصنه قال له: يا فتى تعلم والله أنّك ابني. قال: وكيف أكون ابنك وأنا رجل من العرب مسلم وأنت رجل من الروم نصراني؟ قال: أخبرني عن أمّك ما هي؟ قال: رومية؛ قال: فإني أصفها لك، فبالله إن صدقت إلا صدقتني؛ قال: أفعل. فأقبل الرومي يصف أمّ الفتى، فما خرم شيئا منها؛ قال:

هي كذلك فكيف عرفت أني ابنها؟ قال: بالشّبه وتعارف الأرواح، وصدق الفراسة، ووجود شبهي فيك؛ ثم أخرج إليه امرأة فلما رآها الفتى لم يشكّ أنّها أمّه لشدّة شبهها به، وخرجت معها عجوز كأنها هي؛ فأقبلتا تقبّلان رأس الفتى؛ وقال الشيخ: هذه جدّتك وهذه خالتك. ثم اطّلع من حصنه، ودعا بشباب في الصحراء، وكلّمهم بالرومية، فجعلوا يقبّلون رأسه ويده؛ قال الشيخ: هؤلاء أخوالك وبنو خالاتك وبنو عمّ والدتك؛ ثم أخرج حليّا كثيرا وثيابا فاخرة، فقال: هذا لوالدتك عندنا منذ سبيت، فخذه فادفعه إليها، فإنها ستعرفه؛ ثم أعطاه لنفسه مالا كثيرا وثيابا جليلة، وحمله على عدّة دواب وبغال، وألحقه بعسكر مسلمة وانصرف.

وأقبل الفتى قافلا حتى دخل منزله وأقبل يخرج الشيء بعد الشيء ممّا عرّفه الروميّ أنه لأمّه، فتراه فتبكي فيقول لها: قد وهبته لك؛ فلما أكثر عليها قالت: يا بنيّ، أسألك بالله من أيّ بلد صار إليك هذا الحليّ وهذه

الثياب؟ وهل قتلتم أهل الحصن الذي كان فيه هذا؟ قال الفتى: صفته كذا وكذا، وصفة البلد كذا، ورأيت فيه قوما حالهم كذا، ووصف الأمّ والأخت وجميع الأهل، وهي تبكي وتقلق، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت:

الشيخ والله أبي، والعجوز أمّي، والشابّة أختي. فقص عليها الفتى الخبر وأخرج بقيّة ما كان معه فدفعه إليها.

- ذكر أنّ عاملا للمنصور على فلسطين كتب إليه أنّ بعض أهلها وثب عليه، واستغوى جماعة منهم وعاث في العمل. فكتب إليه أبو جعفر:

دمك مرتهن به إن لم توجّهه إليّ. فصمد له العامل فأخذه ووجّه به إليه. فلما مثل بين يدي أبي جعفر قال له: أنت المتوثّب على عامل أمير المؤمنين؟ لأنثرنّ من لحمك أكثر ممّا يبقى على عظمك. قال: وكان شيخا كبيرا ضئيل الصوت فقال:

أتروض عرسك بعد ما هرمتومن العناء رياضة الهرم

فلم يفهم أبو جعفر ما قال فقال: يا ربيع ما يقول؟ قال: يقول:

العبد عبدكم والمجد مجدكمفهل عذابك عنّي اليوم مصروف

قال: يا ربيع، خلّ عنه فقد عفوت عنه، وأحسن إليه واحتفظ به.

- أحضر هشام بن عبد الملك إبراهيم بن أبي عبلة الذي كان يتولّى ديوان الخاتم لمروان بن محمد فقال له: إنّا قد عرفناك صغيرا وخبرناك كبيرا، وإني أريد أن أخلطك بحاشيتي، وقد وليتك الخراج بمصر، فاخرج. فأبى

إبراهيم عليه وقال: ليس الخراج من عملي ولا لي به بصر. فغضب هشام عليه غضبا شديدا حتى خاف إبراهيم بادرته، فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام؟ فقال: قل؛ فقال: يقول الله ﷿: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ

(الأحزاب:) لكن والله ما أكره السموات والأرض والجبال حين أبين من حملها ولا سخط عليها، ولقد ذمّ الانسان حين قبلها، فقال هشام: أبيت إلا رفقا وأعفاه.

قال أبو عبيدة: كان فتى من الخوارج من بني يشكر مجتهدا، فتزوج بابنة عمّ له، فلما كان ليلة أراد البناء بها أتاه قوم من أصحابه على خيولهم، فوقفوا ببابه فلما علم بهم خرج إليهم، فقال: من أنتم؟ قالوا: قوم من إخوانك، وخرجنا من الدنيا وتركناها لأهلها لنفنى على ما فني عليه السلف الماضون، قال: فانزلوا وأقيموا ليلتكم هذه حتى أخرج معكم غدا؛ قالوا: ما كنا لنعود إلى الدنيا بعد ما خرجنا منها وتركناها لأهلها، قال: فانتظروني. فألقى ثياب عرسه ولبس ثياب سفره، وركب فرسه وهو يقول:

يا ربّ إنيّ مؤثر ذويكاإذ فارقوا الدنيا ويمّموكا

ثم خرج إلى أصحابه فقال:

سيروا على اسم الله في سبيلهعلى يقين الوعد من رسوله
إني به مصدّق وقيلهلعلّنا نفوز من تمثيله

أو ندرك التفضيل من تفضيله

قالوا: بل أقم في منزلك وتمتّع من أهلك بقية ليلتك، ولا تشمت بهم عدوهم، ونحن مقيمون عليك حتى تصبح، فقال: ما كنت لأرجع إلى الدنيا بعد إذ خرجت منها، ثم أنشأ يقول:

ما وعد الله من الحور العينومن ثواب المسلمين الشارين
خير من الأهل الأولى يموتونويسخطون مرة ويرضون

ثم مضى معهم فلحقتهم خيل لمحمد بن مروان، فقتلوا الطائفة وأسروا الفتى في عدة من أصحابه؛ فبعث بهم محمد إلى الحجاج. فلما رأى الفتى استصغره فدعا به فقال: ويحك ما أخرجك؟ فو الله ما أظنّك تعرف مواقيت الصلاة. قال: ذاك لو كنت اتّكلت على تعليمك يا حجاج، كنت بالحري أن أنزل هذه المنزلة.

قال: فما أخرجك؟ قال: مخافة يوم أنا وأنت فيه نصير؛ قال: وما ذاك اليوم؟

قال: أول آخر وآخر أوّل، مستقبل أول لا آخر له، ومستدبر آخر لا يعود بعد نفاذه، لا بعده أجل، ولا فيه عمل، ولا عنده مستعتب، ولا إلى غيره مذهب، يأمن فيه الخائف، ويخاف فيه الآمن، ويعزّ فيه الذليل، ويذلّ فيه العزيز، وفي مثل هذا ما أقلق ذكري على فراشه هذا، والأئمة تعدل، فكيف إذا كانت تضلّ وتضلّل، فاقض ما أنت قاض؛ قال: أجزعت من الموت؟ قال: لا والله ما جزعت من قضاء، ولا أسفت على بلاء، ولا كرهت لربّي لقاء، وللموت ما خلقت، وما لي حاجة إلا فيه، فهل يجزع الرجل من قضاء حاجته؟ قال: أما والله لأعجلنّ لك من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر؛ قال: أما والله لو علمت أنّ بيدك تعجيله لعلمت أن بيدك تأخيره، لأن من يقدر على تعجيله يقدر على تأخيره؛ قال: والله لأقتلنّك؛ قال: إذن لا يعزّ الله بقتلي باطلا، ولا يبطل به حقّا، فلئن قتلتني لأخاصمنّك بحيث يزول عنك وعن ابن الزرقاء عزّكما، ولا يدفع عنكما سلطانكما، وحيث لا تقبل لكما عذرة، ولا تنفعكما حجّة؛ فأمر بقتله.

قال علي بن حرملة: رأيت أبا حنيفة حين ورد عليه خبر إبراهيم الصائغ وتعرّضه لأبي مسلم حتى قتله، فقال: والله لقد كنت أتخوف عليه هذا الأمر حتى وقع فيه. قالوا: كيف يا أبا حنيفة؟ قال: صار إليّ وسألني خلوة فوعدته، ولم أقدر لاجتماع الحاجّ عليّ؛ فكان يتقاضاني ويذكر الموعد؛ فقلت له: ترى شغلي بالحاجّ، فقال: إن الله يسألك عن أمري. قال: فخلا معي ساعة

فقال: ما تقول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أفرض هو أم نفل؟ قلت:

فرض. فعدّ عليّ من هذه الفرائض ما عدّ ثم قال: مثل هذا؟ قلت: نعم، قال:

ابسط يدك أبايعك عليه. قال: فأظلمت عليّ الأرض، وخفت إن أعطيته شيئا لا أقدر أن أقوم به. قال: ثم ذكرت فقلت: يا أبا إسحاق إنّ هذا فرض ليس كسائر الفرائض التي يؤدّيها الرجل وحده، فتحرّ عنه، وهذا متى عرض له رجل أشاط بيده بدمه وعرّض نفسه للقتل فلو كان قتل وخلص الحقّ إلى من يقوم به أجر في تلف نفسه، ولكن يقتل ولا يستوفى للناس أمرهم وتذهب نفسه؛ ولكن انتظر فإن منّ الله علينا بمن يقوم لله بذلنا له أنفسنا ومهجنا وما نالته أيدينا من القوة. فانصرف من عندي، وكان يتقاضاني تقاضي الغريم الملحّ حتى خرج إلى مرو، فتعرّض لأبي مسلم فأمره ونهاه، فأخذه وحبسه، فاجتمع عليه أهل مرو وقالوا: مثله تحبس ونحن نعرض ونؤمّل من الله به كلّ خير؟ فأخرجه. ثم تعرّض له ثانية وثالثة فقتله. فبلغني عنه أنه قال: أخاف أن أكون قد أعنت على نفسي فينقص ثوابي من الله إذ لم أقبل ممّن هو أعلم بالله مني.

قال أبو حنيفة: وحدثني من أثق به من آل بيت محمد ﷺ عن أبيه عن عليّ ﵇ أنه قال: سيّد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب ﵁ ورجل يقوم في آخر الزمان عند انقضاء ملك بني أمية إلى رجل جائر يقول له: أنا داعية الحق، فيأمره فيقتله، فكان هو الذي قام على أبي مسلم فأمره ونهاه، فأخاف أن أكون قد ضيعت حقّ الله فيه.

- وقيل: إن ابن هبيرة حين اضطرب الحبل وظهرت الفتنة بالعراق جمع فقهاء أهل العراق وقضاته، منهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود بن أبي هند، وعددا منهم، فولّى كلّ واحد منهم صدرا من عمله. وأرسل إلى أبي حنيفة فأراد أن يكون الخاتم في يده، فامتنع أبو حنيفة عليه؛ وحلف ابن هبيرة

إن لم يفعل ما أراد ضربه كلّ جمعة سياطا حتى يقتله. قال: فأخرج والفقهاء جلوس، فمالوا به إلى إخوانه فوقف عليهم فقالوا له: ننشدك الله أن تتلف نفسك، وتغمّ إخوانك، وتعرض لهذا الجبّار، وإنا قد كرهنا هذا الأمر كما كرهت، ولكن نشتري الدين بعضه ببعض. فقال أبو حنيفة: لا والله لا آثرت على الله شيئا، ولا أدخل في عمل، لو سألني أن أعدّ له أساطين المسجد والله ما فعلت، فكيف ولو ترى أن نكتب في دم رجل لعله غير مستحقّ فأختم أنا على كتابه ونأخذ المال من غير حقّه فينفقه على معاصي الله وأعينه على حفظه. فقال ابن أبي ليلى: دعوا صاحبكم وما يحمل على نفسه، فهو والله المصيب ونحن المخطئون؛ يا أخي لو وطّنّا لأنفسنا على ما وطّنت نفسك عليه كان خيرا لنا.

فحبسه صاحب الشرطة عنده جمعتين ولم يضربه، ثم أخرجه واعتذر إليه وقال:

إن هذا الأمير لا يختار عليه، فإمّا أن تدخل فيما أمرك به أو أمضي فيك أمره؛ قال: من تقلّد شيئا كان عليه؛ فضربه. فقال ابن هبيرة: ألا ناصح لهذا المحبوس يستأجله فنؤجّله لينظر في أمره؟ فجيء إلى أبي حنيفة فأخبر، فلما كانت الجمعة الثانية أخرج، فقال: إنّ أثر السّياط طريّ في جنبي، ولي إخوان فدعوني أستشرهم وأنظر فيما يدعونني إليه. فاغتنم إليه. فاغتنم ابن هبيرة قوله وأمر بتخلية سبيله.

فركب دوابّه وهرب إلى مكة، فلم يزل مقيما بها حتى ظهرت الهاشمية وملكوا.

- فقدم أبو حنيفة الكوفة فأرسل إليه أبو جعفر فضمّه إليه ببغداد، وأمر له بجارية وبعشرة آلاف درهم. وكان عبد الملك بن حميد على وزارة أبي جعفر، وكان حسن الرأي فيه، فقال: لا حاجة لي في الجائزة ولا في الجارية.

فقال: أنشدك الله، فإنه أمير المؤمنين، وهو سريع الغضب، ولا آمن عليك غضبه، وأخاف أن يصدق عليك ما يظنّ بك. فأبى أن يقبض من ذلك شيئا.

قال: فأنا أردّ الدارهم إلى بيت المال وأعتذر لك؛ فالجارية أيّ عذر لك فيها؟

قال: تقول إني شيخ كبرت وضعفت عن الجماع، فأكره أن أقبل جارية تحتاج إلى من يمسّها فلا أصل إليها وأبيع ملك الخليفة.

ودعاه أبو جعفر فقال: إنّ شيعة أمير المؤمنين يحضرون فتسمع كلامهم. فحضروا فتكلموا وأكثروا، فقال لواحد: صن لسانك عن الكذب، وقال لآخر: هذا كلام من قد كفر النعمة؛ فقام أبو العباس الطوسي فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي صلى الله عليه وقال قولا مختصرا جميلا، فقال أبو حنيفة: أصبت. فقال أبو جعفر: انصرفوا على قول أبي العباس سيّدكم.

- وظهر إبراهيم بالبصرة وأخوه بالمدينة. ودخل الحسن بن قحطبة على أبي حنيفة فقال: أنا ممّن عمل عملا لا يحلّ، فهل من توبة؟ قال: نعم.

قال: ما هي؟ قال: أن يعلم الله منك نيّة صادقة أنك نادم على ما فعلت، وأخرى إن خيّرت بين أن تقتل مسلما أو تعمل اخترت قتلك على عمله، وتجعل لله على نفسك عهدا ألا تعود في شيء ممّا كنت فيه؛ فإن وفيت قبلت توبتك إن شاء الله. قال: قد فعلت وعاهدت الله أني لا أعود. قال: فدعاه أبو جعفر وأمره بالسير إليهما، فجاء إلى أبي حنيفة فقال: إني أمرت بكذا وكذا، قال: أما إنك إن وفيت غفر لك ما مضى وإن عدت أخذت بما مضى وبما يستأنف. فدخل إلى أبي جعفر وتهيّأ للقتل، واستعفاه، واعتلّ عليه، فلم يقبل منه. فقال: لست أقتل هذين الرجلين، وحسبي ما مضى. قال: فغضب أبو جعفر، فوثب أخوه حميد بن قحطبة عليه وقال: يا أمير المؤمنين، إنا قد أنكرناه منذ سنة، وقلنا قد اختلط، وأنا أسير. فسار حميد وقال أبو جعفر: تعاهدوا الحسن وانظروا إلى من

يدخل، ومن يجالس، ومن الذي يفسد هذا الرجل علينا. فأخبروه أنه يدخل على أبي حنيفة ويجالسه، فدعا بسمّ وسقى أبا حنيفة وسقى الحسن، فمات أبو حنيفة ﵀، وعولج الحسن فبرأ.

وقد روي أن أبا حنيفة لما خاف التّلف وألحّ عليه ابن هبيرة بالضرب، وآلى أن لا يرفعه عنه حتى يلي له عملا، تولّى له عدّ أحمال التبن التي تخرج من ناحية السّواد وتدخل الكوفة.

- وروي أنّ ابن هبيرة أراده على القضاء وحلف إن هو لم يقبل ليضربنّه بالسّياط على رأسه، فقيل لأبي حنيفة فقال: ضربه لي بالسياط في الدنيا أسهل علي من مقامع الحديد في الآخرة؛ والله لا فعلت ولو قتلني. فحكي قوله لابن هبيرة فقال: بلغ من قدره ما يعارض يميني بيمينه؟ فدعا به فقال له سفاها، وحلف له إن لم يل ليضربنّه على رأسه حتى يموت. فقال له أبو حنيفة: هي ميتة واحدة. قال: فأمر به فضرب عشرين سوطا على رأسه. فقال أبو حنيفة: اذكر مقامك بين يدي الله فإنه أذلّ من مقامي بين يديك، ولا تهدّدني فإني أقول: لا إله إلا الله، والله سائلك عني حيث لا يقبل منك جواب. فأومأ إلى الجلاد أن أمسك. وبات أبو حنيفة في السجن، فأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب. قال: فقال ابن هبيرة: إني رأيت النبيّ ﷺ في النوم وهو يقول: أما تخاف الله تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدّده؟ فأرسل إليه فاستخرجه واستحلّه.

- وقال الربيع بن يونس: جمع المنصور مالك بن أنس وابن أبي ذئب وأبا حنيفة فقال: كيف ترون هذا الأمر الذي أعطاني الله من أمر هذه الأمة؟ هل أنا لذلك أهل؟ قال: فسكت القوم؛ فقال لابن أبي ذئب: ما تقول في هذا الأمر

الذي قلّدني الله ﷿ من أمر أمة محمد ﷺ؟ فقال: إنّ ملك الدنيا يؤتيه الله من يشاء وملك الآخرة يؤتيه الله من طلبه في الله ووفّقه، وإن التوفيق منك إذا أطعته قريب وإذا عصيته بعيد، وإن الخلافة تكون بإجماع أهل التقوى عليها والعون لمن وليها، وأنت وأعوانك خارجون من التوفيق، عالون على الخلق، فإن سألت الله السلامة، وتقرّبت إليه بالأعمال الزاكية، كان في ذلك نجاتك وإلا فأنت المطلوب. قال: فكنت أنا ومالك بن أنس نجمع ثيابنا أن يترشّش علينا من دمه. قال: فقال لأبي حنيفة: ما تقول؟ قال: المسترشد لدينه يكون بعيد الغضب، إن أنت نصحت نفسك علمت أنك لم ترد الله باجتماعنا، وإنما أردت أن تعلم العامة أنّا نقول فيك ما تهواه مخافة سيفك وحبسك، ولقد وليت الخلافة وما اجتمع عليك نفسان من أهل التقوى، والخلافة تكون عن إجماع المؤمنين ومشورة، وهذا أبو بكر الصديق ﵁ أمسك عن الحكم ستة أشهر حتى أتته بيعة أهل اليمن. قال: وقال لمالك: ما تقول؟ قال: لو لم يرك الله أهلا لذلك ما قدّر لك ملك هذه الأمّة وأزال عنهم من بعد من بينهم، وقرّب هذا الأمر إلى أهل بيت نبيّه، والله لقد دحر الله الباطل، وأنجى أهل بيت نبيّه، أعانك الله على ما ولّاك، وألهمك الشكر على ما خوّلك، وأعانك على ما استرعاك. قال: فأمرهم فانصرفوا. وقال لي المنصور: خذ معك ثلاث بدر واتبع القوم، فإن أخذها مالك كلّها فادفعها إليه، وإن أخذ ابن أبي ذئب وأبو حنيفة منها شيئا فجئني برؤوسهما. قال: فأتيت ابن أبي ذئب فقال: ما أرضى هذا المال له، فكيف آخذه لنفسي؟ وقال أبو حنيفة: (ما أنفع له إن كان يعطي من يرحم أن يرحم نفسه ممن يعلم)، والله لو ضربت عنقي على أن أمسّ منها شيئا ما مسسته؛ فأتيت مالكا فأخذها كلّها. فأتيت المنصور فأعلمته وبهذه الصيانة حقنوا دماءهم.

- وقال ابن المبارك: مات ابن أبي ليلى فقال الناس: لقد وهت الكوفة من حاكم عادل، من ترى يتولى عليها بعده؟ فحمل إلى أمير المؤمنين أبو حنيفة وسفيان ومسعر وشريك، وكانوا جلوسا في صلاة الصبح، حتى بعث إلى كلّ رجل منهم برجل، فحملهم الأمير إلى أمير المؤمنين ووصلوا في سفينة؛ فلما كان في بعض النهار قرب التهيو للصلاة. قال: فخرجوا، فقال سفيان لصاحبه: أريد أبول [في] الخلاء، وإذا قرب مني إنسان احتبس مني الغائط والبول. فتنحّي عنه فهرب، وهرب الذي كان معه. وجاء سفيان إلى سفينة فيها قتّ، فوهب للملاح دراهم حتى غيّبه. فلما دخلوا بغداد دفع مسعر إلى الملاح ثيابه وأخذ مدرعته. فلما دخلوا على المنصور ورأى عليه مدرعة صوف مقلوبة قال: يا شيخ، أتريد أن نولّيك القضاء؟ قال: مسنّاة الكوفة قد خربت؛ قال: يا شيخ، ما أنت وذكر المسنّاة؟ قال: إن بني أمية خرّبوا السور فتحتاج ان تعمّره. قال: أخرجوه فإن هذا مختلط. ثم قال لأبي حنيفة: تريد أن نولّيك القضاء؟ قال: أنا رجل من الموالي وأهل الكوفة من أشراف بني هاشم وقريش والأنصار والعرب، وإن ولّيت مثلي فتنت البلد ولم آمنهم أن يرموني بالآجرّ. فقال لشريك: فقال: أنا شيخ لا أبصر نقش خاتمي، فقال: استعن على أمورك بالشباب؛ قال: ودماغي قد تغيّر. قال:

خذ الدهن وكل الطعام الذي يردّ قوّتك، وتصنع في كلّ يوم رطلا من فالوذج فهو يزيد في قوّتك وقوّة دماغك إذا كان بالعسل؛ قال: يا أمير المؤمنين إني كنت في حداثتي أميل إلى النساء، فأخاف إن اختصمن إليّ أن أميل إليهن وتتجدّد شهوة الحداثة؛ قال: يتّسع عليك حتى ترغب فيك الحرائر وتشتري الإماء. ودعا بطعام فأطعمه وألبسه السواد، وسلم من سلم.

- بيان قولهم إن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين قال: إليك عني: إنه لما قدم الضحاك الشاري الكوفة قال لهم: جيئوني بالفقهاء. فتفرق الناس ووجدوا أبا حنيفة فأتوه. فقال: يا شيخ تب إلى الله من الكفر، فقال: أنا تائب إلى الله من الكفر. فلما خرج قال له رجل من أصحابه كان قد جالس أبا حنيفة: إن مذهبك عنده الكفر ومنه تاب، قال: ردّوه فقال:

يا شيخ، تبت من مذهبي ومذهبي عندك الكفر. قال: فقال أبو حنيفة: أو ظننت بي ذلك؟ قال: نعم؛ قال: أظنّك ظنّ سوء فهو ذنب؟ قال: نعم، قال:

والذنب عندك كفر؟ قال: نعم، قال: فتب منه، قال: أنا تائب إلى الله، وأنت يا شيخ فتب إلى الله فقال: أنا تائب إلى الله. فلما خرج القوم قال قوم من أهل الكوفة: استتيب أبو حنيفة مرتين.

- قال أبو العيناء: ما رأيت أفصح لسانا ولا أجمع رأيا ولا أحضر حجّة من ابن أبي دواد. قال له الواثق: رفعت فيك رقعة فيها كذب كثير، فقال: ليس بعجيب أن أحسد بمنزلتي من أمير المؤمنين ويكذب عليّ. قال:

زعموا أنك ولّيت القضاء رجلا أعمى، قال: بلغني أنه إنما عمي من بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت له ذلك وأمرته أن يستخلف؛ قال: وفيها أنك أعطيت شاعرا ألف دينار، قال: كان ذاك، وقد أثاب رسول الله ﷺ كعبا، وقال في آخر: اقطعوا عني لسانه؛ وهذا شاعر طائيّ مصيب محسن، لو لم أرع له إلا قوله فيك للمعتصم:

فاشدد بهارون الخلافة إنّهسكن لوحشتها ودار قرار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
ولقد علمت بأنّ ذلك معصمما كنت تتركه بغير سوار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

فقال الواثق: قد وصلته بخمسمائة دينار.

»

- صلى الحجاج إلى جنب ابن المسيّب، فرآه يرفع قبل الإمام ويضع، فلما سلّم أخذ بثوبه حتى فرغ من صلاته ودعائه، ثم رفع نعليه على الحجاج، وقال: يا سارق! يا خائن! تصلي هذه الصلاة؟ لقد هممت أن أضرب بهما وجهك! وكان الحجاج حاجّا، فرجع إلى الشام، وجاء واليا على المدينة، ودخل من فوره المسجد قاصدا مجلس سعيد، فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ قال: نعم أنا صاحبها، قال: جزاك الله من معلّم ومؤدّب خيرا، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا ذاكر قولك.

- قال سعيد بن وهب على البطالة فدخلت قلبه رقّة، فحجّ ماشيا، فجهد، فقال:

قدميّ اعتورا رمل الكثيبواطرقا الآجن من ماء القليب
ربّ يوم رحتما فيه علىنضرة الدنيا وفي واد خصيب
فاحسبا ذاك بهذا واصبراوخذا من كلّ فن بنصيب

- مطر مصر مثل في نافع يستضرّ به، لأنّها لا تمطر فإن مطرت كان المطر ضررا عليها، وفي ذلك يقول شاعر:

وما خير قوم تجدب الأرض عندهمبما فيه خصب العالمين من القطر
إذا بشّروا بالغيث ريعت قلوبهمكما ريع في الظلماء سرب القطا الكدر
للشاعر راشِد بن إسحاق، اقرأ القصيدة

- جنان الدنيا أربع: غوطة دمشق ونهر الأبلّة وشعب بوّان وصغد سمرقند. قال أبو بكر الخوارزمي: قد رأيتها كلّها وكان فضل الغوطة على الثلاث كفضل الأربع على غيرهنّ، كأنها الجنّة صوّرت على وجه الأرض.

- البحتري:

يمشي السّحاب على أرجائها فرقاويصبح النّبت في صحرائها بددا
فلست تبصر إلا واكفا خضلاأو يانعا خضرا أو طائرا غردا
للشاعر البحتري، من قصيدة «العيش في ليل داريا إذا بردا»

آخر في وصف النخل:

إما تراها وإلى استوائهاوحسنها في العين وامتلائها
لا ترهب الذئب على أطلائهاوإن أحاط الليل من ورائها

غرس معاوية نخلا بمكة في آخر خلافته، فقال: ما غرستها طمعا في إدراكها ولكنّي ذكرت قول الأسدي:

ليس الفتى بفتى لا يستضاء بهولا يكون له في الأرض آثار

- ذكر أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في كتابه [.....]

كانت بقرية [كشمير] من رستاق بست سروة من سرو الأزاذ من غرس يستاسف لم ير مثلها في حسنها وطولها وعظمها، [وكانت] ظلالها فرسخا، وكانت من مفاخر خراسان. فجرى ذكرها عند المتوكّل، فأحبّ أن يراها فلما لم يقدّر له المسير كتب إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر وأمره بقطعها وحمل قطع

جذعها وأغصانها في اللبود على الجمال لتنصب بين يديه حتى يبصرها. فأنكر عليه ذلك، وخوّف بالطيرة فلم تنفع السروة شفاعة الشافعين. وحكي أن أهل الناحية ضمنوا مالا جزيلا على إعفائها، فلم ينفع. فقطعت وعظمت المصيبة وارتفع الصياح والبكاء، ورثاها الشعراء، وقال علي بن الجهم:

قالوا سرى لسبيله المتوكلفالسرو يسري والمنية تنزل
ما سربلت إلا لأنّ إمامنابالسيف من أولاده متسربل
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

فجرى الأمر على ذلك، وقتل المتوكل قبل وصول السروة إليه.

اجتمع ببغداد عشرة فتية على لهو، فرفعوا أحدهم في حاجة فرجع وفي يده بطيخة يشمّها ويقبّلها. فقال لهم: جئتكم بفائدة: وضع بشر الحافي يده على هذه البطّيخة فاشتريتها بعشرين درهما تبرّكا بموضع يده. فأخذ كلّ واحد يقبّلها ويضعها على عينه. فقال أحدهم: ما الذي بلّغ بشرا ما أرى؟ قالوا:

تقوى الله والعمل الصالح. قال: فإني أشهدكم أنّي تائب إلى الله وأني داخل في طريقة بشر. فوافقوه على ذلك وخرجوا إلى طرسوس فاستشهدوا.

روي أن الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: يا أبا الحسن خذ فدك حتى أردّها إليك فيأبى، حتى ألحّ عليه، فقال: لا آخذها إلا بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: يا أمير المؤمنين إن حدّدتها لم تردّها؛ قال: بحقّ جدّك إلا فعلت؛ قال: أما الحدّ الأول فعدن، فتغيّر وجه الرشيد وقال: هيه! قال: والحدّ الثاني سمرقند، فاربدّ وجهه، قال: والحدّ الثالث أفريقيّة، فاسودّ وجهه وقال: هيه! قال: والرابع سيف البحر ممّا يلي الخزر وأرمينية. قال الرشيد: فلم تبق لنا شيئا! فتحوّل من مجلسي. قال موسى: قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردّها. فعند ذلك عزم على قتله، واستكفى أمره يحيى بن خالد. فأراه بثرة خرجت في كفه، قال:

هذه علامة أهل بيتنا قد ظهرت فيّ، وأنا أقضي عن قرب، فقد كفيت أمري.

فتركه يحيى ومات بعد أيام.

قال عمر بن عبد العزيز لأبيه: يا أبت ما لك إذا خطت مررت فيها مستحفزا لا تكفف ولا توقّف، حتى إذا صرت إلى ذكر عليّ تلجلج لسانك وامتقع لونك، واختلج بدنك؟ قال: أو قد رأيت ذلك يا بنيّ؟ أما إن هؤلاء الحمير حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم ما تبعنا منهم رجلان.

- العباس بن ربطة الرّعلي:

وأهلكني أن لا يزال يكيدنيأخو حنق في القوم حرّان ثائر
وذلك ما جرّت علينا رماحناوكلّ امرىء يوما به الجدّ عاثر

- عقّ أبا المنازل فرعان بن الأعرف السعديّ ابنه منازل فقال:

جزت رحم بيني وبين منازلجزاء كما يستنزل الدّين طالبه
وما كنت أخشى أن يكون منازلعدوّي وأدنى شانىء أنا راهبه
حملت على ظهري وقرّبت صاحبيصغيرا إلى أن أمكن الطّرّ شاربه
وأطعمته حتى إذا آض شيظمايكاد يساوي غارب الفحل غاربه
تخوّن مالي ظالما ولوى يديلوى يده الله هو غالبه

عقّ منازلا ابنه خليج فقال:

تظلّمني مالي خليج وعقّنيعلى حين صارت كالحنيّ عظامي
وكيف أرجّي العطف منه وأمّهحراميّة ما غرّني بحرام
تخيّرتها وازددتها لتزيدنيوما بعض ما يزداد غير غرام
لعمري لقد ربّيته فرحا بهفلا يفرحن بعدي امرؤ بغلام

- قال عمر ﵁: تكثّروا من العيال فإنّكم لا تدرون ممّن ترزقون.

وقال المأمون: أقرباء الرجل بمنزلة الشّعرة من جسده، فمنه ما يخفى ويتّقى وممنه ما يلزم ويخدم.

وقيل لحكيم: لم لا تطلب الولد؟ قال: لحبّي له.

وقال الحجاج لابن القرّيّة: أي الثّمار أشهى؟ قال: الولد، وهو من نخل الجنة.

- عن الكسائي أنه دخل على الرشيد فأمر بإحضار الأمين والمأمون.

قال: فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هديهما ووقارهما، وقد غضّا أبصارهما، وقاربا خطوهما حتى وقفا على مجلسه. فسلّما عليه بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدّعاء؛ فاستدناهما، فأجلس محمدا عن يمينه وعبد الله عن شماله؛ ثم أمرني أن ألقي عليهما أبوابا من النحو، فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب عنه؛ فسرّه سرورا استبنته فيه، وقال: كيف تراهما؟ فقلت:

أرى قمري أفق وفرعي بشامةيزينهما عرق كريم ومحتد
سليلي أمير المؤمنين وحائزيمواريث ما أبقى النبيّ محمّد
يسدّان أنفاق النّفاق بشيمةيؤيّدها حزم وعضب مهنّد

قلت: ما رأيت- أعزّ الله أمير المؤمنين- أحدا من أبناء الخلافة ومعدن الرّسالة وأغصان هذه الشجرة الزاكية أذرب منهما ألسنا، ولا أحسن ألفاظا، ولا أشدّ

اقتدارا على تأدية ما حفظا ورويا منهما؛ أسأل الله أن يزيد بهما الإسلام عزّا وتأييدا، ويدخل بهما على أهل الشّرك ذلا وقمعا. وأمّن الرشيد على دعائي، ثم ضمّهما إليه، وجمع عليهما يديه، فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج. ثم قال: كأني بهما وقد حمّ القضاء ونزلت مقادير السماء، وقد تشتّت أمرهما، وافترقت كلمتهما حتى تسفك الدماء وتهتك السّتور.

كانت بيحيى البرمكي علّة في جوفه عجز عنها أطباء العراق، فأشخص منويل أسقف فارس، وقد تقدّم قبل أن يدخل عليه إلى خواصّه بأخذ مائهم في قوارير؛ فأتوا بها، فأمر بتبديلها، وفيهم مدنيّ مضحك، وقد وهب له جارية فكان يدّعي في كثرة الباه الدعاوى العريضة. فأعطاه الوزير مجسته فقال:

تناولت المحرّم. فجحد فحلف منويل حتى أقر، ونظر في القوارير فردّ كلّ واحدة إلى صاحبها. فتعجب من لطف علمه.

وقال للمدني: أنت عنّين! فلجّ، فقال هو كافر بالمسيح إن كان خرج من صلبك شيء قط إلا البول. فاعترف وطلب العلاج؛ فقال هذا ما لا حيلة فيه. ثم قال: إن كان- وما أظنه يكون- فعليك بالكباب على الآجرّ مع نبيذ الصرفان.

- قال الرشيد حين كان بطوس لرجل: خذ هذه البدرة واعرض هذه القارورة على أسقف فارس وبختيشوع من غير أن يتشاعرا وازعم أنّها قارورة أخ لك. فقال الأسقف: ما أشبه هذا الماء بماء الرّشيد، فانتظر ولا ترحل فإنّ أخاك ميّت غداة غد، وقال بختيشوع مثله.

- وعرض رجل على أيوب الطّبيب قارورته فقال: ما هي بقارورتك لأنّه ماء ميّت وأنت حيّ تكلّمني فما فرغ من كلامه أن خرّ الرّجل ميّتا.

- صدع ملك فأمره الطّبيب أن يضع قدميه في الماء الحارّ. فقال خصيّ عنده: وأين القدم من الرّأس! فقال: أين رأسك من بيضتيك؟ نزعتا فذهبت لحيتك.

- قال عبد الملك عند موته: يا وليد! لا أعرفنّك إذا أنا متّ تجلس وتعصر عينيك وتحنّ كما تحنّ الأمة الوكعاء، لكن ائتزر وشمّر والبس جلد النّمر وضعني في حفرتي وخلّني وشأني وعليك وشأنك، وادع الناس إلى بيعتك، فمن قال بوجهه هكذا، فقل بسيفك هكذا. ثمّ بعث إلى محمّد وخالد ابني يزيد بن معاوية فقال: هل بكما من ندامة على بيعة الوليد؟ قالا: ما نعرف أحقّ بالخلافة منه. قال: أولى لكما! والله لو قلتما غير ذلك لضربت الذي فيه أعينكما. ثمّ رفع ثني فراشه، فإذا سيف مجرّد ونفسه تتردّد في حنجرته وهو يقول: الحمد لله الذي لا يبالي أصغيرا أخذ من خلقه أم كبيرا حتّى فاضت نفسه. ودخل عليه الوليد ومعه بناته يبكين فتمثّل:

ومستخبر عنا يريد بنا الرّدىومستخبرات والدّموع سواجم

وكان الطّبيب قد حماه الماء فقال: اسقوني وإن كانت فيها نفسي، فسقوه فمات.

- جعل لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن بن عليّ ﵉ مائة ألف درهم على أن تسمّه، ومكث شهرين، وإنّه ليرفع من تحته كذا كذا طستا من دم. وكان يقول: سقيت السّمّ مرارا ما أصابني فيها ما أصابني

في هذه المرّة، لقد لقطت كبدي فجعلت أقلّبها بعود كان في يدي. ورثته جعدة بأبيات:

يا جعد بكّيه ولا تسأميبكاء حقّ ليس بالباطل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «يا عين بكي للذي عالني»
إنّك لن ترخي على مثلهسترك من حاف ولا ناعل

وخلف عليها رجل من قريش فأولدها غلاما؛ وكان الصّبيان يقولون له: يا ابن مسمّمة الأزواج. ولمّا كتب مروان إلى معاوية بشكاته كتب إليه: أرقل المطيّ إليّ بخبر الحسن. ولمّا بلغه موته سمع تكبير من الخضراء، فكبّر أهل الشّام لذلك التّكبير. وقالت فاختة بنت قرظة لمعاوية: أقرّ الله عينك يا أمير المؤمنين! ما الذي كبّرت له؟ قال: مات الحسن. قالت: أعلى موت ابن فاطمة تكبّر؟! قال: والله ما كبّرت شماتة بموته، ولكن استراح قلبي وصفت لي الخلافة.

وكان ابن عبّاس في الشام فدخل عليه فقال له: يا ابن عبّاس، هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال: لا أدري ما حدث إلا أني أراك مستبشرا ومن يطيف بك وقد بلغني تكبيرك وسجودك. قال: إنّا لله! يرحم الله أبا محمد ثلاثا. ثم قال:

والله يا معاوية لا تسدّ حفرته حفرتك، ولا يزيد عمره في يومك، ولكن [إن] كنّا أصبنا بالحسن لقد أصبنا بإمام المتّقين وخاتم النبيين، فسكّن الله تلك العبرة وجبر تلك المصيبة، وكان الله الخلف علينا من بعده.

وقال لأخيه الحسين: إذا أنا متّ فادفني مع رسول الله ﷺ إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وإن منعوك فادفنّي ببقيع الغرقد. فلبس الحسين ومواليه السّلاح وخرجوا ليدفنوه مع رسول الله ﷺ، فخرج مروان في موالي بني أميّة فمنعوهم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.