من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وفاة رسول الله ﷺ (٧)
- قال أبو العرجاء جمّال موسى بن عيسى: لمّا نزلنا بستان بني عامر بعثني محمد بن سليمان إلى الحسين بن علي صاحب فخّ لأتجسّس عليه، فمضيت
فما رأيت إلا مصلّيا أو مبتهلا أو ناظرا في مصحف أو معدّا للسلاح، فرجعت وقلت: ما أظنّ القوم إلا منصورين، وأخبرته بخبرهم فصفّق بيديه وبكى حتّى ظننت أنّه سينصرف. ثمّ قال: هم والله أكرم خلق الله وأحق بما في أيدينا منّا، ولكنّ الملك عقيم، ولو أنّ صاحب القبر- يعني رسول الله ﷺ نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسّيف؛ ثمّ سار إليهم وفعل ما فعل. ولمّا احتضر محمّد بن سليمان كانوا يلقّنونه وهو يقول:
ألا ليت أمّي لم تلدني ولم أكنشهدت حسينا يوم فخّ ولا الحسن
- أتى امروء القيس قتادة بن التّوأم اليشكريّ وإخوته، فقال للحارث: أجز:
أحار ترى بريقا هبّ وهنا
فقال الحارث:
كنار مجوس تستعر استعارا
فقال قتادة:
أرقت له ونام أبو شريحإذا ما قلت قد هدأ استطارا
أبو شريح: كنية الحارث.
فقال الحارث:
كأنّ هزيزه بوراء غيبعشار ولّه لاقت عشارا
فقال أخوهما الثالث:
فلمّا أن علا شرفي أضاخوهت أعجاز ريّقه فحارا
فلم يترك ببطن السّرّ ظبياولم يترك بقاعته حمارا
فقال امروء القيس: إني لأعجب من بيتكم هذا لا يحترق عليكم من جودة شعركم؛ فقيل لهم: بنو النار.
- قال عبد الله بن المعتزّ: شعر آل أبي حفصة كماء أسخن وصبّ في قدح. فكان أيّام مروان الأكبر على حرارته، ثم انتهى إلى عبد الله بن أبي السّمط، ففتر، ثم إلى إدريس وأبي الجنوب، فبرد، ثم إلى مروان الأصغر، فاشتدّ برده، فنحن لبرده، ثم إلى متوّج فجمد.
- حدّث عبيد الله بن سليمان قال: كنت بحضرة والدي في ديوان الخراج بسرّ من رأى وهو يتولاه، إذ دخل عليه أحمد بن أبي خالد الصّريفينيّ الكاتب، فقام والدي إليه قائما من مجلسه وأقعده في صدره، وتشاغل به. ولم ينظر في شيء من أمره حتى نهض، ثم قام معه وأمر غلمانه بالخروج بين يديه، فاستعظمت أنا وكلّ من حضر هذا، لأنّ رسم أصحاب الديوان صغارهم وكبارهم أن لا يقوموا لأحد من خلق الله ﷿ ممّن يدخل إليهم، فتبيّن أبي في وجهي إنكار ذلك، فقال: يا بنيّ، إن خلونا فسلني عن السبب فيما عملته مع هذا الرجل.
قال: وكان أبي يأكل في الديوان وينام ويعمل عشيّا. فلما جلسنا نأكل لم أذكّره إلى أن رأيت الطعام قد كاد ينقضي، فقال هو: يا بنيّ، شغلك الطعام عمّا قلت لك أن تذكّرني به؟! فقلت: لا، ولكني أردت أن يكون ذلك على خلوة. ثم قال: أليس قد أنكرت أنت والحاضرون قيامي لأحمد بن أبي خالد في دخوله وخروجه وما عاملته به؟ فقلت: بلى. فقال: قد كان هذا يتقلّد مصر، فصرفته
عنها وقد كانت مدّته فيها طالت، فوطئت آثار رجل لم أر أجمل آثارا منه، ولا أعفّ عن الأموال السلطانية والرعية، ولا رأيت رعيّة لعامل أشكر من رعيته له.
وكان عرق الموت الخادم، صاحب البريد بمصر، أصدق الناس له مع هذا، وكان من أبغض الناس [إلي] وأشدّهم اضطراب أخلاق، فلم أتعلّق عليه بحجّة، ووجدته قد أخّر رفع الحساب لسنة متقدّمة وسنته التي هو فيها، ولم يستتمّها بصرفي له عنها، ولم ينفذه إلى الديوان، فسمته أن يحطّ من الدّخل ويزيد في النفقات [والأرزاق]، ويكسر من البقايا [في كل سنة مائة ألف دينار]، فامتنع من ذلك؛ وأغلظت له وتوعّدته، ونزلت معه إلى مائة ألف واحدة للسنين كلّها، وحلفت له بأيمان مغلّظة أنني لا أقنع منه بأقلّ منها؛ فأقام على امتناعه وقال: أنا لا أخون لنفسي، فكيف أخون لغيري، وأزيل ما قام به جاهي من العفاف؟ فحبسته وقيّدته فلم يجب، ولم يزل مقيّدا في الحبس شهورا؛ وكتب عرق الموت صاحب البريد بمصر يعرّف المتوكّل ويحلف أنّ أموال مصر ليس تفي بنفقتي ومؤونتي، ويصف أحمد بن أبي خالد، ويذكر ميل الرعية إليه، ويصف عفّته؛ فبينا أنا ذات يوم على المائدة آكل إذ وردت رقعة أحمد بن أبي خالد يسألني استدعاءه لمهمّ يلقيه إليّ، فلم أشكّ أنّه غرض من الحبس والقيد، وقد عزم على الاستجابة لدعائي ومرادي. فلما غسلت يدي دعوته، واستخلاني فأخليته. فقال: أما آن لك أن ترقّ عليّ ممّا أنا فيه من غير ذنب إليك ولا جرم، ولا قديم ذحل ولا عداوة؟
فقلت، أنت اخترت لنفسك هذا، وقد سمعت يميني، وليس منها مخرج، فاستجب لما أريد منك واخرج. فأخذ يستعطفني فجاءني ضدّ ما كنت قدّرته، وغاظني فشتمته، وقلت له: الأمر المهمّ الذي ذكرت في رقعتك أنّك أردت إلقاءه إليّ هو أن تستعطفني وتسخر مني وتخدعني؟ فقال لي: الآن ليس عندك غير هذا؟ [فقلت: لا، فقال: إذا كان ليس عندك غير هذا فاقرأ يا سيدي هذا]،
وأخرج رقعة وكتابا لطيفا مختوما في ربع قرطاس؛ ففضضته فإذا هو بخطّ المتوكّل الذي أعرفه إليّ [يأمرني فيه] بالانصراف وتسليم ما أتولاه إلى أحمد بن أبي خالد، والخروج ممّا يلزمني ورفع الحساب إليه. فورد عليّ [ذلك] أقبح مورد لقرب عهد الرجل بشتمي له، وأنّه في الحال تحت حديدي ومكارهي. فأمسكت مبهوتا، ولم ألبث أن دخل أمير البلد وأصحابه وغلمانه، فوكّل بداري وبجميع ما أملكه وبأصحابي وغلماني وجهابذتي وكتّابي، وجعلت أزحف من الصدر إلى أن صرت بين يدي أحمد بن أبي خالد. ودعا أمير البلد بحدّاد فحلّ قيوده؛ فوثب قائما وقال: يا أبا أيوب، أنت قريب عهد بعمالة هذا البلد ولا منزل لك فيه ولا صديق، ومعك حرم وحاشية كثيرة، وليس يسعك إلا هذه الدار وإن كانت دار العمالة، فأنا أجد عدّة مواضع وليس لي كبير حاشية، ومن نكبة خرجت، فأقم مكانك.
وخرج وصرف التوكيل عني وعن الدار، وأخذ كاتبي وأشيائي. فلما انصرف قلت لأصحابي: هذا الذي نراه في النوم؟ انظروا من وكّل بنا، فقالوا: ما وكّل بنا أحد، فعجبت من ذلك عجبا عظيما.
قال: وما صلّيت العصر حتى عاد إليّ من كان حمله معه من المتصرّفين والكتّاب والجهابذة مطلقين، فقالوا: أخذ منّا خطوطنا برفع الحساب، وأمرنا بالملازمة وأطلقنا. قال: فازددت تعجّبا؛ فلما كان من غد باكرني مسلّما، ورحت إليه في عشيّة ذلك اليوم، فأقمت ثلاثين يوما، إن سبقني عن المجيء رحت إليه، وإن راح إليّ باكرته، وكلّ يوم تجيئني هداياه وألطافه من البلح والفاكهة والحيوان والحلواء؛ فلما كان بعد ثلاثين يوما جاءني فقال: قد عشقت مصر يا أبا أيوب! والله ما هي طيّبة الهواء، ولا عذبة الماء، ولكن تطيب بالولاية والكسب، ولو قد دخلت إلى سرّ من رأى لما أقمت بها شهرا إلا وقد تقلّدت أجلّ الأعمال. فقلت: والله ما أقمت إلا متوقّعا أمرك في الخروج. فقال:
أعطني خطّ كاتبك بأنّ عليه القيام بالحساب، واخرج في حفظ الله.
قال: فأحضرت كلّ شيء وأخذت خطّه كما أراد، وسلّمته إليه. فقال لي:
اخرج أيّ يوم شئت، فخرجت من غد، فخرج هو وأمير البلد وقاضيه ووجوه أهله، فشيّعوني إلى ظاهر البلد، وقال لي: أقم في ظاهر البلد على خمسة فراسخ إلى أن أزيح علّة قائد يصحبك برجاله إلى الرّملة، فإنّ الطريق فاسد. فلما قال ذلك استوحشت من قوله وقلت: هذا إنّما غرّني حتى أخرج كلّ ما أملكه فيتمكّن منه في ظاهر البلد، فيقبضه ثم يردّني إلى الحبس والتوكيل والمطالبة، ويحتجّ عليّ بكتاب ثان يذكر أنّه ورد إليه. فخرجت وأقمت بالمرحلة التي آثرها مستسلما متوقّعا للشرّ، إلى أن رأيت أوّل عسكر مقبل فقلت: لعلّه القائد الذي يريد أن يصحبني إيّاه، أو لعلّه الذي يريد أن يقبض عليّ. فأمرت غلماني بمعرفة الخبر، فقالوا: العامل أحمد بن أبي خالد قد جاء، فلم أشكّ إلا أنّه قد جاء الشّرّ والبلاء بوروده، فخرجت من مضربي، فتلقّيته وسلّمت عليه. فلما جلس قال:
أخلونا، فلم أشكّ إلا أنه للقبض عليّ، وطار عقلي، فقام من كان عندي فلم يبق عندي أحد، فقال لي: أنا أعلم أنّ أيّامك لم تطل بمصر، ولا حظيت بكبير فائدة، وذلك الباب الذي سألتنيه في ولايتك فلم أستجب له، إنّما أجزت الإذن لك في الانصراف منذ أوّل الأمر لأني تشاغلت لك بالفراغ منه. وقد حططت من الارتفاع، وزدت في النّفقات في كلّ سنة خمسة عشر ألف دينار ليكون للسنتين ثلاثون ألف دينار، وهو مقرّب ولا يظهر، ويكون أيسر ممّا أردته مني في ذلك الوقت، وقد تشاغلت به حتى جمعته لك، وهذا المال على البغال قد جئتك به، فتقدّم إلى من يتسلّمه، فتقدّمت بقبضه، وقبّلت يده وقلت: والله يا سيّدي فعلت ما لم تفعله البرامكة، فأنكر ذلك وتقبّض منه، وقبّل يدي ورجلي وقال: ههنا شيء آخر أريد أن تقبله؛ فقلت: ما هو؟ قال: خمسة آلاف دينار قد استحققتها من رزقي، فامتنعت من ذلك وقلت: في ما تفضّلت به زيادة على كفايتي؛ فحلف بالطلاق أنّي أقبلها منه، فقبلتها؛ فقال: ههنا ألطاف من هدايا مصر أحببت أن أصحبك إيّاها، فإنك تمضي إلى كتّاب الدواوين ورؤساء الحضرة، فيقولون لك: وليت مصر، فأين نصيبنا من هداياها؟ ولم تطل
أيّامك، فيعدّوا لك الهمّ، وقد جمعت لك منه ما يشتمل عليه هذا الثّبت، وأخرج درجا فيه ثبت جامع لكلّ شيء حسن طريف جليل القدر من دبيقيّ، وقصب، وخدم، وبغال، ودوابّ، وحمير، وفرش، وطيب، وجوهر، ما يكون قيمة الجميع مال عظيم، فأمرت بتسلّمه وزدت في شكره فقال: يا سيدي، أنا أحبّ الفراش وأنا مغرى به، وقد استعمل لي بيت أرمنيّ بأرمينية وهو عشر مصلّيات بمخادّها، ومستندها، ومساورها، ومطارحها، وبسطها، وهو مذهّب بطرز مذهّبة قد قام عليّ بخمسة آلاف دينار على شدّة احتياطي، وقد أهديته إليك، فإن أهديته إلى الوزير عبدك، وإن أهديته إلى الخليفة ملكته، وإن أبقيته لنفسك وتجّملت به كان أحبّ إليّ.
قال: وحمله فما رأيت مثله قطّ، فشغفت به واستحسنته فلم تسمح نفسي بإهدائه إلى أحد، ولا استعماله فيما استبذل إلا في يوم إعذارك، فإني نجّدت منه الصّدر ومسنده ومساوره ومخادّه. أفتلومني يا بنيّ على أن أقوم لهذا الرجل؟
فقلت: لا والله يا أبي، ولا على أكبر من القيام لو كان مستطاعا.
قال: وكان أبي بعد ذلك إذا صرف رجلا عامله بكلّ جميل يقدر عليه وقال: علّمنا أحمد بن أبي خالد حسن التصرّف.
- قال: وجلس عبيد الله بن سليمان يوما للمظالم في دار المعتضد، وهو وزيره، فتقدّم إليه عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات يتظلّم من أحمد بن إسرائيل بسبب الضّيعة المعروفة بتناضب. فنظر في أمره وقال له: أنت عمر بن محمد؟ قال: نعم، قال: فأين كنت؟ فقصّ عليه أمره وخبره وقال له: أنت ابن سكران ؟ قال: نعم.
قال أبو عبد الله محمد بن داود بن الجرّاح: فلما كان عشيّ يومنا ذلك، وخلا وكنت أنا وابناه بين يديه، تحدّث واستروح، ثم قال لنا: سبحان الله! ما أعجب ما كنت فيه اليوم! فلم نسأله عن ذلك إجلالا له. [قال لي أبو أيوب ﵀] إنه كان في أيام الواثق في ذلك البلاء والضرب والقيد، وإنه حمل إلى محمد بن عبد الملك الزيات ليناظره ويردّه إلى محبسه. وكان بين يديه على تلك الحال، فجعل يناظره، والحسن بن وهب كاتبه جالس، وربما تكلّم بالكلمة ترقّقه عليه وربما أمسك، ومحمد دائب في الغلظة على أبي أيوب والدي والتشفّي منه، إذ مرّ بعض خدم محمد بن عبد الملك في الدار وعلى كتفه صبيّ قد خضب، وعليه لبوس مثله من أولاد الملوك، فلما رآه صاح بالخادم: هاته، فقرّبه إليه فقبّله وترشّفه وضمّه إليه، وجعل يلاعبه. وحانت منه التفاتة إلى والدي، فإذا دمعته قد سبقته وهو يمسح جبينه بالجبّة الصوف التي كانت عليه، فقال له: ما الذي أبكاك؟ فقال: خير أصلحك الله، إلى أن قال: لا تبرح أو تخبرني بالأمر على حقّه. فلما رأى ذلك الحسن بن وهب قال له: أنا أصدقك؛ لمّا رأى أبو محمد عمر، أسعد الله ببقائه وجعلنا جميعا فداءه، ذكر بنيّا له في مثل سنّه يقال له عبيد الله،- قال: وكانا ولدا في شهر واحد- فالتفت إليه محمد كالهازىء به ثم قال: أتراه يقدّر أن يكون ابنه هذا وزيرا؟
قال الحسن: فلما أمر بحمله إلى محبسه، التفت إليّ وقال: لولا أنّ هذا من أمور السلطان التي لا سبيل إلى التقصير فيها ما سؤتك فيه، ولو أعانني على نفسه لخلّصته. فقال الحسن: فو الله ما رأيته منذ حبس، فإن رأيت أن تأمر بالعدول به إلى بعض المجالس والإذن لي في القيام إليه والخلوة معه لأشير عليه بامتثال أمرك. قال:
فأمر بذلك. فقمت إلى أبي أيوب وتعانقنا وبكينا، فقال لي قبل كلّ شيء: رأيت أعجب من بغيه، ومن قوله بالتباطر والهزء: أتراه يقدّر أن يكون ابنه هذا وزيرا؟
وو الله إني لأرجو- بعون الله- أن يبلغ إلى الوزارة، فيتقدّم إليه عمر هذا متظلّما؛ فلما كان في يومنا هذا، تقدّم إليّ عمر فتظلّم، وما كنت عرفت له خبرا قبل ذلك.
وقد روي أنّ هذا الولد اسمه عبد الملك، وكنيته أبو مروان، وأنّ عبيد الله بن سليمان ولاه ديوان البريد والخرائط، فتقلّده ثلاثين سنة أو أكثر حتى عرف بأبي مروان الخرائطي ونسي نسبه.
- وروي في هذا الخبر أنّ محمد بن عبد الملك قال لسليمان: كأني بك قد ذكرت عبيد الله وأمّلت فيه الآمال، وو الله لا رأيت فيه شيئا ممّا تأمله، وأنا أستحلفك بالله إن بلغ النك هذا إلا أوصيته إن جاءه ابني بشيء من هذا إلّا وأسرف بعد ذلك في الاستماع. فما مضت إلا مدّة يسيرة حتى سخط المتوكّل على ابن الزيّات، وتولّى سليمان مناظرته. ووصّى سليمان ابنه وقال: يا بنيّ، إن [رفعك] الله ووضعه حتى يحتاج إليك، فأحسن إليه.
- قال يحيى بن خاقان: كان المأمون ألزمني خمسة آلاف ألف درهم، فأعلمته أني لا أملك إلا سبعمائة ألف، وحلفت على ذلك أيمانا مغلّظة اجتهدت فيها، فلم يقبل منّي وحبسني عند أحمد بن هشام؛ وكان بيني وبينه شرّ، وكان يتقلّد الحرس. فقال لأحد الموكّلين بي: احفظوه، واحذروا أن يسمّ نفسه. ففطن المأمون لمراده فقال له: يا أحمد، لا يأكل يحيى بن خاقان إلا ما يؤتى به من منزله. قال: فأقمت على ذلك، فوجّه إليّ فرج الرخّجي بألف ألف درهم، ووجّه الحسن بن سهل بألف ألف درهم، فأضفت ذلك إلى ما كان عندي، واضطربت حتى جمعت خمسة آلاف ألف درهم. فلما اجتمعت كتبت إلى المأمون بحصول المال الذي ألزمنيه، فأمر بإحضاري فدخلت إليه وبين يديه أحمد بن أبي خالد، وعمرو بن مسعدة، وعليّ بن هشام، فلما رآني قال لي: أفلم تخبرني وتحلف لي أنّك لا تملك إلا سبعمائة ألف، فمن أين لك هذا المال؟ فصدقته عن الأمر وقصصت عليه القصّة، فأطرق طويلا ثم قال لي: قد
وهبته لك، فقال له الحضور: أتهب خمسة آلاف ألف درهم وليس في بيت المال درهم واحد، وأنت محتاج إلى ما دون ذلك بكثير، فلو أخذته قرضا، فإذا جاءك مال رددته عليه؟ فقال لهم: أنا على المال أقدر من يحيى وقد وهبت له، فرددت إلى القوم ما كانوا حملوه إليّ، وتخلّصت.
- وذكر محمد بن عبدوس أنّ الفضل بن مروان حدّث قال: سعى محمد بن يزداد إلى المأمون بعمرو بن بهنوي، فقال له المأمون: يا فضل، خذ عمرا إليك فقيّده و؟؟ ضيّق عليه ليصدق عمّا صار إليه من مال الفيء، فإنّه قد احتاز منه مالا جليلا، وطالبه بذلك. فقلت: نعم، وأمرت بإحضار عمرو فأحضر، وأخليت له حجرة في داري، فأقمت له ما يصلح له، وتشاغلت عنه بأمور السلطان في يومي وغده؛ فلما كان اليوم الثالث أرسل إليّ عمرو يسألني الدخول إليه، فدخلت، فأخرج إليّ رقعة قد أثبت فيها كلّ ما يملكه من الدّور والعقار والأموال والفرش والكسوة والجوهر والكراع وما يحوز معه من الرقيق، فكان قيمة ذلك عشرين ألف ألف درهم، وسألني أن أوصل رقعته إلى المأمون وأعلمه أنّ عمرا قد جعله من جميع ذلك في حلّ وسعة. فقلت له: مهلا، فإنّ أمير المؤمنين أكبر قدرا [من] أن يسلبك نعمتك كلّها؛ فقال عمرو: إنّه كما وصفت في كرمه، ولكنّ الساعي لا ينام عنّي ولا عنك، وقد بلغني ما تقدّم به في شأني من الغلظة، وقد عاملتني بضدّ ذلك، وقد طبت نفسا بأن أشتري عذل أمير المؤمنين لك في أمري ورضاه عني بجميع مالي. فلم أزل أنزله حتى وافقته على عشرة آلاف ألف درهم وقلت له: هذا شطر مالك وهو صالح للفريقين، وأخذت خطّه بالتزام ذلك صلحا عن جميع ما جرى على يديه؛ وصرت إلى المأمون فوجدت محمد بن يزداد قد سبقني إليه، وإذا هو يكلّمه، فلما رآني قطع كلامه وخرج. فقال المأمون: يا فضل، قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين، أنا عبد
طاعتك، وغرس أيّامك. فقال: أمرتك بالتضييق على النبطيّ عمرو بن بهنوي، فقابلت أمري بالضدّ، ووسّعت عليه، وأقمت له الأنزال! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ عمرا يطالب بأموال عظيمة، فلم آمن أن أجعل محبسه في بعض الدواوين، فيبذل مالا يرغب في مثله فيتخلّص، فجعلت محبسه في داري، وأشرفت على طعامه وشرابه لأحرس لك نفسه، فإنّ كثيرا من الناس اختانوا السلطان، وتمتّعوا بالأموال، ثم طولبوا بها، فاحتيل عليهم ليتلفوا ويفوز بالأموال غيرهم.
قال الفضل: وإنّما أردت بذلك تسكين غضب المأمون عليّ، ولم أعرض الرقعة عليه، ولا أعلمته ما جرى بيني وبين عمرو لأني لم آمن سورة غضبه في ذلك الوقت لاشتداده. فقال لي: سلّم عمرا إلى محمد بن يزداد، فتسلّمه ولم يزل يعذّبه بأنواع العذاب ليبذل له شيئا، فلما رأى أصحابه وعمّاله ذلك وما قد ناله جمعوا له بينهم ثلاثة آلاف ألف درهم، وسألهم عمرو أن يبذلوها لمحمد؛ وصار محمد إلى المأمون متبجّحا بها، فأوصل الخطّ بها إلى المأمون، وكنت واقفا، فقال المأمون: يا فضل، ألم نعلمك أنّ غيرك أقوم بأمورنا، وأطوع لما نأمر به؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، أرجو أن أكون في حال استبطائك أبلغ في طاعتك من غيري؛ فقال المأمون: هذه رقعة عمرو بن بهنوي بثلاثة آلاف ألف درهم.
فقلت له- وما اجترأت عليه قطّ جرأتي في ذلك اليوم، فإني أخرجت عليه إضبارة كانت مع غلامي، فأخذت الرقعة منها مسرعا- وقلت: والله لأعلمنّ أمير المؤمنين أني مع رفقي أبلغ في حياطة أمواله من غيري مع غلظته، وأريته رقعة عمرو التي كان كتبها لي وحدّثته حديثه عن آخره، فلما تبيّن الخطّين وعلم أنّهما جميعا خطّ عمرو قال: ما أدري أيّكما أعجب؟ أعمرو حين شكر برّك وطابت نفسه بالخروج عن ملكه بهذا السبب، أم أنت ومحافظتك على أهل النّعم وسترك عليه في ذلك الوقت، والله لا كنتما يا نبطيّان أكرم مني، ودفع إليّ الرقعة التي أخذها محمد بن يزداد من عمرو، وأمرني بتخريقها وبتخريق الأولى، وأنفذ
من يتسلّم عمرا من محبسه، وأمره بتسليمه لي، وأمرني بإطلاقه، ففعلت ذلك.
- قيل: كانت محابس أحمد بن طولون مملوءة، وكان الوالي عليها موسى بن مفلح، فأمره أحمد بن طولون بتعرّف أخبار المحبوسين، قال موسى:
فرأيت رجلا منهم له هيئة وله في الحبس سنون، وعرفته بكثرة صلاته وصيامه، فعرضت عليه الشفاعة وكتب الرّقاع إلى من يرى، فكتب رقعة، ثم استأذنني في الذّهاب إلى منزله ليدّبر أمره ويعود، وواثقني بعهود وقال: ما أعرف أحدا غير أبي طالب فليح والد محمد بن فليح، ولو قدرت عليه لاستعنت به، وكان فليح والي شرطة أحمد بن طولون. قال موسى بن مفلح: فرحمته ورثيت له. وفكّرت في أحمد بن طولون وشدّة بأسه، وأني أخرج من محبسه رجلا بغير أمره ثم آثرت الله ورضاه وحمّلت نفسي خطّة عظيمة، فأذنت له في الذهاب إلى منزله، وأن يقيم ثلاثا يدبّر أمره ويحتال ثمّ يعود.
وأطلقته ليلة الجمعة لما شاهدت من حسن طريقته واجتهاده في العبادة، فعاد إليّ غداة يوم السبت فسألته عن خبره، فقال: سألت فليحا وسألته فوعدني ومضى في حاجتي، وعاد إليّ قرب العتمة مغموما وقال لي: كلّمت فيك الأمير فقال: أذكرتني رجلا يحتاج إلى عقوبة، ثم تقدّم إلى بعض أسبابه أن يعرضك يوم السبت، ثم قال لي فليح: وددت أني ما تكلّمت في أمرك؛ فلما سمعت هذا من أمري جئت إليك خوفا عليك أن يأتيك الرسول فيطلبني فلا أكون في الحبس، فبادرت لئلا تلقى مكروها.
قال موسى بن مفلح: فلما أضحى النهار وافى رسول أحمد بن طولون في
طلب الرجل، فركبت وسرت إليه، فحدّثته بالحديث ووصفت له اجتهاد الرجل، وأنّي أطلقته بغير أمره، وأنّه عاد إليّ خوفا عليّ، فاستحسن أحمد بن طولون ذلك، وزال غضبه عليه، وكان السبب في العفو عنه والإحسان إليه.
- سعى ولد لسليمان بن ثابت بأبيه إلى أحمد بن طولون، وكان سليمان يكتب لشقير الخادم غلام الخليفة وخليفته على الطراز. وكان ولد سليمان بن ثابت يقول لأحمد بن طولون: إنّ شقيرا أودع أبي أربعمائة ألف دينار. فأحضر أحمد بن طولون سليمان بن ثابت وقال: اصدقني عن هذا المال، فحلف له سليمان أنّ شقيرا ما أودعني شيئا من هذا؛ فقال أحمد بن طولون: ابنك عرّفني هذا، فأمسك عنه ولا تجبه، واطوه عن ابنك. ثم أمسك أحمد بن طولون عن ابنه ومقته. فلم يمض حول حتى توفي سليمان بن ثابت، فأظهر ابن طولون غمّا، وولّى ابنه الساعي به عملا، وضمّ إليه رجالا. فأقام شهورا ثم دعا به، فقال: قد أحسنت إليك، فاحمل إليّ الأربعمائة الألف الدينار التي أودعها شقير لأبيك. فلجلج واضطرب وهلع، فسلّمه أحمد بن طولون إلى إسماعيل بن عمّار فضربه خمسين سوطا، واصطفى أمواله، ثم عاوده الضّرب حتى مات.
وروي أن أحمد بن طولون في أول أمره رأى في منامه أنّه أنزل رجليه في بئر مملؤة دما، وأنّ السماء تمطر على رأسه، فنظر فإذا هي عذرة.
فهالته الرؤيا ودعا بمعبّر فذكرها له، فقال له: تحصل في بلد بعيد من السلطان بمنزلة البئر، وتتناول من الدماء ما يعظم أمره، وتقبل عليك الدنيا لأنّها مذمومة مرذولة وهو تعبير ما سقط على رأسك، فكانت البئر مصر، وكانت الدماء ما عمل، وكانت العذرة الأموال التي أقبلت عليه.
- ورأى أحمد بن طولون، وهو والي مصر، في منامه محمد بن
سليمان الكاتب- وهو يومئذ يكتب لغلامه لؤلؤ- كأنه يهدم ميدانه وقصره.
فلما أصبح قال للؤلؤ: ما فعل كاتبك محمد بن سليمان؟ فقال خيرا، فقال:
جئني به، فإني رأيت البارحة وهو يهدم قصري وميداني. فقال: هو بالريف، فقال: اكتب إليه ليجيء. فلما انصرف لؤلؤ أحضر كاتبه وقال له: طر في الدنيا، فمن خبرك كذا وكذا، وقد طلبك الأمير وهو والله قاتلك. فهرب محمد بن سليمان إلى العراق، وقضي إلى أن خرج في أيام المكتفي إلى مصر، وقلع آل طولون، وهدم الميدان. وقد قيل إنّه كان وقع في يد محمد بن سليمان وضربه بالسوط وأفلت من يده.
- وجاءه ابن دشومة فقال له: أيّها الأمير، فعلك فعل الجبّارين، ونفسك نفس الزّهاد. فقال له أحمد بن طولون: وما الخبر؟ فقال له ابن دشومة: في البلد أموال تالفة مبلغها كذا وكذا؛ فقال له: تجيئني في غد. فغدا عليه فقال له: ويحك، إني رأيت البارحة في منامي فلانا- شيخا له من أهل طرسوس- وهو يقول لي: لا تقبل من ابن دشومة ما قال لك، فهو غاشّ لك، والله يعوّضك، فاتركه لله. فقال له ابن دشومة: قول ذلك منام، وقولي يقظة.
فلما كان بعد أيام وجد أحمد بن طولون كنزا مبلغه ألف ألف دينار سوى الجوهر، فأحضر ابن دشومة فقال: أنت غاشّ لي، وسخط عليه.
- حدّث محرز بن القاسم وكان هو وآخر من الخراسانية [من رجال عبد الله بن علي قال: كانت عبدة] بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة هشام بن عبد الملك، وكان هشام وهب لها بدنة من جوهر. فأخذها عبد الله بن علي-
وكانت من أجمل النساء- فوضع الوهق على رجليها، وكانت تقول: إنّا لله! عروس بالليل ومعذّبة بالنهار! فبلغ ذلك أبا العباس، وكان عبد الله قد استخرج منها البدنة. قال: فبعثني وبعث معي رجلا وأمرنا أن نحملها من دمشق ونحمل معها البدنة، وأوصانا بقتلها في الطريق لئلا ترد على أبي العباس فتخبره بما كان منه إليها. فسرنا بها مراحل، فبينا نحن في ليلة ظلماء إذ عدلنا بها عن الطريق، ثم استنزلناها فظنّت أنّا نريدها لفاحشة، فقالت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! اتقيا الله ﷿ ولا تفضحاني. فقلنا لها: ما يراد بك أعظم من ذلك. فقالت: القتل؟
فقلنا: نعم. قالت: الحمد لله ربّ العالمين! دعاني أصلح من شأني؛ فعقدت كمّيها ولفّت رأسها في مقنعتها، وجثت على ركبتيها، فقتلناها ثم حفرنا لها حفيرة وواريناها فيها، ثم قدمنا على أبي العباس فدفعنا إليه البدنة وقلنا له: ماتت في الطريق، فلم يسألنا عن غير ذلك.
قال أبو الطفيل: ولد لرجل غلام على عهد رسول الله ﷺ فأتي به فدعا له وأخذ ببشرة جبهته فقال بها هكذا، غمر جبهته ودعا له بالبركة فنبتت شعرة في جبهته كأنها هلبة فرس. فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أحبّهم فسقطت الشعرة عن جبهته. فأخذه أبوه فقيّده، ودخلنا عليه فوعظناه؛ وقلنا له: ألم تر أنّ بركة دعوة رسول الله ﷺ قد وقعت من جبهتك؟ فما زلنا به حتى رجع وتاب فردّ الله الشعرة في جبهته.
- قيل للاسكندر: لو استكثرت من النّساء ليكثر ولدك ويدوم بهم ذكرك. فقال: دوام الذّكر بتحسين السّير والسّنن، ولا يحسن بمن غلب الرجال أن تغلبه النّساء.
- خطب عمر ﵁ أمّ كلثوم بنت عليّ من فاطمة ﵉، وقال: زوّجنيها فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد. فقال:
هي صغيرة وأنا أبعثها إليك فإن رضيتها فقد زوّجتكها. فبعثها إليه ببرد وقال لها: قولي له هذا البرد الذي قلت لك. فقال: قولي له قد رصدت رضي الله عنك. فتناول قناعها، فقالت: لولا أنّك أمير المؤمنين لكسرت أنفك.
وقالت لأبيها: بعثتني إلى شيخ سوء فقال: مهلا يا بنيّة، فإنه زوجك. فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين الأوّلين في الروضة وقال: رفّئوني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كلّ سبب ونسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري، فصار لي به السبب والنسب، فأردت أن أجمع إليه الصهر. وولد منها لعمر زيد ورقية. وأما زيد الأصغر وعبد الله بن عمر فقد ولدا من أمّ كلثوم بنت جرول من قضاعة.
- وخرج زيد من عند معاوية فأبصر بسر بن أرطأة على دكّان ينال من عليّ، فصعد الدكان فاحتمله وضرب به الأرض وصفر عليه فدق ضلعين من أضلاعه، فقال معاوية: أبعد الله بسرا يشتم جد الرجل وهو يسمع! أما علم أنّ زيدا ابن عليّ وعمر.
وماتت أمّ كلثوم وزيد في وقت واحد وصلّى على جنازتيهما سعيد بن العاص، وكان والي المدينة. وقال له الحسين بن علي ﵉: تقدّم، ولولا أنّك أمير ما قدّمتك.
- قال إسحاق بن اليمان: رأيت رجلا نام وهو أسود الرأس واللحية
شابّ يملأ العين، فرأى في منامه كأنّ الناس قد حشروا، وإذا بنهر من نار وجسر يمرّ عليه الناس. فدعي فدخل الجسر، فإذا هو كحدّ السيف يمور به يمينا وشمالا، فأصبح أبيض الرأس واللحية.
- رأى رجل في منامه كأنه يصب الزيت في الزيتون، فقال له ابن سيرين: إن صدقت رؤياك فأنت تفعل بأمّك، وكان كما قال.
- أتى دومة بنت مغيث آت في المنام فقال لها:
ألا ابشرن بولدأشبه شيء بالأسد
إذا الرجال في كبدتغالبوا على [بلد]
كان له حظّ الأسد
فولدت المختار بن أبي عبيد، وذلك في سنة الهجرة.
- رأى عليّ بن الحسين مكتوبا على صدره «قل هو الله أحد»، فاستعبر سعيد بن المسيّب، فقال: بضعة من رسول الله ﷺ نعيت إليه نفسه.
- وقال رجل لسعيد بن المسيّب: رأيت كأنّي بلت خلف المقام أربع مرات. قال: كذبت لست صاحبها، قال: فهو عبد الملك؛ قال: يلي أربعة من صلبه الخلافة.
- وقال الشافعي: رأيت عليّا ﵇ في المنام فقال لي: ناولني كتبك، فناولته فأخذها فبدّدها؛ فأصبحت أخا كآبة، فأتيت الجعد فأخبرته فقال: سيرفع الله شأنك وينشر علمك.
- وقال أبو حنيفة: رأيت كأنّي نبشت قبر رسول الله ﷺ فضممت عظامه إلى صدري، فهالني، فسألت ابن سيرين فقال: ما ينبغي لأحد من أهل هذا الزمان أن يرى هذه الرؤيا. قلت أنا رأيتها؛ قال: لئن صدقت رؤياك لتحيينّ سنّة نبيّك.
- قال رجل لعلي بن الحسين: رأيت كأني أبول في يدي، فقال:
تحتك محرم. فنظر فإذا بينه وبين امرأته رضاع.
- كان مع صلة بن الأشيم أعرابيّ فقال: يا أبا الصهباء، رأيت كأنّك أتيت بثلاث شهادات فأخذت اثنتين وأعطيتني واحدة؛ فقال: الشهادة إن شاء الله. فغزوا فاستشهد هو وابنه والأعرابي.
- ورأى نوف البكاليّ صاحب عليّ ﵇ كأنّه يسوق جيشا ومعه رمح طويل في رأسه شمعة تضيء للناس فتأوّلها بالشهادة. فخرج إلى الغزو، فلما وضع رجله في الرّكاب قال: اللهمّ أرمل المرأة وأيتم الولد وأكرم نوفا بالشهادة. فوجدوه وفرسه مقتولين، مختلطا دمه بدم الفرس وقد قتل رجلين.
- رأى عبد الملك في منامه أنّ أمّ هشام شقّت رأسه فطلعت من دماغه عشرون قطعة، فطلّقها. ثم بعث إلى سعيد بن المسيب فسأله، فقال: تلد غلاما يملك عشرين سنة، فندم.
- قدم عليّ بن عيسى بن ماهان على الرشيد من خراسان فسأله أن يركب مع خواصّه إلى الميدان لينظر إلى هداياه، وقد أمر عليّ بكنس الميدان وفرشه
بالرياحين والآس، وأقام في أحد جانبيه أربعة آلاف غلام تركيّ عليهم اللّباس المرتفع والمناطق المعرّقة بالفضة، وبيد كل واحد شهريّ من أفره الدّوابّ، كلّها مجلّلة مبرقعة بالديباج، وعلى رأس كلّ غلام عمامة من جنس لباسه، وفي الجانب الآخر أربعة آلاف وصيفة تركيّة عليهن ثياب من الملحم الفاخر وغيره، وقد بسط في صدر الميدان بسط عليها الأنطاع صبّت عليها الأموال حتى صارت جبلا عظيما، وبحذائها نوافج المسك مثلها.
فلما رجع ونزل بهم قال: يا أبا جعفر أين كنّا عن هذه الاموال؟ قال: يا أمير المؤمنين، أسرّك أن أخذ عليّ بن عيسى أموال الفقراء والأرامل وجاءك بها نارا يتقرب بها إليك؟ والله لتعلم إذا وضحت لك عواقب الأمور أنّك تستوخم فائدتها، ولتفقنّ بدل كلّ درهم دينارا ثم لا تنجو. فقال: عادلت الرشيد حين خرج إلى خراسان فتنفّس تنفّسة كادت نفسه تخرج، ثم قال: لله جعفر بن يحيى، وذكر كلمته، وقال: كانت أقوى الأسباب في تغيّري للبرامكة، وقد والله أنفقت بدل كلّ درهم دينارا وأراني لا أنجو.
- لما أصاب زيادا الطاعون في يده أحضر له الأطباء، فدعا شريحا فقال له: لا صبر لي من شدّته فلقد رأيت أن أقطعها، فقال شريح: أتستشيرني في ذلك؟
فقال: نعم؛ قال: لا تقطعها، فالرزق مقسوم والأجل معلوم، وأنا أكره أن تقدم على ربّك مقطوع اليد، فإذا قال: لم قطعتها قلت: بغضا للقائك وفرارا من قضائك. فمات زياد من يومه، فقال الناس لشريح: لم نهيته عن قطعها؟ فقال:
استشارني والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة لوددت أن أقطع يده يوما ورجله يوما.
- لما نزل قوله تعالى وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
(الحاقّة:) قال النبيّ ﷺ لعليّ: سألت الله أن يجعلها أذنك، فلم يسمع بعد ذلك شيئا إلا حفظه.
وأنشده عمر بن أبي ربيعة قصيدته التي أولها:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
وهي ثمانون بيتا فحفظها وسئل عنها فأعادها؛ وقال له رجل: ما رأيت أروى منك، فقال: ما رأيت أروى من عمر.
- وقيل: كان عمر بن هبيرة يضبط حساب العراق وهو أمّيّ.
- قال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء إلا حفظته. وقال: أحفظ كلّ حديث سمعته وموضعه الذي سمعته فيه.
وقال الأصمعي: أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة، فقال رجل: منها البيت والبيتان، فقال: ومنها المائة والمائتان.
- ورد أبو مسعود الرازي أصفهان، ويقال إنّه أملى عن ظهر قلبه مائة ألف حديث. فلما وصلت كتبه قوبلت بها، فلم يعثر منها على سقطة إلا في متن حديثين.
- وادّعى الخوارزميّ أنه يحفظ كتاب الأمثال لأبي عبيد في ليلة.
وقد ذكر في موضع آخر من هذا الباب حفظ المتنبّي لكتاب خلق الانسان في اطّلاعة واحدة.
- وقيل: جرى ذكر الحفظ لما كان أبو مسعود بأصفهان، فقرىء عليه أوراق من حساب البقالين وأعادها على الترتيب.
- وقد حكي مثل ذلك عن أبي العلاء المعرّي.
- بدر من أبي عمر الصبّاغ إلى الصاحب جفاء، وكان مؤدّبه، فقام من عنده وكتب إليه:
أودعتني العلم فلا تجهلكم مقول يجني على مقتل
أنت وإن علّمتني سوقةوالسيف لا يبقى على الصّيقل
فاتصل ذلك بأبي الحسين بن سعد فتعجّب منه وكتبه، وقال: ابن ثمانين يكتب شعر ابن عشرين، ثم تلا وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
(مريم:).
- قال محمّد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري. وكان يقال:
حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وقال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصلّيت ركعتين ووضعت تراجمه بين قبر رسول الله ﷺ ومنبره. وكان يصليّ لكلّ ترجمة ركعتين.
وقال: أخرجته من ستمائة ألف حديث، وصنّفته في ست عشرة حجّة وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله.
- معن بن أوس المزني:
رأيت رجالا يكرهون بناتهموفيهنّ- لا يكذب- نساء صوالح
وفيهن- الأيام تعثر بالفتى-نوادب لا يمللنه ونوائح
- دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه تفاحة القلب، قال: انبذها عنك، فإنهنّ يلدن الاعداء، ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن. قال: لا تقل يا عمرو، فو الله ما مرّض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان إلا هن، وإنّك لواجد خالا قد نفعه بنو أخته. فقال عمرو: ما أراك يا أمير المؤمنين إلا وقد حبّبتهنّ إليّ.
- قال عمرو بن العاص لمعاوية: ما بقي من لذّتك؟ قال: عين خرّارة في أرض حرّارة، وعين ساهرة لعين نائمة.
وقال عمرو: أن أبيت معرّسا بعقيلة من عقائل العرب.
وقال وردان: الإفضال على الإخوان.
- وقال عبد الملك: محادثة الإخوان في الليالي القمر على الكثبان العفر.
- وقال سليمان ابنه: صديق أطرح بيني وبينه مؤونة التحفّظ.
وقيل لأعرابي: فيم اللّذة؟ قال: في قبلة على غفلة.
وقال آخر: سيف كبرق ثاقب، ولسان كمخراق لاعب.
وقال طفيلي: في مائدة منصوبة، ونفقة غير محسوبة، عند رجل لا يضيق صدره من البلع ولا يحبس نفسه من الجزع.
وقال آخر: في ندامى تغلق دورهم وتغلي قدورهم.
وقال عالم: في حجّة تتبختر إيضاحا وحجة (شبهة) تتضاءل افتضاحا.
وقال الراعي: في واد عشيب ولبن حليب.
وقال عابد: في عمل يخلص، ورياء ينقص، وقلب عن الدنيا يسلو، وهمّة إلى الله تعلو.
وقال أعرابي: أشتهي محضا رويّا، وضبّا مشويّا.
وقال مضياف: في كوم تنحر، ونار تسعر، وضيف ينزل، وآخر يرحل.
وقال معن: في مجلس يقل هذره، وعود ينطق وتره، ورجل عقول يفهم ما أقول.
وقال شجاع: طرف سريع وقرن صريع.
وقال بحّار: شربة من ماء الفنطاس بقشر النّارجيل، ونومة في ظلّ الشراع.
- لم يكن في العجم أرمى من بهرام جور الملك. فتصيّد وهو مردف حظيّة له يتعشّقها، فعرضت له ظباء، فقال: في أيّ موضع تريدين أن أضع السهم؟ فقالت: أريد أن تشبّه ذكرانها بالإناث وإناثها بالذّكران. فرمى ذكرا بنشّابة ذات شعبتين، فاقتلع قرنيه، ورمى ظبية بنشابتين أثبتهما في موضع القرنين. ثم سألته أن يجمع بين ظلف الظبي وأذنه بنشابة، فوصل أذنه بظلفه.
ثم رمى بالجارية إلى الأرض ووطئها، وقال: شدّ ما اشتططت وأردت إظهار عجزي.
- روي عن ابن عباس ﵁ قال: كنّا عند أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ فمرّت به امرأة تحمل شيخا على عنقها. فقال لها: من الشيخ منك؟ فقالت: أبي. قال: كم يعدّ؟ قالت: سمعته قبل أن يكون على هذه
الحال وقد سئل عن سنّه، فقال: نيف وثلاثون ومائة سنة؛ فقيل له: من أدركت؟ قال: أدركت أحسن الناس وجها، وأسخاهم كفّا، وأتّمهم طولا، وأكرمهم كرما، وأشرفهم شرفا، أبا نضلة هاشم بن عبد مناف. فقال لها عمر:
لو رعيته في منزلك كان أودع له. فقالت: يا أمير المؤمنين، إنه قد حدث به حدث من خلق الصّبيان، إذا جاع بكى؛ وقد أدرّ الله له ثديي فأنا أرضعه.
فقال لأصحابه: أجازته؟ قالوا: نعم، فقالت: لا والله ما جازيته يا أمير المؤمنين. فقال لها: ولم؟ فقالت: لأنّي قد كنت في مثل حاله يتمنّى بقائي، وأنا اليوم أتمنّى موته. قال: فبكى عمر وبكينا معه، وأمر فزاد في عطائها وعطائه. ثم قال لأصحابه: أيّما أبرّ: الوالد بالمولود أم المولود بالوالد؟ فقالوا:
إن البرّ يزيد وينقص. قال: فإذا استويا في البرّ؟ قالوا: الوالد أبرّ. فقال: بل الولد أبرّ لأنّ برّ الوالد طبيعة لا يملك غيرها، وبرّ الولد تكلّف.
وهذا معلوم محقّق. وممّا يقارب معناه قول الشاعر:
يقرّ بعيني- وهو ينقص مدّتي-مرور الليالي كي يشبّ حكيم
مخافة أن يغتالني الموت قبلهفينشو مع الصبيان وهو يتيم
- وكتب إبراهيم بن داحة إلى أبيه: جعلني الله فداك. فكتب إليه: لا تكتب مثل هذا، فأنت على يومي أصبر مني على يومك.
- ضرب رجل وطولب بمال فلم يسمح به، فأخذ ابنه وضرب. فجزع، فقيل له في ذلك، فقال: ضرب جلدي فصبرت وضرب كبدي فلم أصبر.
- كان يزيد بن [أبي] مسلم- واسم أبي مسلم دينار- من موالي
ثقيف، ويقال ليس مولى عتاقة، وكنيته أبو العلاء، وكان أخا الحجاج، يجري له في كل شهر ثلاثمائة درهم: يعطي امرأته خمسين درهما وينفق في ثمن اللّحم خمسة وأربعين درهما، وينفق باقيها في ثمن الدقيق وباقي نفقاته، فإن فضل شيء ابتاع به شيئا وسقاه المساكين، وربما ابتاع به وطفا فرّقها فيهم، وهو مع ذلك يقتل الخلق للحجاج.
وكان مستوليا على أمره وهو الذي قال لسليمان بن عبد الملك، وقد حمله موثقا بعد موت الحجاج، فقال له سليمان: لعن الله امرءا أجرّك رسنه! أترى الحجاج استقرّ في جهنم. فقال: لا تقل هذا، فإنه يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك ويسار أخيك فضعه حيث شئت.
وحكي أنّ الحجاج عاده من علّة اعتلّها، فوجد بين يديه كانونا من طين ومصباحا من خشب، فقال: يا أبا العلاء، ما أرى أرزاقك تكفيك. قال: إن كانت ثلاثمائة لا تكفيني فثلاثون ألفا لا تكفيني.
ويزيد هذا أنذر الحسن البصريّ ونبّهه حتى استتر من الحجاج. وذاك أنّه لقيه خارجا من عنده فقال له: توار يا أبا سعيد، فإني لست آمنه عليك أن تتبعك نفسه. فتوارى عنه تسع سنين.
كان عراك بن عياض يكتب لهشام على ديوان الجند بخراسان، فلما تحرّكت الدعاة بخراسان واتّصل الخبر بهشام دعا بعراك وقال: إني مفش إليك سرّا فهل أنت كاتمه ومعين عليه؟ قال عراك: يا أمير المؤمنين! قال: قد دخلت بلاد خراسان وضربت قطريها، ورأيت كبراءها، فسمّ لي الأشراف من غير أهل الديوان. فسمّيت له ما عرفت ممّن دون النهر ووراءه عربا ودهاقين وولاة. قال: ويحك أتعرف بها زريقا أمّ بني أسعد؟ فقلت: ما أعرف هؤلاء، ولا كلّ أهل خراسان أعرف. قال: فإن عرفتهم أو جهلتهم فإنّ لهم شأنا وسيكون لهم شأن، وقد أظل أوان ذلك، وسيزول أمرنا هذا على أيديهم. فقلت: وكيف قلت هذا، أصلحك الله يا أمير المؤمنين؟ فقال:
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع