تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

مقدمة المؤلف (٢)

التي أمدت منها الأفوج بالأفواج، ونجن قعود، كدود على عود، ما بين فرادي وأزواج، وقد نبت بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا، وتوهمنا أنه ليس في الوجود، أغوار ولا نجود، إلا السماء والماء وذلك السفين، ومن في قبر جوفه دفين، مع ترقب هجوم العدو، في الرواح والغدو، لاجتيازه على عدة من بلاد الجرب، دمر الله سبحانه من فيها وأذهب بفتحها عن المسلمين الكرب، لاسيما مالطة الملعونة، التي يتحقق من خلص من معرتها أنه أمد بتأييد إلهي ومعونة، فقد اعرتضت في لهوات البحر الشامي شجا، وقل من ركبه فأفلت من كيدها ونجا، فزادنا ذلك الحذر، الذي لم يبق ولم يذر، على ما وصفناه من هول البحر قلقاً، وأجرينا إذ ذاك في ميدان الإلقاء باليد إلى التهلكة طلقاً، وتشتت أفكارنا فرقاً، وذبنا أسى وندماً وفرقاً، إذ البحر وحده لا كمى يقارعه، ولا قوي يصارعه، ولا شكل يضارعه، ولا يؤمن على حالٍ، ولا يفرق بين عاطل وحالٍ، ولا بين أعزل وشاكٍ، ومتباك وباكٍ:

ثلاثة ليس لها أمان البحر والسلطان والزمان

فكيف وقد انضم إليه خوف العدو الغادر الخائن، والكافر الحائن، إلى أن قضى الله بالنجاة ما أراد فهو الكائن، وإن نهى عنه وأخطأ المائن، فرأينا البر وكأنما قبل لم نره، وشفيت به أعيننا من المره، وحصل بعد الشدة الفرج، وشممنا من السلامة أطيب الأرج، فيا لها من نعمة كشفت عن وجهها النقاب، يقل شكراً لها صوم الأحقاب وعتق الرقاب، وجعلنا الله بآياته معتبرين، وعلى طاعته مصطبرين؛ ولم نخل في البر من معاناة خطوب، ومداراة وجوه للمتاعب ذات تجهم وقطوب، فكم جبنا منه مهامه فيحاً، ومسحنا

بالخطا منها أثيراً وصفيحاً، وفلينا الفجاج، وقرأنا من الطرق خطوطاً ذات استقامة واعوجاج، وقلوب الرفقة من الفرقة في اضطراب وارتجاج، وربما عميت على المجتهد الأدلة التي يحصل بها على المذهب الاحتجاج، فترى الأنفاس تعثر في زفرة الأشواق، والأجسام قد زرت عليها من التعب الأطواق، هذا والليل بصفحة البدر مرتاب، وقد شدت رحال وأقتاب، وزمت ركاب ورفعت أحداج، وفريت من الدعة بمدية النصب أوداج، وتساوي في السير نهار مشرق وليل مقمر أو داج، وأديم التأويب والإسآد، وحمل الغربة قد أثقل وآد، ثم وصلنا بعد خوض بحار، يدهش فيها الكفار ويحار، وجوب فياف مجاهل، يضل فيها القطا عن المناهل، إلى مصر المحروسة فشفينا برؤيتها من الأوجاع، وشاهدنا كثيراً من محاسنها التي تعجز عن وصفها القوافي والأسجاع، وتمثلنا في بدائعها التي لا نستوفيها، بقول ابن ناهض فيها:

شاطئ مصر جنة ما مثلها في بلد

لا سيما مذ زخرفت بنيلها المطرد

وللرياح فوقه سوابغ من زرد

مسرودة ما مسها داودها بمبرد

سائلة وهو بها يرعد عاري الجسد

والفلك كالأفلاك بي؟ ن حادر ومصعد

وبقول آخر:

انظر إلى النيل الذي ظهرت به آيات ربي

فكأنه في فيضه دمعي وفي الخفقان قلبي

وبقول أبي المكارم ابن الخطير المعروف بابن مماتي في جزيرتها:

جزيرة مصرٍ، لا عدتك مسرة ولا زالت اللذات فيك اتصالها

فكم فيك من شمس على غصن قامة يميت ويحيي هجرها ووصالها

مغانيك فوق النيل أضحت هوادجاً ومختلفات الموج فيك حبالها

ومن أعجب الأشياء أنك جنة تمد على أهل الضلال ظلالها

لعله أراد بأهل الضلال اليهود والنصارى المستولين إذ ذاك على الدولة وتذكرت في مصر قول القاضي الفاضل:

بالله قل للنيل عني إنني لم أشف من ماء الفرات غليلا

وسل الفؤاد فإنه لي شاهد إن كان طرفي بالبكاء بخيلا

يا قلب كم خلفت ثم بثينةً وأظن صبرك أن يكون جميلا

وقول أحمد بن فضل الله العمري:

لمصر فضل باهر بعيشها الرغد النضر

في سفح روض يلتقي ماء الحياة والخضر

وقول آخر:

كأن النيل ذو فهم ولبٍ لما يبدو لعين الناس منه

فيأتي حين حاجتهم إليه ويمضي حين يستغنون عنه

وقول آخر:

ولله مجرى النيل منه إذا الصبا أرتنا به من مرها عسكراً مجرا

بشطٍ يهز السمهرية ذبلاً وموج يهز البيض هنديةً بترا

إذا مد حاكي الورد لوناً، وإن صفا حكى ماءه لوناً ولم يحكه مرا

وقول آخر:

واهاً لهذا النيل؛ أي عجيبة بكرٍ بمثل حديثها لا يسمع

يلقى الثرى في الماء وهو مسلم حتى إذا ما مال عاد يودع

مستقبل مثل الهلال فدهره أبداً يزيد كما يزيد ويرجع

وقول ابن النقيب:

الصب من بعدهم مفرد ودمعه النيل وتعليقه

وخده لما بكاهم دماً مقياسه، والدمع تخليقه

وقول الصفدي:

سقياً لمصر وما حوت من أنسها وأناسها

ومحاسن في مقسها تبدو وفي مقياسها

ومسرة كاساتها تجلى على أكياسها

وسطور قرط خطها ال؟ باري على قرطاسها

ودمى كنائسها، ولا تنسى ظباء كناسها

ولطافة بجلالةٍ تبدو على جلاسها

ونواسمٍ كل المنى للنفس في أنفاسها

ومراكب لعبت بها ال؟ أمواج في وسواسها

وقول ابن جابر الأندلسي:

ما زلت أسند من محاسن أرضها خبراً صحيحاً ليس بالمقطوع

كم مرسلٍ من نيلها ومسلسل ومدبجٍ من هضبها المرفوع

وقول إبراهيم بن عبدون:

والنيل بين الجانبين كأنما صدثت بصفحته صفيحة صيقل

يأتيك من كدر الزواخر مده بممسك من مائه ومصندل

فكأنما ضوء البدر في تمويجه برق تموج في سحابٍ مسبل

وكأن نور السرج من جنباته زهر الكواكب تحت ليل أليل

مثل الرياض مفتقاً أنواره تبدو لعين مشبه وممثل

وقول ابن الصاحب:

فرح الأنام بنيلهم إذ صار أحمر كالسقيق

وتبركوا بشروقه فكأنه وادي العقيق

وقول آخر:

احمر للنيل خد حتى غدا كالشقيق

وقد ترنمت فيه إذ صار وادي العقيق

[زيارة مكة والمدينة]

ثم شمرت عن ساعد العزم بعد الإقامة بمصر مدة قليلة، إلى المهم الأعظم والمقصد الأكبر الذي هو سر المطالب الجليلة، وهو رؤية الحرمين الشريفين، والعلمين المنيفين، زادهما الله تنويها، وبلغ النفوس ببركة من شرفا به مآرب لم تزل تنويها؛ فسافرت في البحر إلى الحجاز، راجياً من الله سبحانه في الأجر الانتجاز، إلى أن بلغت جدة، بعد مكابدة خطوب اتخذت لها من الصبر عدة، فحين حصل القرب، واكتحلت العين بإثمد تلك الترب، ترنمت بقول من

قال، محرضاً على الوخد والإرقال:

بدا لك الحق فاقطع ظهر بيداء واهجر مقالة أحباب وأعداء

واقصد على عزمه أرض الحجاز تجد بعداً عن السخط في نزل الأوداء

وقل إذا نلت من أم القرى أرباً وهو الوصول بإسرار وإبداء

يا مكة الله قد مكنت لي حرماً مؤمناً لست أشكو فيه من داء

فمذ رأى النازح المسكين مسكنه في قطرك الرحب لم ينكب بأرزاء

شوق الفؤاد إلى مغناك متصل شوق الرياض إلى طلٍ وأنداء

ثم أنشدت، عندما بدت أعلام البيت الحرام، قول بعض من غلب عليه الشوق والغرام، وقد بلغ من أمانيه الموجبة بشائره وتهانيه المرام:

وافي الحجيج إلى البيت العتيق وقد سجا الدجى فرأوا نوراً به بزغا

عجوا عجيجاً وقالوا: الله أكبر ما للجو مؤتلقاً بالنور قد صبغا

قال الديلي: ألا عاتوا بشارتكم فمن نوى كعبة الرحمن قد بلغا

نادوا على العيس بالأشواق وانتحبوا وحن كل فؤاد نحوها وصغا

وكل من ذم فعلاً نال محمدةً في مكة ومحا ما قد جنى وبغى

ولما وقع بصري على البيت الشريف كدت أغيب عن الوجود، واستشعرت قول العارف بالله الشبلي لما وفد إلى حضرة الجود:

قلت للقلب إذ تراءى لعيني رسم دارٍ لهم فهاج اشتياقي

هذه دارهم وأنت محب ما احتباس الدموع في الآماق

والمغاني للصب فيها معاني فهي تدعى مصارع العشاق

حل عقد الدموع واحلل رباها واهجر الصبر وارع حق الفراق

ثم أكملت العمرة، ودعوت الله أن أكون ممن عمر بطاعة ربه عمره، وذلك أوائل ذي القعدة من عام ثمانية وعشرين وألف من الهجرة السنية، وأقمت هنالك منتظراً وقت الحج الشريف، ومتفيئاً ذلك الظل الوريف، ومقتطفاً ثمار القرب الجنية، إلى أن جاء الأوان، فأحرمت بالحج من غير توان، وحين حللت مما به أحرمت، نويت الإقامة هنالك وأبرمت، فحال من دون ذلك حائل، وكنت حرياً بأن أنشد قول القائل:

هذي أباطح مكة حولي وما جمعت مشاعرها من الحرمات

أدعو بها لبيك تلبية امرئٍ يرجو الخلاص بها من الأزمات

نلت المنى بمنىً لأني لم أخف بالخيف من ذنب أحال سماتي

وعرفت في عرفات أني ناشق للعفو عرفاً عاطر النسمات

وأن أتمثل في المطاف، إذ حفتني الألطاف، بقول من ربعه بالتقوى مشيد، البغدادي الشهير بابن رشيد:

على ربعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الناس تهوي وتهواه

يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ويسقط عنه جرمه وخطاياه

وكم لذةٍ أو فرحة لطوافه فلله ما أحلى الطواف وأهناه

ثم قصدنا بعد قضاء تلك الأوطار، لطيبة الشريفة التي لها الفضل على الأقطار، واستشعرت قول من أنشد وطير عزمه عن أوكاره قد طار:

حمدت مرادي إذ بلغت مرادي بأم القرى مستمسكاً بعمادي

ومذ رويت من ماء زمزم غلتي فلست بمحتاجٍ لماء ثماد

فلله سبحانه الحمد على نعمه التي جلت، ومننه التي نزلت بها النفوس مواطن التشريف وحلت:

من يهده الرحمن خير هدايةٍ يحلل بمكة كي يتاح المقصدا

وإذا قضى من حجه الفرض انثنى يشفي برؤية طيبة داء الصدى

وكان حظي في هذه الحال تذكر قول بعض الوشاحين من الأندلسيين الذين كان لهم ارتحال إلى تلك المعاهد الطاهرة، والمشاهد الزاهرة، التي تشتد إليها الرحال:

يا من لعبدٍ به افتقار إلى أيادٍ له جسام

فضلك مدنٍ لخير مدن حل بها سيد الأنام

لم يهف قلبي لحب ليلى ولا سعادٍ ولا الرباب

لاقى شجوناً ونال ويلا من هام في ذلك الجناب

بل مال مني الفؤاد ميلا لمن له الحب لا يعاب

قلبي والله مستطار مذ حل في بيته الحرام

ذا الحجر والركن خير ركن وزمزم الخير والمقام

ذابت قلوب المطي عشقاً وركبها واستوى المراد

إلى حبيب القلوب حقا الحي والميت والجماد

إلى الذي ليس فيه يشقى من حبه داخل الفؤاد

شكوا وقد طالت السفار هم ومطاياهم السقام

فهي قسي من التثني والقوم من فوقها سهام

ولست من سكرتي مفيقا حتى أرى حجرة الرسول

فإن يسهل لي الطريقا فذاك أقصى منىً وسول

متى ترى عيني العقيقا ويفرح القلب بالوصل

كم قلت والصبر مستعار للركب إذ غادروا المنام

ونسمة الشوق حركتني وزاد بي الوجد والغرام

قواموا فقد طال ذا الجلوس وبادروا زورة الحبيب

تاقت إلى طيبة النفوس لا عيش من دونها يطيب

لا حبذا دونها الغروس والماء والشادن الربيب

وحبذا الرمل والقفار والعرب في تلكم الخيام

وأم غيلان ظلتني والأيك والأثل والثمام

يا طيبة حزت كل طيب بسيد فيك ذي حلول

نداء مستضعف غريب في غر أمداحه يقول

وهو من السامع المجيب لمدحه يسأل يسشأل القبول

أنت الغني لي فلا افتقار وأنت عزي فلا أضام

مستمسك منك حسن ظني بعروة ما لها انفصام

بسيد العالمين أجمع بأحمد المجتبي الرسول

ومن هو الشافع المشفع في موقف المحشر المهول

إذ لا كلام هناك يسمع للغير والناس في ذهول

إذ السماء لها انفطار والشهب منثورة النظام

كذا الجبال انثنت كعهنٍ سريعة المر كالغمام

يا أول الرسل في الفضيله وإن تأخرت في الزمن

شفاعة نلت مع وسيله فمن يضاهي علاك من

علت بك الرتبة الجليله وطبت في السر والعلن

فأنت من خيرهم خيار فمن يضاهيك في المقام

والرسل نالت بك التمني وأنت بدر لهم تمام

الوجد قد قر في فؤادي فما لصبر به قرار

ولا عجبي صاعد اتقاد ودمع عيني له انهمار

وها أنا جئت من بلادي لطيبة أبتغي الجوار

فحبذا تلكم الديار والمصطفى مسكة الختام

عليه أزكى الصلاة مني وصحبه الغر، والسلام

وقول أبي جعفر الرعيني الغرناطي - رحمه الله تعالى - وهو من التشريع أحد أنواع البديع:

يا راحلا يبغي زيارة طيبة نلت المنى: بزيارة الأخيار

حي العقيق إذا وصلت وصف لنا وادي منى: يا طيب الأخبار

وإذا وقفت لدى المعرف داعيا زال العنا: وظفرت بالأوطار

ولما من الله تعالى علينا بالحلول في المشاهد التي قام بها وظهر، والمعاهد التي بان الحق فيها واشتهر، والمواطن التي هزم الله تعالى حزب الشيطان فيها

وقهر، ونصرت النبوة وعضدت، وقطعت غصون الكفر وحصدت، ورصت قواعد التوحيد ونضدت، وقرت العيون، وقضيت الديون، أنشد لسان الحال، قول بعض من جيده بمحاسن طيبة حال:

يا من طيبة طابت حلى وعلى ومن بتشريفه قد شرف العرب

يا أحمد المصطفى قد جئت من بلدٍ قاصٍ ولي خلد قاسٍ ولي أرب

وقد دهتني ذنوب قلت إذ عظمت لله منها وطه المرتجى الهرب

ونسينا بمشاهدة ذلك الجناب ما كنا فيه، وسبق الدمع الذي لا يعارض الفرح ولا ينافيه:

أيها المغرم المشوق هنيئاً ما أنالوك من لذيذ التلاقي

قل لعينيك تهملان سروراً طالما أسعداك يوم الفراق

واجمع الوجد والسرور ابتهاجاً وجميع الأشجان والأشواق

وأمر العين أن تفيض انهمالاً وتوالي بدمعها المهراق

هذه دارهم وأنت محب ما بقاء الدموع في الآماق

وملنا عن الأكوار، وثملنا من عرف تلك الأنجاد والأغوار، وتملينا من هاتيك الأنوار، وتخلينا عن الأغيار، وتحلينا بحلى الأخيار، وكيف ولا وطيبة مركز للزوار:

إذا لم تطب في طيبة عند طيب به طيبة طابت فأين تطيب

وإن لم يجب في أرضها ربنا الدعا ففي أي أرض للدعاء يجيب

أيا ساكني أكناف طيبة كلكم إلى القلب من أجل الحبيب حبيب

وما أحسن قول عالن الأندلس المالكي اللبيب، عبد الملك السلمي المشهور بابن حبيب:

لله در عصابةٍ صاحبتها نحو المدينة تقطع الفلوات

ومهامهٍ قد جبتها ومفاوزٍ ما زلت أذكرها بطول حياتي

حتى أتينا القبر قبر محمدٍ خص الإله محمداً بصلاة

خير البرية والنبي المصطفى هادي الورى لطرائق الجنات

لما وقفت بقربه لسلامه جادت دموعي واكف العبرات

ورأيت حجرته وموضعه الذي قد كان يدعو فيه في الخلوات

مع روضة قد قال فيها: إنها مشتقة من روضة الجنات

وبمنزل الأنصار وسط قبابهم بيت الهداية كاشف الغمرات

وبطيبةٍ طابوا ونالوا رحمةً مغنى الكتاب ومحكم الآيات

وبقبر حمزة والصحابة حوله فاضت دموع العين منهمرات

سقياً لتلك معاهداً شاهدتها وشهدتها بالخطو واللحظات

لا زلت زواراً لقبر نبينا ومدينة زهراء بالبركات

صلى الإله على النبي المصطفى هادي البرية كاشف الكربات

وعلى ضجيعيه مردداً ما لاح نور الحق في الظلمات

وقول كمال الدين ناظر قوص:

أنخ، هذه والحمد لله يثرب فبشراك قد نلت الذي كنت تطلب

فعفر بهذا الترب وجهك، إنه أحق به من كل طيبٍ وأطيب

وقبل ربوعاً حولها قد تشرفت بمن جاورت، والشيء يحبب

وسكن فؤاداً لم يزل باشتياقه إليها على جمر الغضا يتقلب

وكفكف دموعاً طالما قد سفحتها وبرد جوى نيرانه تتلهب

وقول الرعيني الغرناطي:

هذه روضة الرسول فدعني أبذل الدمع في الصعيد السعيد

لا تلمني على انسكاب دموعي إنما صنتها لهذا الصعيد

ولما سلمت على سيد الأنام، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، ذبت حياء وخجلا، لما أنا عليه من ارتكاب ما يقتضي وجلا، غير أني توسلت بجاهه ﷺ في أن أكون ممن وضح له وجه الصفح وجلا:

إليك أفر من زللي فرار الخائف الخجل

وكان مزار قبرك بال؟ مدينة له نفسي بلا خلل

فخذ بيدي غريقٍ في بحار القول والعمل

وهب لي منك عارفة تعرفت ما تنكر لي

وتهديني إلى رشدي وتمنعني من الزلل

وتحملني على سننٍ يؤمني من الوجل

فأنت دليل من عميت عليه مسالك السبل

وإنك شافع بر وموئلنا من الوهل

وإنك خير مبتعث وإنك خاتم الرسل

فيا أزكى الورى شرفاً وشافيهم من العلل

ويا أندى الأنام يداً وأكرم ناصرٍ وولي

نداء مقصر وجلٍ بثوب الفقر مشتمل

على جدواك معتمدي فأنقذني من الدخل

وألحقني بجناتٍ لدى درجاتها الأول

بصديقٍ وفاروقٍ وعثمان الرضى وعلي

فأنت ملاذ معتصمٍ وأنت عماد متكل

عليك صلاة ربك ج؟ ل في الغدوات والأصل

ومذ شممنا من أرج تلك الأرجاء الذاكية، واستضأنا بسرج تلك الأضواء الزاكية، ظهر من الشوق ما كان بطن، ولم يخطر ببالنا سكن ولا وطن، ويا سعادة من اقام بتلك البقاع الشريفة وقطن:

مر النسيم بربعهم فتلذذا حتى كأن النشر صار له غذا

فصحا وصح وصاح لا أشكو أذى قل للصبا ماذا حملت من الشذا

أمسست طيباً أم علاك عبير

يا أيها الحادي الذي من وسمه قصد الحبيب وأن يلم برسمه

هذي منازله فزمزم باسمه بأبي الذي لم تذو زهرة جسمه

لكنه غض الجمال نضير

لله شوق قد تجاوز حده أوفى على الصبر المشيد فهده

يا ناشق الكافور لا تتعده طوبى لمشتاق يعفر خده

في روضة الهادي إليه يشير

فهناك يبذل في التوسل وسعه ويصيخ نحو خطيب طيبة سمعه

ويريق فوق حصى المصلي دمعه ويرى معالم من يحب وربعه

ومحمد للعالمين بشير

صلى عليه الله خير صلاته وحبا معاليه جليل صلاته

ما حن ذو الأشواق في حالاته وأتى مغانيه على علاته

فأتيح حسن الختم وهو قرير

ووقفنا بباب طلب الآمال خاشعين، وتوسلنا إلى الله بذلك المقام العلي خاضعين، وغبطنا قوماً سكنوا هنالك فكانوا لحدودهم متى شاءوا على تلك الأعتاب واضعين:

أكرم بعبد نحو طيبة مسند متوسل مستشفع مسترشد

يفلي الفلاة لها بعزم أيد وافي إلى قبر النبي محمد

ولربعه الأسمى يروح ويغتدي

أزجاه صادق حبه المتمكن وحداه سائق عزمه المتعين

فحكى لدى شجوٍ حمام الأغصن هزجاً يردد فيه صوت ملحن

ويمد للإطراب صوت المنشد

ويقول جئت بعزمةٍ نزاعةٍ ونهضت والدنيا تمر كساعةٍ

لمحل أحمد قائلا بإذاعةٍ هذا النبي المرتجي لشفاعةً

يوم القيامة بين ذاك المشهد

هذا الرؤوف بجاره ونزيله هذا سراج الله في تنزيله

هذا الذي لا ريب في تفضيله هذا حبيب الله وابن خليله

هذا ابن باني البيت أول مسجد

عذا الذي اصطفت النبوة خيمه هذا الذي إعتام الهدى تقديمه

هذا الذي نسقي غداً تسنيمه هذا الذي جبريل كان خديمه

في حضرة التشريف أزكى مصعد

هذا الذي شهد الوجود بخصه بمزية التفضيل من مختصه

وأبانه من وحيه في نصه هذا الذي ارتفع البراق بشخصه

في ليلة الإسراء أشرف مشهد

هذا الذي غدت الطلول حديقةً بجواره وغدت تروق أنيقةً

هذا المكمل خلقةً وخليقةً هذا الذي سمع النداء حقيقةً

ودنا ولم يك قبل ذاك بمبعد

فهناك كم رسلٍ به تتوسل وعلى حماه لدى المعاد يعول

يا ارحم الرحماء أنت الموئل يا خاتم الإرسال أنت الأول

فترق في أعلى المكارم واصعد

الله رفع في سراه مناره وأبان في السبع العلا أنواره

فقفت ملائكة السما آثاره واراه جنته هناك وناره

فمؤبد ومخلد لمخلد

كم ذاد من وجلٍ وجلى ظلمةً وامتن بالرحمى ومتن حرمةً

لما دجى أفق الضلالة دهمةً بعث الإله به ليرحم أمةً

لولاه كانت بالضلالة ترتدي

حاز الشفوف فكل خلق دونه فالغيث يسأل إذ يسيل يمينه

والشمس تستهدي الشروق جبينه والله فضله وأظهر دينه

ووفى لنا فيه بصدق الموعد

نطقي يغادي ذكره ويراوح وبه ينافج مسكةً وينافح

تعيي اللسان محامد وممادح طوبى لمن قد عاش وهو يكافح

عنه يناضل باللسان وباليد

هو صفوة العرب الأولى أحسابهم أسيافهم قرنت بها أسبابهم

فهم لباب المجد وهو لبابهم من آل بين لم تزل أنسابهم

تنبي لهم عن طيب عنصر مولد

شرف النبوة قد رسا في أهلها وسما على الزهر العلا بمحلها

ساق السوابق للفخار برسلها نطق الكتاب كما علمت بفضلها

وقضى به نص الحديث المسند

فوق السماك توطنت وتوطدت وتفردت بالمصطفى وتوحدت

فهي الخلاصة صفيت فتجردت من معدن فيه الرسالة قد بدت

من عصر آدمنا لعصر محمد

طالوا فلم يبقوا لمجد مصعدا صالوا ففي أيمانهم حتف العدا

سالوا فهم لعفاتهم غيث الجدا أهل السقاية والرفادة والندى

والكعبة البيت الحرام المقصد

المطعمون وقد طوى المري الطوى الناهضون إذا الصريخ لهم نوى

العاطفون إذا الطريق بهم ثوى أهل السدانة والحجابة واللوا

أهل المقام وزمزم والمسجد

المصلحون إذا الجموع تخاذعت المنجحون إذا المساعي دافعت

الدافعون إذا الأعادي قارعت المؤثرون إذا السنون تتابعت

وفد الحجيج بنيل كل تفقد

لا يقرب الخطب الملك منيعهم لا يطرق الكرب المخيف قريعهم

والله شرف بالنبي جميعهم من نال رتبتهم وحاز صنيعهم

نال الشفوف وحاز معنى السؤدد

حلوا من الطود الأشم بمنعةٍ في خير معتصم وأسمى رفعةٍ

فهم بمنة في هجعةٍ الله خصصهم بأشرف بقعةٍ

محجوبة محفوفةٍ بالأسعد

لما أتيت لرامة أصل السرى من بعد قصدي مكةً أم القرى

أنشدت جهراً فيه أنثر جوهرا وإليكما يا خير من وطيء الثرى

عذراء تزري بالعذارى الخرد

كل الحسان لحسنها قد أدهشا ما مثلها في تربها شادٍ نشا

سفرت بعزمٍ ما أجد وأطيشا نشأت بطي القلب وارتوت الحشا

زهراء من يرها يهل ويسجد

أمتك تشأى في مداها الألسنا وتري إجادتها المجيد المحسنا

تغدو ولا تثني العنان عن الثنا وأتتك تمرح كالقضيب إذا انثنى

مترنحاً بين الغصون الميد

قد أعلمت في المدح ثاقب ذهنها ترجو الحلول لدى قرارة أمنها

وعسى إذا غذيت بتربة عدنها يجلو لك الإحسان بارع حسنها

والحسن يجلوها وإن لم تنشد

مدحي لخير العالمين عقيدتي ومطيتي بل وطيبتي ونشيدتي

ونتيجتي وهدى اليقين مفيدتي ولئن مدحت محمداً بقصيدتي

فلقد مدحت قصيدتي بمحمد

يا خير خلق الله دعوة حائر يشكو إليك صروف دهر جائر

والله يعلم في هواك سرائري وهو الذي أرجو لعفو جرائري

متوسلاً بجنابك المتأطد

لولا حقوق عينت بمغارب بمكثت عندك كي تتاح مآربي

ويكون في الزرقاء عذب مشاربي حتى أحلي من ثراك ترائبي

وأنال دفناً في بقيع الغرقد

وعليك من ربٍ حباك صلاته وسلامه وهباته وصلاته

ما أم بابك من هدته فلاته لعلاك حتى زحزحت علاته

فأتيح حسن الختم دون تردد

ثم ودعته ﷺ والقلب من فراقه صقيم، ووقعت من البعد عن تلك المعاهد في المقعد المقيم، وأنا أرجو أن يكون شكل منطقي غير عقيم، وأن أحشر في زمرة من سلك الصراط المستقيم:

يا شفيع العصاة أنت رجائي كيف يخشى الرجاء عندك خيبه

وإذا كنت حاضراً بفؤادي غيبة الجسم عنك ليست بغيبه

ليس بالعيش في البلاد انتفاع أطيب العيش ما يكون بطيبه

[زيارة بيت المقدس]

ثم عدت إلى مصر، وقد زال عني ببركته ﷺ الإصر، وذلك في محرم سنة، ثم قصدت زيارة بيت المقدس في شهرة ربيع من هذا العام، وقد شملتني بفضل الله جوائز الإنعام، وتذكرت عند مشاهدة تلك المسالك الصعبة، قول حافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - وهو مما زادني في هذه الزيارة رغبة:

إلى البيت المقدس جئت أرجو جنان الخلد نزلاً من كريم

قطعنا في مسافته عقاباً وما بعد العقاب سوى النعيم

فلما دخلت المسجد الأقصى، وأبصرت بدائعه التي لا تستقصي، بهرني جماله الذي تجلى الله به عليه، وسألت عن محل المعراج الشريف فأرشدت إليه وشاهدت محلاً أم فيه ﷺ الرسل الكرام الهداة، وكان حقي أن أنشد هنالك ما قاله بعض الموقفين وهو مما ينبغي أن تزمزم به الحداة:

إن كنت تسأل أين قد ر محمدٍ بين الأنام

فاصخ إلى آياته تظفر بريك في الأوام

أكرم بعبد سلمت تقديمه الرسل الكرام

في حضرة للقدس وا فاها بعز واحترام

صفوا وصلوا خلفه إن الجماعة بالإمام

للشهب نور بين والفضل للقمر التمام

سلك النبوة باهر وبأحمد ختم النظام

هذا الكتاب دلالة تبقى إلى يوم القيام

شهدت له من بعد عج؟ زٍ ألسن اللد الخصام

خير الورى وأجل آيات له خير الكلام

فعليه من رب الورى أزكى صلاةٍ مع سلام

وربما يقول من يقف على سرد هذه الأمداح النبوية: إلى متى وهذا الميدان تكل فيه فرسان البديهية والروية؟ فأنشده في الجواب، قول بعض من أم نهج الصواب:

لأديمن مديح المصطفى فعل من في الله قوى طمعه

فعسى أنعم في الدنيا به وعسى يحشرني الله معه

وإذا كان القريض في بعض الأحيان كذباً صراحاً، والموفق من تركه والحالة هذه رغبة عنه وله اطراحا، فخير ما كان حقاً وهو مدح الله ورسوله، وبذلك يحصل للعبد منتهى سوله:

ليس كل القريض يقبله السم؟ ع وتصغي لذكره الأفهام

إن بعضاً من القريض هراء ليس شيئاً، وبعضه أحكام

وأجل الكلام ما كان في مد ح شفيع الورى ﵇

طيب العرف دائم الذكر لا تأ تي الليالي عليه والأيام

مثل زهرٍ قد شق عنه كمام أو كمسك قد فض عنه ختام

ليس تحصى صفات أحمد بالعد كما لم تحط بها الأوهام

ولو أن البحار حبر وما في ال؟ أرض من كل نابت أقلام

فطويل المديح فيه قصير وحسام ماضٍ لديه كهام

ولسان البليغ للعي ينمي وكذا صيب الفصيح جهام

كيف يحصى مديح مولى عليه ال؟ له أثنى وذكره مستدام

وله المعجزات والآي تبدو لا يغطي وجوههن لثام

فمن المعجزات أن سار ليلاً وجميع الأنام فيه نيام

راكباً للبراق حتى أتى القد س وفيه رسل الإله الكرام

فاستووا خلفه صفوفاً وقالوا صل يا أحمد فأنت الإمام

فعليه من ربه صلوات زاكيات مع صحبه وسلام

[عود إلى مصر ثم إلى القدس]

ثم رجعت إلى القاهرة، وكررت منها الذهاب إلى البقاع الطاهرة، فدخلت لهذا التاريخ الذي هو عام تسعة وثلاثين وألف مكة خمس مرات، وحصلت لي بالمجاورة فيها المسرات، وأمليت فيها على قصد التبرك دروساً عديدة، والله يجعل أيام العمر بالعود إليها مديدة، ووفدت على طيبة المعظمة ميمماً مناهجها السديدة، سبع مرار، وأطفأت بالعود إليها ما بالأكباد الحرار، واستضأت

بتلك الأنوار، وألفت بحضرته ﷺ بعض ما من الله به علي في ذلك الجوار، وأمليت الحديث النبوي بمرأى منه ﵊ ومسمع، ونلت بذلك وغيره - ولله المنة - ما لك يكن لي فيه مطمح ولا مطمع، ثم أبت إلى مصر مفوضاً لله جميع الأمور، ملازماً خدمة العلم الشريف بالأزهر المعمور، وكان عودي من الحجة الخامسة بصفر سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة، فتحركت همتي أوائل رجب هذه السنة للعود للبيت المقدس، وتجديد العهد بالمحل الذي هو على التقوى مؤسس، فوصلت أواسط رجب، وأقمت فيه نحو خمسة وعشرين يوماً بدا لي فيها بفضل الله وجه الرشد وما احتجب، وألقيت عدة دروس بالأقصى والصخرة المنيفة، وزرت مقام الخليل ومن معه من الأنبياء ذوي المقامات الشريفة، وكنت حقيقاً بأن أنشد قول ابن مطروح، في ذلك المقام الذي فضله معروف وأمره مشروح:

خليل الله قد جئنا نرجو شفاعتك التي ليست ترد

أنلنا دعوةً واشفع تشفع إلى من لا يخيب لديه قصد

وقل يا رب أضياف ووفد لهم بمحمد صلة وعهد

أتوا يستغفرونك من ذنوب عظام لا تعد ولا تحد

إذا وزنت بيذبل أو شمامٍ رجحن ودونها رضوى واحد

ولكن لا يضيق العفو عنهم وكيف يضيق وهو لهم معد

وقد سألوا رضاك على لساني إلهي ما أجيب وما أرد

فيا مولاهم عطفاً عليهم فهم جمع أتوك وأنت فرد

[الرحلة إلى دمشق]

ثم استوعبت أكثر تلك المزارات المباركة كمزار موسى الكليم، على نبينا وعليهم وعلى سائر المرسلين والأنبياء أفضل الصلاة والتسليم، ثم حدث لي منتصف شعبان، عزم على الرحلة إلى المدينة التي ظهر وبان، دمشق الشام، ذات الحسن والبهاء والحياء والاحتشام، والأدواح المتنوعة، والأرواح المتضوعة، حيث المشاهد المكرمة، والمعاهد المحترمة، والغوطة الغناء والحديقة، والمكارم التي يباري فيها المرء شانئه وصديقه، والأظلال الوريفة والأفنان الوريقة، والزهر الذي تخاله مبسماً والندى ريقه، والقضبان الملد، التي تشوق رائيها لجنة الخلد:

بحيث الروض وضاح الثنايا أنيق الحسن مصقول الأديم

وهي المدينة المستولية على الطباع، المعمورة البقاع، بالفضل والرباع:

تزيد على مر الزمان طلاوة دمشق التي راقت بحلو المشارب

لها في أقاليم البلاد مشارق منزهة أقمارها عن مغارب

ودخلتها أواخر شعبان المذكور، وحمدت الرحلة إليها وجعلها الله من السعي المشكور:

وجدت بها ما يملأ العين قرة ويسلي عن الأوطان كل غريب

وشاهدت بعض مغانيها الحسنة، ومبانيها المستحسنة:

نزلنا بها ننوي المقام ثلاثة فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا

ورأينا من محاسنها ما لا يستوفيه من تأنق في الخطاب، وأطال في الوصف

وأطاب، وإن ملأ من البلاغة الوطاب، كما قلت:

محاسن الشام أجلى من أن تسام بحد

لولا حمى الشرع قلنا ولم نقف عند حد:

كأنها معجزات مقرونة بالتحدي

فالجامع الجامع للبدائع يبهر الفكر، والغوطة المنوطة بالحسن تسحر الألباب لا سيما إذا حياها النسيم وابتكر:

أحب الحمى من أجل من سكن الحمى حديث حديث في الهوى وقديم

فلله مرآها الجميل الجليل، وبيوتها التي لم تخرج عن عروض الخليل، ومخبرها الذي هو على فضلها وفضل أهلها أدل دليل، ومنظرها الذي ينقلب البصر عن بهجته وهو كليل:

والروض قد راق العيون بحلة قد حاكها بسحابه آذار

وعلى غصون الدوح خضر غلائل والزهر في أكمامه أزرار

فكم لها من حسن ظاهر وكامن، كما قلت موطئاً للبيت الثامن:

أما دمشق فخضرة لعبت بألباب الخلائق

هي بهجة الدنيا التي منها بديع الحسن فائق

لله منها الصالح؟ ي؟ ة فاخرت بذوي الحقائق

والغوطة الغناء حي؟ ؟ ت بالورود وبالشقائق

والنهر صاف والنسي؟ م اللدائن للأشواق سائق

والطير بالعيدان أب؟ دت في الغنا أحلى الطرائق

ولآلئ الأزهار حل؟ ت جيد غصن فهو رائق

ومراود الأمطار قد كحلت بها حدق الحدائق

لا زال مغناها مصو نا آمنا كل البوائق

وكما قلت مرتجلا أيضا مضمنا الرابع والخامس:

دمشق راقت رواءً وبهجةً وغضاره

فيها نسيم عليل صح فوافقت بشاره

وغوطة كعروسٍ تزهى بأعجب شاره

يا حسنها من رياضٍ مثل النضار نضاره

كالزهر زهراً وعنها عرف العبير عباره

والجامع الفرد منها أعلى الإله مناره

وحاصل القول فيها لمن أراد اختصاره

تذكيرها من رآها عدناً وحسبي إشاره

دامت تفوق سواها إنالةً وإناره

وكما ارتجلت فيها أيضاً:

قال لي ما تقول في الشام حبر كلما لاح بارق الحسن شامه

قلت ماذا أقول في وصف قطرٍ هو في وجنة المحاسن شامه

وقلت أيضاً:

قال لي صف دمشق مولىً رئيس جمل الله خلقه واحتشامه

قلت كل اللسان في وصف قطرٍ هو في وجنة البسيطة شامه

وقلت أيضاً؟:

وإذا وصفت محاسن الدنيا فلا تبدأ بغير دمشق فيها أولا

بلد إذا أرسلت طرفك نحوه لم تلق إلا جنةً أو جدولا

ذا وصف بعض صفاته وهي التي تعيي البليغ وإن جاد وطولا

والغاية في هذا الباب، من الوصف لبعض محاسنها الفاتنة الألباب، قول أبي الوحش سبع بن خلف الأسدي يصف أرضها المشرقة، ورياضها المورقة، ونسيمها العليل، وزهرها الندي البليل:

سقى دمشق الشام غيث ممرع من مستهل ديمةً دفاقها

مدينة ليس يضاهي حسنها في سائر الدنيا ولا آفاقها

تود زوراء العراق أنها تعزى إليها لا إلى عراقها

فأرضها مثل السماء بهجةً وزهرها كالزهر في إشراقها

نسيم ريا روضها متى سرى فك أخا الهموم من وثاقها

قد ربع الربيع في ربوعها وسيقت الدنيا إلى أسواقها

لا تسأم العيون والأنوف من رؤيتها يوماً ولا انتشاقها

وقول شمس الدين الأسدي الطيبي:

إذا ذكرت بقاع الأرض يوماً فقل سقياً لجلق ثم رعيا

وقل في وصفها لا في سواها: بها ما شئت من دين ودنيا

وكأن لسان الدين ذا الوزارتين بن الخطيب، عناها بقوله المصيب:

بلد تحف به الرياض كأنه وجه جميل والرياض عذاره

وكأنما واديه معصم غادةٍ ومن الجسور المحكمات سواره

وكنت قبل رحلتي إليها، والوفادة عليها، كثيراً ما أسمع عن أهلها زاد الله في ارتقائهم، ما يشوقني إلى رؤيتها ولقائهم، وينشقني على البعد أريج الأدب الفائق من تلقائهم، حتى لقيت بمكة المعظمة، أوحد كبرائها الذين فرائدهم بلبة الدهر منظمة؛ عين الأعيان، وصدر أرباب التفسير بها والبيان؛ صاحب القلم الذي طبق الكلى والمفاصل، والفتاوي التي حكمها بين الحق والباطل فاصل، والتآليف التي وصفها بالإجادة من باب تحصيل الحاصل؛ وارث العلم عن غير كلالة؛ ذو الحسب المشرق بدره في سماء الجلالة؛ صاحب المعارف التي زانت خلاله، وساحب أذيال العوارف التي أبانت على فضله دلالة، مفتي السلطان في تلكم الأوطان، على مذهب الإمام النعمان، مولانا الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ افسلام عماد الدين، لا زال سالكاً سبيل المهتدين؛ فكان جمل الله عصراً وأواناً، لقضية هذا القياس عنواناً، فلما حللت بدارهم، ورايت ما أذهلني من سبقهم للفضل وبدارهم، صدق الخبر الخبر، وتمثلت

فيهم بقول بعض من غبر:

ألمت بنا أوصافهم فامتلا الفضا عبيراً وأضحى نوره متألقا

وقد كان هذا من سماع حديثهم بلاغاً فصح النقل إذ حصل اللقا

وقابلوني اسماهم الله بالاحتفال والاحتفاء، وعرفني بديع برهم فن الاكتفاء:

غمرتني المكارم الغر منهم وتوالت على منها فنون

شرط إحسانهم تحقق عندي ليت شعري الجزاء كيف يكون

وقابلوني بالقبول مغضين عن جهلي:

وما زال بي إحسانهم وجميلهم وبرهم حتى حسبتهم أهلي

بل الأولى أن أتمثل فيهم بما هو أبلغ من هذا المقول في آل المهلب، وهو قول بعض من نزل بقومٍ برق غير خلب، في زمن به تقلب:

ولما نزلنا في ظلال بيوتهم أمنا ونلنا الخصب في زمن محل

ولو لم يزد إحسانهم وجميلهم على البر من أهلي حسبتهم أهلي

لا سيما المولى الذي أمدحه تحلي أجياد الطروس العاطلة، وسماحه يخجل أنواء الغيوث الهاطلة، صدر الأكابر الأعاظم، الحائز قصب السبق في ميدان الإجادة بشهادة كل ناثر وناظم، الصديق الذي بوده أغتبط

والصدوق الذي بأسباب عهده أرتبط، الأوحد الذي ضربت البراعة رواقها بنادية، والماجد الذي لم يزل بديع البلاغة من كثبٍ يناديه، السري الحائز من الخلال ما أبان تفضيله، اللوذعي الذي لم تزل أوصافه تحكم له بالسؤدد وتقتضي له، والحق أبلج لا يحتاج إلى زيادة براهين، الأجل المولى أحمد أفندي بن شاهين، لا زالت العزة مقيمة بواديه، ولا برحت حضرته جامعةً لبواطن الفخر وبواديه، والسعد يراوح مقامه ويغاديه، والمجد يترنم بذكره حاديه، فكم له أسماه الله ولغيره من أعيان دمشق لدي من أياد، يعجز عن الإبانة عنها لو أراد وصفها قس إياد، ولو تعرضت لأسمائهم وحلاهم، أدام الله تعالى سعودهم وعلاهم، لضاق عن ذلك هذا النطاق، وكان من شبه التكليف بما لا يطاق، فليت شعري بأي اسلوب، أؤدي بعض حقهم المطلوب؟ أن بأي لسان، أثني على مزاياهم الحسان؟ وما عسى أن أقول في قوم نسقوا الفضائل ولاء، وتعاطوا أكواب المحامد ولاء؟ وسحبوا من المجد مطارف وملاء، وحازوا المكارم، وبذوا الموادد والمصارم، سؤدداً وعلاء:

فما رياض زهر الربيع إذا بدت في وشيها البديع

ضاحكة عن شنب الأقاح عند سفور طلعة الصباح

غنى بها مطوق الحمام وصافحتها راحة الغمام

وباكرتها نسمة من الصبا فاصبحت كأنها عهد الصبا

نضارة ورونقاً وبهجه تفدى بكل ناظرٍ ومهجه

أطيب من ثناها عبيرا بين الورى، واسأل به خبيرا

دامت معاليهم على طول الزمن يروى حديث الفضل عنها عن حسن

وثابت وقرةٍ وسعد وأسعفوا بنيل كل وعد

فهم الذين نوهوا بقدري الخامل، وظنوا مع نقصي أن بحر معرفتي وافر كامل، حسبما اقتضاه طبعهم العالي:

فلو شريت بعمري ساعةً ذهبت عن عيشتي معهم ما كان بالغالي

فمتعين حقهم لا يترك، وحبهم لا يخالط بغيره ولا يشرك، وإن أط

لت الوصف فالغاية في ذلك لا تدرك:

يزداد في مسمعي ترداد ذكرهم طيباً ويحسن في عيني مكرره

وإذا كان المديح الصادق لا يزيدهم رفعة قدر، فهم كما قال الأعرابي الذي ضلت ناقته في مدح البدر، والبليغ وذو الحصر في ذلك سيان، والحق أبلج، والباطل لجلج، وليس الخبر كالعيان:

هب الروض لا يثني على الغيث نشره أتحسبه تخفى مآثره الحسنى

وقد تذكرت بلادي النائبه، بذلك المرأى الشامي الذي يبهر رائيه، فما شئت من أنهار ذات انسجام، أترع بها من جريال الأنس جام، وأزهار متوجة للأدواح، مروحة للنفوس بعاطر الأرواح، وحدائق تعشي أنوارها الأحداق، وعيانها للخبر عنها مصداق وأي مصداق:

فهي التي ضحك البهار صباحها وبكت عشيتها عيون النرجس

واخضر جانب نهرها فكأنه سيف يسل وغمده من سندس

وجنان، أفنانها في الحسن ذوات افتنان:

صافحتها الرياح فاعتنق السر وومالت طواله للقصار

لائذ بعضه ببعضٍ كقومٍ في عتاب مكررٍ واعتذر

وبطاح راق سناها، وكمل حسنها وتناهى، كما قلت مضمناً في ذلك المنحنى، لقول بعض من نال في البلاغة مناً ومنحا:

دمشق لا يقاس بها سواها ويمتنع القياس مع النصوص

حلاها راقت الأبصار حسناً على حكم العموم أو الخصوص

بساط زمردٍ نثرت عليه من الياقوت ألوان الفصوص

ولله در القائل، في وصف تلك الفضائل:

إن تكن جنة الخلود بأرض فدمشق، ولا يكون سواها

أو تكن في السماء فهي عليها قد أمدت هواءها وهواها

بلد طيب ورب غفور فاغتنمها عشيةً أو ضحاها

وعند رؤيتي لتلك الأقطار، الجليلة الأوصاف العظيمة الأخطار، فتاءلت بالعود إلى أوطان لي بها أوطار، إذ التشابه بينهما قريب في الأنهار والأزهار، ذات العرف المعطار، وزادت هذه بالتقديس الذي همعت عليها منه الأمطار، وتمثلت بقول الأصفهاني، وإن غيرت يسيراً منه لما أسفرت وجوه التهاني:

لما وردت الصالحي؟ ة حيث مجتمع الرفاق

وشممت من أرض الشآ م نسيم أنفاس العراق

أيقنت لي ولمن أح؟ ب بجمع شمل واتفاقِ

وضحكت من فرح اللقاء كما بكيت من الفراقِ

لم يبق لي إلا تج؟ شم أزمن السفر البواقي

حتى يطول حديثنا بصفات ما كنا نلاقي

وكنت قبل حلولي بالبقاع الشامية مولعاً بالوطن لا سواء، فصار القلب بعد ذلك مقسماً بهواه:

ولي بالحمى أهل وبالشعب جيرة وفي حاجر خل وفي المنحنى صحب

تقسم ذا القلب المتيم بينهم سألتكم بالله هل ينقسم القلب

فيا لك من صب مراع للذمام، منقاد لشوقه بزمام، يخيل له أنه سمع صوت قيان، بقول الأول:

إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً وبالشام أخرى كيف يلتقيان

وفردٍ تعددت جموعه، ووشت، بما أكنت ضلوعه، دموعه، فأنشد وقد تحير، ما بدل فيه من عظم ما به وغير:

كتمت شأن الهوى يوم النوى فوشى بسره من جفوني أي نمامِ

كانت ليالي بيضاً في دنوهم فلا تسل بعدهم عن حال أيامي

ضنيت وجداً بهم والناس تحسب بي سقماً فأبهم حالي عند لوامي

وليس أصل ضني جسمي النحيل سوى فرط اشتياقي لأهل الغرب والشام

وحصل التحير، حيث لم يمكن الجمع ولا الخلو عند التخير، كما قال ابن دقيق العيد، في مثل هذا الغرض البعيد:

إذا كنت في نجد وطيب نعيمه تذكرت أهلي باللوى فمحمرِ

وإن كنت فيهم زدت شوقاً ولوعةً إلى ساكني نجدٍ وعيل تصبري

فقد طال ما بين الفريقين موقفي فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري

وبالجملة فالاعتراف بالحق فريضة، ومحاسن الشام وأهله طويلة عريضة، ورياضه بالمفاخر والكمالات أريضة، وهو مقر الأولياء والأنبياء، ولا يجهل فضله إلا الأغمار الأغبياء، الذين قلوبهم مريضة:

أني يرى الشمس خفاش يلاحظها والشمس تبهر أبصار الخفافيشِ

ولله در من قال في مثل هذا من الأرضياء:

وهبني قلت إن الصبح ليل أيعمى العالمون عن الضياء

وقال آخر فيمن عن الحق ينفر:

إذا لم يكن للمرء عين بصيرة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر

وحسب الفاضل اللبيب، أن يروي قول البدر بن حبيب:

عرج إذا مشت برق الشآم وحي أهل الحي واقر السلام

وانزل بإقليم جزيل الحيا بارك فيه الله رب الأنام

العز والنصر لديه، وما لعروة الإسلام عنه انفصام

من أولياء الله كم قد حوى ركناً بمرآه بطيب المقام

وهو مقر الأنبياء الألى والأصفياء الأتقياء الكرام

كم من شهيد في حماه وكم من عالم فردٍ وكم من إمام

ولذلك اعتنت الجهابذة بتخليد أخباره في الدواوين، وابتنت الأساتذة بيوت افتخاره المنيفة الأواوين، وتناقلت أنباءه البديعة ألسن الراوين، وهامت بأماكنه المريعة هداة الشريعة فضلاً عن الشعراء الغاوين، ومع ذلك فهم في التعبير عن عجائبه غير متساوين، أولا يرى أنهم يأتون من مقولهم، على قدر رأيهم وعقولهم، ولم يبلغ جمع منهم ما كانوا له ناوين:

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.