تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الأول في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيراتها

واستوائها، واشتمالها على كثيرٍ من المحاسن واحتوائها، وكرم بقعتها التي

سقتها سماء البركات بنافع أنوائها، وذكر بعض مآثرها المجلوّة الصور،

وتعداد كثيرٍ مما لها من البلدان والكور، المستمدة من أضوائها

فأقول:

محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره، وأنّى تجارى وهي الحائزة قصب السّبق، في أقطار الغرب والشرق.

[مقدمات عامة في مزايا الأندلس]

قال ابن سعيدٍ: إنّما سميت بأندلس بن طوبالٍ بن يافثٍ بن نوحٍ، لأنّه نزلها، كما أن أخاه سبت بن يافثٍ نزل العدوة المقابلة لها، وإليه تنسب سبتة. قال: وأهل الأندلس يحافظون على قوام اللسان العربي، لأنّهم إمّا عربٌ أو متعربون، انتهى.

وقال ابن غالبٍ: إنّه أندلس بن يافثٍ، والله تعالى أعلم.

وقال الوزير لسان الدين بن الخطيب - رحمه الله تعالى - في بعض كلامٍ له

أجرى فيه ذكر البلاد الأندلسية، أعادها الله تعالى للإسلام ببركة المصطفى عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، ما نصّه: خصّ الله تعالى بلاد الأندلس من الرّيع وغدق السّقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وصحّة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وقبول الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدّن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار ممّا سواها، انتهى.

قال أبو عامرٍ السالمي، في كتابه المسمى " بدرر القلائد وغرر الفوائد ": الأندلس من الإقليم الشامي، وهو خير الأقاليم، وأعدلها هواءً وتراباً، وأعذبها ماءً وأطيبها هواءً وحيواناً ونباتاً، وهو أوسط الأقاليم، وخير الأمور أوسطها، انتهى.

قال أبو عبيدٍ البكري: الأندلس شاميةٌ في طيبها وهوائها، يمانيةٌ في اعتدالها واستوائها، هنديةٌ في عطرها وذكائها، أهوازيةٌ في عظم جبايتها، صينيةٌ في جواهر معادنها، عدنيةٌ في منافع سواحلها، فيها آثارٌ عظيمةٌ لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة، وكان من ملوكهم الذين أثّروا الآثار بالأندلس هرقلس، وله الأثر في الصنم بجزيرة قادس وصنم جلّيقية، والأثر في مدينة طرّكونة الذي لا نظير له.

[مساحتها وأبعادها]

قال المسعودي: بلاد الأندلس تكون مسرة عمائرها ومدنها نحو شهرين، ولهم من المدن الموصوفة نحوٍ من أربعين مدينةٍ، انتهى باختصار.

ونحوه لابن اليسع إذ قال: طولها من أربونة إلى أشبونة وهو قطع ستين يوماً للفارس المجدّ، وانتقد بأمرين: أحدهما أنّه يقتضي أن أربونة داخلةٌ في جزيرة الأندلس، والصحيح أنها خارجةٌ عنها، والثاني أن قوله: " ستين يوماً للفارس المجدّ " إعياءٌ وإفراطٌ، وقد قال جماعة: إنّها شهرٌ ونصف.

قال ابن سعيدٍ: وهذا يقرب إذا لم يكن للفارس المجدّ، والصحيح ما نص عليه الشريف من أنها مسيرة شهرٍ، وكذا قال الحجاري، وقد سألت المسافرين المحققين عن ذلك فعملوا حساباً بالمراحل الجيدة أفضى إلى نحو شهرٍ بنيفٍ قليلٍ.

قال الحجاري في موضع من كتابه: إن طول الأندلس من الحاجز إلى أشبونة ألف ميلٍ ونيفٍ؛ انتهى.

وبالجملة فالمراد التقريب من غير مشاححة، كما قاله ابن سعيدٍ، وأطال في ذلك، ثم قال بعد كلامٍ: ومسافة الحاجز الذي بين بحر الزّقاق والبحر المحيط أربعون ميلاً، وهذا عرض الأندلس عند رأسها من جهة الشرق، ولقلّته سميت

جزيرة وإلاّ فليست بجزيرة على الحقيقة لاتصال هذا القدر بالأرض الكبيرة، وعرض جزيرة الأندلس في موسطتها عند طليطلة ستة عشر يوماً. واتفقوا على أن جزيرة الأندلس مثلثة الشكل، واختلفوا في الركن الذي في الشرق والجنوب في حيز أربونة، فممن قال إنّه في أربونة وإن هذه المدينة تقابلها مدينة برذيل التي في الركن الشرقي الشمالي أحمد بن محمدٍ الرازي وابن حيّان، وفي كلام غيرهما أنّه في جهة أربونة، وحقق الأمر الشريف، وهو أعرف تلك الجهة لتردده في الأسفار برّاً وبحراً إليها وتفرّغه لهذا الفن.

قال ابن سعيد: وسألت جماعةً من علماء هذا الشأن فأخبروني أن الصحيح ما ذهب إليه الشريف، وأن أربونة وبرشلونة غير داخلتين في أرض الأندلس، وأن الركن الموفي على بحر الزقاق بالمشرق بين برشلونة وطرّكونة في موضعٍ يعرف بوادي رنلقاطو، وهنالك الحاجز الذي يفصل بن الأندلس والأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة، وفي هذا المكان جبل البرت الفاصل في الحاجز المذكور وفيه الأبواب التي فتحها ملك اليونانيين بالحديد والنار والخل، ولم يكن للأندلس من الأرض الكبيرة قبل ذلك طريقٌ في البر. وذكر الشريف أن هذه الأبواب يقع في مقابلتها في بحر الزقاق البحر الذي بين جزيرتي ميورقة ومنورقة، وقد أخبر بذلك جمهور المسافرين لتلك الناحية، ومسافة هذا

الجبل الحاجز بين الركن الجنوبي والركن الشمالي أربعون ميلاً.

قال: وشمال الركن المذكور عند مدينة برذيل، وهي من مدن الإفرنجة مطلة على البحر المحيط في شماليّ الأندلس، قال: ويتقهقر البر بعد تميز هذا الركن إلى الشمال في بلاد الفرنجة، ولهم به جزائرٌ كثيرةٌ. وذكر أن الركن الشمالي عند شنت ياقوه من ساحل الجلالقة في شمال الأندلس الغربي، حيث تبتدئ جزيرةٌ برطانيةٌ الكبيرة فيتصوّر هنالك بحرٌ داخلٌ بين أرضين، من الناس من يجعله بحراً منفرداً خارجاً من البحر المحيط لطوله إلى الركن المتقدم الذكر عند مدينة برذيل.

وذكر الشريف أن عند شنت ياقوه في هذا الركن المذكور على جبلٍ بمجمع البحرين صنماً مطلاًّ مشبهاً بصنم قادس.

والركن الثالث بمقربةٍ من جبل الأغر حيث صنم قادس، والجبل المذكور يدخل من غربه مع جنوبه بحر الزقاق من البحر المحيط مارّاً مع ساحل الأندلس الجنوبي إلى جبل البرت المذكور، انتهى؛ والكلام في مثل هذا طويل الذيل.

قال الشيخ أحمد بن محمد بن موسى الرازي: بلد الأندلس هو آخر الإقليم الرابع إلى المغرب، وهو عند الحكماء بلدٌ كريم البقعة، طيب التربة، خصب

الجناب، منبجس بالأنهار الغزار والعيون العذاب، قليل الهوامّ ذوات السّموم، معتدل الهواء والجوّ والنسيم، ربيعه وخريفه ومشتاه ومصيفه على قدرٍ من الاعتدال، وسطةٌ من الحال، لا يتولد في أحدها فضلٌ يتولّد منه فيما يتلوه انتقاصٌ، تتصل فواكهه أكثر الأزمنة وتدوم متلاحقةً غير مفقودةٍ، أمّا الساحل منه ونواحيه فيبادر بباكوره، وأما الثغر وجهاته والجبال المخصوصة ببرد الهواء فيتأخر بالكثير من ثمره، فمادة الخيرات بالبلد متماديةٌ في كل الأحيان، وفواكهه على الجملة غير معدومةٍ في كل أوانٍ؛ وله خواصٌّ في كرم النبات يوافق في بعضها أرض الهند المخصوصة بجواهر الإنبات: منها أن المحلب؟ وهو المقدّم في الأفاويه والمفضّل في أنواع الأشنان؟ لا ينبت بشيءٍ من الأرض إلا بالهند والأندلس؛ والأندلس المدن الحصينة، والمعاقل المنيعة، والقلاع الحريزة، والمصانع الجليلة، ولها البر والبحر، والسهل والوعر، وشكلها مثلثٌ، وهي معتمدةٌ على ثلاثة أركان: الأول هو الموضع الذي فيه صنم قادس المشهور بالأندلس، ومنه مخرج البحر المتوسط الشامي الآخذ بقبليّ الأندلس، والركن الثاني هو بشرقي الأندلس بين مدينة نربونة ومدينة برذيل مما بأيدي الفرنجة اليوم بإزاء جزيرتي ميورقة ومنورقة بمجاورةٍ من البحرين: البحر المحيط والبحر المتوسط، وبينهما البر الذي يعرف بالأبواب، وهو المدخل إلى بلد الأندلس من الأرض الكبيرة على بلد إفرنجة، ومسافته بين البحرين مسيرة يومين، ومدينة نربونة تقابل البحر المحيط، والركن الثالث منها هو ما بين الجوف والغرب من حيز جلّيقيّة، حيث الجبل الموفي على البحر، وفيها الصنم

العالي المشبه بصنم قادس، وهو الطالع على بلدٍ برطانيةٍ.

قال: والأندلس أندلسان في اختلاف هبوب رياحها ومواقع أمطارها وجريان أنهارها: أندلسٌ غربيٌ، وأندلسٌ شرقيٌ، فالغربي منها ما جرت أوديته إلى البحر المحيط الغربي، ويمطر بالرياح الغربية، ومبتدأ هذا الحوز من ناحية المشرق مع المفازة الخارجة مع الجوف إلى بلد شنتمريّة طالعاً إلى حوز أغريطة المجاورة لطليطلة مائلاً إلى الغرب ومجاوراً للبحر المتوسط الموازي لقرطاجنّة الحلفاء التي من بلد لورقة، والحوز الشرقي المعروف بالأندلس الأقصى، وتجري أوديته إلى الشرق، وأمطاره بالريح الشرقية، وهو من حدّ جبل البشكنس، هابطاً مع وادي إبره إلى بلد شنت مرية، ومن جوف هذا البحر وغربه المحيط، وفي القبلة منه البحر الغربي الذي منه يجري البحر المتوسط الخارج إلى بلد الشام، وهو البحر المسمّى ببحر تيران، ومعناه الذي يشق دائرة الأرض، ويسمى البحر الكبير، انتهى.

قال أبو بكر عبد الله بن عبد الحكم المعروف بابن النظام: بلد الأندلس

عند علماء أهله أندلسان: فالأندلس الشرقي منه ما صبّت أوديته إلى البحر الرومي المتوسط المتصاعد من أسفل أرض الأندلس إلى المشرق، وذلك ما بين مدينة تدمير إلى سرقسطة، والأندلس الغربي ما صبّت أوديته إلى البحر الكبير المعروف بالمحيط أسفل ذلك الحدّ إلى ساحل المغرب، فالشرقي منهما يمطر بالريح الشرقية، ويصلح عليها، والغربي يمطر بالريح الغربية وبها صلاحه، وجباله هابطةٌ إلى الغرب جبلاً بعد جبلٍ. وإنّما قسمته الأوائل جزأين لاختلافهما في حال أمطارهما، وذلك أنّه مهما استحكمت الريح الغربيّة كثر مطر الأندلس الغربي وقحط الأندلس الشرقي، ومتى استحكمت الريح الشرقية مطر الأندلس الشرقي وقحط الغربي؛ وأودية هذا القسم تجري من الشرق إلى الغرب بين هذه الجبال. وجبال الأندلس الغربي تمتدّ إلى الشرق جبلاً بعد جبلٍ تقطع من الجوف إلى القبلة، والأودية التي تخرج من تلك الجبال يقطع بعضها إلى القبلة وبعضها إلى الشرق، وتنصبّ كلّها إلى البحر المتوسط للأندلس القاطع إلى الشام، وهو البحر الرومي، وما كان من بلاد جوفي الأندلس من بلادٍ جلّيقيّةٍ وما يليها فإن أوديته تنصبّ إلى البحر الكبير المحيط بناحية الجوف. وصفة الأندلس شكلٌ مركنٌ على مثال الشكل المثلث: ركنها الواحد فيما بين الجنوب والمغرب حيث اجتماع البحرين عند صنم قادس، وركنها الثاني في بلدٍ جليّقيّةٍ حيث الصنم المشبه صنم قادس مقابل جزيرةٍ برطانيةٍ، وركنها الثالث بين مدينة نربونة ومدينة برذيل من بلد الفرنجة بحيث يقرب البحر المحيط من البحر الشامي المتوسط، فيكادان يجتمعان في ذلك الموضع،

فيصير بلد الأندلس جزيرةٌ بينهما في الحقيقة، لولا أنّه يبقى بينهما برزخ برية صحراء وعمارة مسافة مسيرة يوم للراكب، منه المدخل إلى الأرض الكبيرة التي يقال لها الأبواب، ومن قبله يتصل بلد الأندلس بتلك البلاد المعروفة بالأرض الكبيرة ذات الألسن المختلفة.

[الأمم التي استوطنت الأندلس]

قال: وأوّل من سكن الأندلس على قديم الأيام فيما نقله الأخباريون من بعد عهد الطوفان على ما يذكره علماء عجمها قومٌ يعرفون بالأندلش - معجمة الشين - بهم سمّي المكان، فعرب فيما بعد بالسين غير المعجمة، كانوا الذين عمروها وتناسلوا فيها وتداولوا ملكها دهراً، على دين التمجس والإهمال والإفساد في الأرض، ثم أخذهم الله بذنوبهم، فحبس المطر عنهم، ووالى القحط عليهم، وأعطش بلادهم حتى نضبت مياهها، وغارت عيونها، ويبست أنهارها، وبادت أشجارها، فهلك أكثرهم، وفرّ من قدر على الفرار منهم، فأقفرت الأندلس منهم، وبقيت خاليةً فيما يزعمون مائة سنةٍ وبضع عشرة سنة، وذلك من حدّ بلد الفرنجة إلى حدّ بحر الغرب الأخضر، وكان عدّة ما عمرتها هذه الأمة البائدة مائة عامٍ وبضع عشرة سنة. ثمّ ابتعث الله لعمارتها الأفارقة، فدخل إليها بعد إقفارها تلك المدّة الطويلة قومٌ منهم أجلاهم ملك إفريقية

تخففاً منهم لإمحالٍ توالى على أهل مملكته، وتردد عليهم حتى كاد يفنيهم، فحمل منهم خلقاً في السفن مع قائدٍ من قبله يدعى أبطريقس فأرسوا بريف الأندلس الغربي، واحتلوا بجزيرة قادس، فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت، فجرت أنهارها، وانفجرت عيونها، وحييت أشجارها، فنزلوا الأندلس مغتبطين، وسكنوها معتمرين، وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها، ونصّبوا من أنفسهم ملوكاً عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم، وهم - مع ذلك - على ديانة من قبلهم من الجاهلية، وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها، فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاماً إلى أن أهلكهم الله تعالى، ونسخهم بعجم رومة، بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدّتهم تلك أحد عشر ملكاً. ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش، وباسمه سميت الأندلس إشبانية، وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم، وقيل: بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه، وهو الذي بنى إشبيلية، وكان إشبانية اسماً خالصاً لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا، ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كلّه، فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه، وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدّنيا فيما زعموا، وكان غزا الأفارقة عندما سلّطه الله عليهم في جموعه، ففض عساكرهم، وأثخن فيهم، ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه، فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم، واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها

الله عليه، وغلبهم، واستوت له مملكة الأندلس بأسرها، ودان له من فيها، فهدم مدينة طالقة، ونقل رخامها وآلاتها إلى مدينة إشبيلية، فاستتم بناءها، واتخذها دار مملكته، واستغلظ سلطانه في الأرض، وكثرت جموعه، فعلا وعظم عتوّه، ثم غزا إيليا - وهي القدس الشريف - من إشبيلية بعد سنتين من ملكه، خرج إليها في السفن فغنمها وهدمها، وقتل فيها من اليهود مائة ألفٍ، واسترق مائة ألف وانتقل رخام إيليا وآلاتها إلى الأندلس، وقهر الأعداء، واشتد ّسلطانه. انتهى.

وذكر بعض المؤرخين أن الغرائب التي أصيبت في مغانم الأندلس أيام فتحها كمائدة سليمان ﵊ التي ألفاها طارق بن زياد بكنيسة طليطلة وقليلة الدر التي ألفاها موسى بن نصير بكنيسة ماردة وغيرهما من طرائف الذخائر إنّما كانت ممّا صار لصاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس، إذ حضر فتحها مع بختنصر، وكان اسم ذلك الملك بريان، وفي سهمه وقع ذلك ومثله ممّا كانت الجن تأتي به نبيّ الله سليمان، على نبيّنا وعليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام. وانتهى.

وقال غير واحدٍ من المؤرخين: كان أهل المغرب الأقصى يضرّون بأهل الأندلس، لاتصال الأرض، ويلقون منهم الجهد الجهيد في كل وقتٍ، إلى أن اجتاز بهم الاسكندر، فشكوا حالهم إليه، فأحضر المهندسين، وحضر إلى الزقاق، فأمر المهندسين بوزن سطح الماء من المحيط والبحر الشامي، فوجدوا المحيط يعلو البحر الشامي بشيء يسير، فأمر برفع البلاد التي على ساحل البحر

الشامي، ونقلها من الحضيض إلى الأعلى، ثمّ أمر بحفر ما بين طنجة وبلاد الأندلس من الأرض، فحفرت حتى ظهرت الجبال السفلية، وبنى عليها رصيفاً بالحجر والجيار بناءً محكماً وجعل طوله اثني عشر ميلاً، وهي المسافة التي كانت بين البحرين، وبنى رصيفاً آخر يقابله من ناحية طنجة، وجعل بين الرصيفين سعة ستة أميالٍ، فلمّا كمل الرصيفان حفر من جهة البحر الأعظم، وأطلق فم الماء بين الرصيفين، فدخل في البحر الشامي، ثم فاض ماؤه فأغرق مدناً كثيرةً، وأهلك أمماً عظيمةً كانت على الشطين، وطفا الماء على الرصيفين إحدى عشرة قامةٍ، فأمّا الرصيف الذي يلي بلاد الأندلس فإنّه يظهر في بعض الأوقات إذا نقص الماء ظهوراً بيّناً مستقيماً على خطٍ واحدٍ، وأهل الجزيرتين يسمونه القنطرة، وأما الرصيف الذي من جهة العدوة فإن الماء حمله في صدره، واحتفر ما خلفه من الأرض اثني عشر ميلاً، وعلى طرفه من جهة المغرب قصر الجواز وسبتة وطنجة، وعلى طرفه من الناحية الأخرى جبل طارق بن زياد وجزيرة طريف وغيرهما والجزيرة الخضراء، وبين سبتة والجزيرة الخضراء عرض البحر. انتهى ملخصاً، وقد تكرّر بعضه مع ما جلبناه، والعذر بيّنٌ لارتباط الكلام بعضه ببعضٍ.

[موقع الأندلس من الأقاليم]

وقال ابن سعيد: ذكر الشريف أن لا حظّ لأرض الأندلس في الإقليم الثالث، قال: ويمر بجزيرة الأندلس من الأقاليم الرابع على ساحلها الجنوبي وما قاربه من قرطبة وإشبيلية ومرسية وبلنسية، ثم يمر على جزيرة صقلية وعلى ما في سمتها من الجزائر، والشمس مدبّرة له.

والإقليم الخامس يمر على طليطلة وسرقسطة وما في سمتها إلى بلاد أرغون التي في جنوبيها برشلونة، ثم يمر على رومية وبلادها، ويشق بحر البنادقة، ثم يمر على القسطنطينية، ومدبّرته الزّهرة.

والسادس يمر على ساحل الأندلس الشمالي الذي على البحر المحيط وما قاربه وبعض البلاد الداخلة في قشتالة وبرتقال وما في سمتها، وعلى بلاد برجان والصقالبة والروس، ومدبّره عطارد.

ويمر الإقليم السابع في البحر المحيط الذي في شماليّ الأندلس إلى جزيرة انقلطرة وغيرها من الجزائر وما في سمتها من بلاد الصقالبة وبرجان. قال البيهقي: وفيه تقع جزيرة تولى وجزيرتا أجبال والنساء وبعض بلاد الروس الداخلة في الشمال والبلغار، ومدبّره القمر، انتهى.

وقال بعض العلماء: إنّ النصارى حرموا جنّة الآخرة فأعطاهم الله جنّة الدّنيا بستاناً متصلاً من البحر المحيط بالأندلس إلى خليج القسطنطينية، وعندهم عموم شاه بلوط والبندق والجوز والفستق وغير ذلك ممّا يكون أكثر وأمكن في الأقاليم الباردة، والتمر عندهم معدومٌ، وكذا الموز وقصب السكر، وربما يكون شيءٌ من ذلك في الساحل، لأن هواء البحر يدفئ، انتهى.

[رجع إلى الأمم التي استوطنتها]

قال ابن حيّان في المقتبس: ذكر رواة العجم أن الخضر ﵇ وقف بإشبان المذكور وهو يحرث الأرض بفدنٍ له أيام حراثته، فقال له:

يا إشبان، إنّك لذو شانٍ، وسوف يحظيك زمانٌ، ويعليك سلطانٌ، فإذا أنت غلبت على إيليا فارفق بذرية الأنبياء، فقال له إشبان: أساخرٌ رحمك الله؟ أنّى يكون هذا مني وأنا ضعيفٌ ممتهنٌ حقيرٌ فقيرٌ ليس مثلي ينال السلطان؟ فقال له: قد قدّر ذلك فيك من قدّر في عصاك اليابسة ما تراه، فنظر إشبان إلى عصاه، فإذا بها قد أورقت، فريع لما رأى من الآية، وذهب الخضر عنه، وقد وقع الكلام بخلده، ووقرت في نفسه الثقة بكونه، فترك الامتهان من وقته، وداخل الناس، وصحب أهل البأس منهم، وسما به جدّه فارتقى في طلب السلطان حتى أدرك منه عظيماً، وكان منه ما كان. ثم أتى عليه ما أتى على القرون قبله، وكان ملكه كلّه عشرين سنةً، وتمادى ملك الإشبانيين بعده إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكاً.

ثمّ دخل على هؤلاء الإشبانيين من عجم رومة أمّة يدعون البشتولقات، وملكهم طلوبش بن بيطه، وذلك زمن بعث المسيح بن مريم ﵇، أتوا الأندلس من قبل رومة، وكانوا يملكون إفرنجة معها، ويبعثون عمالهم إليها، فاتخذوا دار مملكتهم بالأندلس مدينة ماردة، واستولوا على مملكة الأندلس، واتصل ملكهم بها مدّة إلى أن ملك منهم سبعةٌ وعشرون ملكاً.

ثم دخل على هؤلاء البشتولقات أمة القوط مع ملكٍ لهم، فغلبوا على الأندلس، واقتطعوها من يومئذ من صاحب رومة، وتفرّدوا بسلطانهم، واتخذوا مدينة طليطلة دار مملكتهم، وأقروا بها سرير ملكهم، فبقي بإشبيلية علم الإشبانيين ورياسة أوليتهم.

وقد كان عيسى المسيح ﵇، بعث الحواريين في الأرض يدعون

الخلق إلى ديانته، فاختلف الناس عليهم، وقتلوا بعضهم، واستجاب لهم كثيرٌ منهم، وكان من أسرعهم إجابةً لمن جاءه من هؤلاء الحواريين خشندش ملك القوط، فتنصر، ودعا قومه إلى النصرانية، وكان من صميم أعاظمهم وخير من تنصر من ملوكهم، وأجمعوا على أنّه لم يكن فيهم أعدل منه حكماً، ولا أرشد رأياً، ولا أحسن سيرةً، ولا أجود تدبيراً، فكان الذي أصّل النصرانية في مملكته، ومضى أهلها على سنّته إلى اليوم، وحكموا بها، والإنجيلات في المصاحف الأربعة التي يختلفون فيها من انتساخه وجمعه وتثقيفه، فتناسقت ملوك القوط بالأندلس بعده إلى أن غلبتهم العرب عليها، وأظهر الله تعالى دين الإسلام على جميع الأديان.

فوقع في تواريخ العجم القديمة أن عدّة ملوك هؤلاء القوط بالأندلس من عهد أتاناوينوس الذي ملك في السنة الخامسة من مملكة فلبش القيصري لمضي أربعمائةٍ وسبع من تاريخ الصفر المشهور عند العجم إلى عهد لذريق آخرهم الذي ملك في السنة التاسعة والأربعين وسبعمائةٍ من تاريخ الصفر، وهو الذي دخلت عليه العرب فأزالت دولة القوط، ستةٌ وثلاثون ملكاً، وأن مدّة أيام ملكهم بالأندلس ثلاثمائةٍ واثنتان وأربعون سنةً، انتهى.

وقال جماعة: إن القوط غير البشتولقات، وإن البشتولقات من عجم رومة، وإنهم جعلوا دار ملكهم ماردة، واتصل ملكهم إلى أن ملك منهم سبعةٌ وعشرون ملكاً، ثم دخل عليهم القوط، واتخذوا طليطلة دار مملكةٍ، ثم ذكر تنصر ملكهم خشندش مثل ما تقدّم، ثم ذكر أن عدّة ملوك القوط ستةٌ ثلاثون ملكاً.

وذكر الرازي أن القوط من ولد يأجوج بن يافث بن نوح، وقيل غير ذلك، انتهى.

[مناخها وخيراتها]

وقال الرازي في موضعٍ آخر نحو ما تقدم وزيادة، ونصّه: أن الأندلس في آخر الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة التي هي ربع معمور الدنيا فهي موسطةٌ من البلدان، كريمة البقعة، بطبع الخلقة، طيبة التربة، مخصبة القاعة، منبجسة العيون الثّرار، منفجرة بالأنهار الغزار، قليلة الهوام ذوات السموم، معتدلة الهواء أكثر الأزمان لا يزيد قيظها زيادة منكرة تضر بالأبدان وكذا سائر فصولها في أعم سنيها تأتي على قدر من الاعتدال وتوسّط من الحال، وفواكهها تتصل طول الزمان فلا تكاد تعدم، لأن الساحل ونواحيه يبادر بباكوره، كما أن الثغر وجهاته والجبال التي يخصّها برد الهواء وكثافة الجوّ تستأخر بما فيها من ذلك، حتى يكاد طرفا فاكهتها يلتقيان، فمادة الخيرات فيها متصلةٌ كلّ أوانٍ. ومن بحرها بجهة الغرب يخرج العنبر الجيد المقدّم على أجناسه في الطيب والصبر على النار، وبها شجر المحلب المعدود في الأفاويه المقدم في أنواع الأشنان كثيرٌ واسعٌ، وقد زعموا أنّه لا يكون إلا بالهند وبها فقط، ولها خواصٌ نباتيةٌ يكثر تعدادها، انتهى.

وقد ذكر غيره تفصيل بعض ذلك فقال: يوجد في ناحية دلاية من إقليم

البشرة عود الألنجوج، لا يفوقه العود الهندي ذكاءً وعطر رائحةٍ، وقد سيق منه إلى خيران الصقلبي صاحب المرية، وأن أصل منبته كان بين أحجارٍ هنالك، وبأكشونبة جبلٌ كثيراً ما يتضوّع، ريحه ريح العود الذكي إذا أرسلت فيه النار، وببحر شذونة يوجد العنبر الطيب الغربي، وفي جبل منت ليون المحلب، ويوجد بالأندلس القسط الطيب، والسنبل الطيب، والجنطيانة تحمل من الأندلس إلى جميع الآفاق، وهو عقارٌ رفيعٌ، والمر الطيب بقلعة أيوب، وأطيب كهرباء الأرض بشذونة، درهمٌ منها يعدل دراهم من المجلوبة، وأطيب القرمز قرمز الأندلس، وأكثر ما يكون بنواحي إشبيلية ولبلة وشذونة وبلنسية، ومن الأندلس يحمل إلى الآفاق، وبناحية

لورقة من عمل تدمير يكون حجر اللازورد الجيد، وقد يوجد في غيرها، وعلى مقربة من حصن لورقة من عمل قرطبة معدن البلور، وقد يوجد بجبل شحيران وهو شرقي يبره، والحجر البجادي يوجد بناحية مدينة الأشبونة في جبلٍ هنالك يتلألأ فيه ليلاً كالسراج، والياقوت الأحمر يوجد بناحية حصن منت ميور من كورة مالقة إلاّ أنّه دقيق جدّاً لا يصلح للاستعمال لصغره، ويوجد حجرٌ يشبه الياقوت الأحمر بناحية بجّانة في خندق يعرف بقرية ناشرة أشكالاً مختلفةً كأنّه مصبوغٌ، حسن اللون، صبور على النار، وحجر المغناطيس الجاذب للحديد يوجد في كورة تدمير، وحجر الشاذنة بجبل قرطبة كثير، ويستعمل في دلك التذاهيب، وحجر اليهودي في ناحية حصن البونت، وهو أنفع شيءٍ للحصاة، وحجر المرقشيثا الذهبية في جبال أبّذة لا نظير لها في الدنيا، ومن الأندلس تحمل إلى جميع الآفاق لفضلها، والمغنيسيا بالأندلس كثير، وكذلك حجر الطّلق، ويوجد حجر اللؤلؤ بمدينة برشلونة إلاّ أنّه جامد اللون، ويوجد المرجان بساحل بيرة من عمل المرية،

أقلّ ما لقط منه من شهر نحو ثمانين ربعاً، ومعدن الذهب بنهر لاردة يجمع منه كثير، ويجمع أيضاً في ساحل الأشبونة، ومعادن الفضة في الأندلس كثيرةٌ في كورة تدمير وجبال حمّة بجّانة، وبإقليم كرتش من عمل قرطبة معدن فضة جليل، وبأكشونبة معدن القصدير لا نظير له يشبه الفضّة، وله معادن بناحية إفرنجة وليون، ومعدن الزئبق في جبل البرانس، ومن هنالك يتجهز به إلى الآفاق، ومعادن الكبريت الأحمر والأصفر بالأندلس كثيرةٌ، ومعدن التوتيا الطبية بساحل إلبيرة بقرية تسمى بطرنة، وهي أزكى توتيا وأقواها في صبغ النحاس، وبجبال قرطبة توتيا، وليست كالبطرينة، ومعدن الكحل المشبه بالأصفهاني بناحية مدينة طرطوشة يحمل منها إلى جميع البلاد، ومعادن الشبوب والحديد والنحاس بالأندلس أكثر من أن تحصى، وما ذكرت هنا وإن تكرّر بعضه مع ما سبق أو يأتي فهو لجمع النظائر، وما لم نذكره أكثر، والله تعالى أعلم.

ومن خواص طليطلة: أن حنطتها لا تتغير ولا تتسوّس على طول السنين، يتورثها الخلف عن السلف، وزعفران طليطلة هو الذي يعم البلاد ويتجهز به الرفاق إلى الآفاق، وكذلك الصبغ السماوي، انتهى.

وقال المسعودي في " مروج الذهب " بعد كلامٍ ما نصّه: والعنبر كثيرٌ ببحر الأندلس، يجهز إلى مصر وغيرها، ويحمل إلى قرطبة من ساحلٍ لها يقال

له شنترين وشذونة، تبلغ الأوقية منه بالأندلس ثلاثة مثاقيلٍ ذهباً، والوقية بالبغدادي وتباع بمصر بعشرة دنانير، وهو عنبرٌ جيّدٌ، ويمكن أن يكون هذا العنبر الواقع إلى بحر الروم ضربته الأمواج من بحر الأندلس إلى هذا البحر لاتصال الماء. وبالأندلس معدنٌ عظيمٌ للفضّة، ومعدنٌ للزئبق ليس بالجيّد يجهز إلى سائر بلاد الإسلام والكفر، وكذلك يحمل من بلاد الأندلس الزعفران وعروق الزنجبيل وأصول الطيب خمسة أصناف: المسك، والكافور، والعود، والعنبر، والزعفران، وكلها تحمل من أرض الهند وما اتصل بها إلاّ الزعفران والعنبر، انتهى، وهو وإن تكرّر مع ما ذكرته عن غيره فلا يخلو من فائدةٍ، والله تعالى أعلم.

وذكر البعض أن في بعض بلاد الأندلس جميع المعادن الكائنات عن النيرات السبعة وهي: الرصاص من زحل، والقصدير الأبيض من المشتري، والحديد من قسم المريخ، والذهب من قسم الشمس، والنحاس من الزهرة، والزئبق من عطارد، والفضة من القمر.

[الأندلسيون والأمم المجاورة]

وذكر الكاتب إبراهيم بن القاسم القروي المعروف بالرقيق بلد

الأندلس، فقال: أهله أصحاب جهادٍ متصلٍ يحاربون من أهل الشرك المحيطين بهم أمّةً يدعون الجلالقة يتاخمون حوزهم ما بين غربٍ إلى شرقٍ، قومٌ لهم شدّةٌ ولهم جمالٌ وحسن وجوهٍ، فأكثر رقيقهم الموصوفين بالجمال والفراهة منهم ليس بينهم وبينهم دربٌ، فالحرب متصلةٌ بينهم، ما لم تقع هدنةٌ؛ ويحاربون بالأفق الشرقي أمّةٌ يقال يهم الفرنجة هم أشد عليهم من جميع من يحاربونه من عدوّهم، إذ كانوا خلقاً عظيماً في بلادٍ كثيرةٍ واسعةٍ جليلةٍ متصلة العمارة آهلةٍ تدعى الأرض الكبيرة، هم أكثر عدداً من الجليقيين وأشد بأساً وأحد شوكة وأعظم أمداداً، وهذه الأمّة يحاربون أمّة الصقالبة المتصلين بأرضهم لمخالفتهم إياهم في الديانة فيسبونهم ويبيعون رقيقهم بأرض الأندلس، فلهم هنالك كثرةٌ، وتخصيهم للفرنجة يهود ذمتّهم الذين بأرضهم، وفي ثغر المسلمين المتصل بهم، فيحمل خصيانهم من هنالك إلى سائر البلاد، وقد تعلّم الخصاء قومٌ من المسلمين هناك، فصاروا يخصون ويستحلّون المثلة.

[بحر المجاز]

قال ابن سعيد: ومخرج بحر الروم المتصاعد إلى الشام هو بساحل الأندلس الغربي بمكانٍ يقال له الخضراء ما بين طنجة من أرض المغرب وبين الأندلس فيكون مقدار عرضه هناك كما زعموا ثمانية عشر ميلاً، وهذا عرض جزيرة طريف إلى قصر مصمودة بالقرب من سبتة، وهناك كانت القنطرة التي يزعم الناس أن الاسكندر بناها ليعبر عليها من بر الأندلس إلى بر العدوة،

ويعرف هذا الموضع بالزقاق، وهو صعب المجاز لأنّه مجمع البحرين لا تزال الأمواج تتطاول فيه والماء يدور، وطول هذا الزقاق الذي عرضه ثمانية عشر ميلاً مضاعف ذلك إلى ميناء سبتة، ومن هناك يأخذ البحر في الاتساع إلى ثمانمائة ميلٍ وأزيد، ومنتهاه مدينة صور من الشام، وفيه عددٌ عظيمٌ من الجزائر. قال بعضهم: إنها ثمانٍ وعشرون جزيرة منها صقلية ومالطة وغيرهما، انتهى، وبعضه بالمعنى. وقال بعضهم عند وصفه بحر الزقاق قرب سبتة، ما صورته: ثم يتّسع كلّما امتد حتى يصير إلى ما لا ذرع له ولا نهاية.

[نبذة عن خراجها]

وقال بعضهم: وكان مبلغ خراج الأندلس الذي كان يؤدى إلى ملوك بني أميّة قديماً ثلاثمائة ألف دينار دراهم أندلسية كل سنةٍ قوانين، وعلى كل مدينةٍ من مدائنهم ماٌ معلومٌ، فكانوا يعطون جندهم ورجالهم الثلث من ذلك مائة ألف دينار، وينفقون في أمورهم ونوائبهم ومؤن أهليهم مائة ألف دينار، ويدّخرون لحادث أيامهم مائة ألف دينار، انتهى.

وذكر غيره أن الجباية كانت بالأندلس أيام عبد الرحمن الأوسط ألف ألف دينارٍ في السنة، وكانت قبل ذلك لا تزيد على ستمائة ألف، حكاه ابن سعيد، وقال: إن الأندلس مسيرة شهرٍ مدنٌ وعمائرٌ.

[خبر ابن خلدون عن الأمم التي استوطنتها]

وقال قاضي القضاة ابن خلدون الحضرمي في تاريخه الكبير، ما صورته: كان هذا القطر الأندلسي من العدوة الشمالية من عدوتي البحر الرومي وبالجانب الغربي منها يسمى عند العجم الأندلوش، وتسكنه أممٌ من إفرنجة المغرب أشدهم وأكثرهم الجلالقة، وكان القوط قد تملّكوه وغلبوا على أهله لمئين من السنين قبل الإسلام، بعد حروبٍ كانت لهم مع اللطينيين حاصروا فيها رومة ثم عقدوا معهم السلم على أن ينصرف القوط إلى الأندلس، فصاروا إليها وملكوها. ولما أخذ الروم واللطينيون بملة النصرانية حملوا من وراءهم بالمغرب من أمم الفرنجة والقوط عليها فدانوا بها، وكان ملوك القوط ينزلون طليطلة، وكانت دار ملكهم، وربما تنقلوا ما بينها وبين قرطبة وإشبيلية وماردة، وأقاموا كذلك نحواً من أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام والفتح، وكان ملكهم لذلك العهد يسمى لذريق، وهو سمةٌ لملوكهم، كما هو جرجير سمةٌ لملوك صقلية، انتهى.

[شيءٌ عن غرناطة وأعمالها]

ومن أشهر بلاد الأندلس غرناطة، وقيل: إن الصواب أغرناطة - بالهمز - ومعناه بلغتهم الرّمّانة، وكفاها شرفاً ولادة لسان الدين بها.

وقال الشقندي: أما غرناطة فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح

الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخل من أشرافٍ أماثلٍ، وعلماءٍ أكابرٍ، وشعراءٍ أفاضلٍ، انتهى؛ ولو لم يكن لها إلى ما خصّها الله تعالى به من المرج الطويل العريض ونهر شنيل لكفاها.

وفي بعض كلام لسان الدين ما صورته: وما لمصر تفخر بنيلها وألفٌ منه في شنيلها ؟ يعني أن الشين عند أهل المغرب عددها ألف، فقولنا شنيل إذا اعتبرنا عدد شينه أن كان ألف نيل، انتهى؛ وفيها قيل:

غرناطة ما لها نظيرٌما مصر ما الشام ما العراق؟

ما هي إلى العروس تجلى ... وتلك من جملة الصّداق وتسمى كورة إلبيرة التي منها غرناطة، دمشق، لأن جند دمشق نزولها عند الفتح، وقيل: وإنما سميت بذلك لشبهها بدمشق في غزارة الأنهار، وكثرة الأشجار، حكاه صاحب مناهج الفكر، قال: ولما استولى الفرنج على معظم بلاد الأندلس انتقل أهلها إليها فصارت المصر المقصود، والمعقل الذي تنضوي إليه العساكر والجنود. ويشقّها نهرٌ عليه قناطر يجاز عليها، وفي قبليها جبل شلير، وهو جبلٌ لا يفارقه الثلج صيفاً وشتاءً، وفيه سائر النبات الهندي، لكن ليس فيه خصائصه، انتهى.

ومن أعمال غرناطة قطر لوشة، وبها معدن للفضة جيدٌ، ومنها، أعني لوشة، أصل لسان الدين بن الخطيب. وهذا القطر ضخمٌ ينضاف إليه من الحصون

والقرى كثيرٌ، وقاعدته لوشة، بينها وبين غرناطة مرحلة، وهي ذات أنهارٍ وأشجارٍ، وهي على نهر غرناطة الشهير بشنيل.

ومن أعمال غرناطة الكبار عمل باغه، والعامة يقولون بيغه، وإذا نسبوا إليه قالوا بيغي، وقاعدته باغه طيبة الزرع، كثيرة الثمار، غزيرة المياه، ويجود فيها الزعفران.

ومن أعمال غرناطة وادي آش، ويقال: وادي الأشات. وهي مدينة جليلة قد أحدقت بها البساتين والأنهار، وقد خص الله أهلها بالأدب وحب الشعر، وفيها يقول أبو الحسن بن نزار:

وادي الأشات يهيج وجدي كلّماأذكرت ما قضّت بك النعماء
لله ظلّك والهجير مسلّطٌقد برّدت لفحاته الأنداء
والشمس ترغب أن تفوز بلحظةٍمنه فتطرف طرفها الأفياء
والنهر يبسم بالحباب كأنّهسلخٌ نضته حيّةٌ رقشاء

فلذاك تحذره الغصون فميلها ... أبداً على جنباته إيماء ومن أعمال وادي آش حصن جليانة، وهو كبيرٌ يضاهي المدن، وبه التفاح الجلياني الذي خص الله به ذلك الموضع، يجمع عظم الحجم وكرم الجوهر وحلاوة الطعم وذكاء الرائحة والنقاء، وبين الحصن المذكور ووادي

آش اثنا عشر ميلاً.

ومن غرائب الأندلس أن به شجرتين من شجر القسطل، وهما عظيمتان جدّاً إحداهما بسند وادي آش والأخرى ببشرة غرناطة، في جوف كل واحدةٍ منهما حائكٌ ينسج الثياب، وهذا أمرٌ مشهورٌ قاله أبو عبد الله بن جزيّ وغيره.

وكانت إلبيرة هي المدينة قبل غرناطة، فلمّا بنى الصّنهاجي مدينة غرناطة وقصبتها وأسوارها انتقل الناس إليها، ثم زاد في عمارتها ابنه باديس بعده.

[شهرة سرقسطة وبرجة ومالقة وأشبونة]

وذكر غير واحدٍ أن في كورة سرقسطة الملح الأندارني الأبيض الصافي الأملس الخالص، وليس في الأندلس موضعٌ فيه مثل هذا الملح.

قال: وسرقسطة بناها قيصر ملك رومة الذي تؤرخ من مدته مدة الصفر قبل مولد المسيح على نبيّنا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام، وتفسير اسمها قصر السيد، لأنّه اختار ذلك المكان بالأندلس.

وقيل: إن موسى بن نصير شرب من ماء نهر جلّق بسرقسطة فاستعذبه، وحكم أنّه لم يشرب بالأندلس أعذب منه، وسأل عن اسمه، فقيل: جلّق، ونظر إلى ما عليه من البساتين فشبّهها بغوطة جلّق الشام، وقيل: إنها من بناء الاسكندر، والله أعلم.

وبمدينة برجة - وهي من أعمال المرية - معدن الرصاص، وهي على وادٍ مبهجٍ ويعرف بوادي عذراء، وهو محدقٌ بالأزهار والأشجار، وتسمى

برجة: " بهجة " لبهجة منظرها، وفيها يقول أبو الفضل بن شرف القيرواني، رحمه الله تعالى:

رياضٌ تعشّقها سندسٌتوشّت معاطفها بالزّهر
مدامعها فوق خدّي ربىًلها نضرةٌ فتنت من نظر
وكلّ مكانٍ بها جنّةٌوكلّ طريقٍ إليها سقر وفيها أيضاً قوله:
حطّ الرحال ببرجهوارتد لنفسك بهجه
في قلعةٍ كسلاحٍودوحةٍ مثل لجّه
فحصنها لك أمنٌوروضها لك فرجه

كلّ البلاد سواها ... كعمرةٍ وهي حجّه وبمالقة التين الذي يضرب المثل بحسنه، ويجلب حتى للهند والصين، وقيل: إنّه ليس في الدنيا مثله، وفيه يقول أبو الحجاج يوسف ابن الشيخ البلوي المالقي حسبما أنشده غير واحدٍ منهم ابن سعيد:

مالقة حيّيت يا تينهاالفلك من أجلك ياتينها

نهى طبيبي عنه في علّتي ... ما لطبيبي عن حياتي نهى وذيّل عليه الإمام الخطيب أبو محمد عبد الوهاب المنشي بقوله:

وحمص لا تنس لها تينهاواذكر مع التين زياتينها

وفي بعض النسخ:

لا تنس لاشبيليّة تينها ... واذكر مع التين زياتينها وهو نحو الأول، لأن حمص هي إشبيلية، لنزول أهل حمص من المشرق بها، حسبما سنذكره.

ونسب ابن جزيّ في ترتيبه لرحلة ابن بطّوطة البيتين الأولين للخطيب أبي محمد عبد الوهاب المالقي، والتذييل لقاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد الملك، فالله أعلم.

وقال ابن بطوطة: وبمالقة يصنع الفخّار المذهب العجيب، ويجلب منها إلى أقاصي البلاد، ومسجدها كبير الساحة، شهير البركة، وصحنه لا نظير له في الحسن، وفيه أشجار النارنج البديعة، انتهى.

وقال قبله: إن مالقة إحدى قواعد الأندلس، وبلادها الحسان، جامعةً بين مرافق البر والبحر، كثيرة الخيرات والفواكه، رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطالٍ بدرهمٍ صغيرٍ، ورمّانها المرسيّ الياقوتي لا نظير له في الدنيا، وأما التين واللوز فيجلبان منها ومن أحوازها إلى بلاد المشرق والمغرب، انتهى.

وبكورة أشبونة المتصلة بشنترين معدن التبر، وفيها عسلٌ يجعل في كيس كتانٍ فلا يكون له رطوبةٌ كأنّه سكرٌ، ويوجد في ريفها العنبر الذي لا يشبهه إلا الشّحري.

[نبذة عن قرطبة وشهرتها]

ومن أشهر مدن الأندلس مدينة قرطبة - أعادها الله تعالى للإسلام - وبها الجامع المشهور، والقنطرة المعروفة بالجسر.

وقد ذكر ابن حيّان أنّه بني على أمر عمر بن عبد العزيز ﵁، ونصه، وقام فيها بأمره على النهر الأعظم بدار مملكتها قرطبة الجسر الأكبر الذي ما يعرف في الدنيا مثله، انتهى.

وفيها يقول بعض علماء الأندلس:

بأربعٍ فاقت الأمصار قرطبةٌمنهنّ قنطرة الوادي، وجامعها

هاتان ثنتان، والزهراء ثالثةٌ، ... والعلم أعظم شيءٍ، وهو رابعها وقال الحجاري في " المسهب ": كانت قرطبة في الدولة المروانية قبّة الإسلام، ومجتمع أعلام الأنام، بها استقرّ سرير الخلافة المروانية، وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعديّة واليمانيّة، وإليها كانت الرّحلة في الرواية إذ كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء، وهي من الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد، ونهرها من أحسن الأنهار، مكتنفٌ بديباج المروج مطرزٌ بالأزهار، تصدح في جنباته الأطيار، وتنعر النواعير ويبسم النّوّار، وقرطاها الزاهرة والزهراء، حاضرتا الملك وأفقا النعماء والسرّاء. وإن كان قد أخنى عليها الزمان، وغيّر بهجة أوجهها الحسان، فتلك عادته وسل الخورنق والسّدير وغمدان، وقد أعذر بإنذاره إذ لم يزل ينادي بصروفه: لا أمان لا أمان، وقد قال الشاعر:

ومازلت أسمع أنّ الملوك تبني على قدر أخطارها انتهى

وقال السلطان يعقوب المنصور ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبد المؤمن بن علي لأحد رؤساء أجنادها: ما تقول في قرطبة؟ فخاطبه على ما يقتضيه كلام عامّة الأندلس بقوله: جوفها شمام، وغريبها قمام، وقبلتها مدام، والجنّة هي والسلام.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.