من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الأول في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيراتها (٣)
عن أحوالكم التي ترقّت في أطوار السعادة، ووصلت جناب الحقّ بهجر العادة، وألقت إلى يد التسليم لله والتوكل عليه بالمقادة، فنسرّ بما هيأ الله تعالى لكم من القبول، وبلّغكم من المأمول، وألهمكم من الكلف بالقرب إليه والوصول، والفوز بما لديه والحصول. وعندما رد الله تعالى علينا ملكنا الرد الجميل، وأنّالنا فضله الجزيل، وكان لعثارنا المقيل، خاطبناكم بذلك لمكانكم من ودادنا، ومحلّكم من حسن اعتقادنا، ووجّهنا إلى وجهة دعائكم وجه اعتدادنا، والله ينفعنا بجميل الظن في دينكم المتين، وفضلكم المبين، ويجمع الشّمل بكم في الجهاد عن الدين. وتعرّفنا الآن ممّن له بأنبائكم اعتناء، وعلى جلالكم حمدٌ وثناء، ولجناب ودّكم اعتزاء وانتماء، بتجاول عزمكم بين حجٍّ مبرورٍ ترغبون من أجره في ازدياد، وتجددون العهد منه بأليف اعتياد، وبين رباطٍ في سبيل الله وجهادٍ، وتوثير مهاد بين ربىً أثيرةٌ عند الله ووهاد، يحشر يوم القيامة شهداؤها مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين، فرحين بما آتاهم الله من فضله، والله أصدق القائلين الصادقين، حيث لا غرة لغير عدوّ الإسلام تتّقى، إلاّ لابتغاء ما لدى الله ترتقى، حيث رحمة الله قد فتحت أبوابها، وحور الجنان قد زينت أترابها، دار العرب الذين قرعوا باب الفتح، وفازوا بجزيل المنح، وخلدوا الآثار، وأرغموا الكفار، وأقالوا العثار، وأخذوا الثار، وأمنوا من لفح جهنم بما علا على وجوههم من ذلك الغبار، فكتبنا إليكم هذا نقوّي بصيرتكم على جهة الجهاد من العزمين، ونهيب بكم إلى إحدى الحسنيين، والصبح غير خافٍ على ذي عينين، والفضل ظاهرٌ لإحدى المنزلتين، فإنّكم إذا حججتم أعدتم فرضاً أديتموه، وفضلاً ارتديتموه، فائدته عليكم مقصورةٌ، وقضيته فيكم محصورةٌ، وإذا أقمتم الجهاد جلبتم إلى
حسناتكم عملاً غريباً، واستأنفتم سعياً من الله قريباً، وتعدّت المنفعة إلى ألوفٍ من النفوس، المستشعرة لباس البوس، ولو كان الجهاد بحيث يخفى عليكم فضله لأطنبنا، وأعنّة الاستدلال أرسلنا، هذا لو قدمتم على هذا الوطن وفضلكم غفل من الاشتهار، ومن به لا يوجب لكم ترفيع المقدار، فكيف وفضلكم أشهر من محيّا النهار، ولقاؤكم أشهى الآمال وآثر الأوطار، فإن قوي عزمكم والله يقوّيه، ويعيننا من برّكم على ما ننويه، فالبلاد بلادكم، وما فيها طريفكم وتلادكم، وكهولها إخوانكم، وأحداثها أولادكم، ونرجو أن تجدوا لذكركم الله في رباها حلاوةٌ زائدة، ولا تعدموا من روح الله فيها فائدة، وتتكيّف نفسكم فيها تكيّفاتٍ تقصر عنها خلوات السلوك، إلى ملك الملوك، حتى تغتبطوا بفضل الله الذي يوليكم، وتروا أثر رحمته فيكم وتخلفوا فخر هذا الانقطاع إلى الله في قبيلكم وبنيكم، وتختموا العمر الطيب بالجهاد الذي يعليكم، ومن الله تعالى يدنيكم، فنبيّكم العربي صلوات الله عليه وسلامه نبيّ الرحمة والملاحم، ومعمل الصوارم، وبجهاد الفرنج ختم الناس عمل جهاده والأعمال بالخواتم، هذا على بعد بلادهم من بلاده، وأنتم أحقّ الناس بإقتفاء جهاده، والاستباق إلى آماده، هذا ما عندنا حثثناكم عليه، وندبناكم إليه، وأنتم في إيثار هذا الجوار، ومقارضة ما عندنا بقدومكم على بلادنا من الاستبشار، بحسب ما يخلق عنكم من بيده مقادة الاختيار، وتصريف الليل والنهار، وتقليب القلوب وإجالة الأفكار، وإذا تعارضت الحظوظ فما عند الله خير للأبرار، والدار الآخرة دار القرار، وخير الأعمال عملٌ أوصل إلى الجنّة وباعد من النار، ولتعلموا أن نفوس أهل الكشف والاطّلاع، بهذه الأرجاء والأصقاع، قد اتفقت أخبارها، واتحدت أسرارها، على البشارة بفتحٍ قرب أوانه، وأظلّ زمانه، فنرجو الله أن تكونوا ممّن يحضر مدعاه،
ويكرم فيه مسعاه، ويسلف فيه العمل الذي يشكره الله ويرعاه، والسلام الكريم يخصّكم ورحمة الله وبركاته، انتهى.؟
[تشبيه الأندلس بالعقاب]
ولما دخل الأندلس أمير المسلمين عليّ ابن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللّمتوني ملك المغرب والأندلس، وأمعن النظر فيها، وتأمّل وصفها وحالها، قال: إنها تشبه عقاباً مخالبه طليطلة، وصدره قلعة رباح، ورأسه جيّان، ومنقاره غرناطة، وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب، وجناحه الأيسر باسط إلى المشرق، في خبر طويل لم يحضرني الآن، إذ تركته مع كتبي بالمغرب، جمعني الله بها على أحسن الأحوال.
[المخزومي الأعمى ونزهون الغرناطية]
ومع كون أهل الأندلس سبّاق حلبة الجهاد، مهطعين إلى داعيه من الجبال والوهاد، فكان لهم في التّرف والنعيم والمجون ومداراة الشعراء خوف الهجاء محلٌ وثير المهاد، وسيأتي في الباب السابع من هذا القسم من ذلك وغيره ما يشفي ويكفي، ولكن سنح لي أن أذكر هنا حكاية أبي بكر المخزومي الهجاء المشهور الذي قال فيه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة: إنّه كان أعمى شديد الشر، معروفاً بالهجاء، مسلطاً على الأعراض، سريع الجواب، ذكي الذهن، فطناً للمعاريض، سابقاً في ميدان الهجاء، فإذا مدح ضعف شعره. والحكاية هي ما حكاه أبو الحسن ابن سعيد في الطالع السعيد، إذ قال حكاية عن أبيه فيما أظن: قدم المذكور - يعني المخزومي - على غرناطة أيام ولاية أبي بكر ابن سعيد،
ونزل قريباً مني، وكنت أسمع به بنار صاعقة يرسلها الله على من يشاء من عباده، ثم رأيت أن أبدأه بالتأنيس والإحسان، فاستدعيته بهذا الأبيات:
يا ثانياً للمعرّيفي حسن نظمٍ ونثر
وفرط ظرفٍ ونبلٍوغوص فهمٍ وفكر
صل ثمّ واصل حفيّاًبكلّ برٍّ وشكر
وليس إلاّ حديثٌكما وهى عقد درّ
وشادنٌ يتغنّىعلى ربابٍ وزمر
وما يسامح فيه الغفور من كأس خمر
وبيننا عهد حلفٍلياسرٍ حلف كفر
نعم فجدّده عهداًبطيب سكرٍ ويسر
والكأس مثل رضاغٍ ... ومن كمثلك يدري ووجّه له الوزير أبو بكرٍ ابن سعيدٍ عبداً صغيراً قاده، فلمّا استقر به المجلس، وأفعمته روائح النّدّ والعود والأزهار، وهزّت عطفه الأوتار، وقال:
دار السعيديّ ذي أم دار رضوانما تشتهي النفس فيها حاضرٌ داني
سقت أباريقها للندّ سحب ندىًتحدى برعدٍ لأوتارٍ وعيدان
والبرق من كلّ دنٍّ ساكبٌ مطراًيحيا به ميت أفكارٍ وأشجان
هذا النّعيم الذي كنّا نحدّثه ... ولا سبيل له إلاّ بآذان فقال له أبو بكرٍ ابن سعيدٍ: وإلى الآن لا سبيل له إلاّ بآذان؟ فقال: حتى
يبعث الله ولد زنى كلما أنشدت هذه الأبيات قال: إنّ قائلها أعمى، فقال: أمّا أنا فما أنطق بحرفٍ، فقال: من صمت نجا. وكانت نزهون بنت القلاعي حاضرةٌ فقالت: وتراك يا أستاذ قديم النعمة بمجمر ندّ وغناء وشراب، فتعجب من تأتّيه وتشبهه بنعيم الجنّة، وتقول: ما كان يعلم إلاّ بالسماع، ولا يبلغ إليه بالعيان؟ ولكن من يجيء من حصن المدوّر، وينشأ بين تيوس وبقر، من أين له معرفة بمجالس النعيم؟ فلما استوفت كلامها تنحنح الأعمى، فقالت له: ذبحة، فقال من هذه الفاضلة؟ فقالت: عجوز مقام أمك، فقال: كذبت، ما هذا صوت عجوز، إنّما هذه نغمة قحبة محترقة تشم روائح هنها على فرسخ؛ فقال له أبو بكر: يا أستاذ، هذه نزهون بنت القلاعي الشاعرة الأديبة، فقال: سمعت بها، لا أسمعها الله خيراً، ولا أراها إلاّ أيراً. فقالت له: يا شيخ سوء تناقضت، وأيّ خير للمرأة مثل ما ذكرت؟ ففكر ساعة ثمّ قال:
على وجه نزهونٍ من الحسن مسحةٌوإن كان قد أمسى من الضوء عاريا
قواصد نزهونٍ توارك غيرهاومن قصد البحر استقلّ السواقيا فأعملت فكرها ثمّ قالت:
قل للوضيع مقالاًيتلى إلى حين يحشر
من المدوّر أنشئت والخرا منه أعطر
حيث البداوة أمستفي مشيها تتبختر
لذاك أمسيت صبّاًبكلّ شيء مدوّر
خلقت أعمى ولكنتهيم في كلّ أعور
جازيت شعراً بشعرٍفقل لعمري من أشعر
إن كنت في الخلق أنثىفإنّ شعري مذكّر فقال لها اسمعي:
ألا قل لنزهونةٍ ما لهاتجرّ من التيه أذيالها
ولو أبصرت فيشة شمّرت ... كما عوّدتني سربالها فحلف أبو بكرٍ ابن سعيدٍ أن لا يزيد أحدهما على الآخر في هجوه كلمةً، فقال المخزومي: أكون هجّاء الأندلس وأكفّ عنها دون شيءٍ؟ فقال: أنا أشتري منك عرضها فاطلب، فقال: بالعبد الذي أرسلته فقادني إلى منزلك، فإنّه لين اليد رقيق المشي، فقال أبو بكرٍ: لولا كونه صغيراً كنت أبلغك به مرادك، وأهبه لك، ففهم قصده وقال: أصبر عليه حتى يكبر، ولو كان كبيراً ما آثرتني به على نفسك! فضحك أبو بكرٍ، وقال: إن لم تهج نظماً هجوت نثراً، فقال: أيّها الوزير لا تبديل لخلق الله. وانفصل المخزومي بالعبد بعدما أصلح الزوير بينه وبين نزهون، انتهى.
وفي كتاب " الدر المنضد، في وفيات أعيان أمة محمد " تأليف الأمير صارم الدين إبراهيم بن دقماق، قال أبو القاسم بن خلف: كان - يعني المخزومي المذكور - حيّاً بعد الأربعين وخمسمائة، انتهى.
[قصة استطرادية]
ونقلت من كتاب " قطب السرور " لابن الرقيق المغربي، ما ملخصه:
وممّن أدركته وعاشرته عبد الوهاب بن حسين بن جعفر الحاجب، وذكرته هنا لأنّه ملحق بالأمراء المتقدمين غير خارجٍ منهم ولا مقصرٍ عنهم، بل كان واحد عصره في الغناء الرائق، والأدب الرائع، والشعر الرقيق، واللفظ الأنيق، ورقة الطبع، وإصابة النادر، والتشبيه المصيب، والبديهة التي لا يلحق فيها؛ مع شرف النفس، وعلوّ الهمة، وكان قد قطع عمره، وأفنى دهره، في اللهو واللعب، والفكاهة والطرب، وكان أعلم الناس بضرب العود، واختلاف طرائقه، وصنعة اللحون، وكثيراً ما يقول المعاني اللطيفة في الأبيات الحسنة، ويصوغ عليها الألحان المطربة البديعة المعجبة، اختراعاً منه وحذقاً، وكانت له في ذلك قريحةٌ وطبعٌ، وكان إذا لم يزره أحدٌ من إخوانه أحضر مائدته وشرابه عشرة من أهل بيته، منهم ولده وعبد الله ابن أخيه وبعض غلمانه، وكلهم يغنّي فيجيد، فلا يزالون يغنون بين يديه حتى يطرب، فيدعو بالعود ونغني لنفسه ولهم، وكان بشارة الزامر الذي يزمر عليه من حذّاق زمرة المشرق؛ وكان بعيد الهمّة سمحاً بما يجد، تغلّ عليه ضياعه كلّ عامٍ أموالاً جليلةً، فلا تحول السنة حتى ينفد جميع ذلك ويستسلف غيره، فكان لا يطرأ من المشرق مغنّ إلا سأل من يقصد بهذا الشأن، فيدل عليه، فمن وصله منهم استقبله بصنوف البر والإكرام، وكساه وخلطه بنفسه ولم يدعه إلى أحدٍ من الناس، فلا يزال معه في صبوحٍ وغبوقٍ، وهو مجدّدٌ له كل يومٍ كرامةٌ، حتى يأخذ جميع ما معه من صوتٍ مطربٍ أو حكايةٍ نادرةٍ.
وجلس يوماً وقد زاره رجلان من إخوانه، وحضر أقرباؤه، فطعموا وشربوا وأخذوا في الغناء، فارتجّ المجلس، إذ دخل عليه بعض غلمانه فقال: بالباب رجلٌ غريبٌ عليه ثياب السفر، ذكر أنّه ضيفٌ، فأمر بإدخاله، فإذا رجلٌ أسمرٌ سناطٌ، رث الهيئة، فسلّم عليه، قال: أين بلد الرجل؟
قال: البصرة، فرحّب به، وأمره بالجلوس، فجلس مع الغلمان في صفّة، وأتي بطعامٍ فأكل وسقي أقداحاً، ودار الغناء في المجلس، حتى انتهى إلى آخرهم، فلمّا سكتوا اندفع يغني بصوتٍ نديٍّ وطبع حسنٍ:
ألا يا دار ما الهجرلسكّانك من شاني
سقيت الغيث من دارٍوإن هيجت أشجاني
ولو شئت لما استسقيت غيثاً غير أجفاني
بنفسي حلّ أهلوكوإن بانوا بسلواني
وما الدّهر بمأمونٍ ... على تشتيت خلاّني فطرب عبد الوهاب وصاح، وتبين الحذق في إشارته، والطيب في طبعه، وقال: يا غلام، خذ بيده إلى الحمّام، وعجّل عليّ به فأدخل الحمّام، ونظف، ثم دعا عبد الوهاب بخلعة من ثيابه فألقيت عليه، ورفعه فأجلسه عن يساره، وأقبل عليه وبسطه، فغنى له:
قومي امزجي التبر باللّجينواحتملي الرطل باليدين
واغتنمي غفلة اللّياليفربّما أيقظت لحين
فقد لعمري أقرّ منّاهلال شوّال كلّ عين
ذات الخلاخيل أبصرتهكنصف خلخالها اللّجيني فطرب وشرب، واستزاده، فغنّاه:
من لي على رغم الحسود بقهوةٍبكرٍ ربيبة حانةٍ عذراء
موجٌ من الذهب المذاب تضمّهكأسٌ كقشر الدّرّة البيضاء
والنجم في أفق السماء كأنّهعينٌ تخالس غفلة الرّقباء فشرب عبد الوهاب ثمّ قال: زدني، فغناه:
وأنت الذي أشرقت عيني بمائهاوعلّمتها بالهجر أن تهجر الغمضا
وأغرقتها بالدمع حتى جفونها ... لينكر من فقد الكرى بعضها بعضا فمرّ يومٌ من أحسن الأيام وأطيبها، ووصله وأحسن إليه، ولم يزل عنده مقرّباً مكرّماً، وكان خليعاً ماجناً مشتهراً بالنبيذ، فخلاّه وما أحبّ، ثمّ وصف له الأندلس وطيبها، وكثرة خمورها، فمضى إليها ومات بها، وعلى نحو هذه الحال كان يفعل بكل طارئٍ يطرأ من المشرق، ولو ذكرتهم لطال بهم الكتاب، انتهى.
وغرضي من إيراد هذه الحكاية هنا كونه وصف للمشرقيّ الأندلس وطيبها، وذلك أمرٌ لا يشك فيه ولا يرتاب، والله المسئول في حسن المتاب.
[قصر باديس بغرناطة]
ورأيت في بعض كتب تاريخ الأندلس في ترجمة السلطان باديس الصّنهاجيّ صاحب غرناطة، ما نصّه: وهو الذي أكمل ترتيب قصبة مالقة، وكان أفرس الناس وأنبلهم، ذا مروءةٍ ونجدةٍ، وقصره بغرناطة ليس ببلاد الإسلام والكفر مثله، فيما قيل، انتهى.
وهذا القصر هو الذي عناه لسان الدين بن الخطيب في قصيدته السينية المذكورة في الباب الخامس من القسم الثاني من هذا الكتاب، فلتراجع ثمة.
[سرقسطة وخواصها]
وذكر غير واحدٍ من المحدثين والمؤرخين أن مدينة سرقسطة لا يدخلها الثعبان من قبل نفسه، وإذا أدخله أحدٌ لم يتحرك، ونظير هذا المعنى في بعض الحيوانات بالنسبة إلى بعض البلاد كثير، وذلك برصدٍ أو طلّسم، وقد استطرد بعض علماء أصول الدين ذلك عندما تكلموا على السحر حسبما قرّر في محله
والله أعلم.
هكذا رأيت في كلام بعض علماء المشارقة، والذي رأيته لبعض مؤرخي المغرب في سرقسطة أنّها لا تدخلها عقربٌ ولا حيةٌ إلا ماتت من ساعتها، ويؤتى بالحيّات والعقارب إليها حيّةً فبنفس ما تدخل إلى جوف البلد تموت، قال: ولا يتسوّس فيها شيء من الطعام ولا يعفن، ويوجد فيها القمح من مائة سنة، والعنب المعلّق من ستة أعوام، والتين والخوخ وحب الملوك والتفاح والإجاص اليابسة من أربعة أعوام؛ والفول والحمّص من عشرين سنة، ولا يسوّس فيها خشب ولا ثوب صوفاً كان أو حريراً أو كتاناً، وليس في بلاد الأندلس أكثر فاكهة منها، ولا أطيب طعماً، ولا أكبر جرماً، والبساتين محدقة بها من كل ناحية ثمانية أميال، ولها أعمالٌ كثيرةٌ: مدنٌ وحصونٌ وقرىً مسافة أربعين ميلاً، وهي تضاهي مدن العراق في كثرة الأشجار والأنهار، وبالجملة فأمرها عظيم، وقد أسلفنا ذكرها.
[السمّور بالأندلس]
واعم أن بأرض الأندلس من الخصب والنّضرة وعجائب الصنائع وغرائب الدّنيا ما لا يوجد مجموعه غالباً في غيرها، فمن ذلك ما ذكره الحجاري في المسهب: أن السّمّور الذي يعمل من وبره الفراء الرفيعة يوجد في البحر المحيط بالأندلس من جهة جزيرة برطانية، ويجلب إلى سرقسطة ويصنع بها. ولما ذكر ابن غالب وبر السّمّور الذي يصنع بقرطبة قال: هذا السمّور المذكور هنا لم أتحقق ما هو، ولا ما عني به، إن كان هو نباتاً عندهم أو وبر الدابة المعروفة، فإن كانت الدابة المعروفة فهي دابةٌ تكون في البحر، وتخرج إلى البر، وعندها قوّة ميزٍ. وقال حامد بن سمجون الطبيب صاحب كتاب الأدوية
المفردة: هو حيوانٌ يكون في بحر الروم، ولا يحتاج منه إلاّ إلى خصاه، فيخرج الحيوان من البحر في البر، فيؤخذ وتقطع خصاه، ويطلق، فربّما عرض للقناصين مرّةً أخرى، فإذا أحسّ بهم وخشي أن لا يفوتهم استلقى على ظهره وفرج بين فخذيه ليرى موضع خصييه خالياً، فإذا رآه القناصون كذلك تركوه، قال ابن غالب: ويسمى هذا الحيوان أيضاً الجندبادستر، والدواء الذي يصنع من خصييه من الأدوية الرفيعة، ومنافعه كثيرة، وخاصيته في العلل الباردة، وهو حارٌ يابس في الدرجة الرابعة.
[فراء القنلية]
والقنلية حيوان أدق من الأرنب وأطيب في الطعم وأحسن وبراً، وكثيراً ما تلبس فراؤها، ويستعملها أهل الأندلس من المسلمين والنصارى، ولا توجد في برّ البربر إلا ما جلب منها إلى سبتة فنشأ في جوانبها، قال ابن سعيدٍ: وقد جلبت في هذه المدّة إلى تونس حضرة إفريقية.
[سائر حيواناتها وطيورها]
ويكون بالأندلس من الغزال والأيل وحمار الوحش وبقره وغير ذلك ممّا يوجد في غيرها كثير، وأما الأسد فلا يوجد فيها البتة، ولا الفيل والزرافة
وغير ذلك ممّا يكون في أقاليم الحرارة، ولها سبع يعرف باللّب أكبر بقليلٍ من الذئب في نهاية من القحّة، وقد يفترس الرجل إذا كان جائعاً.
وبغل الأندلس فارهة، وخيلها ضخمة الأجسام، حصون للقتال لحمها الدروع وثقال السلاح والعدو في خيل البرّ الجنوبيّ.
ولها من الطيور الجوارح وغيرها ما يكثر ذكره ويطول، وكذلك حيوان البحر، ودوابّ بحرها المحيط في نهاية من الطول والعرض.
قال ابن سعيد: عاينت من ذلك العجب، والمسافرون في البحر يخافون منها لئلا تقلب المراكب، فيقطعون الكلام، ولها نفخٌ بالماء من فيها يقوم في الجو ذا ارتفاع مفرط.
[أنواع الأفاويه فيها]
وقال ابن سعيد: قال المسعودي في مروج الذهب: في الأندلس من أنواع الأفاويه خمسة وعشرون صنفاً: منها السنبل، والقرنفل، والصندل، والقرفة، وقصب الذريرة، وغير ذلك.
وذكر ابن غالب أن المسعودي قال: أصول الطيب خمسة أصناف: المسك، والكافور، والعود، والعنبر، والزعفران، وكلها من أرض الهند، إلاّ الزعفران والعنبر، فإنهما موجودان في أرض الأندلس، ويوجد العنبر في أرض الشّحر.
قال ابن سعيد: وقد تكلموا في أصل العنبر، فذكر بعضهم أنّه عيون تنبع في قعر البحر يصير منها ما تبلعه الدواب وتقذفه. قال الحجاري: ومنهم من قال: إنّه نبات في قعر البحر.
وقد تقدم قول الرازي إن المحلب - وهو المقدم في الأفاويه، والمفضل في
أنواع الأشنان - لا يوجد في شيء من الأرض إلاّ بالهند والأندلس.
قال ابن سعيد: وفي الأندلس مواضع ذكروا أن النار إذا أطلقت فيها فاحت بروائح العود وما أشبهه، وفي جبل شلير أفاويه هندية.
[ثمارها وفواكهها]
قال: وأما الثمار وأصناف الفواكه فالأندلس أسعد بلاد الله بكثرتها، ويوجد في سواحلها قصب السكر والموز، المعدومان في الأقاليم الباردة، ولا يعدم منها إلا التمر، ولها من أنواع الفواكه ما يعدم في غيرها أو يقلّ، كالتين القوطيّ والتين الشعري بإشبيلية.
قال ابن سعيد: وهذان صنفان لم تر عيني ولم أذق لهما منذ خرجت من الأندلس ما يفضلهما، وكذلك التين المالقيّ والزبيب المنكّبي والزبيب العسليّ والرمان السفري والخوخ والجوز واللوز، وغير ذلك ممّا يطول ذكره.
[معادنها وأحجارها وقرمزها]
وقد ذكر ابن سعيد أيضاً أن الأرض الشمالية المغربية فيها المعادن السبعة، وأنّها في الأندلس التي هي بعض تلك الأرض، وأعظم معدن للذهب بالأندلس في جهة شنت ياقوه قاعدة الجلالقة على البحر المحيط، وفي جهة قرطبة الفضة والزئبق، والنحاس في شمال الأندلس كثير، والصّفر الذي يكاد يشبه الذهب، وغير ذلك من المعادن المتفرقة في أماكنها.
والعين التي يخرج منها الزاج في لبلة مشهورة، وهو كثير مفضل في البلاد منسوب، وبجبل طليطلة جبل الطّفل الذي يجهز إلى البلاد، ويفضل على كل طفل بالمشرق والمغرب.
وبالأندلس عدة مقاطع للرخام، وذكر الرازي أن بجبل قرطبة مقاطع الرخام الأبيض الناصع والخمري، وفي ناشرة مقطع عجيب للعمد، وبباغه من مملكة غرناطة مقاطع للرخام كثيرة غريبة موشاة في حمرة وصفرة، وغير ذلك من المقاطع التي بالأندلس من الرخام الحالك والمجزّع.
وحصى المريّة يحمل إلى البلاد فإنّه كالدر في رونقه، وله ألوان عجيبة، ومن عادتهم أن يضعوه في كيزان الماء.
وفي الأندلس من الأمنان التي تنزل من السماء القرمز الذي ينزل على شجر البلّوط فيجمعه الناس من الشّعرا ويصبغون به، فيخرج منه اللون الأحمر الذي لا تفوقه حمرة.
[مصنوعاتها]
قال ابن سعيد: وإلى مصنوعات الأندلس ينتهي التفضيل، وللمتعصبين لها في ذلك كلام كثير، فقد اختصت المريّة ومالقة ومرسية بالوشي المذهب الذي يتعجب من حسن صنعته أهل المشرق إذا رأوا منه شيئاً، وفي تنتالة من عمل مرسية تعمل البسط التي يغالى في ثمنها بالمشرق، ويصنع في غرناطة وبسطة من ثياب اللباس المحررة الصنف الذي يعرف بالملبد المختم ذو الألوان العجيبة، ويصنع في مرسية من الأسرّة المرصعة والحصر الفتانة الصنعة وآلات الصّفر والحديد من السكاكين والأمقاص المذهّبة وغير ذلك من آلات العروس
والجنديّ ما يبهر العقل، ومنها تجهز هذه الأصناف إلى بلاد إفريقية وغيرها. ويصنع بها وبالمريّة ومالقة الزجاج الغريب العجيب وفخار مزجج مذهب، ويصنع بالأندلس نوع من المفصّص المعروف في المشرق بالفسيفساء ونوع يبسط به قاعات ديارهم يعرف بالزّليجي يشبه المفصّص، وهو ذو ألوان عجيبة يقيمونه مقام الرخام الملّون الذي يصرفه أهل المشرق في زخرفة بيوتهم كالشاذروان، وما يجري مجراه.
[الأسلحة]
وأمّا آلات الحرب من التّراس والرّماح والسّروج والألجم والدروع والمغافر فأكثر همم أهل الأندلس - فيما حكى ابن سعيد - كانت مصروفة إلى هذا الشأن، ويصنع منها في بلاد الكفر ما يبهر العقول، قال: والسيوف البرذليات مشهورة بالجودة، وبرذيل: آخر بلاد الأندلس من جهة الشمال والمشرق، والفولاذ الذي بإشبيلية إليه النهاية، وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما يطول ذكره.
[الآثار الأولية بالأندلس]
وقد أفرد ابن غالب في " فرحة الأنفس " للآثار الأولية التي بالأندلس من كتابه مكاناً، فقال: منها ما كان من جلبهم الماء من البحر الملح إلى الأرحيّ التي بطركونة على وزن لطيف وتدبير محكم حتى طحنت به، وذلك من أعجب ما صنع. ومن ذلك ما صنعه الأول أيضاً من جلب الماء في البحر المحيط
إلى جزيرة قادس من العين التي في إقليم الأصنام، جلبوه في جوف البحر في الصخر المجوّف ذعراً في أنثى وشقّوا به الجبال، فإذا وصلوا به إلى المواضع المنخفضة بنوا له قناطر على حنايا، فإذا جاوزها واتصل بالأرض المعتدلة رجعوا إلى البنيان المذكور، فإذا صادف سبخة بني له رصيف وأجري عليه، وهكذا إلى أن انتهي به إلى البحر، ثمّ دخل به في البحر، وأخرج في جزيرة قادس، والبنيان الذي عليه الماء في البحر ظاهر بيّن، قال ابن سعيد: إلى وقتنا هذا.
ومنها الرصيف المشهور بالأندلس، قال في بعض أخبار رومية: إنّه لما وليّ يوليش المعروف بجاشر، وابتدأ بتذريع الأرض وتكسيرها، كان ابتداؤه بذلك من مدينة رومية إلى المشرق منها وإلى المغرب وإلى الشمال وإلى الجنوب، ثمّ بدأ بفرش المبلّطة، وأقبل بها على وسط دائرة الأرض إلى أن بلغ بها أرض الأندلس وركزها شرقي قرطبة ببابها المتطامن المعروف بباب عبد الجبار، ثمّ ابتدأها من باب القنطرة قبليّ قرطبة إلى شقندة إلى إستجة إلى قرمونة إلى البحر، وأقام على كل ميل سارية قد نقش عليها اسمه من مدينة رومية، وذكر أنّه أراد تسقيفها في بعض الأماكن راحة للخاطرين من وهج الصيف وهول الشتاء، ثم توقّع أن يكون ذلك فساداً في الأرض وتغييراً للطرق عند انتشار اللصوص وأهل الشرّ فيها في المواضع المنقطعة النائية عن العمران، فتركها على ما هي عليه. وذكر في هذه الآثار صنم قادس الذي ليس له نظير إلا الصنم الذي بطرف جلّيقية، وذكر قنطرة طليطلة وقنطرة السيف وقنطرة ماردة، وملعب مربيطر.
قال ابن سعيد: وفي الأندلس عجائب، منها الشجرة التي لولا كثرة ذكر العامة لها بالأندلس ما ذكرتها، فإن خبرها شائع متواتر، وقد رأيت من
يشهد بخبرها ورؤيتها، وهم جمٌّ غفير، وهي شجرة زيتون تصنع الورق والنّور والثمر في يوم واحد معلوم عندهم من أيام السنة الشمسية.
ومن العجائب السارية التي بغرب الأندلس، ما يزعم الجمهور أن أهل ذلك المكان إذا أحبوا المطر أقاموها فيمطر الله جهتهم.
ومنها صنم قادس، طول ما كان قائماً كان يمنع الريح أن تهبّ في البحر المحيط فلا تستطيع المراكب الكبار على الجري فيه، فلمّا هدم في أول دولة بني عبد المؤمن صارت السفن تجري فيه.
وبكورة قبرة مغارة ذكرها الرازي وحكى أنّه يقال: إنّها باب من أبواب الريح لا يدرك لها قعر.
وذكر الرازي أن في جهة قلعة ورد جبلاً فيه شقٌّ في صخرة داخل كهفٍ فيه فأس حديدٍ متعلق من الشق الذي في الصخرة، تراه العيون وتلمسه اليد، ومن رام إخراجه لم يطق ذلك، وإذا رفعته اليد ارتفع وغاب في شق الصخرة ثم يعود إلى حالته.
وأمّا ما أورده ابن بشكوال من الأحاديث والآثار في شأن فضل الأندلس والمغرب فقد ذكرها ابن سعيد في كتابه المغرب، ولم أذكرها أنا، والله أعلم بحقيقة أمرها، وكذلك ما ذكره ابن بشكوال من أن فتح القسطنطينية إنما يكون من قبل الأندلس، قال: وذكره سيف عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه - والله أعم بصحة ذلك - ولعلّ المراد بالقسطنطينية رومية، والله أعلم.
قال سيف: وذلك أن عثمان ندب جيشاً من القيروان إلى الأندلس، وكتب لهم: أما بعد، فإن فتح القسطنطينية إنما يكون من قبل الأندلس، فإنّكم إن
فتحتموها كنتم الشركاء في الأجر، والسلام، انتهى.
قلت: عهدة هذه الأمور على ناقلها، وأنا بريء من عهدتها، وإن ذكرها ابن بشكوال وصاحب المغرب وغير واحد فإنّها عندي لا أصل لها، وأيّ وقت بعث عثمان إلى الأندلس؟ مع أن فتحها بالاتفاق إنّما كان زمان الوليد، وإنّما ذكرت هذا للتنبيه عليه، لا غير، والله أعلم.
[وصف ابن سعيد للأندلس]
قال ابن سعيد: وميزان وصف الأندلس أنها جزيرة قد أحدقت بها البحار، فأكثرت فيها الخصب والعمارة من كل جهة، فمتى سافرت من مدينة إلى مدينة لا تكاد تنقطع من العمارة ما بين قرى ومياه ومزارع، والصحارى فيها معدومة. وممّا اختصّت به أن قراها في نهاية من الجمال لتصنّع أهلها في أوضاعها وتبييضها، لئلا تنبوالعيون عنها، فهي كما قال الوزير ابن الحمارة فيها:
لاحت قراها بين خضرةٍ أيكها ... كالدّرّ بين زبرجدٍ مكنون ولقد تعجبت لما دخلت الديار المصرية من أوضاع قراها التي تكدّر العين بسوادها، ويضيق الصدر بضيق أوضاعها، وفي الأندلس جهات تقرب فيها المدينة العظيمة الممصّرة من مثلها، والمثال في ذلك أنّك إذا توجهت من إشبيلية فعلى مسيرة يوم وبعض آخر مدينة شريش، وهي في نهاية من الحضارة والنّضارة، ثم يليها الجزيرة الخضراء كذلك، ثم مالقة، وهذا كثير في الأندلس، ولهذا كثرت مدنها وأكثرها مسوّر من أجل الاستعداد للعدوّ، فحصل لها بذلك التشييد والتزيين، وفي حصونها ما يبقى في محاربة العدو ما ينيّف
على عشرين سنة لامتناع معاقلها، ودربة أهلها على الحرب، واعتيادهم لمجاورة العدوّ بالطعن والضرب، وكثرة ما تنخزن الغلة في مطاميرها، فمنها ما يطول صبره عليها نحواً من مائة سنة. قال ابن سعيد: ولذلك أدامها الله تعالى من وقت الفتح إلى الآن، وإن كان العدوّ قد نقصها من أطرافها، وشارك في أوساطها ففي البقية منعة عظيمة، فأرض بقي فيها مثل إشبيلية وغرناطة ومالقة والمريّة وما ينضاف إلى هذه الحواضر العظيمة الممصّرة الرجاء فيها قويّ بحول الله وقوته، انتهى.
قلت: قد خاب ذلك الرجاء، وصارت تلك الأرجاء للكفر معرجاً، ونسأل الله تعالى الذي جعل للهمّ فرجاً، وللضيق مخرجاً، أن يعيد إليها كلمة الإسلام حتى يستنشق أهله منه فيها أرجاً، آمين.
[بيلتا طليطلة]
ومن غرائب الأندلس: اللبيلتان اللتان بطليطلة، صنعهما عبد الرحمن لما سمع بخبر الطّلّسم الذي بمدينة أرين من أرض الهند، وقد ذكره المسعودي، وأنّه يدور بإصبعه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فصنع هو هاتين البيلتين خارج طليطلة في بيت مجوّف في جوف النهر الأعظم في الموضع المعروف بباب الدباغين، ومن عجبهما أنهما تمتلئان وتنحسران مع زيادة القمر ونقصانه، وذلك أن أوّل انهلال الهلال يخرج فيهما يسير ماء، فإذا أصبح كان فيهما [ربع] سبعهما من الماء، فإذا كان آخر النهار كمل فيهما نصف سبع، ولا يزال كذلك بين اليوم والليلة نصف سبع حتى يكمل من الشهر سبعة أيام وسبع ليال، فيكون
فيهما نصفهما، ولا تزال كذلك الزيادة نصف سبع في اليوم والليلة حتى يكمل امتلاؤهما بكمال القمر، فإذا كان في ليلة خمسة عشر وأخذ القمر في النقصان نقصتا بنقصان القمر كل يوم وليلة نصف سبع [حتى يتم القمر واحداً وعشرين يوماً فينقص منهما نصفهما ولا يزال كذلك ينقص في كل يوم وليلة نصف سبع] فإذا كان تسعة وعشرون من الشهر لا يبقى فيهما شيء من الماء، وإذا تكلف أحدٌ حين تنقصان أن يملأهما وجلب لهما الماء ابتلعتا ذلك من حينهما حتى لا يبقى فيهما إلاّ ما كان فيهما في تلك الساعة، وكذا لو تكلّف عند امتلائهما إفراغهما ولم يبق فيهما شيئاً ثم رفع يده عنهما خرج فيهما من الماء ما يملؤهما في الحين. وهما أعجب من طلّسم الهند، لأن ذلك في نقطة الاعتدال حيث لا يزيد الليل على النهار، وأمّا هاتان فليستا في مكان الاعتدال، ولم تزالا في بيت واحد حتى ملك النصارى - دمّرهم الله - طليطلة، فأراد الفنش أن يعلم حركتهما، فأمر أن تقلع الواحدة منهما لينظر من أين يأتي إليها الماء، وكيف الحركة فيهما، فقلعت، فبطلت حركتهما، وذلك سنة. وقيل: إن سبب فسادهما حنين اليهودي الذي جلب حمام الأندلس كلها إلى طليطلة في يوم واحد، وذلك سنة، وهو الذي أعلم الفنش أن ولده سيدخل قرطبة ويملكها، فأراد أن يكشف حركة البيلتين، فقال له: أيها الملك، أنا أقلعهما وأردّها أحسن ممّا كانتا، وذلك أني أجعلهما تمتلئان بالنهار وتحسران في الليل، فما قلعت لم يقدر على ردها، وقيل: إنّه قلع واحدة ليسرق منها الصنعة فبطلت، ولم تزل الأخرى تعطي حركتها، والله أعلم بحقيقة الحال.
[عودٌ إلى ذكر إشبيلية]
وقال بعضهم في إشبيلية: إنها قاعدة بلاد الأندلس وحاضرتها، ومدينة الأدب واللهو والطرب، وهي على ضفة النهر الكبير، عظيمة الشأن، طيبة المكان، لها البر المديد، والبحر الساكن، والوادي العظيم، وهي قريبة من البحر المحيط؛ إلى أن قال: ولو لم يكن لها من الشّرف إلا موضع الشّرف المقابل لها المطلّ عليها المشهور بالزيتون الكثير الممتد فراسخ في فراسخ لكفى، وبها منارة في جامعها بناها يعقوب المنصور، ليس في بلاد الإسلام أعظم بناء منها. وعسل الشرف يبقى حيناً لا يترمّل ولا يتبدّل، وكذلك الزيت والتين.
وقال ابن مفلح: إن إشبيلية عروس بلاد الأندلس، لأن تاجها الشرف، وفي عنقها سمط النهر الأعظم، وليس في الأرض أتم حسناً من هذا النهر، يضاهي دجلة والفرات والنيل، تسير القوارب فيه للنزهة والسير والصيد تحت ظلال الثمار، وتغريد الأطيار، أربعة وعشرين ميلاً، ويتعاطى الناس السّرج من جانبيه عشرة فراسخ في عمارة متصلة ومنارات مرتفعة وأبراج مشيدة، وفيه من أنواع السمك ما لا يحصى. وبالجملة فهي قد حازت البر والبحر، والزرع والضّرع، وكثرة الثمار من كل جنس، وقصب السكر، ويجمع منها القرمز الذي هو أجلّ من اللّك الهندي، وزيتونها نخزن تحت الأرض أكثر من ثلاثين سنة، فيخرج منه أكثر ممّا يخرج منه وهو طري، انتهى ملخصاً.
ولما ذكر ابن اليسع الأندلس قال: لا يتزوّد فيها أحد ماءً حيث سلك، لكثرة أنهارها وعيونها، وربما لقي المسافر فيها في اليوم الواحد أربع مدائن، ومن
المعاقل والقرى ما لا يحصى، وهي بطاح خضر، وقصور بيض. انتهى.
[مقارنة ابن سعيد بين الأندلس وسواها]
قال ابن سعيد: وأنا أقول كلاماً فيه كفاية: منذ خرجت من جزيرة الأندلس وطفت في بر العدوة، ورأيت مدنها العظيمة كمراكش وفاس وسلا وسبتة، ثم طفت في إفريقية وما جاورها من المغرب الأوسط فرأيت بجاية وتونس، ثم دخلت الديار المصرية فرأيت الإسكندرية والقاهرة والفسطاط، ثم دخلت الشام فرأيت دمشق وحلّب وما بينهما - لم أر ما يشبه رونق الأندلس في مياهها وأشجارها إلا مدينة فاس بالمغرب الأقصى، ومدينة دمشق بالشام، وفي حماة مسحة أندلسية، ولم أر ما يشبهها في حسن المباني والتشييد والتصنيع، إلا ما شيد بمراكش في دولة بني عبد المؤمن، وبعض أماكن في تونس، وإن كان الغالب على تونس البناء بالحجارة كالإسكندرية، ولكن الإسكندرية أفسح شوارع وأبسط وأبدع، ومباني حلب داخلة فيما يستحسن، لأنها من حجارة صلبة، وفي وضعها وترتيبها إتقان، انتهى.
[أشعار في وصف الأندلس]
ومن أحسن ما جاء من النظم في الأندلس قول ابن سفر المريني، والإحسان له عادة:
في أرض أندلسٍ تلتذّ نعماءولا يفارق فيها القلب سرّاء
وليس في غيرها بالعيش منتفعٌولا تقوم بحق الأنس صهباء
وأين يعدل عن أرضٍ تحضّ بهاعلى المدامة أمواهٌ وأفياء
وكيف لا يبهج الأبصار رؤيتهاوكلّ روضٍ بها في الوشي صنعاء
أنهارها فضةٌ، والمسك تربتهاوالخزّ روضتها، والدّرّ حصباء
وللهواء بها لطفٌ يرقّ بهمن لا يرقّ، وتبدو منه أهواء
ليس النسيم الذي يهفو بها سحراًولا انتثار لآلي الطّلّ أنداء
وإنّما أرج النّدّ استثار بهافي ماء وردٍ فطابت منه أرجاء
وأين يبلغ منها ما أصنّفهوكيف يحوي الذي حازته إحصاء
قد ميّزت من جهات الأرض حين بدتفريدةً وتولّى ميزها الماء
دارت عليها نطاقاً أبحرٌ خفقتوجداً بها إذ تبدّت وهي حسناء
لذاك يبسم فيها الزّهر من طربٍوالطير يشدو وللأغصان إصغاء
فيها خلعت عذاري ما بها عوضٌفهيّ الرّياض، وكلّ الأرض صحراء ولله درّ ابن خفاجة حيث يقول:
إن للجنّة بالأندلسمجتلى مرأى ريّا نفس
فسنا صبحتها من شنبٍودجى ظلمتها من لعس
فإذا ما هبّت الريح صباًصحت واشوقي إلى الأندلس وقد تقدمت هذه الأبيات
قال ابن سعيد: قال ابن خفاجة هذه الأبيات وهو بالمغرب الأقصى في برّ العدوة، ومنزله في شرق الأندلس بجزيرة شقر.
[رخاء الأندلس كما يصفه ابن حوقل]
وقال ابن سعيد في المغرب ما نصّه: قواعد من كتاب " الشهب الثاقبة، في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة " أول ما نقدم الكلام على قاعدة السلطنة
بالأندلس، فنقول: إنها مع ما بأيدي عبّاد الصّليب منها أعظم سلطنة كثرت ممالكها، وتشعبت في وجوه الاستظهار للسلطان إعانتها، وندع كلامنا في هذا الشأن، وننقل ما قاله ابن حوقل النصيبي في كتابه لما دخلها في مدة خلافة بني مروان بها في المائة الرابعة، وذلك أنّه لما وصفها قال: وأما جزيرة الأندلس فجزيرة كبيرة، طولها دون الشهر في عرض نيّف وعشرين مرحلة، تغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمر، والرخص والسعة في الأحوال من الرقيق الفاخر والخصب الظاهر، إلى أسباب التملك الفاشية فيها، ولما هي به من أسباب رغد العيش وسعته وكثرته، يملك ذلك منهم مهينهم وأرباب صنائعهم لقلة مؤنتهم وصلاح معاشهم وبلادهم. ثم أخذ في عظم سلطانها ووصف وفور جباياته وعظم مرافقه، وقال في أثناء ذلك: وممّل يدلّ بالقليل منه على كثيره أن سكة دار ضربه على الدراهم والدنانير دخلها في كل سنة مائتا ألف دينار، وصرف الدينار سبعة عشر درهماً، هذا إلى صدفات البلد وجباياته، وخراجاته وأعشاره وضماناته والأموال المرسومة على المراكب الواردة والصادرة وغير ذلك.
وذكر ابن بشكوال أن جباية الأندلس بلغت في مدّة عبد الرحمن الناصر خمسة آلاف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألفاً، ثم من السوق المستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار.
ثم قال ابن حوقل: ومن أعجب ما في هذه الجزيرة بقاؤها على من هي في يده مع صغر أحلام أهلها، وضعة نفوسهم، ونقص عقولهم، وبعدهم من البأس والشجاعة والفروسية والبسالة، ولقاء الرجال، ومراس الأنجاد والأبطال، مع علم أمير المؤمنين بمحلّها في نفسها ومقدار جباياتها ومواقع نعمها ولذاتها.
[رد ابن سعيد على بعض كلام ابن حوقل]
قال علي بن سعيد مكمل هذا الكتاب: لم أر بدّاً من إثبات هذا الفصل وإن كان على أهل بلدي فيه من الظلم والتعصب ما لا يخفى، ولسان الحال في الرد أنطق من لسان البلاغة، وليت شعري إذ سلب أهل هذه الجزيرة العقول والآراء والهمم والشجاعة فمن الذين دبروها بآرائهم وعقولهم مع مراصدة أعدائها المجاورين لها من خمسمائة سنة ونيف؟ ومن الذين حموها ببسالتهم من الأمم المتصلة بهم في داخلها وخارجها نحو ثلاثة أشهر على كلمة واحدة في نصرة الصليب؟ وإنّيلأعجب منه إذ كان في زمان قد دلفت فيه عبّاد الصليب إلى الشام والجزيرة وعاثوا كل العيث في بلاد الإسلام، حيث الجمهور والقبة العظمى، حتى إنهم دخلوا مدينة حلب، وما أدراك، وفعلوا فيها ما فعلوا، وبلاد الإسلام متصلة بها من كل جهة، إلى غير ذلك ممّا هو مسطور في كتب التواريخ، ومن أعظم ذلك وأشدّه أنهم كانوا يتغلبون على الحصن من حصون الإسلام التي يتمكنون بها من بسائط بلادهم، فيسبون ويأسرون، فلا تجتمع همم الملوك المجاورة على حسم الداء في ذلك، وقد يستعين به بعضهم على بعض، فيتمكن من ذلك الداء الذي لا يطّبّ، وقد كانت جزيرة الأندلس في ذلك الزمان بالضد من البلاد التي ترك وراء ظهره، وذلك موجود في تاريخ ابن حيّان وغيره، وإنّما كانت الفتنة بعد ذلك: الأعلام بيّنة، والطريق واضح.
فلنرجع إلى ما نحن بسبيله:
[ابن سعيد يقدم سرداً لتطوّر التاريخ الأندلسي]
كانت سلطنة الأندلس في صدر الفتح على ما تقدم من اختلاف الولاة عليها
من سلاطين إفريقية، واختلاف الولاة داعٍ إلى الاضطراب، وعدم تأثّل الأحوال وتربية الضخامة في الدولة، ولما صارت الأندلس لبني أمية وتوارثوا ممالكها وانقاد إليهم كل أبيّ فيها وأطاعهم كل عصيّ عظمت الدولة بالأندلس، وكبرت الهمم وترتبت الأحوال، وترتبت القواعد، وكانوا صدراً من دولتهم يخطبون لأنفسهم بأبناء الخلائف، ثم خطبوا لأنفسهم بالخلافة، وملكوا من برّ العدوة ما ضخمت به دولتهم، وكانت قواعدهم إظهار الهيبة، وتمكن الناموس من قلب العالم، ومراعاة أحوال اشرع في كل الأمور، وتعظيم العلماء، والعمل بأقوالهم، وإحضارهم في مجالسهم واستشارتهم، ولهم حكايات في تاريخ ابن حيّان: منها ما هو مذكور من توجّه الحكم على خليفتهم أو على ابنه أو أحد حاشيته المختصين، وأنهم كانوا في نهاية من الانقياد للحق لهم أو عليهم، وبذلك انضبط لهم أمر الجزيرة. ولما خرقوا هذا الناموس كان أول ما تهتّك أمرهم، ثم اضمحل، وكانت ألقاب الأول منهم الأمراء أبناء الخلائف، ثم الخلفاء أمراء المؤمنين، إلى أن وقعت الفتنة بحسد بعضهم لبعض، وابتغاء الخلافة من غير وجهها الذي رتبت عليه، فاستبدّت ملوك الممالك الأندلسية ببلادها، وسمّوا بملوك الطوائف واستبدوا، وكان فيهم من خطب للخلفاء المروانيين وإن لم يبق لهم خلافة، ومنهم من خطب للخلفاء العباسيين المجمع على إمامتهم، وصار ملوك الطوائف يتباهون في أحوال الملك، حتى في الألقاب، فآل أمرهم إلى أن تلقّبوا بنعوت الخلفاء، وترفّعوا إلى طبقات السلطنة العظمى، وذلك بما في جزيرتهم من أسباب الترفّه والضخامة التي تتوزع على ملوك شتى فتكفيهم، وتنهض بهم للمباهاة. ولأجل توثبهم على النعوت العباسية، قال ابن رشيق القيرواني:
ممّا يزهّدني في أرض أندلسٍتلقيب معتضدٍ فيها ومعتمد
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع