من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثاني في إلقاء الأندلس للمسلمين بالقياد، وفتحها على يد موسى بن نصير ومولاه
طارق بن زياد، وسيرورتها ميداناً لسبق الجياد، ومحطّ رحل الارتباء
والارتياد، وما يتبع ذلك من خبرٍ حصل بازديانه ازدياد، ونبإٍ وصل
إليه اعتيام وتقرر بمثله اعتياد
اعلم أنّه لما قضى الله سبحانه بتحقيق قول رسول الله، ﷺ: " زويت لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " وقع الخلاف بين لذريق ملك القوط وبين ملك سبتة الذي على مجاز الزّقاق، فكان ما يذكر من فتح الأندلس على يد طارق وطريف ومولاهما الأمير موسى ابن نصير، رحم الله الجميع.
[أخبار الفتح حسب مختلف الروايات]
وذكر الحجاري وابن حيّان وغيرهما أن أوّل من دخل جزيرة الأندلس من المسلمين برسم الجهاد طريفٌ البربريّ مولى موسى بن نصير الذي تنسب إليه جزيرة طريف التي على المجاز، غزاها بمعونة صاحب سبتة يليان النصراني، لحقده على لذريق صاحب الأندلس، وكان في مائة فارس وأربعمائة راجل، جاز البحر في أربعة مراكب، في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين، وانصرف
بغنيمةٍ جليلةٍ، فعقد موسى بن نصير صاحب المغرب لمولاه طارق بن زياد على الأندلس، ووجّهه مع يليان صاحب سبتة، انتهى.
وسيأتي في أمر طريف وغيره ما يخالف هذا السياق، وهي أقوال.
وقال ابن حيّن: إن أول أسباب فتح الأندلس كان أن ولّى الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير مولى عمّه عبد العزيز على إفريقية وما خلفها سنة ثمانٍ وثمانين فخرج في نفرٍ قليلٍ من المطّوّعة، فلمّا ورد مصر أخرج معه من جندها بعثاً، وفعل ذلك في إفريقية، وجعل على مقدمته مولاه طارقاً، فلم يزل يقاتل البربر ويفتح مدائنهم، حتى بلغ مدينة طنجة، وهي قصبة بلادهم وأم مدائنهم فحصرها حتى فتحها، وأسلم أهلها، ولم تكن فتحت قبله، وقيل: بل فتحت ثم استغلقت.
وذكر ابن حيّان أيضاً استصعاب سبتة على موسى بتدبير صاحبها الداهية الشجاع يليان النصراني، وأنّه في أثناء ذلك وقع بينه وبين لذريق صاحب الأندلس، ثم سرد ما يأتي ذكره.
وقال لسان الدين بن الخطيب ﵀: وحديث الفتح، وما منّ الله به على الإسلام من المنح، وأخبار ما أفاء الله من الخير، على موسى بن نصير، وكتب من جهاد، لطارق بن زياد، مملول قصّاصٍ وأوراق، وحديث أفولٍ وإشراقٍ، وإرعادٍ وإبراقٍ، وعظم امتشاش، وآلةٍ معلّقةٍ في دكان قشاش، انتهى.
وقال في المغرب: طارق بن زياد من إفريقية.
وقال ابن بشكوال: إنّه طارق بن عمرو، فتح جزيرة الأندلس ودوّخها، وإليه نسب جبل طارق الذي يعرفه العامة بجبل الفتح، في قبلة الجزيرة الخضراء، ورحل مع سيّده بعد فتح الأندلس إلى الشام وانقطع خبره، انتهى.
وقال أيضاً: إن طارقاً كان حسن الكلام ينظم ما يجوز كتبه، وأما المعارف السلطانيّة فيكفيه ولاية سلطنة الأندلس وما فتح فيها من البلاد إلى أن وصل سيده موسى بن نصير.
ومن تاريخ ابن بشكوال: احتل طارق بالجبل المنسوب إليه يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين في اثني عشر ألفاً غير اثني عشر رجلاً من البربر، ولم يكن فيهم من العرب إلاّ شيءٌ يسير، وإنّه لما ركب البحر رأى وهو نائم النبيّ، ﷺ، وحوله المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسيّ، فيقول له رسول الله ﷺ: " يا طارق تقدم لشأنك، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدّامه، فهبّ من نومه مستبشراً، وبشّر أصحابه، وثابت نفسه ببشراه، ولم يشك في الظفر، فخرج من الجبل، واقتحم بسيط البلد شانّاً للغارة، وأصاب عجوزاً من أهل الجزيرة فقالت له في بعض قولها: إنّه كان لها زوجٌ عالم بالحدثان، فكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم هذا فيغلب عليه، ويصف من نعته أنّه ضخم الهامة، فأنت كذلك، ومنها أن في كتفه اليسرى شامةٌ عليها شعر، فإن كانت فيك فأنت هو، فكشف ثوبه فإذا بالشامة في كتفه على ما ذكرت، فاستبشر بذلك ومن معه.
ومن تاريخ ابن حيّان: لما حرّض يليان النصرانيّ صاحب سبتة، للأمر الذي وقع بينه وبين صاحب الأندلس، موسى بن نصير على غزو الأندلس جهز لها مولاه طارقاً المذكور في سبعة آلاف من المسلمين، جلّهم من البربر، في أربع سفنٍ، وحط بجبل طارق المنسوب إليه يوم السبت في شعبان سنة اثنتين وتسعين، ولم تزل المراكب تعود حتى توافى جميع أصحابه عنده بالجبل، قال: ووقع على لذريق صاحب الأندلس الخبر، وأن يليان السبب فيه، وكان يومئذٍ غازياً في جهة البشكنس، فبادر في جموعه وهم نحو مائة ألف ذوي عددٍ وعدّةٍ،
وكتب طارق إلى موسى بأنّه قد زحف إليه لذريق بما لا طاقة له به، وكان عمل من السفن عدّة، فجهّز له فيها خمسة آلاف من المسلمين، فكملوا بمن تقدّم اثني عشر ألفاً، ومعهم يليان صاحب سبتة في حشده يدلّهم على العورات، ويتجسس لهم الأخبار، وأقبل نحوهم لذريق ومعه خيار العجم وأملاكها وفرسانها، وقلوبهم عليه، فتلاقوا فيما بينهم، وقالوا: إن هذا الخبيث غلب على سلطاننا، وليس من بيت الملك، وإنّما كان من أتباعنا، ولسنا نعدم من سيرته خبالاً واضطراباً، وهؤلاء القوم الذين طرقوا لا حاجة لهم في إيطان بلدنا، وإنّما مرادهم أن يملأوا أيديهم من الغنائم ويخرجوا عنّا، فلهمّ فلننهزم بابن الخبيثة إذا نحن لقينا القوم، فلعلهم يكفوننا أمره، فإذا هم انصرفوا عنّا أقعدها في ملكنا من يستحقّه، فأجمعوا على ذلك، انتهى.
وقال ابن خلدون - بعد ذكره أن القوطيين كان لهم ملك الأندلس، وأن ملكهم لعهد الفتح يسمى لذريق - ما نصّه: وكانت له خطوة وراء البحر في هذه العدوة الجنوبية خطوها من فرضة المجاز بطنجة، ومن زقاق البحر إلى بلاد البربر، واستعبدوهم، وكان ملك البرابرة بذلك القطر الذي هو اليوم جبار غمارة يسمى يليان، فكان يدين بطاعتهم وبملّتهم، وموسى بن نصير أمير المغرب إذ ذاكعامل على إفريقية من قبل الوليد بن عبد الملك، ومنزله بالقيروان، وكان قد أغزى لذلك العهد عساكر المسلمين بلاد المغرب الأقصى، ودوّخ أقطاره، وأثخن في جبال طنجة هذه حتى وصل خليج الزّقاق، واستنزل يليان لطاعة الإسلام، وخلف مولاه طارق بن زياد الليثي والياً بطنجة، وكان يليان ينقم على لذريق ملك القوط لعهده بالأندلس فعلةً فعلها زعموا
بابنته الناشئة في داره على عادتهم في بنات بطارقتهم، فغضب لذلك، وأجاز إلى لذريق، وأخذ ابنته منه، ثم لحق بطارق فكشف للعرب عورة القوط ودلّهم على عورة فيهم أمكنت طارقاً فيها الفرصة فانتهزها لوقته، وأجاز البحر سنة اثنتين وتسعين من الهجرة بإذن أميره موسى بن نصير في نحو ثلثمائة من العرب، واحتشد معهم من البربر زهاء عشرة آلاف، فصيرهم عسكرين: أحدهما على نفسه ونزل به جبل الفتح، فسمّي جبل طارق به، والآخر على طريف بن مالك النخعي، ونزل بمكانٍ مدينة طريف، فسمّي به، وأداروا الأسوار على أنفسهم للتحصّن، وبلغ الخبر إلى لذريق فنهض إليهم يجرّ أمم الأعاجم وأهل ملّة النصرانية في زهاء أربعين ألفاً، وزحفوا إليه، فالتقوا بفحص شريش، فهزمه الله ونفلهم أموال أهل الكفر ورقابهم، وكتب طارق إلى موسى بن نصير بالفتح وبالغنائم، فحركته الغيرة، وكتب إلى طارق يتوعّده إن توغّل بغير إذنه، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، واستخلف على القيروان ولده عبد الله، وخرج ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري، ونهض من القيروان سنة ثلاثٍ وتسعين من الهجرة في عسكرٍ ضخمٍ من وجوه العرب الموالي وعرفاء البربر، ووافى خليج الزّقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء، فأجاز إلى الأندلس، وتلقّاه طارق فانقاد واتبع، وأتمّ موسى الفتح، وتوغّل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق وأربونة في الجوف، وصنم قادس في الغرب، ودوّخ أقطارها، وجمع غنائمها، وأجمع أن يأتي المشرق من ناحية القسطنطينية، ويتجاوز إلى الشام دروبه ودروب الأندلس، ويخوض إليه ما بينهما من أمم الأعاجم النصرانية، مجاهداً فيهم، مستلحماً
لهم، إلى أن يلحق بدار الخلافة، ونمي الخبر إلى الوليد فاشتدّ قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب، ورأى أنّ ما همّ به موسى غرر بالمسلمين، فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف، وأسرّ إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع، وكتب له بذلك عهده، ففتّ ذلك في عزم موسى، وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل ابنه عبد العزيز لسدّها وجهاد عدوّها، وأنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة، واحتلّ موسى بالقيروان سنة خمس وتسعين، وارتحل إلى المشرق سنة ست بعدها بما كان معه من الغنائم والذخائر والأموال على العجل والظّهر، يقال: إن من جملتها ثلاثين ألف رأسٍ من السبي، وولّى على إفريقية ابنه عبد الله، وقدم على سليمان بن عبد الملك فسخطه ونكبه، وثارت عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز بإغراء سليمان فقتلوه لسنتين من ولايته، وكان خيّراً فاضلاً، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة، وولّي من بعده أيوب بن حبيب اللخمي، وهو ابن أخت موسى بن نصير، فوليّ عليها ستة أشهر، ثم تتابعت ولاة العرب على الأندلس: تارة من قبل الخليفة، وتارة من قبل عامله بالقيروان، وأثخنوا في أمم الكفر وافتتحوا برشلونة من جهة المشرق، وحصون قشتالة وبسائطها من جهة الجوف، وانقرضت أمم القوط، وأرز الجلالقة ومن بقي من أمم العجم إلى جبال قشتالة وأربونة وأفواه الدّروب فتحصّنوا بها، وأجازت عساكر المسلمين ما وراء برشلونة من دروب الجزيرة حتى احتلوا البسائط وراءها، وتوغّلوا في بلاد الفرنجة، وعصفت ريح الإسلام بأمم الكفر من كل جهة، وربما كان بين جنود الأندلس من العرب اختلافٌ وتنازعٌ أوجد للعدو بعض الكرّة، فرجع الإفرنج ما كانوا غلبوهم عليه من بلاد برشلونة لعهد ثمانين
سنة من لدن فتحها، واستمر الأمر على ذلك ".
" وكان محمد بن يزيد عامل إفريقية لسليمان بن عبد الملك - لما بلغه مهلك عبد العزيز بن موسى بن نصير - بعث إلى الأندلس الحر بن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فقدم الأندلس، وعزل أيوب بن حبيب، وولي سنتين وثمانية أشهر ".
" ثمّ بعث عمر بن عبد العزيز على الأندلس السّمح بن مالك الخولاني على رأس المائة من الهجرة، وأمره أن يخمس أرض الأندلس، فخمسها وبنى قنطرة قرطبة، واستشهد غازياً بأرض الفرنجة سنة ثنتين ومائة، فقدّم أهل الأندلس عليهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي إلى أن قدم عنبسة بن سحيم الكلبي من قبل يزيد بن أبي مسلم عامل إفريقية، فقدمها في صفر سنة ثلاث ومائة، فاستقام أمر الأندلس، وغزا الفرنجة، وتوغّل في بلادهم، واستشهد سنة سبع ومائة لأربع سنين وأربعة أشهر ".
" ثم تتابعت ولاة الأندلس من قبل أمراء إفريقية: فكان أولهم يحيى بن سلمة الكلبي، أنفذه بشر بن صفوان الكلبي والي إفريقية، لمّا استدعى منه أهل الأندلس والياً بعد مقتل عنبسة، فقدمها آخر سنة سبع، وأقام في ولايتها سنتين ونصفاً، ولم يغز، وقدم إليها عثمان بن أبي نسعة الخثمعي والياً من قبل عبيدة عبد الرحمن السّلمي صاحب إفريقية، وعزله لخمسة أشهر بحذيفة بن الأحوص القيسي فوافاها سنة عشر، وعزل قريباً يقال: لسنة إحدى عشرة، وغزا أرض مقوشة فافتتحها وتوفّي سنة ثلاث عشرة ومائة لسنتين من ولا يته، وقدم بعده محمد بن عبد الله الأشجعي، فوليّ شهرين، ثمّ قدم عبد الرحمن بن
عبد الله الغافقي من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية، فدخلها سنة ثلاث عشرة، وغزا الإفرنجة، وكانت له فيهم وقائع، وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة، في موضع يعرف ببلاط الشهداء، وبه عرفت الغزوة، وكانت ولاته سنة وثمانية أشهر، ثم وليّ عبد الملك بن قطن الفهري، وقدم في رمضان سنة أربع عشرة فولي سنتين - وقال الواقدي: أربع سنين - وكان ظلوماً جائراً في حكومته، وغزا أرض البشكنس سنة خمس عشرة ومائة، فأوقع بهم وغنم، ثم عزل في رمضان سنة ست عشرة، وولي عقبة بن الحجاج السّلولي من قبل عبيد الله بن الحبحاب، فأقام خمس سنين محمود السيرة مجاهداً مظفّراً، حتى بلغ سكنى المسلمين أربونة، وصار رباطهم على نهر رودنة، ثمّ وثب عليه عبد الملك بن قطن الفهري سنة إحدى وعشرين، فخلعه وقتله، ويقال: أخرجه من الأندلس وولي مكانه إلى أن دخل بلج بن بشر بأهل الشام سنة أربع وعشرين، فغلب عليه، وولي الأندلس سنة أو نحوها.
وقال الرازي: ثار أهل الأندلس بأميرهم عقبة في صفر سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام بن عبد الملك، وولوا عليهم عبد الملك بن قطن ولايته الثانية، فكانت ولاية عقبة ستة أعوام وأربعة أشهر، وتوفّي بقرقشونة في صفر سنة ثلاث وعشرين، واستقام الأمر لعبد الملك، ثم دخل بلج بن بشر القشيري بجند الشام ناجياً من وقعة كلثوم بن عياض مع البربر بملوية، فثار على عبد الملك، وقتله وهو ابن سبعين سنة، واستوثق له الأمر بعد مقتل عبد الملك، وانحاز الفهريون إلى جانب، فامتنعوا عليه، وكاشفوه، واجتمع إليهم من أنكر فعلته بابن قطن، وقام بأمرهم قطن وأميّة ابنا عبد الملك بن قطن،
والتقوا فكانت الدائرة على الفهريين وهلك بلجٌ من الجراح التي نالته في حربهم، وذلك سنة أربع وعشرين لسنة أو نحوها من إمارته، ثم ولي ثعلبة بن سلامة الجذامي، وغلب على إمارة الأندلس بعد مهلك بلج، وانحاز عنه الفهريون فلم يطيعوه، وولي سنتين أظهر فيهما العدل ودانت له الأندلس عشرة أشهر، إلى أن مالت به العصبية في يمانيته، ففسد أمره، وهاجت الفتنة، وقدم أبو الخطّار حسام بن ضرار الكلبي من قبل حنظلة بن صفوان عامل إفريقية، ركب إليها البحر من تونس سنة خمس وعشرين، فدان له أهل الأندلس وأقبل إليه ثعلبة وابن أبي نسعة وابنا عبد الملك، فلقيهم وأحسن إليهم، واستقام أمره، وكان شجاعاً كريماً ذا رأيٍ وحزمٍ، وكثر أهل الشام عنده، ولم تحملهم قرطبة ففرقهم في البلاد، وأنزل أهل دمشق إلبيرة لشبهها بها، وسمّاها دمشق، وأنزل أهل حمص إشبيلية، وسمّاها حمص، وأهل قنسرين جيّان، وسمّاها قنسرين، وأهل الأردنّ رية ومالقة، وسمّاهما الأردنّ، وأهل فلسطين شذونة - وهي شريش - وسمّاها فلسطين، وأهل مصر تدمير، وسمّاها مصر، وقفل ثعلبة إلى المشرق، ولحق بمروان بن محمد، وحضر حروبه، وكان أبو الخطار أعرابيّاً عصبيّاً أفرط عند ولايته في التعصب لقومه من اليمانية، وتحامل على المضرية، وأسخط قيساً، وأمر في بعض الأيّام بالصّميل بن حاتم كبير القيسية - وكان من طوالع بلج، وهو الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن ورأس على المضرية - فأقيم من مجلسه، وتقنع، فقال له بعض الحجّاب وهو خارج من القصر: أقم عمامتك يا أبا الجوشن، فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها، فسار الصميل بن حاتم أميرهم يومئذٍ وزعيمهم، وألّب عليه قومه، واستعان بالمنحرفين عنه من اليمانية، فخلع أبو الخطار سنة ثمانٍ وعشرين لأربع سنين وتسعة أشهر من ولايته، وقدم مكانه ثوابة بن سلامة الجذامي،
وهاجت الحرب المشهورة، وخاطبوا بذلك عبد الحمن بن حبيب صاحب إفريقية، فكتب إلى ثوابة بعهده على الأندلس منسلخ رجب سنة تسع وعشرين فضبط الأندلس، وقام بأمره الصّميل، واجتمع عليه الفريقان، وهلك لسنة من ولايته، ووقع الخلاف بإفريقية والتاث أمر بني أميّة بالمشرق، وشغلوا عن قاصية الثغور بكثرة الخوارج، وعظم أمر المسوّدة فبقي أهل الأندلس فوضى، ونصبوا للأحكام خاصّة عبد الرحمن بن كثير، ثمّ اتفق جند الأندلس على اقتسام الإمارة بين المضرية واليمانية وإدالتها بين الجندين سنةً لكل دولة، وقدّم المضريّة على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة تسعٍ وعشرين، واستتم سنة ولايته بقرطبة دار الإمارة، ثم وافته اليمانية لميعاد إدالتهم واثقين بمكان عهدهم وتراضيهم واتفاقهم، فبيّتهم يوسف بمكان نزولهم في شقندة من قرى قرطبة بممالأة من الصّميل بن حاتم والقيسية وسائر المضريّة، فاستلحموهم، وثار أبو الخطار فقاتله الصّميل وهزمه وقتله سنة تسعٍ وعشرين، واستبدّ يوسف بما وراء البحر من عدوة الأندلس، وغلب اليمنية على أمرهم، فاستكانوا لغلبه، وتربّصوا الدوائر إلى أن جاء عبد الرحمن الداخل. وكان يوسف ولّى الصّميل سرقسطة، فلما ظهر أمر المسوّدة بالمشرق ثار الحباب الزهري بالأندلس داعياً لهم، وحاصر الصّميل بسرقسطة، واستمد يوسف، فلم يمده رجاء هلاكه لما كان يغضّ به، وأمدته القيسية، فأفرج عنه الحباب، وفارق الصميل سرقسطة فملكها الحباب، وولى يوسف الصميل على طليطلة إلى أن كان من عبد الرحمن الداخل ما كان. انتهى كلام وليّ الدين بن خلدون ببعض اختصار.
وقال بعض المؤرخين: إن عبد الله بن مروان أخا عبد الملك كان والياً على مصر وإفريقية، فبعث إليه ابن أخيه الوليد الخليفة يأمره بإرسال موسى
ابن نصير إلى إفريقية، وذلك سنة سبع وثمانين للهجرة، فامتثل أمره في ذلك.
وقال الحميديّ في " جذوة المقتبس ": إن موسى بن نصير ولي إفريقية والمغرب سنة سبع وسبعين فقدمها ومعه جماعةٌ من الجند، فبلغه أن بأطراف البلاد من هو خارجٌ عن الطاعة، فوجّه ولده عبد الله، فأتاه بمائة ألف رأسٍ من السبايا، ثم ولده مروان إلى جهةٍ أخرى، فأتاه بمائة ألف رأسٍ، وقال الليث بن سعد: بلغ الخمس ستين ألف رأس، وقال الصّدفي: لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير، ووجد أكثر مدن إفريقية خاليةٌ لاختلاف أيدي البربر عليها، وكانت البلاد في قحطٍ شديدٍ، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات، وفرق بينها وبين أولادها، فوقع البكاء والصّراخ والضجيج، وأقام على ذلك إلى منتصف النهار، ثمّ صلى وخطب الناس ولم يذكر الوليد بن عبد الملك، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ فقال: هذا مقامٌ لا يدعى فيه لغير الله تعالى، فسقوا حتى رووا ثمّ خرج موسى غازياً، وتتبع البربر، وقتل فيهم قتلاً ذريعاً، وسبى سبياً عظيماً، وسار حتى انتهى إلى السّوس الأدنى لا يدافعه أحد، فلمّا رأى بقية البربر ما نزل بهم استأمنوا، وبذلوا له الطاعة فقبل منهم، وولّى عليهم والياً، واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق بن زياد البربري، ويقال: إنّه من الصّدف، وترك عنده تسعة عشر ألفاً من البربر بالأسلحة والعدة الكاملة، وكانوا قد أسلموا وحسن إسلامهم، وترك موسى عندهم خلقاً يسيراً من العرب ليعلّموا البربر القرآن وفرائض الإسلام، ورجع إلى إفريقية، ولم يبق بالبلاد من ينازعه من البربر ولا من الروم، ولمّا استقرّت له القواعد كتب إلى طارق وهو بطنجة يأمره بغزو بلاد الأندلس، فغزاها في اثني عشر ألفاً من البربر خلا اثني عشر رجلاً، وصعد على الجبل المنسوب إليه
يوم الاثنين خامس رجب سنة اثنتين وتسعين، وذكر عن طارق أنّه كان نائماً في المركب وقت التعدية، فرأى النبيّ، ﷺ، وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، هكذا ذكر ابن بشكوال.
وقيل: إن موسى ندم على تأخّره، وعلم أن طارقاً إن فتح شيئاً نسب الفتح إليه دونه، فأخذ في جمع العساكر، وولّى على القيروان ابنه عبد الله، وتبع طارقاً فلم يدركه إلاّ بعد الفتح. وقال بعض العلماء: إن موسى بن نصير كان عاقلاً شجاعاً كريماً تقيّاً لله تعالى، ولم يهزم له قطّ جيشٌ، وكان والده نصير على جيوش معاوية، ومنزلته لديه مكينة، ولمّا خرج معاوية لصفين لم يخرج معه، فقال له: ما منعك من الخروج معي ولي عندك يدّ لم تكافئني عليها؟ فقال: لم يمكني أن أشكرك بكفري من هو أولى بشكري من ك، فقال: من هو؟ فقال: الله ﷿، فأطرق مليّاً ثم قال: أستغفر الله، ورضي عنه.
رجع إلى حديث طارق - قال بعض المؤرخين: " كان ذريق ملك الأندلس استخلف عليها شخصاً يقال له تدمير، وإليه تنسب تدمير بالأندلس، فلمّا نزل طارق من الجبل كتب تدمير إلى لذريق: إنّه قد نزل بأرضنا قومٌ لا ندري أمن السماء هم أم من الأرض، فلمّا بلغ لذريق ذلك - وكان قصد بعض الجهات البعيدة لغزو له في بعض أعدائه - رجع عن مقصده في سبعين ألف فارسٍ، ومعه العجل تحمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين، وعليه مظلّة مكللة بالدرّ والياقوت والزبرجد. فلمّا بلغ طارقاً دنوّه قام في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ حثّ المسلمين على الجهاد، ورغّبهم ثم قال: أيّها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدوّ أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنّكم في هذه الجزيرة أضيع
من الأيتام، في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوّكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلاّ ما تستخلصونه من أيدي عدوّكم، وإن امتدّت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً ذهبت ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإنّ انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإنّي لم أحذّركم أمراً أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطةٍ أرخص متاعٍ فيها النفوس [إلاّ وأنا] أبدأ بنفسي، واعلموا أنّكم إن صبرتم على الأشقّ قليلاً، استمعتم بالأرفه الألذّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظيّ، وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات اليونان، الرافلات في الدرّ والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً، ورضيكن لملوك هذه الجزيرة صهاراً وأختاناً، ثقةً منه بارتياحكم للطّعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظّه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى وليّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين، واعموا أنّي أوّل مجيبٍ إلى ما دعوتكم إليه، وأنّي عند ملتقى الجمعين حاملٌ بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولم يعوزكم بطلٌ عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، احملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهمّ من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون.
فلمّا فرغ من تحريض أصحابه على الصبر في قتال لذريق وأصحابه وما
وعدهم من الخير الجزيل انبسطت نفوسهم، وتحققت آمالهم، وهبت رياح النصر عليهم، وقالوا له: قد قطعنا الآمال ممّا يخالف ما عزمت عليه، فاحضر إليه فإنّنا معك وبين يديك، فركب وأصحابه فباتوا ليلتهم في حرس إلى الصبح، فلمّا أصبح الفريقان تكتّبوا وعبّوا جيوشهم، وحمل لذريق وهو على سريره؛ وقد حمل على رأسه رواق ديباج يظلّله، وهو مقبل في غابة من البنود والأعلام، وبين يديه المقاتلة والسلاح، وأقبل طارق في أصحابه عليهم الزّرد، من فوق رؤوسهم العمائم البيض، وبأيديهم القسيّ العربية، وقد تقلّدوا السيوف، واعتقلوا الرماح، فلمّا نظر إليهم لذريق حلف وقال: إن هذه الصور هي التي رأيناها ببيت الحكمة ببلدنا، فداخله منهم الرّعب، فلمّا رأى طارق لذريق قال: هذا طاغية القوم، فحمل وحمل أصحابه معه، فتفرقت المقاتلة من بين يدي لذريق، فخلص إليه طارق فضربه بالسيف على رأسه، فقتله على سريره، ولم تقف هزيمة العدو على موضع، بل كانوا يسلمون بلداً بلداً ومعقلاً معقلاً.
" ولمّا سمع موسى بن نصير بما حصل من النصرة لطارق عبر الجزيرة بمن معه، ولحق مولاه طارق، فقال له: يا طارق، إنّه لن يجازيك الوليد بن عبد الملك على بلائك بأكثر من أن يمنحك الأندلس، فاستبحه هنيئاً مريئاً، فقال له طارق: أيّها الأمير، والله لا أرجع عن قصدي هذا، ما لم أنته إلى البحر المحيط أخوض فيه بفرسي، يعني البحر الشمالي الذي تحت بنات نعش، ولم يزل طارق يفتح وموسى معه إلى أن بلغ إلى جلّيقيّة وهي ساحل البحر المحيط، انتهى.
وقال الحافظ الحميدي في كتابه " جذوة المقتبس ": " إن موسى بن نصير
نقم على مولاه طارقٍ إذ غزا بغير إذنه، وهمّ بقتله، ثم ورد عليه كتاب الوليد بإطلاقه، فأطلقه وخرج معه إلى الشام " انتهى.
[خبر بيت الحكمة بالأندلس]
" وقول لذريق: إن هذه الصور هي التي رأيناها في بيت الحكمة إلخ أشار به إلى بيت حكمة اليونان، وكان من خبره - فيما حكى بعض علماء التاريخ - أن اليونان، وهم الطائفة المشهورة بالحكم، كانوا يسكنون بلاد الشرق قبل عند الاسكندر، فلمّا ظهرت الفرس، واستولت على البلاد، وزاحمت اليونان على ما كان بأيديهم من المملك، انتقل اليونان إلى جزيرة الأندلس، لكونها طرفاً في آخر العمارة، ولم يكن لها ذكر إذ ذاك، ولا ملكها أحدٌ من الملوك المعتبرة ولم تك عامرة، وكان أوّل من عمّر فيها واختطّها أندلس بن يافث بن نوح ﵇، فسميت باسمه، ولما عمرت الأرض بعد الطوفان كان الصورة المعمورة منها عندهم على شكل طائر رأسه المشرق، والجنوب والشمال رجلاه، وبينهما بطنه، والمغرب ذنبه، وكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخسّ أجزاء الطير. وكانت اليونان لا ترى فناء الأمم بالحروب لما فيها من الأضرار والاشتغال عن العلوم التي كان الاشتغال بها عندهم من أهم الأمور، فلذلك انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس، فلمّا صاروا إليها أقبلوا على عمارتها، فشقّوا الأنهار، وبنوا المعاقل، وغرسوا الجنّات والكروم، وشيّدوا الأمصار، وملؤوها حرثاً ونسلاً وبنياناً، فعظمت وطابت، حتى قال قائلهم لما رأى بهجتها: إن الطائر الذي صوّرت هذه العمارة على شكله وكان المغرب ذنبه كان طاووساً معظم جماله في ذنبه ".
وحكي أن الرشيد هرون ﵀ لمّا حضر بين يديه بعض أهل
المغرب قال الرشيد: يقال: إن الدنيا بمثابة طائر ذنبه المغرب، فقال الرجل: صدقوا يا أمير المؤمنين، وإنّه طاووس، فضحك أمير المؤمنين الرشيد، وتعجّب من سرعة جواب الرجل وانتصاره لقطره.
رجع - قال: " فاغتبط اليونان بالأندلس أتمّ اغتباط، واتخذوا دار الحكمة والملك بها طليطلة لأنها أوسط البلاد، وكان أهمّ الأمور عندهم تحصينها عمّن يتصل به خبرها من الأمم، فنظروا فإذا هو أنّه لا يحسدهم على بغد العيش إلا أرباب الشّظف والشقاء والتعب، وهم يومئذ طائفتان: العرب، والبربر، فخافوهم على جزيرتهم العامرة، فعزموا على أن يتّخذوا لهذين الجنسين من الناس طلّسماً، فرصدوا لذلك أرصاداً، ولمّا كان البربر بالقرب منهم وليس [بينهم] سوى تعدية البحر ويرد عليهم منهم طوائف منحرفة الطباع، خارجة عن الأوضاع، ازدادوا منهم نفوراً، وكثر تحذرهم من نسب أو مجاورة، حتى ثبت ذلك في طبائعهم، وصار بعضه مركّباً في غرائزهم، فلمّا علم البربر عداوة أهل الأندلس وبغضهم لهم أبغضوهم وحسدوهم، فلم تجد أندلسيّاً إلا مبغضاً بربريّاً، وبالعكس، إلاّ أن البربر أحوج إلى أهل الأندلس، لوجود بعض الأشياء عندهم وفقدها بلاد البربر ".
وكان بنواحي غرب الأندلس ملك يوناني بجزيرة يقال لها قادس وكانت له ابنة في غاية الجمال، فتسامع بها ملوك الأندلس، وكانت الأندلس كثيرة الملوك، لكل بلدة أو بلدتين ملك، فخطبوها، وخشي أبوها إن زوّجها من واحد أسخط الباقين، فتحير، وأحضر ابنته، وكانت الحكمة مركّبة في طباع القوم ذكورهم وإناثهم، ولذا قيل: إن الحكمة نزلت من السماء على ثلاثة أعضاء من أخل الأرض: أدمغة اليونان، وأيدي أهل الصين، وألسنة العرب؛ فقال لها: يا بنيّة، إنّي أصبحت على حيرة في أمرك ممّن يخطبك
من الملوك، وما أرضيت واحداً إلا أسخطت الباقين، فقالت له: اجعل الأمر إليّ وتخلص، فقال: وما تقترحين؟ فقالت: أن يكون ملكاً حكيماً، فقال نعم ما اخترته لنفسك. فكتب في أجوبة الملوك الخطّاب، أنها اختارت من الأزواج الملك الحكيم، فلمّا وقفوا على الجواب سكت من لم يكن حكيماً، وكان في الملوك الخاطبين حكيمان، فكتب كل واحدٍ منهما: أنا الملك الحكيم، فلمّا وقف على كتابيهما قال لها: يا بنية، بقي الأمر على إشكال، وهذان ملكان حكيمان، أيّهما أرضيت أسخطت الآخر، فقالت: سأقترح على كل واحد منهما أمراً يأتي به، فأيهما سبق إلى الفراغ ممّا التمست كنت زوجته، فقال: وما الذي تقترحين عليهما؟ قالت: إنّا ساكنون بهذه الجزيرة، ومحتاجون إلى أرحيّ تدور بها، وإنّي مقترحة على أحدهما إدارتها بالماء العذب الجاري إليها من ذلك البر، ومقترحة على الآخر أن يتخذ لي طلسماً نحصّن به جزيرة الأندلس من البربر، فاستظرف أبوها ذلك، وكتب إلى الملكين بما قالت ابنته، فأجاباه إلى ذلك، وتقاسماه على ما اختارا، وشرع كل واحد منهما في عمل ما أسند إليه من ذلك ".
" فأمّا صاحب الرّحيّ فإنّه عمد إلى أشكال اتخذها من الحجارة نضد بعضها إلى بعض في البحر المالح الذي بين جزيرة الأندلس والبر الكبير في الموضع المعروف بزقاق سبتة، وسدّد الفرج التي بين الحجارة بما اقتضت حكمته، وأوصل تلك الحجارة من البر إلى الجزيرة، وآثاره باقيةٌ إلى اليوم في الزّقاق الذي بين سبتة والجزيرة الخضراء - وأكثر أهل الأندلس يزعمون أن هذا أثر قنطرة كان الإسكندر قد عملها ليعبر عليها الناس من سبتة إلى الجزيرة، والله أعلم أي القولين أصح، غير أن الشائع إلى الآن عند الناس هو الثاني - فلمّا تم تنضيد الحجارة للملك الحكيم جلب الماء العذب من جبل عالٍ في البر الكبير وسلّطه من ساقية محكمة وبنى بجزيرة الأندلس رحىّ على هذه الساقية ".
" وأمّا صاحب الطّلّسم فإنّه أبطأ عمله بسبب انتظار الرصد الموافق لعمله
غير أنّه عمل أمره، وأحمه، وابتنى بنياناً مربعاً من حجر أبيض على ساحل البحر في رملٍ عالجٍ حفر أساسه إلى أن جعله تحت الأرض بمقدار ارتفاعه فوق الأرض ليثبت، فلمّا انتهى البناء المرّبع إلى حيث اختار صوّر من النحاس الأحمر والحديد المصفّى المخلوطين بأحكم الخلط صورة رجلٍ بربري، وله لحية، وفي رأسه ذؤابة من شعر جعد قائمة في رأسه لجعودتها، وهو متأبط بصورة كساء قد جمع طرفيه على يده اليسرى بألطف تصوير وأحكمه، في رجله نعل، وهو قائم من رأس البناء على مستهدف بمقدار رجليه فقط، وهو شاهق في الهواء، طوله نيّف عن ستين أو سبعين ذراعاً، وهو محدود الأعلى، إلى أن ينتهي ما سعته قدر ذراع، وقد مدّ يده اليمنى بمفتاح قفل قابضاً عليه مشيراً إلى البحر كأنّه يقول: لا عبور، وكان من تأثر هذا الطّلّسم في البحر الذي تجاهه أنّه لم ير قطّ ساكناً ولا كانت تجري فيه قطّ سفينة بربر حتى سقط المفتاح من يده. وكان الملكان اللذان عملا الرّحيّ والطلسم يتسابقان إلى فراغ العمل، إذ بالسبق ستحق زواج المرأة، وكان صاحب الرّحيّ فرغ أولاً لكنّه أخفى أمره عن صاحب الطّلّسم لئلا يترك عمله فيبطل الطّلّسم، لتحظى المرأة بالرّحي والطّلّسم، فلمّا علم باليوم الذي يفرغ صاحب الطلسم في آخره أجرى الماء في الجزيرة من أوّله وأدار الرّحيّ، واشتهر ذلك، فاتصل الخبر بصاحب الطلسم وهو في أعلى القبة يصقل وجهه، وكان الطلسم مذهباً، فلمّا تحقق أنّه مسبوق ضعفت نفسه فسقط من أعلى البناء ميتاً، وحصل صاحب الرحيّ على المرأة والرحيّ والطّلّسم، وكان من تقدم من ملوك اليونان يخشى على الأندلس من البربر للسبب الذي قدمنا ذكره، فاتفقوا وجعلوا الطّلّسمات في أوقات
اختاروا أرصادها، وأودعوا تلك الطّلّسمات تابوتاً من الرخام، وتركوه في بيت بطليطلة، وكّبوا على ذلك الباب قفلاً تأكيداً لحفظ ذلك البيت، فاستمر أمرهم على ذلك ".
ولمّا حان وقت انقراض دولة من كان بالأندلس ودخول العرب والبربر إليها، وذلك بعد مضي ستة وعشرين ملكاً من ملوكهم من تاريخ عمل الطلسمات بطليطلة، وكان لذريق المذكور آنفاً هو تمام السابع والعشرين من ملوكهم، فلمّا اقتعد أريكة الملك قال لوزرائه وخواص دولته وأهل الرأي منهم: قد وقع في نفسي من أمر هذا البيت الذي عليه ستة وعشرون قفلاً شيء، وأريد أن أفتحه لأنظر ما فيه، لأنه لم يعمل عبثاً، فقالوا: أيها الملك، صدقت، إنه م يصنع عبثاً، ولم يقفل سدىً، والرأي والمصلحة أن تلقي أنت أيضاً عليه قفلاً أسوة بمن تقدمك من الملوك، وكان آباؤك وأجدادك لم يهملوا هذا فلا تهمله، وسر سيرهم، فقال لهم: إن نفسي تنازعني إلى فتحه، ولا بد لي منه، فقالوا له: إن كنت تظن أن فيه مالاً فقدّره ونحن نجمع لك من أموالنا نظيره، ولا تحدث علينا بفتحه حادثاً لا تعرف عاقبته؛ فأصرّ على ذلك، وكان رجلاً مهيباً، فلم يقدروا على مراجعته، وأمر بفتح الأقفال، وكان على كل قفل مفتاحه معلقاً، فلمّا فتح الباب لم ير في البيت شيئاً إلاّ مائدة عظيمة من ذهبٍ وفضةٍ مكلّلةٍ بالجواهر، وعليها مكتوب: هذه مائدة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، ورأى في البيت ذلك التابوت، وعليه قفل، ومفتاحه معلّق، ففتحه، فلم يجد فيه سوى رقّ، وفي جوانب التابوت صور فرسان مصورة بأصباغ محكمة التصوير على أشكال العرب، وعليهم الفراء، وهم معمّمون على ذوائب جعدٍ، ومن تحتهم الخيل العربية، وهم متقلدون السيوف المحلاّة، معتقلون الرماح، فأمر بنشر ذلك الرّقّ، فإذا فيه: متى فتح هذا البيت وهذا
التابوت المقفلان بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت إلى جزيرة الأندلس، وذهب ملك من فيها من أيديهم، وبطلت حكمتهم، فلمّا سمع لذريق ما في الرّقّ ندم على ما فعل، وتحقق انقراض دولتهم، فلم يلبث إلاّ قليلاً حتى سمع أن جيشاً وصل من المشرق جهزّه ملك العرب ليفتح بلاد الأندلس " انتهى.
فهذا هو بيت الحكمة الذي أشار إليه لذريق، والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك كلّه.
على أن في هذا السياق مخالفة لما سنذكره عن بعض ثقات مؤرخي الأندلس وغيرهم في شأن المائدة وغيرها، وما ذر في هذه القصّة من جلب الماء من برّ العدوة إلخ. فيه بعد عندي، لأن بلاد الأندلس أكثر بلاد الله مياهاً وأنهاراً، فأنّى تحتاج إلى جلب الماء إليها من العدوة الأخرى؟ إلاّ أن يقال: إن المرأة أرادت تعجيز الرجل بذلك، واختبار حكمته حتى يفعل هذا الأمر الغريب، وعلم الله من وراء ذلك كلّه، وفوق كل ذي علمٍ عليم، ومنتهى العلم إلى الله الحكيم.
[عود إلى أخبار الفتح]
وقال ابن حيّان في المقتبس: ذكروا أن لذريق لم يكن من أبناء الملوك، ولا بصحيح النسب في القوط، وأنّه إنما نال الملك من طريق الغصب والتسوّر عندما مات إغطشة الملك الذي كان قبله، وكان أثيراً لديه، مكيناً، فاستصغر أولاده لمكانه، واستمال طائفة الرجال مالوا معه، فانتزع الملك من أولاد إغطشة واستبقاهم، فكانوا هم الذين دبّروا عليه - فيما ذكر - عندما لقي
رجال العرب المقتحمين عليه بالأندلس من تلقاء بحر الزّقاق وعليهم طارق بن زياد مولى موسى بن نصير طماعةً منهم في أن يودي ويخلص إليهم ملك أبيهم، فالتقوا بوضع يدعى وادي لكّة من أرض الجزيرة الخضراء من ساحل الأندلس القبلي مكان عبورهم، وذلك لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، فانهزم القوط أعظم هزيمة، وقتل ملكهم لذريق، وغلبت العرب على الأندلس، فصارت أقصى فتوحهم من أرض المغرب، ومصداق موعد نبيهم، ﷺ، والكفيل بفتح ما بين المشرق والمغرب عليهم بوحي الله تعالى إليه أنجزه لهم بفتح الأندلس، ولله القوة.
قال: وقام بأمر العرب بالأندلس منذ فتحت الأمراء المرسلون منهم عليها من قبل أئمة المسلمين بالمشرق طوال دولة بني أمية، رضي الله تعالى عنهم، إلى أن طرأ إليها فلّهم عند غلبة بني العبّاس عليهم، وذلك عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، فملكها وأعاد إليها الدولة الأموية التي أورثها عقبه حقبة، فكانت عدّة هؤلاء الأمراء من لدن أوّلهم طارق بن زياد إلى آخرهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري عشرين عاملاً، وعدّة سنيهم بالشمسي خمس وأربعون سنة، وبالقمري سبع وأربعون سنة غير أشهر انتهى.
وقال في موضع آخر، نقلاً عن الرازي: وافتتحت الأندلس في أيام الوليد بن عبد الملك، فكان فتحها من أعظم الفتوح الذاهبة بالصيت في ظهور الملّة الحنيفية، وكان عمر بن عبد العزيز - رضوان الله عليه - متهمّماً بها، معتنياً بشأنها، وقد حوّلها عن نظر والي إفريقية وجرّد إليها عاملاً من قبله اختاره لها، دلالةً على معنيته بها، ووقعت المقاسم فيها عن أمره وبفضل رأيه انتهى.
[ملخص خبر الفتح من الكتاب الخزائني]
وفي الكتاب الخزائني وغيره سياقة فتح الأندلس على أتم الوجوه، فلنذكر ملخصه، قالوا: استعمل أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك - رحمه الله تعالى - موسى بن نصير مولى عمّه عبد العزيز بن مروان، ويقال: بل هو بكري، وذلك أن أباه نصيراً أصله من علوج أصابهم خالد بن الوليد ﵁ في عين التّمر، فادعوا أنهم رهن، وأنهم من بكر بن وائل، فصار نصير وصيفاً لعبد العزيز بن مروان، فأعتقه، فمن هذا يختلف فيهن وقيل: إنّه لخميٌّ، وعقد له على إفريقية وما خلفها في سنة ثمان وثمانين، فخرج إلى ذلك الوجه في نفر قليل من المطّوّعة، فلمّا ورد مصر أخرج معه من جندها بعثاً، وأتى إفريقية عملهن فأخرج من أهلها معه ذوي القوّة والجلد، وصيّر على مقدّمته طارقبن زياد، فلم يزل يقاتل البربر ويفضّ جموعهم، ويفتح بلادهم ومدائنهم، حتى بلغ طنجة، وهي قصبة ملك البربر وأمّ مدائنهم، فحصرها حتى افتتحها - وقيل: إنها لم تكن افتتحت قبله، وقيل: افتتحت ثم ارتجعت - فأسلم أهلها، وخطها قيرواناً للمسلمين، ثمّ ساروا إلى مدائن على شطّ البحر فيها عمالٌ لصاحب الأندلس قد غلبوا عليها وعلى ما حولها، ورأس تلك المدائن سبتة، وعليها علج يسمى يليان، قاتله موسى فألفاه في نجدة وقوّة وعدّة فلم يطقه، فرجع إلى مدينة طنجة فأقام بمن معه، وأخذ في الغارات على ما حولهم والتضييق عليهم، والسفن تختلف إليهم بالميرة والأمداد من الأندلس من قبل ملكها غيطشة، فهم يذبّون عن جريمهم ذبّاً شديداً، ويحمون بلادهم حماية تامة، إلى أن هلك غيطشة ملك الأندلس، وترك أولاداً لم يرضهم أهلها للملك، فاضطرب حبل أهل الأندلس، ثم تراضوا بعلج من كبارهم يقال له لذريق مجرّب شجاع بطل، ليس من بيت أهل الملك، إلاّ
أنّه من قوّادهم وفرسانهم، فولّوه أمرهم، وكانت طليطلة دار الملك بالأندلس حينئذٍ، وكان بها بيت مغلق متحامى الفتح على الأيام، عليه عدّة من الأقفال يلزمه قوم من ثقات القوط، قد وكّلوا به لئلاّ يفتح، وقد عند الأول في ذلك إلى الآخر، فكلّما قعد منهم ملك أتاه أولئك الموكّلون بالبيت فأخذوا منه قفلاً وصيروه على ذلك الباب من غير أن يزيلوا قفل من تقدّمه، فلمّا قعد لذريق هذا، وكان متهمّماً يقظاً ذا فكر، أتاه الحراس يسألونه أن يقفل على الباب، فقال لهم: لا أفعل أو أعلم ما فيه، ولابد لي من فتحه، فقالوا له: أيها الملك، إنّه لم يفعل هذا أحد ممّن قبلك، وتناهوا عن فتحه، فلم يلتفت إليهم، ومشى إلى البيت، فأعظمت ذلك العجم وضرع إليه أكابرهم في الكف فلم يفعل، وظن أنّه بيت مال، ففضّ الأقفال عنه ودخل، فأصابه فارغاً لا شيء فيه، إلاّ تابوتاً عليه قفل، فأمر بفتحه يحسب أن مضمونه يقنعه نفاسةً، فألفاه أيضاَ فارغاً ليس فيه إلا شقّة مدرجة قد صوّرت فيها صور العرب عليهم العمائم وتحتهم الخيول العراب متقلّدي السيوف متنكبي القسيّ رافعي الرايات على الرماح، وفي أعلاها أسطر مكتوبة بالعجمية، فقرئت فإذا فيها: إذا كسرت الأقفال عن هذا البيت وفتح هذا التابوت فظهر ما فيه من الصور فإن هذه الأمة المصوّرة في هذه الشّقّة تدخل الأندلس، فتغلب عليها وتملكها، فوجم لذريق وندم على ما فعل، وعظم غمّه وغمّ العجم بذلك، وأمر برد الأقفال وإقرار الحرس على حالهم، وأخذ في تدبير الملك، وذهل عمّا أنذر به.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع