من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثاني في إلقاء الأندلس للمسلمين بالقياد، وفتحها على يد موسى بن نصير ومولاه (٣)
وقال الحجاري في المسهب: إن موسى بن نصير نصره الله نصراً ما عليه مزيد، وأجفلت ملوك النصارى بين يديهن حتى خرج على باب الأندلس الذي في الجبل الحاجز بينها وبين الأرض الكبيرة، فاجتمعت الإفرنج إلى ملكها الأعظم قارله، وهذه سمة لملكهم، فقالت له: ما هذا الخزي الباقي في الإعقاب؟ كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس، حتى أتوا من مغربها، واستولوا على بلاد الأندلس وعظيم ما فيها من العدّة والعدد بجمعهم القليل،
وقلّة عدّتهم، وكونهم لا دروع لهم، فقال لهم ما معناه: الرأي عندي أن لا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فإنّهم كالسيل يحمل من يصادره، وهم إقبال أمرهم، ولهم نيّات تغني عن كثرة العدد، وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم، ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرياسة، ويستعين بعضهم ببعض، فحينئذ تتمكّنون منهم بأيسر أمر، قال: فكان والله كذلك بالفتنة التي طرأت بين الشاميّين والبلديّين والبربر والعرب والمضريّة واليمانية، وصار بعض المسلمين يستعين على بعض بمن يجاورهم من الأعداء، انتهى.
وقيل: إن موسى بن نصير أخرج ابنه عبد الأعلى إلى تدمير ففتحها، وإلى غرناطة ومالقة وكورة ريّة ففتح الكل، وقيل: إنّه لمّا حاصر مالقة - وكان ملكها ضعيف الرأي قليل التحفظ - كان يخرج إلى جنان له بجانب المدينة طلباً للراحة من غمّة الحصار من غير نصب عين وتقديم طليعة، وعرف عبد الأعلى بأمره، فأكمن له في جنبات الجنّة التي كان ينتابها قوماً من وجوه فرسانه ذوي رأي وحزم، وأرصدوا له ليلاً فظفروا به وملكوه، فأخذ المسلمون المدينة عنوة، وملأوا أيديهم غنيمة.
وقيل: كانت نفس موسى بن نصير في ذلك كلّه تنزعج إلى دخول دار الكفر جلّيقية، فبينما هو يعمل في ذلك ويعدّ له إذ أتاه مغيثٌ الروميّ رسول الوليد بن عبد الملك ومولاه يأمره بالخروج عن الأندلس والإضراب عن التوغل فيها، وأخذه بالقفول إليه، فساءه ذلك، وقطع به عن إرادته؛ إذ لم يكن في الأندلس بلد لم تدخله العرب إلى وقته ذلك غير جليقية، فكان شديد الحرص
على اقتحامها، فلاطف موسى مغيثاً رسول الخليفة، وسأله إنظاره إلى أن ينفذ عزمه في الدخول إليها والمسير معه في البلاد أيّاماً ويكون شريكه في الأجر والغنيمة، ففعل، ومشى معه حتى بلغ المفازة، فافتتح حصن بارو وحصن لكّ، فأقام هناك، وبثّ السرايا حتى بلغوا صخرة بلاي على البحر الأخضر، فلم تبق كنيسة إلاّ هدمت، ولا ناقوس إلا كسر، وأطاعت الأعاجم فلاذوا بالسلم وبذل الجزية، وسكنت العرب المفاوز، وكان العرب والبربر كلمّا مرّ قوم منهم بوضع استحسنوه حطّوا به ونزلوه قاطنين، فاتسع نطاق الإسلام بأرض الأندلس، وخذل الشرك، وبينما موسى كذلك في اشتداد الظهور وقوّة الأمل إذ قدم رسولٌ آخر من الخليفة يكنى أبا نصر أردف به الوليد مغيثاً لما استبطأ موسى في القفول، وكتب إليه يوبخه، ويأمره بالخروج، وألزم رسوله إزعاجه، فانقلع حينئذ من مدينة لكّ بجليقية، وخرج على الفج المعروف بفج موسى، ووافاه طارق في الطريق منصرفاً من الثغر الأعلى، فأقفله مع نفسه ومضيا جميعاً ومعهما من الناس من اختار القفول، وأقام من آثر السكنى في مواضعهم التي كانوا قد اختطوها واستوطنوها، وقفل معهم الرسولان مغيث وأبو نصر حتى احتلّوا بإشبيلية، فاستخلف موسى ابنه عبد العزيز على إمارة الأندلس، وأقرّه بمدينة إشبيلية لاتصالها بالبحر نظراً لقربه من مكان المجاز،
وركب موسى البحر إلى المشرق بذي حجة سنة خمس وتسعين وطارق معه، وكان مقام طارق بالأندلس قبل دخول موسى سنة وبعد دخوله سنتين وأربعة أشهر، وحمل موسى الغنائم والسّبي، وهو ثلاثون ألف رأس والمائدة منوّهاً بها ومعها من الذخائر والجواهر ونفيس الأمتعة ما لا يقدر قدره، وهو مع ذلك متلهف على الجهاد الذي فاته، أسيفٌ على ما لحقه من الإزعاج، وكان يؤمل أن يخترق ما بقي عليه من بلد إفرنجة، ويقتحم الأرض الكبيرة حتى يتصل بالناس إلى الشام مؤملاً أن يتخذ مخترقه بتلك الأرض طريقاً مهيعاً يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم وجيئهم من المشرق وإليه على البر لا يركبون بحراًن وقيل: إنّه أوغل في أرض الفرنجة حتى انتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار، فأصاب فيها صنماً عظيماً قائماً كالسارية مكتوباً فيه بالنقر كتابة عربية قرئت، فإذا هي: يا بني إسماعيل، انتهيتم فارجعوا، فهاله ذلك، وقال: ما كتب هذا إلاّ لمعنى كبير، فشاور أصحابه في الإعراض عنه وجوازه إلى ما وراءه، فاختلفوا عليه، فأخذ برأي جمهورهم، وانصرف الناس، وقد أشرفوا على قطع البلاد وتقصّي الغاية.
وحكى الرازي: أن موسى خرج من إفريقية إلى الأندلس في رجب سنة ثلاث وتسعين، واستخلف على إفريقية أسنّ ولده عبد الله بن موسى، وكان موسى في عشرة آلاف، قال: وكان عبد الملك بن مروان هو الذي أغزى موسى المغرب في خلافته، ففتح له في أهله البرابرة فتوح كبار، حتى لقد بعث إلى عبد الملك في الخمس بعشرين ألف سبيّةٍ، ثم أردفها بعشرين ألفاً أخرى، كل ذلك من البربر، فعجب عبد الملك يومئذ من كثرة ذلك.
وزعم ابن حبيب: أنّه دخل الأندلس رجل واحد من أصاغر الصحابة، وهو
المنيذر، قال: ودخلها من التابعين ثلاثة: موسى الأمير، وعلي بن رباح اللخمي، وحيوة بن رجاء التميمي، وقيل: إن ثالثهم إنّما هو حنش بن عبد الله الصنعاني، صنعاء الشام، وإنّهم قفلوا عنها بقفول موسى، وأهل سرقسطة يزعمون أن حنشاً مات عندهم ولم يقفل للمشرق، وقبره لديهم مشهور يتبركون به ولا يختلفون فيه، فالله أعلم.
وقيل: إن التابعين أربعة بأبي عبد الرحمن الحبليّ الأنصاري، واسمه عبد الله بن يزيد، والله أعلم، وخمّسهم بعضهم بحبّان بن أبي جبلة مولى بني بعد الدار وكان في ديوان مصر، فبعث به عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية في جماعة من الفقهاء ليفقّهوا أهلها، وكان روى عن عمرو بن العاص وابن عبّاس وابن عمر، وحدث عنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وغيره، وغزا مع موسى حين افتتح الأندلس، وانتهى معه إلى حصن من حصون العدو يقال له قرقشونة، وقيل: بل قفل إلى إفريقية فتوفي بها بعد العشرين ومائة.
وقال بعضهم: إن بين قرقشونة هذه وبين برشلونة مسافة خمسة وعشرين يوماً، وفيها الكنيسة المعظمة عند الفرنج المسمّاة شنت مرية، وقد حكى ابن حيّان أن فيها سبع سوارٍ من فضة خالصة لم ير الراؤون مثلها لا يحيط الإنسان بذراعيه على واحدة منها مع طول مفرط.
وحنش الصنعاني المذكور تابعي جليل، كان مع علي ﵁ بالكوفة، وقدم مصر بعد قتله، فصار عداده في المصريين، وكان فيمن قام مع ابن الزبير على عبد الملك بن مروان فعفا عنه، وكفى الأندلس شرفاً دخوله لها.
وعلي بن رباح بصري تابعي، يكنى أبا عبد الله، وهو لخمي، ولد عام اليرموك سنة خمس عشرة، قال ابن معين: أهل مصر يقولونه بفتح العين،
وأهل العراق يقولونه بضمّها، وروى الليث عن ابنه موسى بن عليّ، وكانت لعليّ بن رباح عند عبد العزيز بن مروان مكانة، وهو الذي زفّ ابنته أم البنين لزوجها الوليد، ثمّ عتب عليه عبد العزيز فأغزاه إفريقية.
وأمّا المنيذر الإفريقي فلم ينسبه ابن حبيب، وذكره ابن عبد البر في الصحابة وقال: إنّه المنيذر الإفريقي، وروى عنه أبو عبد الرحمن الحبلي، قال: حدّثنا المنيذر الإفريقي، وكان سكن إفريقية، وكان صحب رسول الله ﷺ، أنّه سمعه ﷺ يقول: " من قال: رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيّاً، فأنا الزعيم له، فلآخذنّ بيده، فلأدخلنّه الجنة " ورواه عنه ابن عبد البر بسنده إليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في حق المنيذر مزيد بيان.
ولمّا قفل موسى بن نصير إلى المشرق وأصحابه سأل مغيثاً أن يسلم إليه العلج صاحب قرطبة الذب كان في إساره، فامتنع عليه، وقال: لا يؤديه للخليفة سواي، وكان يدلّ بولائه من الوليد، فهجم عليه موسى فانتزعه منه، فقيل له: إن سرت به حيّاً معك ادعاه مغيث، والعلج لا ينكر قوله، ولكن اضرب عنقه، ففعل، فاضطغنها عليه مغيث، وصال إلباً مع طارق الساعي عليه، واستخلف موسى على طنجة وما يليها من المغرب ابنه الآخر عبد الملك، وقد كان - كما مرّ - استخلف بإفريقية أكبر أولاده عبد الله، فصار جميع الأندلس والمغرب بيد أولاده؛ وابنه بعد الله الذي خلفه بإفريقية هو الفاتح لجزيرة ميورقة. وسار موسى فورد الشام، واختلف الناس: هل كان وروده قبل موت الوليد أو بعده؟ فمن يقول بالثاني قال: قدم على سليمان حين استخلف، وكان منحرفاً عنه، فسبق إليه طارق ومغيث بالشكية
منه، ورمياه بالخيانة، وأخبراه بما صنع بهما من خبر المائدة والعلج صاحب قرطبة، وقالا له: إنّه قد غلّ جوهراً عظيم القدر أصابه لم تحو الملوك من بعد فتح فارس مثله، فلمّا وافى سليمان وجده ضغيناً عليه، فأغلظ له، واستقبله بالتأنيب والتوبيخ، فاعتذر له ببعض العذر، وسأله عن المائدة، فأحضرها، فقال له: زعم طارق أنّه الذي أصابها دونك، قال: لا، وما رآها قطّ إلا عندي، فقال طارق: فليسأله أمير المؤمنين عن الرّجل التي تنقصها، فسألهن فقال هكذا أصبتها، وعوضتها رجلاً صنعتها لها، فحول طارق يده إلى قبائه فأخرج الرجل، فعلم سليمان صدقه وكذب موسى، فحقّق جميع ما رمي به عنده، وعزله عن جميع أعماله، وأقصاه وحبسه، وأمر بتقصّي حسابه، فأغرمه غرماً عظيماً كشفه فيه، حتى اضطره إلى أن سأل العرب معونته، فيقال: إن لخماً حملت عنه في أعطيتها تسعين ألفاً ذهباً، وقيل: حمله سليمان غرم مائتي ألف، فأدى مائة ألف، وعجز، فاستجار بيزيد بن المهلب أثير سليمان، فاستوهبه من سليمان، فوهبه إيّاه، إلا أنّه عزل ابنه عبد الله عن إفريقية.
وقال الرازي: إن الذي أزعج موسى عن الأندلس أبو نصر رسول الوليد فقبض على عنانه وثناه قافلاً، وقفل معه من أحبّ المشرق، وكان أكثر الناس قطنوا ببلاد الأندلس لطيبها، فأقاموا فيها.
[نهاية موسى وابنه عبد العزيز]
وذهب جماعة من أهل التاريخ إلى أن موسى إنّما قدم على الوليد، وأن سليمان وليّ العهد لمّا سمع بقرب موسى بن نصيرمن دمشق - وكان الوليد مريضاً - كتب - أي سليمان - إلى موسى يأمره بالتربص، رجاء أن يموت الوليد قبل قدوم موسى فقدم موسى على سليمان في أول خلافته بتلك الغنائم
الكثيرة التي ما رئي ولا سمع مثلها، فيعظم بذلك مقام سليمان عند الناس، فأبى موسى من ذلك، ومنعه دينه منه، وجدّ في السير حتى قدم والوليد حيٌّ، فسلّم له الأخماس والمغانم والتحف والذخائر، فلم يمكث الوليد إلاّ يسيراً بعد قدوم موسى، وتوفّي، واستخلف سليمان، فحقد عليه وأهانه، وأمر بإقامته في الشمس حتى كاد يهلك، وأغرمه أموالاً عظيمة، ودسّ إلى أهل الأندلس بقتل ابنه الذي استخلفه على الأندلس، وهو عبد العزيز بن موسى، وكان تولى الأندلس بعد قفول أبيه عنها باستخلافه إيّاه كما سبق، فضبط سلطانها، وضمّ نشرها، وسدّ ثغورها، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة ممّا كان قد بقي على أبيه موسى منها، وكان من خير الولاة، إلاّ أن مدّته لم تطل لوثوب الجند به وقتلهم إيّاه عقب سنة خمس وتسعين في خلافة سليمان الموقع بأبيه موسى لأشياء نقموها عليه: منها زعموا تزوّجه لزوجة لذريق المكنّاة أم عاصم وكانت قد صالحت على نفسها وأموالها وقت الفتح، وباءت بالجزية، وأقامت على دينها في ظل نعمتها إلى أن نكحها الأمير عبد العزيز، فحظيت عنده. ويقال: إنّه سكن بها في كنيسة بإشبيلية، وإنّها قالت له: لم لا يسجد لك أهل مملكتك كما كان يسجد للذريق - زوجها الأول - أهل مملكته؟ فقال لها: إن هذا حرام في ديننا، فلم تقنع منه بذلك، وفهم لكثرة شغفه بها أن عدم ذلك ممّا يزري بقدره عندها، فاتخذ باباً صغيراً قبالة مجلسه يدخل عليه الناس منه، فينحنون، وأفهمها أن ذلك الفعل منهم تحية له، فرضيت بذلك، فنمي الخبر إلى الجند، مع ما انضم إلى ذلك من دسيسة سليمان لهم في قتله، فقتلوه، سامحه الله تعالى.
وذكر بعض المؤرخين أنهم وجدوا في الحجر بعد ما تقدّم من الكتابة التي
هي ارجعوا يا بني إسماعيل إلخ ما معناه: وإن سألتم لم ترجعون فاعلموا أنّكم ترجعون ليضرب بعضكم رقاب بعض، انتهى.
قال ابن حيّان: وليحيى بن حكم الشاعر المعروف بالغزال في فتح الأندلس، أرجوزة حسنة مطولة ذكر فيها السبب في غزوها نظماً، وتفصيل الوقائع بين المسلمين وأهلها، وعداد الأمراء عليها وأسماءهم، فأجاد وتقصّى، وهي بأيدي الناس موجودة، انتهى.
وقد عرفت بما سبق تفصيل ما أجمله ابن خلدون، والروايات في فتح الأندلس مختلفة، وقد ذكرنا نحن بحسب ما اقتضاه الوقت ما فيه كفاية، وأشرنا إلى بعض الاختلاف في ذلك، ولو بسطنا العبارة لكان وحده في مجلد أو أكثر.
[عبد الرحمن الداخل]
وعلم ممّا ألمعنا به من كلام ابن خلدون السابق ذكر الولاة للأندلس من لدن الفتح، وهم من قبل بني مروان بالمشرق المنفردين بإمامة المسلمين أجمعين قبل تفرقهم، إلى أن انقرضت دولتهم العظيمة التي هي ألف شهر، فاقتطع الأندلس عن بني العبّاس الدائلين على بني مروان الناسخين لهم فلّ المروانيين عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، واقتعدها دار مملكة مستقلة لنفسه ولأعقاره، وجمع بها شمل بني أميّة ومواليهم، وأورثها بنيه حقبةً من الدهر، بعد أن قاسى في ذلك خطوباً، واجتمع عليه ثم على ذريته من بعده أهل الأندلس أجمعون رضىً بهم دون بني العباس، بعد أن حاول بنو العباس ملكها بأن ولّوا بعض رؤساء العرب، وأمروهم بالقيام على عبد الرحمن والدعاء للعباسيين القاطعين جرثومة دولة بني مروان، فلم يتيسّر ذلك، وظفر
عبد الرحمن بمن نصب له الحرب في ذلك، وقتل منهم آلافاً، وذلك في مدة المنصور كما سيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر عبد الرحمن الداخل في موضع آخر، وسنذكر قريباً ولاة الأندلس من حين الفتح إلى إمارة الداخل، وإن سبق في كلام ابن خلدون.
[مزيد بيان في نهاية موسى وشيء من شخصيته]
وقال بعضهم: كانت ولادة موسى بن نصير في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة تسع عشرة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأجلّ السلام، وعلى آله وصحبه أجمعين، انتهى.
وقال الحجاري في المسهب: يحكى أن موسى بن نصير ألقى بنفسه على يزيد بن المهلب لمكانه من أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، وطلب منه أن يكلمه في أن يخفّف عنه؛ فقال له يزيد: أريد أن أسألك فأصغ إليّ؛ قال: سل عمّا بدا لك، فقال له: لم أزل أسمع عنك أنّك من أعقل الناس، وأعرفهم بمكايد الحروب ومداراة الدنيا، فقل لي: كيف حصلت في يد هذا الرجل بعدما ملكت الأندلس، وألقيت بينك وبين هؤلاء القوم البحر الزخار، وتيقنت بعد المرام واستصعابه، واستخلصت بلاداً أنت افترعتها، واستملكت رجالاً لا يعرفون غير خيرك وشرّك، وحصل في يدك من الذخائر والأموال والمعقل والرجال ما لو أظهرت به الامتناع ما ألقيت عنقك في يد من لا يرحمك، ثم إنّك علمت أن سليمان وليّ عهد، وأنّه المولّى بعد أخيه، وقد أشرف أخوه على الهلاك لا محالة، وبعد ذلك خالفته، وألقيت بيدك إلى التهلكة، وأحقدت مالكك ومملوكك - قال: يعني سليمان وطارقاً - وما رضى هذا الرجل عنك إلاّ بعيد، ولكن لا آلو جهداً، فقال موسى: يا ابن الكرام، ليس هذا وقت
تعديد، أما سمعت " إذا جاء الحين غطى العين "؟ فقال: ما قصدت بما قلت لك تعديداً ولا تبكيتاً، وإنّما قصدت تلقيح العقل، وتنبيه الرأي، وأن أرى ما عندك؛ فقال موسى: أما رأيت الهدهد يرى الماء تحت الأرض عن بعد، ويقع في الفخ وهو بمرأى عينه؟ ثم كلم فيه سليمان، فكان من جوابه إنّه قد اشتمل رأسه بما تمكن له من الظهور، وانقياد الجمهور، والتحكم في الأموال والأبشار، على مالا يمحوه إلا بالسيف، ولكن قد وهبت لك دمه، وأنا بعد ذلك غير رافع عنه العذاب حتى يردّ ما غلّ من مال الله. قال: وآلت حاله إلى أن كان يطاف به ليسأل من أحياء العرب ما يفتكّ به نفسه، وفي تلك الحال مات، وهو من أفقر الناس وأذلهم، بوادي القرى، سائلاً من كان نازلاً به.
وقال أحد غلمانه ممّن وفى له في حال الفقر والخمول: لقد رأيتنا نطوف مع الأمير موسى بن نصير على أحياء العرب، فواحد يجيبنا، وآخر يحتجب عنّا، ولربما دفع إلينا على جهة الرحمة الدرهم والدرهمين، فيفرح بذلك الأمير ليدفعه إلى الموكلين به، فيخففون عنه من العذاب، ولقد رأيتنا أيام الفتوح العظام بالأندلس نأخذ السلوك من قصور النصارى، فنفصل منها ما يكون من الذهب وغير ذلك ونرمي به، ولا نأخذ إلا الدّرّ الفاخر، فسبحان الذي بيده العزّ والذل والغنى والفقر.
قال: وكان له مولى قد وفى له وصبر عليه إلى أن ضاق ذرعه بامتداد الحال، فعزم على أن يسلمه وهو بوادي القرى في أسوإ حال، وشعر بذلك موسى، فخضع للمولى المذكور، وقال له: يا فلان، أتسلمني في هذه الحالة؟
فقال له المولى، من شدة ما كان فيه من الضجر: قد أسلمك خالقك ومالكك الذي هو أرحم الراحمين، فدمعت عيناه، وجعل يرفعهما إلى السماء خاضعاً مهيناً بشفتيه، فما سفرت تلك الليلة إلاّ عن قبض روحه، رحمة الله عليه، فقد كان له من الأثر ما يوجب أن يترحم عليه، وإنّ فعل سليمان به وبولده وكونه طرح رأس ابنه عبد العزيز الذي تركه نائباً عنه بالأندلس وقد جيء به من أقصى المغرب بين يديه من وصماته التي تعدّ عليه طول الدهر، لا جرم أنّ الله تعالى لم يمتعه بعده بملكه وشبابه.
وذكر ابن حيّان أن موسى كان عربياً فصيحاً. وقد سبق من مراجعة يزيد بن المهلب ما يدل على بلاغته، ويكفي منها ما ذكره ابن حيّان أنّه كتب إلى الوليد بن عبد الملك فيما هاله من فتوح الأندلس وغنائمها " إنّها ليست الفتوح، ولكنّها الحشر ".
وقال الحجاري: إن منازعةً جرت بينه وبين عبد الله بن يزيد بن أسيد بمحضر عبد الملك بن مروان ألجأته إلى أن قال شعراً منه:
جاريت غير سؤومٍ في مطاولةٍ ... لو نازع الحفل لم ينزع إلى حصر وتقدم ما ذكره غير واحد كابن حيّان أن موسى مولى عبد العزيز بن مروان، وكذا ذكر الحجاري أنّه تجهز مع أم البنين بنت عبد العزيز حين ابتنى بها الوليد بن عبد الملك، فكانت تنمي مكانته عند الوليد إلى أن بلغ ما بلغ. وأشهر من كان في صحبة موسى بن نصير من مواليه طارق المشهور بالفتوح العظيمة، وطريف، وقد جرى ذكرهما في كتابنا هذا بما اقتضاه الاختصار.
وقال ابن سعيد، بعد ذكره الخلاف في موسى هل هو لخمي صريح أو بالولاء، أو بربري، أو مولى لعبد العزيز بن مروان، ما صورته: وكان في عقبه نباهة في السلطنة، ولي ابنه عبد العزيز سلطنة الأندلس، وعبد الملك سلطنة المغرب الأقصى، وعبد الله سلطنة إفريقية، وذكر الحجاري أن أصله من وادي القرى بالحجاز، وأنّه خدم بني مروان بدمشق، وتنبه شأنه، فصرّفوه في ممالكهم إلى أن ولي إفريقية وما وراءها من المغرب في زمن الوليد بن عبد الملك، فدوّخ أقاصي المغرب، ودخل الأندلس من جبل موسى المنسوب إليه المجاور لسبتة، ودوّخ بلاد الأندلس، ثمّ أوفده الوليد إلى الشام، فوافق مرضه ثمّ موته وخلافة أخيه سليمان، فعذبه واستصفى أمواله، وآل أمره إلى أن وجّهه إلى قومه بوادي القرى لعلهم يعطفون عليه ويؤدون عنه، فمات بها، وقد نصّ ابن بشكوال على أنّه مات بوادي القرى.
أمّا معارفه السلطانة فيكفيه ولاية ما خلف مصر إلى البحر المحيط بين بري البربر والأندلس.
وأما الأدبية فقد جاءت عنه بلاغة في النثر والنظم تدخله - مع نزاراتها - في أصحاب در الكلام. وذكر ابن بشكوال أنّه من التابعين الذين رووا الحديث، وأن روايته عن تميم الداريّ، وذكره في كتب الأئمة من الصنفين أنبه وأوعب من أن يخصّص بذكره واحد منهم، وهو غرة التواريخ الأندلسية، وذكره إلى الآن جديد في ألسن الخاصة والعامة من أهلها.
ومن مسهب الحجاري: كان قد جمع ﵀ من خلال الخير ما أعانه الله سبحانه به على ما بنى له من المجد المشيّد، والذكر الشهير المخلد، الذي لا يبليه الليل والنهار، ولا يعفّى جديده بلى الأعصار، إلا أنّه كان يغلب عليه ما لا يكاد رئيسٌ يسلم منه، وهو الحقد والحسد، والمنافسة لا تخلو
من ذلك، وأنشد بعض الرؤساء:
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا ... فقلبه الرئيس وقال من يترك الحقدا ثم قال: إن السيد إذا ترك إضمار الخير والشر والمجازاة عليهما اجترئ عليه، ونسب للضعف والغفلة، وهل رأيت صفقة أخسرمن غفلة رئيس أحقده غيره فنسي ذلك أو تناساه، وعدوّه لا يغفل عنه، وحاسده لا ينفعه عنده إلاّ الراحة منه، وهو في واد آخر عنه، ولله درّ القائل:
ووضع النّدى في موضع السيف بالعلا ... مضرّ، كوضع السيف في موضع الندى ولكن الأصوب أن يكون الرأي ميزاناً: لا يزن الوافي لناقصٍ، ولا يزن الناقص لوافٍ، ويدبر أمره على ما يقتضيه الزمان، ويقدر فيه حسن العاقبة.
ونص ابن بشكوال على أن موسى بن نصير مات بوادي القرى سنة سبع وتسعين، وأغزى الأندلس سنة إحدى وتسعين، وذكر أن ولايته على الأندلس المباشرة - مذ دخلها إلى حين خروجه منها - سنة واحدة، ومكث فيها مولاه طارق سنة، انتهى. وقد تقدم شيء من ذلك.
[عودٌ إلى ذكر التابعين في الأندلس]
وذكر ابن بشكوال أيضاً أن ابن حبيب قال عن ربيعة: غلّ الناس كلّهم يوم فتح الأندلس، إلا أربعة نفر فقط كانوا من التابعين: حنش الصنعاني،
وأبو عبد الرحمن الحبليّ، وابن شماسة، وعياض بن عقبة، انتهى.
قال ابن سعيد: وممن دخل الأندلس من غير هؤلاء الأربعة من التابعين علي بن رباح اللخمي، وموسى بن نصير فاتح الأندلس، وحبّان بن أبي جبلة القرشي مولاهم، وعبد الحمن بن عبد الله الغافقي صاحب الأندلس المذكور في سلاطينها، ومحمد بن أوس بن ثابت الأنصاري، وزيد بن قاصد السكسكي، والمغيرة بن أبي بردة الكناني، وعبد الله بن المغيرة الكناني، وحيوة بن رجاء التميمي، وعبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ومنصور بن خزامة، وعلي بن عثمان بن خطاب.
وذكر ابن حبيب أن عدة من دخل الأندلس من التابعين سوى من لا يعرف نحو عشرين رجلاً. وفي كتاب ابن بشكوال أنّه دخل الأندلس من التابعين ثمانية وعشرون رجلاً، وهم أسّسوا قبلة المسجد الجامع بقرطبة، وسمى الحجاري في المسهب هؤلاء المتقدمين.
وذكر ابن سعيد أنّه لم يتحقّق المواضع التي تختص بهؤلاء التابعين من بلاد الأندلس، مع جزمه بأنهم دخلوا الأندلس وكانوا بها، وسيأتي ذكر التابعين الداخلين الأندلس بما هو أشمل من هذا، وقد تقدم غلول من عدا التابعين من الغنائم.
[مغانم الأندلس]
قال الليث بن سعد، بعد ذكره أن طارقاً أصاب بالأندلس مغانم كثيرة من الذهب والفضّة: إن كانت الطّنفسة لتوجد منسوجة بقضبان الذهب، وتنظم السلسلة من الذهب باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وكان البربر ربما وجدوها فلا يستطيعون حملها حتى يأتوا بالفأس فيضربوا به وسطها فيأخذ أحدهم نصفها
والآخر النصف الآخر لنفسه، ويسير معهم جماعة والناس مشتغلون بغير ذلك.
وعن يحيى بن سعيد: لمّا افتتحت الأندلس أصاب الناس فيها غنائم، فغلوا منها غلولاً كثيراً حملوه في المراكب وركبوا البحر، فسمعوا منادياً يقول: اللهم غرّق بهم، وتقلدوا المصاحف، فما نشبوا أن أصابتهم ريح عاصف، وضربت المراكب بعضها بعضاً حتى تكسرت، وغرق بهم، وأهل مصر ينكرون ذلك، ويقولون: أهل الأندلس ليس هم الذين غرقوا، وإنّما هم أهل سردانية، فالله أعلم بحقيقة الحال.
ورأيت في بعض كتب التاريخ أنّه وجد في طليطلة حين فتحت من الذخائر والأموال ما لا يحصى، فمن ذلك مائة وسبعون تاجاً من الذهب الأحمر مرصعة بالدر وأصناف الحجارة الثمينة، ووجد فيها ألف سيف ملوكي، ووجد فيها من الدر والياقوت أكيال، ومن أواني الذهب والفضة ما لا يحيط به وصف، ومائدة سليمان، وكانت - فيما يذكر - من زمردة خضراء، وزعم بعض العجم أنها لم تكن لسليمان، وإنّما أصلها أن العجم أيام ملكهم كان أهل الحسنة في دينهم إذا مات أحد منهم أوصى بمال للكنائس، فإذا اجتمع عندهم مال له قدرٌ صاغوا منه الآلة من الموائد العجيبة، والكراسي من الذهب والفضّة، تحمل الشمامسة والقسوس فوقها الأناجيل في أيام المناسك، ويضعونها في الأعياد للمباهاة، فكانت تلك المائدة بطليطلة ممّا صنع في هذا السبيل، وتأنّق الملوك في تحسينها، يزيد الآخر منهم فيها على الأول، حتى برزت على جميع ما اتّخذ من تلك الآلات، وطار الذكر بها كلّ مطار، وكانت مصوغة من الذهب الخالص مرصّعة بفاخر الدر والياقوت والزبرجد، وقيل: إنّها من زبرجدة خضراء حافاتها وأرجلها منها، وكان لها ثلاثمائة وخمس وستون رجلاً، وكانت توضع في كنيسة طليطلة، فأصابها طارق، انتهى.
وقد ذكرنا فيما مرّ عن ابن جيّان ما فيه نظير هذا، وذكرنا فيما مضى من أمر المائدة وغيرها ما فيه بعض تخالف، وما ذلك إلاّ لأنّا ننقل كلام المؤرخين، وإن خالف بعضهم بعضاً، ومرادنا تكثير الفائدة، وبالجملة فالمائدة جليلة المقدار، وإن حصل الخلاف في صفتها وجنسها وعدد أرجلها، وهي من أجلّ ما غنم بالأندلس، على كثرة ما حصل فيها من الغنائم المتنوّعة الأجناس التي ذكرها إلى الآن شائع بين الناس.
[استيطان العرب في الأندلس]
واعلم أنّه لمّا استقر قدم أهل الإسلام بالأندلس وتتامّ فتحها صرف أهل الشام وغيرهم من العرب هممهم إلى الحلول بها، فنزل بها من جراثيم العرب وساداتهم جماعة أورثوها أعقابهم إلى أن كان من أمرهم ما كان.
فأمّا العدنانيون فمنهم خندف ومنهم قريش، وأمّا بنو هاشم من قريش فقال ابن غالب في فرحة الأنفس: بالأندلس منهم جماعة كلّهم من ولد إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ومن هؤلاء بنو حمّود ملوك الأندلس بعد انتثار سلك بني أمية، وأمّا بنو أميّة فمنهم خلفاء الأندلس، قال ابن سعيد: ويعرفون هنالك إلى الآن بالقرشيين، وإنّما عمّوا نسبتهم إلى أميّة في الآخر لمّا انحرف الناس عنهم، وذكروا أفعالهم في الحسين ﵁، وأمّا بنو زهرة فهم بإشبيلية أعيان متميزون، وأمّ المخزوميون فمنهم أبو بكر المخزومي الأعمى الشاعر المشهور من أهل حصن المدوّر، ومنهم الوزير الفاضل في النظم والنثر أبو بكر بن زيدون ووالده الذي هو أعظم منه أبو الوليد بن زيدون وزير معتضد بني عبّاد. وقال ابن غالب: وفي الأندلس من ينسب إلى جمح، وإلى بني عبد الدار، وكثير من قريش المعروفون بالفهريين من بني محارب
ابن فهر، وهم من قريش الظواهر، ومنهم عبد الملك بن قطن سلطان الأندلس، ومن ولده بنو القاسم الأمراء الفضلاء، وبنو الجدّ الأعيان العلماء. ومن بني الحارث بن فهر يوسف بن عبد الرحمن الفهري سلطان الأندلس الذي غلبه عليها عبد الرحمن الأموي الداخل، وجدّ يوسف عقبة بن نافع الفهري صاحب الفتوح بإفريقية، قال ابن حزم: ولهم بالأندلس عدد وثروة. وأما المنتسبون إلى عموم كنانة فكثير وجلّهم في طليطلة وأعمالها، ولهم ينسب الوقّشيّون الكنانيون الأعيان الفضلاء الذين منهم القاضي أبو الوليد والوزير أبو جعفر، ومنهم أبو الحسين بن جبير العالم صاحب الرحلة، وقد ذكرناه في محله. وأما هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر فذكر ابن غالب أن منزلهم بجهة أريولة من كورة تدمير. وأمّا تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر فذكر ابن غالب أيضاً أنهم خلق كثير بالأندلس، ومنهم أبو الطاهر صاحب المقامات اللزومية. وأمّا ضبة بن أد بن طابخة فذكر أنهم قليلون بالأندلس، فهؤلاء خندف من العدنانية.
وأما قيس عيلان بن إلياس بن مضر من العدنانية ففي الأندلس كثير منهم ينتسبون إلى العموم، ومنهم من ينتسب إلى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس، كعبد الملك بن حبيب السّلمي الفقيه صاحب الإمام مالك ﵁، وكالقاضي أبي حفص بن عمر قاضي قرطبة. ومن قيس من ينتسب إلى هوازن بن منصور بن عكرمة، قال ابن غالب: وهم بإشبيلية خلق كثير، ومنهم من ينتسب إلى بكر بن هوازن، قال ابن غالب: ولهم منزل بجوفيّ بلنسية على ثلاثة أميال منها، وبإشبيلية وغيرها منهم خلق كثير، ومنهم بنو حزم، وهم بيت غير البيت الذي منه أبو محمد بن حزم الحافظ الظاهري، وهو فارسي الأصل. ومنهم من ينتسب إلى سعد بن بكر بن هوازن، وذكر ابن غالب أن منهم بغرناطة كثيراً، كبني جوديّ، وقد رأس بعض بني جودي. ومنهم من ينتسب إلى سلول امرأة نسب إليها بنوها، وأبوهم مرّة بن صعصعة
ابن معاوية بن بكر بن هوازن. ومنهم من ينتسب إلى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. ومنهم من ينتسب إلى نمير بن عامر ابن صعصعة، قال ابن غالب: وهم بغرناطة كثير. ومنهم ن ينتسب إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ومنهم بلج بن بشر صاحب الأندلس وآله، وبنو رشيق. ومنهم من ينتسب إلى فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان. ومنهم من ينتسب إلى أشجع بن ريث بن غطفان، ومن هؤلاء محمد بن عبد الله الأشجعي سلطان الأندلس. وفي ثقيف اختلاف، فمنهم من قال: إنّها قيسية، وإن ثقيفاً هو قسيّ بن منبه بن بكر بن هوازن، ومنهم بالأندلس جماعة، وإليهم ينتسب الحرّ بن عبد الرحمن الثقفي صاحب الأندلس، وقيل: إنّها من بقايا ثمود؛ انتهى قيس عيلان وجميع مضر.
وأما ربيعة بن نزار فمنهم من ينتسب إلى أسد بن ربيعة بن نزار، قال في فرحة الأنفس: إن إقليم هؤلاء مشهور باسمهم بجوفيّ مدينة وادي آش، انتهى؛ والأشهر بالنسبة إلى أسد أبداً بنو أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. ومنهم من ينتسب إلى محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، قال ابن غالب في فرحة الأنفس: ومنهم بنوا عطية أعيان غرناطة. ومنهم من ينتسب إلى النّمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد، كبني عبد البر الذين منهم الحافظ أبو عمر بن عبد البر. ومنهم من ينتسب إلى تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب، كبني حمدين أعيان قرطبة، ومنهم من ينتسب إلى بكر بن وائل، كالبكريين أصحاب أونبة وشلطيش الذين منهم أبو عبيد البكري صاحب التصانيف؛ انتهت ربيعة.
وأما إياد بن نزار، وقد يقال: إنّه ابن معد، والصحيح الأول، فينتسب إليهم بنو زهر المشهورون بإشبيلية وغيرهم؛ انتهت العدنانية، وهم الصريح من ولد إسماعيل ﵇.
واختلف في القحطانية: هل هم من ولد إسماعيل أو من ولد هود، على ما هو معروف، وظاهر صنيع البخاري الأول، والأكثر على خلافه، والقحطانية هم المعروفون باليمانية، وكثيراً ما يقع بينهم وبين المضرية وسائر العدنانية الحروب بالأندلس، كما كان يقع بالمشرق، وهم الأكثر بالأندلس، والملك فيهم أرسخ، إلا ما كان من خلفاء بني أمية، فإن القرشية قدّمتهم على الفرقتين، واسم الخلافة لهم بالمشرق، وكان عرب الأندلس يتميزون بالقبائل والعمائر والبطون والأفخاذ، إلى أن قطع ذلك المنصور بن أبي عامر الداهية الذي ملك سلطنة الأندلس، وقصد بذلك تشتيتهم وقطع التحامهم وتعصّبهم في الاعتزاء، وقدّم القوّاد على الأجناد، فيكون في جند القائد الواحد فرقّ من كل قبيل، فانحسمت مادة الفتن والاعتزاء بالأندلس، إلاّ ما جاءت على غير هذه الجهة.
قال ابن حزم: جماع أنساب اليمن من جذمين: كهلان وحمير [ابني سبأ] بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقيل: قحطان بن الهميسع بن تيهان بن نبت بن إسماعيل، وقيل قحطان بن هود بن عبد الله بن رباح بن حارف بن عد بن عوص بن إرم بن سام، والخلف في ذلك مشهور. فمنهم كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومنهم الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وإليهم ينتسب محمد بن هانئ الشاعر المشهور الإلبيري، وهو من بني المهلّب؛ ومن الأزد من ينتسب إلى غسّان، وهم بنو مازن بن الأزد، وغسّان: ماء شربوا منه، وذكر ابن غالب أن منهم بني القليعي من أعيان
غرناطة، وكثير منهم بصالحة قريةٍ على طريق مالقة؛ ومن الأزد من ينتسب إلى الأنصار على العموم، وهم الجم الغفير بالأندلس.
قال ابن سعيد: والعجب أنّك تعدم هذا النسب بالمدينة وتجد منه بالأندلس في أكثر بلدانها ما يشذ عن العدد كثرة، ولقد أخبرني من سأل عن هذا النسب بالمدينة فلم يجد إلاّ شيخاً من الخزرج وعجوزاً من الأوس.
قال ابن غالب: وكان جزء الأنصار بناحية طليطلة، وهم أكثر القبائل بالأندلس في شقها ومغربها، انتهى.
ومن الخزرج بالأندلس أبو بكر عبادة بن عبد الله بن ماء السماء من ولد سعد بن عبادة صاحب رسول الله ﷺ، وهو المشهور بالموشّحات، وإلى قيس بن سعد بن عبادة ينتسب بنو الأحمر سلاطين غرناطة الذين كان لسان الدين بن الخطيب أحد وزرائهم، وعليهم انقرض ملك الأندلس من المسلمين، واستولى العدوّ على الجزية جميعاً كما يذكر.
ومن أهل الأندلس من ينتسب إلى الأوس أخي الخزرج، ومنهم من ينتسب إلى غافق بن عكّ بن عدثان بن هزّان بن الأزد، وقد يقال: عك بن عدنان - بالنون - فيكون أخا معدّ بن عدنان، وليس بصحيح؛ قال ابن غالب: من غافق أبو عبد الله بن أبي الخصال الكاتب، وأكثر جهات شقورة ينتسبون إلى غافق. ومن كهلان من ينتسب إلى همدان، وهو أوسلة بن مالك بن زيد بن
أوسلة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان، ومنزل همدان مشهور على ستة أميال من غرناطة، ومنهم أصحاب غرناطة بنو أضحى. ومن كهلان من ينتسب إلى مذحج، ومذحج: اسم أكمة حمراء باليمن، وقيل: اسم أم مالك وطيء ابني أدد بن زيد بن كهلان، قال ابن غالب: بنو سراج الأعيان من أهل قرطبة ينتسبون إلى مذحج. ومنزل طيء بقبلي مرسية. ومنهم من ينتسب إلى مراد بن مالك بن أدد، وحصن مراد بين إشبيلية وقرطبة مشهور، قال ابن غالب: وأعرف بمراد منهم خلقاً كثيراً. ومنهم من ينتسب إلى عنس بن مالك بن أدد، ومنهم بنو سعيد مصنفو كتاب المغرب وقالعة بني سعيد مشهورة في مملكة غرناطة. ومن مذحج من ينتسب إلى زبيد، قال ابن غالب: وهو منبّه بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد. ومن كهلان من ينتسب إلى مرّة بن أدد بن زيد بن كهلان، قال ابن غالب: منهم بنو المنتصر العلماء من أهل غرناطة. ومنهم من ينتسب إلى عاملة، وهي امرأة من قضاعة ولدت للحارث بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، فنسب ولدها منه إليها، قال ابن غالب: منهم بنو سماك القضاة من أهل غرناطة، وقوم زعموا أن عاملة هو ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل: هم من قضاعة. ومن كهلان خولان بن عمرو بن الحارث بن مرّة، وقلعة خولان مشهورة بين الجزيرة الخضراء وإشبيلية، ومنهم بنو عبد السلام أعيان غرناطة. ومنهم من ينتسب إلى المعافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مرّة، ومنهم المنصور بن أبي عامر صاحب الأندلس. ومنهم من ينتسب إلى لخم بن عدي بن الحارث بن مرّة، منهم
بنو عبّاد أصحاب إشبيلية وغيرها، وهم من ولد النعمان بن المنذر صاحب الحيرة، ومنهم بنو الباجي أعيان إشبيلية، وبنو وافد الأعيان. ومنهم من ينتسب إلى جذام مثل ثوابة بن سلامة صاحب الأندلس، وبني هودٍ ملوك شرقيّ الأندلس، ومنهم المتوكل بن هود الذي صحت له سلطنة الأندلس بعد الموحّدين، ومنهم بنو مردنيش أصحاب شرقي الأندلس، قال ابن غالب: وكان لجذام جزء من قالعة رباح، واسم جذام عامر، واسم لخم مالك، وهما ابنا عديّ. ومن كهلان من ينتسب إلى كندة، وهو ثور بن عفير بن عدي [بن الحارث] بن مرة بن أدد، ومنهم يوسف بن هرون الرمادي الشاعر. ومنهم من ينتسب إلى تجيب وهي امرأة أشرس بن السّكون بن أشرس بن كندة. ومن كهلان من ينتسب إلى خثعم بن أنمار بن اراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، ومنهم عثمان بن أبي نسعة سلطان الأندلس، وقد قيل: أنمار بن نزار بن معدّ بن عدنان؛ انتهت كهلان.
وأمّا حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان فمنهم من ينتسب إلى ذي رعين، قال ابن غالب: وذو رعين هم ولد عمرو بن حمير في بعض الأقوال، وقيل: هو من ولد سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير، قال: ومنهم أبو عبد الله الحنّاط الأعمى الشاعر، قال الحازمي في كتاب النسب واسم ذي رعين يريم بن زيد بن سهل، ووصل
النسب، ومنهم من ينتسب إلى ذي أصبح، قال ابن حزم: وهو ذو أصبح ابن مالك بن زيد من ولد سبأ الأصغر بن زيد بن سهر بن عمرو بن قيس، ووصل النسب، وذكر الحازمي أن ذا أصبح من كهلان، وأخبر أن منهم مالك بن أنس الإمام، والمشهور أنهم من حمير، والأصبحيون من أعيان قرطبة، ومنهم من ينتسب إلى يحصب، قال ابن حزم: إنّه أخو ذي أصبح وهم كثير بقلعة بني سعيد، وقد تعرف من أجلهم في التواريخ الأندلسية بقلعة يحصب، ومنهم من ينتسب إلى هوزن بن عوف بن عبد شمس بن وائل بن الغوث، قال ابن غالب: ومنزلهم بشرف إشبيلية، والهوزنيون من أعيان إشبيلية. ومنهم من ينتسب إلى قضاعة بن مالك بن حمير، وقد قيل: إنّه قضاعة بن معدّ بن عدنان، وليس بمرضي، ومن قضاعة من ينتسب إلى مهرة كالوزير أبي بكر بن عمار الذي وثب على ملك مرسية، وهو مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ومنهم من ينتسب إلى خشين بن نمر بن وبرة بن تغلب، قال الحازمي: تنوخ هو مالك بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة. ومنهم من ينتسب إلى بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ومنهم البلويّون بإشبيلية. ومنهم من ينتسب إلى جهينة بن سود بن أسلم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، قال ابن غالب:
وبقرطبة منهم جماعة. ومنهم من ينتسب إلى كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان كبني أبي عبدة الذين منهم بنو جهور ملوك قرطبة ووزراؤها. ومنهم من ينتسب إلى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن سود بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ومنهم أعيان الجزيرة الخضراء بنو عذرة.
ومن أهل الأندلس من ينتسب إلى حضرموت، منهم الحضرميون بمرسية وغرناطة وإشبيلية وبطليوس وقرطبة؛ قال ابن غالب: وهم كثير بالأندلس، وفيه خلاف، قيل: إن حضرموت هو ابن قحطان، وقيل: هو حضرموت بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن جيدان - بالجيم - بن قطن بن العريب بن الغرز بن نبت بن أيمن بن الهميسع بن حمير، كذا نسق النسب الحازميّ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع